كلمة فضيلة الدكتور/ زغلول النجار, التي ألقاها في حفل جامعة العلوم الإسلامية بدولة ماليزيا


كلمة فضيلة الدكتور/ زغلول النجار, التي ألقاها في حفل جامعة العلوم الإسلامية بدولة ماليزيا

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحضور الكريم :

أحمد الله - تعالى - إليكم وأصلى وأسلم على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه ومن تبع  هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين، وأحييكم جميعا بتحية الإسلام، وتحية الإسلام السلام فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وبـــعـد...،،،

فأشكر لجامعة العلوم الإسلامية بماليزيا قرار تكريمي بمنحي درجة الدكتوراه الفخرية فى علوم القرآن والسنة، وهو تكريم أقدره وأعتز به، وفي هذا المقام بودى أن أقرر أن الإسلام يتعرض اليوم لهجمة شرسة من كل قوى الشر فى العالم وذلك بسبب التقدم العلمي والتقني المذهل للحضارة المادية المعاصرة، وتخلف المسلمين فى هذين المجالين. وبسبب انطلاق الحضارة المعاصرة من منطلقات مادية محضة، لا تؤمن إلا بالمحسوس المدرك من الأمور، فإنها أنكرت الغيب، وعارضت الدين ،ثم بسبب تكتل أهل الكفر والشرك والضلال فى تكتلات بشرية كبيرة، وانفراط عقد أمة الإسلام إلى أكثر من (62) دولة ودويلة بالاضافة إلى أقليات تقدر بعشرات إن لم يكن بمئات الملايين كما هو الحال فى كل من الهند والصين،كان انحسار المسلمين المعاصرين في مختلف المجلات المادية، فإنما أطمع أعداءهم فيهم. والخلاف بيننا وبين المهاجمين لنا أنهم كما فقدوا الثقة فيما بين أيديهم من معتقدات، فإنهم أنكروا الوحي بالقرآن الكريم، كما أنكروا نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعد الحوار الدينى يجدي معهم في شيء، لأنهم يتعصبون لمعتقداتهم تعصبا أعمى مع عدم يقينهم من صحتها، ويطالبوننا بإقامة الدليل العلمي على صحة ما نعتقده. من هنا كانت ضرورة الإهتمام بالكم الهائل من الحقائق العلمية التي تتردد بين آيات القرآن الكريم، وفى العديد من أحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين - صلى الله عليه وسلم - لأنها ورقة الدعوة المباشرة لأهل عصرنا الذين فتنوا بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة. والقرآن الكريم هو الصورة الوحيدة من كلام رب العالمين المحفوظ بحفظ الله على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد فى نفس لغة وحيه (اللغة العربية ) فى الوقت الذى تعرضت كل صور الوحى السابقة على نزوله للضياع التام، وتعرض ما بقى من ذكريات عن عدد قليل جدا منها للمداخلات البشرية التى أخرجتها عن إطارها الرباني، وجعلتها عاجزة عن هداية أتباعها. ومن أعظم معجزات القرآن الكريم هو بقاؤه محفوظا بحفظ الله كلمة كلمة، وحرفا حرفا، في نفس لغة وحيه تحقيقا للوعد الإلهى الذي قطعه ربنا - تبارك وتعالى - على ذاته العلية ولم يقطعه لرسالة سابقة أبدا - فقال عز من قائل :

( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ *)

                          (الحجرات : 9)   

الحفظ الإلهي للقرآن الكريم في صفائه الرباني، وإشراقاته النورانية جعل هذا الكتاب الخالد معجزا فى كل أمر من أموره، ومغايرا لكلام البشر مغايرة كاملة، فهو ليس بالشعر، ولا بالنثر، ولكنه نمط فريد من الصياغة العربية لم تعرفه العرب من قبل ولا من بعد. وقد ركز الأقدمون على جانب الإعجاز البياني في كتاب الله، لتصورهم بأنه كان وجه التحدي الذي جوبه به العرب في شبه الجزيرة العربية وقت تنزل القرآن الكريم. و مع تسليمنا بأن نظم القرآن الكريم معجز إلا أن النظم يبقى إطارا لمحتوى، والمحتوى أهم من الإطار.

ومحتوى القرآن الكريم هو الدين بركائزه الأربع الأساسية العقيدة، و العبادة، والأخلاق، والمعاملات. وإذا نظرنا فى كل ركيزة من هذه الركائز وجدنا فيها ما يشهد للقرآن الكريم بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذى أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلمية، في نفس لغة وحيه (اللغة العربية ). وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقى القرآن الكريم حجة الله البالغة على الخلق أجمعين إلى يوم الدين. ولكن المتأمل للقرآن الكريم يدرك أنه بين ثنايا ركائز الدين أنزل ربنا - تبارك وتعالى - أكثر من ألف ومائتين  من الآيات القرآنية التى تستشهد بالكون ومكوناته وظواهره على حقيقة الألوهية للخالق العظيم، وحقيقة ربوبيته، ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه. والمتأمل لهذه الآيات يجد أنها صيغت صياغة فائقة الدقة والشمول والكمال مما يشهد للقرآن الكريم بالإعجاز من الناحيتين اللغوية، والعلمية. كذلك نجد بين ثنايا الآيات المتعلقة بركائز الدين العديد من آيات القصص القرآني، وهو وجه من أوجه الإعجاز الإنبائى والتاريخى فى كتاب الله، كما نجد خطابا للنفس الإنسانية يرقى بها فى معراج الله كما لا يرقى بها خطاب آخر وهو وجه من أوجه الإعجاز النفسي. وهناك الإعجاز التربوي، والاقتصادي، والإداري، والصوتي، وإعجاز كل من التحدي، والحفظ. وغير ذلك مما يتميز به كلام الله – تعالى- المحفوظ بحفظه. والحقيقة أنه ما من زاوية من الزوايا ينظر منها إنسان محايد إلى القرآن الكريم إلا ويرى منها وجها من أوجه الإعجاز في هذا الكتاب العزيز. وتبقى الدقة العلمية الفائقة التي صيغت بها الإشارات القرآنية إلى الكون وإلى العديد من مكوناته وظواهره هي أكثر أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم إقناعا لأهل عصرنا. وهو ما يعرف باسم "الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم"، ويقصد به سبق هذا الكتاب العزيز بالعديد من الإكتشافات العلمية قبل أن يصل إليها العلماء بعدد من القرون، وهو الكتاب الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة على نبي أمي و في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين، مما يشهد له بأنه لايمكن أن يكون صناعة بشرية.



والمتأمل في الإشارات الكونية التى أوردها كتاب الله يدرك أنها لم ترد فى مقام الإخبار العلمي المباشر، ولكنها جاءت في مقام الاستشهاد للإله الخالق - سبحانه وتعالى - بالإلوهية، والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه، وبالقدرة المطلقة على الخلق والإفناء والبعث، وعلى كل ما يشاء، وتبقى هذه الإشارات العلمية فى كتاب الله بيانا من الخالق العظيم الذى هو أدرى بخلقه من كل من هم سواه، ومن هنا جاءت فى صياغة لغوية وعلمية دقيقة، تبلغ من الدقة والشمول والكمال ما لم يبلغه شئ من الكتابات العلمية المعاصرة، من ثم فهى وسيلة دعوة مقنعة بالإسلام لأهل عصرنا فى زمن التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه . وهذه الإشارات الكونية فى كل من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -  لابد من فهمها فى إطار اللغة العربية أولاً، وذلك لأن القرآن الكريم أُنزل بلسان عربي مبين، ولأن الرسول الخاتم - صلي الله عليه وسلم – عربي، ثم لابد من إضافة الحقائق العلمية المتعلقة بالنص المدروس من أجل حسن فهمه وذلك بالضوابط العلمية والشرعية المنصوص عليها فى هذا المجال. وبتحقيق كل من الفهم اللغوي والعلمي للنص المدروس يحسن تدبره وهو أمر مطلوب، وإذا أَحْسَنَّا فهم النص القرآنى أوالحديث النبوى الصحيح فهما كاملا استطعنا أن نثبت لأنفسنا أولاً، ولغيرنا ثانيا سبق كل من القرآن الكريم والحديث النبوى الشريف بالإشارة إلى العديد من حقائق الكون التي لم يكن ممكنا للإنسان إدراكها بمعارفه المتاحة فى زمن الوحي، ولا لقرون متطاولة بعد زمن الوحي، لعدم توافر الأدوات اللازمة لتحقيق ذلك والتى لم يمكن الإنسان من توفيرها إلا فى القرنين الماضيين، إن لم يكن في العقود المتأخرة من القرن العشرين فقط. والسبق القرآني بالإشارة إلى العديد من حقائق العلم قبل أن يصل الإنسان إلى معرفة شيء منها بقرون عديدة هو ما نسميه باسم " الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم " وبالمثل يكون " الإعجاز العلمى فى السنة النبوية المطهرة ". ومع إيماننا بأن الإشارات العلمية في كل من الكتاب و السنة لم ترد من قبيل الإخبار العلمي المباشر للإنسان وذلك لأن القرآن هو في الأصل كتاب هداية إلهية في القضايا التي يعلم ربنا – بعلمه المحيط – عجز الإنسان عجزا كاملا عن وضع أية ضوابط صحيحة لنفسه فيها، وذلك من مثل قضايا العقيدة، والعبادة، الأخلاق، والمعاملات، ولأن السنة مفسرة لكتاب الله، ومفصلة لأحكامه، ولأن العقل البشري لا يمكنه تلقي كليات العلم دفعة واحدة، لأنه يحتاج إلي النظر و التأمل و الاستقراء، أو للتجربة و الملاحظة و الاستنتاج من أجل الوصول إلي الحقيقة العلمية ، فإننا نؤمن بأن الإشارات العلمية في الكتاب و السنة هي خطاب لأهل عصر التقدم العلمي والتقني الذي نعيشه و الذي فتح الله ( تعالي ) فيه علي الإنسان من مغاليق الكون مالم يفتح من قبل، فاغتر الإنسان بالعلم و معطياته ، وطالب بالدليل العلمي علي كل قضيه تطرح عليه ، وفي هذا الجو من التحدي للحق وأهله، أصبحت حقيقة علمية واحدة في آية قرآنية كريمه أو في حديث نبوي شريف كاقية لإقناع نفر من أهل العلم بقبول الإسلام دينا. ومن هنا كانت ضرورة الاهتمام بالإشارات العلمية في كل من الكتاب والسنة، تثبيتا للمؤمنين علي إيمانهم في زمن الفتن الذي نعيشه ، ودعوة لغير المسلمين إلى دين الله الحق الذي لا يرضي ربنا – تبارك وتعالي – مكن عباده دينا سواه، وذلك في زمن الضياع الذي يعيشه إنسان اليوم، خاصة و أن الأصل في الإنسان هو الخير، والشر عارض له وطارئ عليه، ونحن- معشر المسلمين -  مطالبون بإنقاذ البشر كلها من خراب الدنيا وعذاب الآخرة، وصدق رسول الله - صلي الله عليه وسلم-  إذ يقول : " لأن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك من الدنيا وما فيها، أو مما طلعت علية الشمس ، أو من خير النعم ".

وفقنا الله وإياكم لخدمة كل من كتابة العزيز وسنة رسوله الكريم بالكلمة الطيبة والحجه البالغة والمنطق السوي اللهم آمين يارب العالمين (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .