(... وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُواًّ غَفُوراً *).

من أسرار القرآن :

(375) (... وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُواًّ غَفُوراً *).

(النساء:43).

بقلم

الأستاذ الدكتور/ زغلول راغب النجار

 

هذا النص القرآني الكريم جاء في أواخر الربع الأول من سورة "النساء" وهي سورة مدنية وآياتها مائة وست وسبعون (176) بعد البسملة, وهي رابع أطول سور القرآن الكريم بعد كل من سورة البقرة, والأعراف, وآل عمران, وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الاحكام الشرعية التي تتعلق بفقه النساء.

هذا وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة, وما جاء فيها من التشريعات, وركائز العقيدة, والإشارات الكونية, ونركز هنا على وجه الإعجاز التشريعي في التيمم كما جاء في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال.

من أوجه الإعجاز التشريعي في التيمم

جاءت الإشارة القرآنية إلى التيمم مرتان في كتاب الله وذلك في سورتي النساء والمائدة على النحو التالي :

1- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُواًّ غَفُوراً *) (النساء : 43) .

2- ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *) ( المائدة : 6 ).

ومعنى لفظة (التيمم) في اللغة العربية هو القصد , و (تيمموا) أي تقصدوا , أو اقصدوا , ومعنى (التيمم) في الشرع مسح الوجه واليدين بتراب طهور على وجه مخصوص, وذلك بوضع اليدين على التراب الطهور, أو الحجر المغبر, أو نحو ذلك مما يحمل شيئا من غبار التراب. والتيمم مشروع عند فقد الماء, أو العجز عن استعماله بسبب المرض, وقد ثبتت مشروعيته بالكتاب والسنة والإجماع.

ومن أدلة مشروعية التيمم من كتاب الله- تعالى- الآيتان رقم (43) من سورة "النساء" , ورقم (6) من سورة "المائدة" , وفد سبقت الإشارة إليهما.

ومن أدلة السنة عدد من أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي منها ما رواه كل من الإمامين البخاري ومسلم, من حديث عمران بن حصين- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- رأى رجلا معتزلا , لم يصل مع القوم , فقال له :" ما يمنعك يا فلان أن تصلي في القوم ؟" فقال : يا رسول الله ! أصابتني جنابة ولا ماء, فقال- صلى الله عليه وسلم- : " عليك بالصعيد فإنه يكفيك ". أما الإجماع فمستمد من إجماع المسلمين على أن التيمم يقوم مقام الوضوء والغسل.

ومن الحكمة التشريعية في التيمم أن الله- تعالى- قد رفع عن المسلمين الحرج والمشقة في جميع ما فرض عليهم من عبادات, فمن عجز عن الوضوء أو الغسل لعدم توافر الماء أو بسبب المرض وجب عليه التيمم الذي يقوم به المؤمن امتثالا لأمر الله- تعالى- وطهارة لقلب المتيمم. ويشترط أن يكون التراب الذي يتيمم به طاهرا نظيفا, فإن كان ظاهر القذارة والتلوث فإنه لا يسمح بلمسه فضلا عن التيمم به.

والتيمم واجب في العضوين اللذين يجب غسلهما في الوضوء وهما الوجه واليدان , أما الرأس فالواجب فيه المسح في الوضوء, وأما الرجلان فتارة يغسلان في الوضوء وتارة أخرى يمسح عليهما فوق الخف.

والتيمم مفروض, لكل ما يفترض له الوضوء أو الغسل من الصلاة , ومس المصحف, وغير ذلك, وهو مندوب لصلاة النافلة لأنها مندوبة, وإن كانت لا تصح بدون التيمم.

ويشترط لصحة التيمم ما يشترط لصحة كل من الوضوء والغسل ويزاد على ذلك دخول الوقت, فلا يصح التيمم قبله, ومن شروط التيمم كذلك فقد الماء (فإما ألا يجده أصلا, أو يجده بما لا يكفي للطهارة), وعدم وجود حائل على أحد أعضاء التيمم من الجسم.

ويقوم كل من المسلم والمسلمة بالتيمم لكل ما يتوقف على الطهارة بالماء من الصلاة المكتوبة, والنوافل, وصلاة الجمعة, وصلاة العيدين, وصلاة الجنازة, والطواف حول الكعبة, ومس المصحف, وغير ذلك من أمور العبادة التي تستوجب الطهارة.

ومن أركان التيمم النية, (وإن رآها بعض القفهاء شرطا للتيمم وليست ركنا من أركانه) والنية تكون بغرض التيمم , أو بأن ينوي استباحة الصلاة أو مس المصحف, أو استباحة غير ذلك مما يشترط فيه الطهارة ويفضل أن ينوي بنية فرض التيمم . ووقت النية عندما يضع يديه على ما يتيمم به , ومن ذلك الصعيد الطهور ( أي الذي لم تمسه نجاسة).

ومن أركان التيمم المسح والضربتان على الصعيد الطاهر والمقصود بالمسح هو مسح جميع الوجه, ومسح اليدين مع المرفقين , ويجب أن ينزع كل ما يستر شيئا من اليدين كالخاتم والإساور, فلا يكفي تحريكه في التيمم , بخلاف الوضوء , وإن أجاز البعض مجرد التحريك؛ ومن أركان التيمم عند بعض الفقهاء الترتيب, والموالاة, فالضربة الأولى هي استعمال الصعيد, ونفض اليدين, وتعميم الوجه واليدين إلى الكوعين بالمسح.  ويسن في التيمم عند الحنابلة تأخيره إلى آخر الوقت المختار إن علم أو ظن وجود الماء في الوقت المناسب, أو استوى الأمران عنده, فإن تيمم أول الوقت وصلى, صحت صلاته, ولا إعادة عليه, حتى لو وصل الماء قبل خروج وقت الصلاة.

ويندب للتيمم التسمية, والسواك, والصمت إلا عن ذكر الله, واستقبال القبلة, وأن يبدأ بعد الضربة الأولى بمسح الوجه, وبعد الضربة الثانية بمسح ظاهر يمناه ببطن يسراه, وأن يجعل ظاهر أطراف يده اليمنى في باطن يده اليسرى, ثم يمررها إلى المرفق قابضا على الساعد إلى العضد بكف اليسرى, ثم يمسح من طي المرفق إلى آخر الأصابع, ثم يفعل ذلك تماما بيده اليسرى. ومن عجز عن الوضوء أوالتيمم لمرض شديد, أو حبس في مكان لا يوجد به ما يصح التيمم عليه فإنه يجب عليه أن يصلي الفرائض فقط في وقتها, والغرض من ذلك هو إظهار الخضوع لإوامر الله- تعالى- في جميع الأحوال, وتحت مختلف الظروف. ومن الفقهاء من يقول بإعادة هذه الصلاة عند توفر الماء أو الصعيد الطاهر أو الشفاء من المرض, ومنهم من يقول بسقوطها عمن لا يتوفر له وضوء أو تيمم, وذلك انطلاقا من قول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " لا يقبل الله صلاة بغير طهور".

ويكره في التيمم تكرار المسح فوق المرة الواحدة, وتكثير التراب, وكثرة الكلام في غير ذكر الله, وإطالة المسح إلى ما فوق المرفقين, ونواقض الوضوء, وإن كانت لا تبطل الغسل, فإنها تبطل التيمم الواقع عن الغسل, وعليه أن يعيد التيمم.


من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم

يصف ربنا- تبارك وتعالى- الماء النازل من السماء بأنه (طهور) فيقول: (... وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً *) (الفرقان:48). ويصف رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التراب بأنه (طهور) وذلك بقوله الشريف " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا", والطهور هو ما يتطهر به أو هو الطاهر المطهر. والتراب هو أدق ما ينتج عن تعرية الصخور حتى يصبح قطر حبيباته أصغر من 1/256 مم, ولذلك يحتمي العديد من الكائنات الحية الدقيقة في التراب حتى لا تدرك. وفي حفنة من التراب يمكن أن يعيش مئات الملايين من الكائنات الدقيقة التي تلعب أدوار هامة في تنظيف الأرض من البقايا النباتية والحيوانية الميتة, أو في تزويد جذور النباتات ببعض المركبات الكيميائية المغذية والمعقمة اللازمة لحياتها وذلك من مثل أكاسيد النيتروجين. وبحكم تعدد وتباين الكائنات التي تحيا في التراب أصبح التراب مادة معقمة مهمة في الطبيعة تقوم بالقضاء على أعداد من الجراثيم التي يعجز عن إزالتها كثير من المضادات الحيوية المعروفة, ولذلك توجهت أنظار العلماء إلى استخراج عدد من هذه المضادات من تراب الأرض.

من هنا نشأت فكرة العلاج بالطين (وهو التراب المبتل بالماء) خاصة بالطين الناتج عن ثورات البراكين والذي ثبتت قدرته على إبادة أكثر الجراثيم مقاومة للمضادات الحيوية. ففي تجارب متعددة ثبت أن الطين يستطيع القضاء على مستعمرة من الجراثيم خلال فترة 24 ساعة, وأن هذه المستعمرة لها القدرة على التكاثر إلى 45 مرة ضعف عددها في نفس هذه الفترة الزمنية.

وقد قامت الطبيبة الفرنسية لينيه برونيه دي كورس بإثبات خصائص شفائية للطين الفرنسي الأخضر, واستعملته كمضاد حيوي للعلاج من عدد من الأمراض في كل من كينيا وساحل العاج, وقد وصفت منظمة الصحة العالمية النتائج التي حصلت عليها بأنها نتائج رائعة.

 

كذلك أثبتت الدكتورة ليندا وليامز Linda Williams)) أن في الطين مواد معقمة عديدة تكبح نشاط الجراثيم وتقضي عليها . و يقول دكتور هايدل Haydel)) أحد علماء الأحياء الدقيقة أنه استطاع إثبات أن التراب مادة مطهرة. وفي عددها الصادر في سنة 2006م أوردت "مجلة العالم الجديد" بحثا للدكتور يون وانج (june wang) من مختبرات شركة ميرك (Merck Research Laboratory)  أن بعض أنواع التربة في جنوب أفريقيا تحوي بكتيريا منتجة لعدد من الضادات الحيوية النافعة.

ومن هنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز العلمي في التيمم إذا افتقد الماء أو تعذر استخدامه لأسباب صحية, وقد كان مفهوم المسلمين عن التيمم أنه عمل رمزي يوحي إيحاء معنويا بالطهارة البدنية مما ينعكس انعكاسا مباشرا على طهارة كل من القلب والوجدان والشعور, ولكن يأتي العلم ليثبت أن التراب الدقيق في الصعيد الطاهر يحوي عددا من المضادات الحيوية التي يمكنها من تطهير كل من الكفين والوجه والذراعين مما يكون قد علق بها من مسببات الأمراض, فيفعل فعل الماء في ذلك, خاصة وأن الصعيد الطهور يعرف بالتراب الذي له غبار, فإن لم يكن له غبار فلا يصح التيمم به.

ولعل هذه النتائج تذكرنا بحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي قال فيه: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله  سبع مرات أولاهن بالتراب" (أخرجه الإمام مسلم).

ومن المعجزات العلمية في هذا الحديث الشريف قوله- صلى الله عليه وسلم- : " أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب" حتى تقضي المضادات الحيوية الموجودة في التراب على ما يكون لعاب الكلب قد حمله إلى الإناء من مسببات الأمراض, وذلك لأن الكلب من الحيوانات الآكلة للحوم النيئة والمستوية على حد سواء, ولذلك تتجمع في أمعائه أعداد من الديدان الضارة بالإنسان. وهذه الديدان تبيض بمعدلات كبيرة, ويخرج بيضها مع براز الكلب الذي كثيرا ما ينظف بدنه بلسانه, فيعلق به بيض تلك الديدان الذي سرعان ما ينتشر بلعابه فإذا لعق الكلب شيئا من الآنية  أوالملابس أوالفراش فإن لعابه يلحق بها شيئا من تلك الديدان وبيوضها, ومن تلك الديدان الدودة الشريطية التي لا يقضي عليها ولا على بيضها مجرد الغسل بالماء والصابون, ومن هنا كانت وصية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بغسل كل ما يلعقه الكلب سبع مرات أولاهن بالتراب لما في التراب من مضادات حيوية هي كفيلة بالقضاء على تلك الديدان وبيضها.

وهنا أيضا نرى في التيمم صورة من صور التطهر الفعلي من العديد من مسببات الأمراض, وليس مجرد التطهر الرمزي المعنوي كما قال الأولون, لأن أحدا لم يكن يتصور قبل أواخر القرن العشرين أن في هذه الهباءات الدقيقة من الغبار التي تثار من الصعيد الطيب عند الضرب عليه برفق بالكفين بنية التيمم يمكن أن تحمل من المضادات الحيوية ما يطهر الأجزاء المكشوفة من جسم الإنسان . ولذلك فليس المقصود من التيمم أن يعفر الإنسان وجهه ويديه بالتراب, ولكن المقصود أن تحمل الكفان المضروب بهما على الصعيد الطاهر من هباءات هذا التراب ما يعين على تحقيق قدر من التطهر مما يكون قد علق بالكفين والوجه واليدين من مسببات الأمراض, وهذه من أكثر أجزاء جسم الإنسان عرضة لذلك. وإن كان الأصل في العبادات أنها لا تعلل, وأن تمارس طاعة لله- تعالى- واقتداء برسوله. ولكن إذا فهمت الحكمة من العبادة فإن الإنسان يؤديها بطريقة أفضل, ويستمتع بأدائها متعة أكمل, ويؤجرعلى إتقان ذلك الأداء أجرا أوفى وأوفر, حتى في الحالات الإستثنائية كحالة التيمم في ظروف فقد الماء, أو العجز عن استعماله لأسباب مرضية أو أمنية كالخوف من عدو يحول بينه وبين الماء, سواء كان هذا العدو إنسانا أو حيوانا مفترسا, أو كالخوف من العطش المؤدي إلى شدة الأذى أو المفضي إلى الموت, إذا كان ما يحمل من الماء قليلا.

من هذا الاستعراض يتضح وجه الإعجاز التشريعي والعلمي في التيمم مما يشهد للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية كما يشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة, فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.