( ... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ *)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن :

 (401 )- ( ... وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ *)

( آل عمران‏:97).                  

بقلم

الأستاذ الدكتور / زغلول راغب النجار

لتشريع الحج حكم عديدة , نوجز منها ما يلي : 

أ-  تعريض كل من حج البيت ـ ولو لمرة واحدة في العمر ـ لكرامة أشرف بقاع الأرض‏(‏ الحرم المكي‏)‏ في أشرف أيام السنة ‏(‏ الأيام العشرة الأولي من ذي الحجة‏).‏
ب -‏  تذكير الحاج بمرحلية الحياة‏,‏ وبحتمية الرجوع إلي الله ـ تعالي ـ وهي من أحق حقائق الوجود‏,‏ وإن غفل كثير من الناس عنها‏.‏
ج -  تذكير الحاج بحساب الآخرة‏,‏ وبضرورة محاسبة نفسه قبل أن يحاسب‏,‏ وأن يزن أعماله قبل أن توزن عليه‏,‏ وذلك من خلال الأعمال الاجرائية التي يجب علي كل ٍ حاج أن يقوم بها‏ .
د -  شهود العديد من المنافع الفردية والجماعية أثناء أداء شعيرة الحج‏.‏
‏ه -  خروج الحاج من أداء هذه العبادة في تلك الرحلة المباركة بعدد من الخصال والسجايا الحميدة التي يصعب الحصول عليها في أي رحلة أخرى, ومن ذلك ما يلي:

     1 ـ  الزهد في الدنيا والحرص علي الآخرة‏,‏ وذلك لأن الدنيا مهما طال عمر الإنسان فيها فإن نهايتها الموت‏,‏ وليس معني ذلك إهمال مسئوليات الإنسان في الدنيا‏,‏ لأن الإنسان مطالب بالنجاح فيها‏,‏ ولكن ليس علي حساب الآخرة‏.‏
    2 ـ  اليقين بأن الحج يطهر الذنوب والآثام‏,‏ انطلاقا من قول رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه"‏,‏ ولقوله ـ صلي الله عليه وسلم ـ لعمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ حين قدم لمبايعته‏:‏ "أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله‏,‏ وأن الهجرة تهدم ما قبلها‏,‏ وأن الحج يهدم ماقبله؟"

 وإنطلاقا من هذا اليقين كان واجبا علي كل من أدي فريضة الحج أن يحرص حرصا شديدا علي عدم الوقوع في معاصي الله‏.‏
    الحرص علي أداء العبادات المفروضة في وقتها‏,‏ وعلي الإتيان من النوافل قدرالاستطاعة‏.‏

    التمسك بطهارة النفس‏,‏ واستقامة السلوك‏,‏ وعفة اللسان‏,‏ وغض البصر‏,‏ والتحكم في الشهوات والرغبات والأهواء‏,‏ وكظم الغيظ‏,‏ والعفو عن الناس‏,‏ وصدق الحديث‏,‏ ورقة التعامل مع الآخرين‏,‏ والتواضع للخلق‏,‏ وحسن الاستماع والاتباع‏,‏ والاحتشام في الزي والهيئة‏,‏ وإخلاص السرائر‏,‏ واجتناب سوء الظن بالآخرين والتوسط والاعتدال في كل أمر‏,‏ والثبات علي الحق في كل حال‏,‏ والمجاهدة من أجل نصرته‏,‏ وتحمل تكاليف ذلك‏,‏ والحرص علي العمل الصالح‏,‏ والتنافس فيه حتي يكون في سلوك الحاج قدوة حسنة لغيره‏.‏
     5ـ الحرص علي التزود من العلوم الشرعية‏,‏ والثقافة الدينية,‏ والالتزام بما يتعلمه المسلم
من كتاب الله ومن سنة رسوله‏,‏ وذلك لأن الإسلام دين لا ينبني علي جهالة‏,‏ وإنما ينبني علي علم والتزام‏,‏ ومصدرا التلقي للمسلم هما كتاب الله وسنة رسوله‏,‏ وعلي كل مسلم أن يجتهد في التعرف علي أوامر الله ـ تعالي ـ ويلزم نفسه وأهله بها‏,‏ وفي التعرف علي نواهيه فيجتنبها ويحاربها‏,‏ فإن انغلق عليه أمر من الأمور فعليه بسؤال أهل الذكر كما قال ربنا ـ تبارك وتعالي ـ‏:‏ (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ‏(‏النحل‏:43) (‏الأنبياء‏:7).‏
    6‏ ـ الحرص علي الكسب الحلال‏,‏ وعلي طيب المطعم والمشرب‏,‏ وعلي البعد كل البعد عن الشبهات والمحرمات‏.‏
      7‏ ـ  المواظبة علي الصحبة الطيبة‏,‏ وعلي التزام جماعة المسلمين‏,‏ وعلي الولاء لله‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالي ـ مخاطبا خاتم أنبيائه ورسله ـ صلي الله عليه وسلم ـ‏:‏
(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً *) (الكهف‏:28)‏.
      8‏ ـ الاهتمام بقضايا المسلمين الكبري‏,‏ ومن أبرزها قضايا الأمية بشقيها‏(‏ أمية القراءة والكتابة وأمية العقيدة‏)‏ وقضايا الحريات‏,‏ وقضايا التخلف العلمي والتقني‏,‏ وقضايا البيئة ومحاربة كل من الفقر والمرض‏,‏ وقضايا تحرير أراضي المسلمين المحتلة من مثل أراضي كل من فلسطين‏,‏ والعراق‏,‏ وأفغانستان‏,‏ وجنوب كل من السودان والفلبين‏,‏ وأراكان‏,‏ وسبتة ومليلية وجزيرة ليلي وغيرها من الجزر المغربية‏.‏
     9‏ ـ المساهمة الفعالة في الدعوة إلي دين الله بالكلمة الطيبة‏,‏ والحجة الواضحة‏,‏ والمنطق السوي‏.‏
     10 ‏ـ العمل علي جمع كلمة المسلمين في وحدة كاملة ـ ولو علي مراحل متتالية والوحدة الأوروبية أمام أنظارنا حقيقة واقعة , علما بأن عوامل التوحد فيما بيننا هي أكثر كثيرا مما عندهم‏.‏

و- الاستفادة بهذا المؤتمر العالمي الأول في تاريخ البشرية لمناقشة قضايا المسلمين خاصة‏,‏ وقضايا الإنسانية عامة.


فما أحري حكام الدول الإسلامية‏,‏ ومستشاريهم‏,‏ وعلماءهم‏,‏ وأصحاب القرار فيهم أن يحرصوا علي المشاركة في هذا المؤتمر الإسلامي الدولي مشاركة فعالة‏,‏ يناقشون مشاكلهم ومشكلات دولهم ويتدارسون مسائل التعاون في مختلف أنشطة حياتهم تمهيدا لتحقيق الوحدة الكاملة بينهم - ولو علي مراحل متدرجة مدروسة -‏.‏
وما أحري علماء الأمة الإسلامية ومفكريها وقادة الرأي من بين ابنائها وإعلامييها ان يحرصوا علي المشاركة في اجتماعات الحج قبل وبعد أداء المناسك‏,‏ لمناقشة أهم القضايا الشرعية والعلمية والإعلامية المختلفة التي تهم الأمة الإسلامية‏,‏ والبشرية جمعاء‏.‏
وما أحري رجال الأعمال المسلمين ان يستفيدوا بالحج لمزيد من التعارف والتعاون والتكامل فيما بينهم‏,‏ حتي تتوحد الأمة وتترابط في جسد واحد‏,‏ ويبقي الحج بعد ذلك أعظم المؤتمرات الدولية للتعارف بين المسلمين‏,‏ وتبادل الآراء والخبرات‏,‏ والتشاور والتنسيق والتخطيط في مواجهة كل أمورهم ومشاكلهم والتحديات التي تواجههم‏,‏ ومختلف قضاياهم‏,‏ وذلك من اجل
تحقيق التكامل الاقتصادي والإداري والإعلامي والسياسي بينهم حتي ينتهي ذلك بوحدة كاملة علي أسس راسخة مدروسة إن شاء الله تعالي وما ذلك علي الله بعزيز‏.‏
وكون ذلك يتم في جو من الروحانية العالية‏,‏ والعبادة الخالصة والقرب من الله ـ تعالي ـ والذكر الدائم لجلاله في أشرف بقاع الأرض‏,‏ وأشرف أيام السنة يجعل من دواعي نجاح مؤتمر الحج السنوي ما لايمكن توافره لمؤتمر سواه خاصة أن هذه العبادة الجليلة يخالطها شيء من استشعار معية الله ـ تعالي ـ والقرب منه‏,‏ والالتزام بتقواه وخشيته  في كل أمر مما يعين علي حسن التعارف والتواصل والتعاون والتنسيق والتكامل علي مستوي الأفراد والمؤسسات والحكومات‏,‏ وعلي ذلك فالحج فريضة تلتقي فيها الدنيا والآخرة‏,‏ كما التقى فيها أول النبوة بختامها‏,‏ وتلتقي فيها مسيرة النبوة والرسالة السماوية بل ومسيرة البشرية كلها عبر التاريخ‏.‏
فأصحاب الدعوة إلي الله‏,‏ وزعماء الإصلاح في العالم الإسلامي يجدون في موسم الحج فرصة ذهبية لعرض أفكارهم علي الناس‏,‏ وأصحاب كل من الزراعة والصناعة والتجارة يجدونها فرصة كذلك لعقد الصفقات أو لترويج ما معهم من منتجات تحمل إلي هذا المكان الطيب الطاهر من مختلف بقاع الأرض‏,‏ فتحوله إلي سوق عالمية سنوية في ظل القيام بأداء شعائر الله‏,‏ والعمل علي ترسيخ دينه في الأرض‏,‏ ولذلك قال تعالي‏:‏
(لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ) ‏(الحج‏:48).
وإقبال الحجيج لأداء هذه الشعيرة من مختلف بقاع الأرض شهادة للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق‏,‏ وشهادة للنبي الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏.‏ فصل اللهم وسلم وبارك عليه‏,‏ وعلي آله وصحبه‏,‏ ومن تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلي يوم الدين‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏