( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن :

(397) - ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ )

 (الحجرات: 6 ).

بقلم

الأستاذ الدكتور: زغلول راغب محمد النجار

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في ختام الثلث الأول من سورة "الحجرات", وهي سورة مدنية, وآياتها ثمانية عشر (18) بعد البسملة. وقد سميت سورة "الحجرات" بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النهي عن مناداة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من وراء حجراته , تكريما له وتشريفا لمقامه عند رب العالمين. ويدور المحور الرئيس للسورة حول عدد من آداب السلوك مع الله- تعالى- ومع كل من رسوله, وعباده المؤمنين, ومع المجتمع الإنساني على إطلاقه.

هذا , وقد سبق لنا استعراض سورة "الحجرات", وما جاء فيها من  تشريعات, وآداب, وإشارات علمية, ونركز هنا على وجه الإعجاز التشريعي في الآية التي اخترناها عنوانا لهذا المقال.

من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة

الخطاب في هذه الآية الكريمة هو للذين آمنوا, ولكنه يبقى على الرغم من ذلك توجيها عاما للناس كافة, وإن كان الذين آمنوا هم أولى الخلق التزاما به.

 والإيمان هو التصديق بكل ما جاء به الوحي الخاتم في القرآن الكريم, وفي سنة خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وسلم), ويأتي في مقدمة ذلك الإيمان بالله , وبملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقدر خيره وشره.

 وفي قوله- تعالى-: (... إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ...*) نجد أن تعريف الفاسق من الذكور هو المعلن بفسقه دون حياء أو خجل , ويوصف كذلك بوصف (الفَسيقُ) و(الفَسِق) . و(الفواسق) من الإناث هن الفواجر, المعلنات بفجورهن دون أدنى قدر من الحياء أو الخجل.

و(الفسق) هو الخروج عن كل أمر صحيح, كالخروج عن الحق إلى الباطل, وعن الاستقامة في السلوك إلى الانحراف, وعن الالتزام بأوامر الله- تعالى- إلى معاصيه, والمجاهرة بذلك. ولقد وصف خروج إبليس اللعين عن أمر ربه بالفسق, وفي ذلك يقول ربنا- تبارك وتعالى-: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ...) (الكهف:50).

والمقصود بوصف (الفاسق) في الآية السادسة من سورة "الحجرات" هو العاصي لله- تعالى- المخالف لأوامره, والمجاهر بذلك في وقاحة وصلف بَيٍنَين .

و(النبأ) هو الخبر ذو الشأن. وفي قوله- تعالى-: (...فَتَبَيَّنُوا...) أي فتثبتوا قبل أن تتخذوا أي إجراء خاطئ ضد مصدر الخبر أومن ناقله (وذلكالإجراءقد يكون قولا  أو فعلا أو حكما ), فتندموا على ذلك بعد وقوعه,

يقال (بَيّن) الشئ (يتَبَيَّنُهُ) (تبَيُنا), فهو (مُتَبَيِّن) للشئ, الذي أصبح (مُتَبَيَّناً) له, أي تأمل الشئ حتى اتضح له وضوحا كاملا.

وفي قوله- تعالى-: (...أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ *) أي خشية أن تتسرعوا في اتخاذ إجراء ما (من قول أو فعل أو حكم ) ضد قوم برآء, نتيجة لوشاية كاذبة من شخص فاسق, ثم تندموا بعد ذلك على إصابتكم إياهم بذلك الأذى, عندما يتبن لكم عدم صدق الخبر الذي نقل إليكم وكذب الواشي بينكم, وهو ندم لا يفيد بعد وقوع الضرر الناجم عن التسرع في الحكم بناءً على تلك الوشاية الكاذبة.

ومدلول الآية الكريمة هو ضرورة أن يتحقق كل إنسان من دقة الأخبار المنقولة إليه, ومن صحة مصدرها, وعدم التسرع باتخاذ أية قرارات بصددها, إلا بعد التثبت من صحتها. ويجب ذلك في جميع الأحوال , خاصة إذا كان ناقل تلك الأخبار من الفساق العاصين لأوامر الله- تعالى- والمجاهرين بمعاصيهم, فهؤلاء لا أمان لهم, ولا رادع يردعهم, وهدفهم هو الإفساد في الأرض, وإثارة بعض الناس على بعض, وإشاعة البغضاء والشحناء بينهم. والذي يتعجل بالتصرف في مثل هذه الحالات قبل أن يتثبت من صحة ما نقل إليه, فإنه قد يتسبب في إصابة عدد من الأبرياء بأذى دون أدنى مبرر, ثم ينتابه الندم والحسرة على تصرفه هذا ساعة لا ينفع الندم, ولا تجدي الحسرة, ولا يمكن إصلاح الضرر الذي وقع.

ولذلك فإن الآية الكريمة توجه المؤمنين- خاصة- والناس- عامة- إلى ضرورة التثبت من كل خبر ينقل إليهم, خاصة إذا كان ناقل الخبر ممن اشتهر بفسقه. كما توجههم إلى ضرورة إرجاء اتخاذ إية قرارات كرد فعل للأخبار التي وصلتهم حتى يتم التثبت من صحتها, فلا يصاب بريء بأذى دون أدنى مبرر, فيندم فاعل ذلك ويتحسر على فعلته, ساعة لا ينفع الندم, ولا تجدي الحسرة.

وفي هذا الصدد خصصت الآية الكريمة الحذر من أخبار الفاسق بالذات , لأنه مظنة الكذب, والرغبة في الوشاية, والإفساد بين الناس بإشاعة الكاذب من الأخبار, ولذلك قديما قالوا : " وما آفة الأخبار إلا رواتها ".

ويتضح وجه الإعجاز التشريعي هنا في تأكيد الله- تعالى- على عباده المؤمنين- بصفة خاصة- وعلى الناس بصفة عامة- بضرورة التأكد من المصادر التي يتلقون منها أو عنها الأخبار, وضرورة عدم اتخاذ أية إجراءات حيال تلك الأخبار من قبل التثبت من صحتها , حتى لا ينبني على ذلك أية قرارت خاطئة قد تصيب عددا من الأبرياء بالأذى, وتصيب متخذ القرارات بالندم حين لا ينفع الندم بشئ.

وذلك لأن سلاح المنافقين الفاسقين في كل مجتمع من المجتمعات الإنسانية كان ولا -يزال- هو الخبر الكاذب والوشاية بين الناس. ولا يقاوم هذا السلاح الشرير, إلا بالحرص الشديد على ضرورة التثبت من الخبر الذي يصل إلى أي منا, واستيضاح صحة المصدر الذي جاء عنه وصدق ناقله, حتى لا تتخذ أية قرارات مضادة له, أو مفندة لدعواه إلا بعد دراسة متأنية وموثقة. وذلك لأن القرارات المندفعة أو المتهورة قد تصيب عددا من الأبرياء بالأذى دون أدنى حق , فيكون الندم حيث لا ينفع بشئ.

وبذلك يمكن حماية المجتمعات المؤمنة من وشايات الفاسقين, ومن اتخاذ أية قرارات مندفعة أو متسرعة ردا على تلك الأخبار , دون تبين لدقة مصادرها, حتى لا تقع الأخطاء والمظالم على الأبرياء فيها مما يجانب الحق والعدل ويغضب رب العالمين. فخبر الفاسق يجب أن يوضع في موضع الشك دائما , ويجب ألا تتخذ أية قرارت على أساسه إلا بعد تفنيده, والتثبت من حقيقته. وبذلك يضع الإسلام العظيم كل الضمانات اللازمة لسلامة مجتمعاته, ولحفظ حقوق كل الأفراد والجماعات فيه, وهو وجه من أوجه الإعجاز التشريعي في كتاب الله, قد لا يدركه كثير من الناس.

فالحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله على نعمة القرآن والحمد لله على بعثة خير الأنام سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.