( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * )


بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن:

(390) – ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * )

( البقرة : 183 ) .

بقلم

الأستاذ الدكتور/ زغلول راغب النجار

 

الخطاب في هذه الآية الكريمة موجه للمؤمنين من عباد الله , يخبرهم فيه ربهم أن صيام شهر رمضان كتب عليهم كما كتب على الذين من قبلهم , وفي ذلك تأكيد على وحدة رسالة السماء المستمدة من وحدانية الخالق - سبحانه وتعالى- وهي حقيقة الحقائق في هذا الوجود كله.

وفي هذا النص القرآني تأكيد كذلك على أن الله- تعالى- قد ختم وحيه لهداية خلقه ببعثة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم- فليس من بعده نبي ولا رسول, ولذلك قال ربنا -تبارك وتعالى- يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم... والفعل كتب يشير إلى ثبات الحكم ثبوتا مطلقا. بما معناه أن صوم شهر رمضان بالهيئة التي حددها لنا كل من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة كان مكتوبا على الأمم من قبلنا كما هو مكتوب علينا, وسيظل مكتوبا على جميع المؤمنين من بعدنا إلى قيام الساعة, ولذلك قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: " صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم".

والصوم في اللغة هو الإمساك عن الشئ والترك له, وفي الشرع هو الإمساك عن الطعام والشراب وعن غيرهما من المفطرات (مع النية) من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس طوال شهر رمضان, لأن صوم شهر رمضان هو أحد أركان الإسلام الخمسة لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله , وأن محمدا رسول الله, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, وصوم رمضان, وحج البيت". 

وتختتم الآية الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من فرض الصيام على عباده المؤمنين وهي اكتساب فضيلة تقوى الله فقال- تعالى- في ختام الآية الكريمة (...لعلكم تتقون).

تجسيدا لطاعة الله , ولحقيقة العبودية له , وامتثالا كاملا لأوامره , ولذلك قال- تعالى- في حديثه القدسي الذي يرويه عنه رسوله- صلى الله عليه وسلم- : "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به" . ومن اللافت للنظر أنه ما عبد غير الله بالصيام أبدا,

والصيام يعود الصائم على الصبر والالتزام بمكارم الأخلاق, وفي ذلك يقول المصطفى- صلى الله عليه وسلم-: " ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث", ويقول... "والصيام جنة, فإذا كان يوم صيام أحدكم فلا يرفث, ولا يصخب, فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم". ويقول: " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه".

والصيام يعود المسلم على الانتظام في العبادة , وعلى الاجتهاد في حسن أدائها , فيجمع إلى الصلوات المفروضة وسننها, العديد من السنن الأخرى ومنها صلاة التراويح , وقيام الليل , والمواظبة على قراءة القرآن ومدارسته, وعلى التفقه في الدين بحضور مجالس العلم , والاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان, وأداء عمرة رمضان إن استطاع إلى ذلك سبيلا لقوله- صلى الله عليه وسلم- "عمرة في رمضان تقضي حجة أو قال حجة معي ". وقال: " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه".

والصوم يعود الصائم على الجوع والعطش مما يجعله يدرك جانبا من جوانب معاناة الفقراء والمحتاجين في مجتمعه , فيندفع لمساعدتهم بما تجود به نفسه التي هذبها الصيام في شهر رمضان , وهذا يعين على حسن التواصل بين الأغنياء والفقراء والحنان على الضعفاء وذوي الحاجة من حواليهم فتستقيم الأمور, وتأمن المجتمعات.

والصوم يعين على إحياء روح الجهاد في أمة الإسلام, وذلك بتذكير المسلمين بأن جميع انتصاراتهم العسكرية كانت في شهر رمضان ابتداء بغزوة بدر الكبرى, ثم فتح مكة, ثم فتح كل من رودس, وبلاد الأندلس, وتحرير فلسطين من أيدي الصليبيين في معركة حطين, ثم من أيدي التتار في موقعة عين جالوت, إلى معركة الشرف والكرامة التي دكت حصون الصهاينة في العاشر من رمضان سنة 1393ه الموافق السادس من أكتوبر سنة 1973م.

وصوم رمضان يذكر المسلمين بحقيقة أنهم أمة واحدة, لديها من عوامل التوحد ما لا يتوافر لغيرهم من الأمم, فلعلهم يستشعرون ذلك فيسعوا إلى توحيد صفوفهم ولو على مراحل حتى يتمكنوا من العيش بكرامة وسط عالم التكتلات الذي نعيشه.

هذه بعض أوجه الحكمة من التشريع الإلهي بصوم شهر رمضان, والتي جمعتها الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال في قول ربنا- تبارك وتعالى- (..لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ), ولذلك قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: " بَعُدَ من أدرك رمضان ولم يغفر له ".