(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...*)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن

(407) – (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...*)

 (الحجرات:12) .

بقلم

الأستاذ الدكتور: زغلول راغب النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في ختام الثلث الثاني من سورة "الحجرات", وهي سورة مدنية , وآياتها ثماني عشرة (18) بعد البسملة, وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى ضرورة المحافظة على حرمة بيوت النبي- صلى الله عليه وسلم- بصفة خاصة – وعلى حرمة بيوت الناس – بصفة عامة- وهو من الأوامر الإلهية التي لا يجوز مخالفتها أبدا .

     ويدور المحور الرئيس لسورة "الحجرات" حول عدد من القيم الأخلاقية والسلوكية الواجبة في تعامل المسلمين مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن ثم مع بعضهم البعض , ومع خلق الله أجمعين , ولذلك وصفت سورة "الحجرات" بوصف "سورة الأخلاق" .

هذا , وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة , وما جاء فيها من تشريعات, ناقشنا وجه الإعجاز في عدد منها , ونواصل هنا شرح وجه الإعجاز التشريعي في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال .

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

يقول ربنا- تبارك وتعالى- في محكم كتابه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلاَ تَجَسَّسُوا وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ *) (الحجرات:12).   

وهذه الآية الكريمة تدعو المؤمنين إلى اجتناب ثلاثة من السلوكيات الخاطئة التي تؤدي إلى المعاصي , وتأمرهم بتقوى الله    -تعالى- مؤكدة على أن الله تواب رحيم. وهذه الأوامر والنواهي يمكن إيجازها في النقاط التالية:

( 1) اجتناب الظن السيئ . (2) اجتناب التجسس على الآخرين . (3) اجتناب الغيبة . (4) الأمر بتقوى الله واليقين بأن الله- تعالى- تواب رحيم.

أولا : إجتناب الظن السيئ:

وفي ذلك يقول- تعالى- : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...*) أي تباعدوا عن الظن السيئ بأهل الخير من عباد الله المؤمنين. و (الظن) لغة وجمعه (ظنون) وهو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض وهو عدم الثقة والشك, او الاعتقاد بلا دليل, او الافتراض السيئ, والفكر الخاطئ. واللفظ يستعمل في كل من اليقين والشك؛ وغالب (الظن) عند الفقهاء ملحق باليقين.

و(الظنة) وجمعها (ظنن) هي التهمة بلا دليل, ومثلها (الظنانة)؛ و(الظنان) هو السيئ الظن, وهو كل ما لا يوثق به, ومثله (الظنون) وهو الذي لا يوثق بخبره لاشتهاره بسوء الظن.

لذلك قال- تعالى-: (....اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ...*) ولم يقل إن كل الظن إثم. ومعنى ذلك أنه لا يجوز للمؤمن ان يترك نفسه نهبا لكل ما يهجس الشيطان فيها من الظنون والشبهات والشكوك التي لا يوجد لديه دليل قاطع على  صحتها , ولذلك تأمر الاية الكريمة باجتناب الظن اليسئ بأهل الخير من المؤمنين, ما لم يكن ذلك مستندا الى دليل أو أمارة ظاهرة صحيحة, أما الظن الحسن فلا ضرر منه إن كان في موضعه الصحيح. والأمر باجتناب الظن السئ يطهر ضمائر المؤمنين بالله من احتمال التلوث بالشك في الآخرين دون دليل قاطع لأن ذلك يمثل مدخلا من مداخل الشيطان على الإنسان؛ لإرباكه بالوقوع في هذا الإثم الذي يملأ قلبه وضميره بالهواجس الظنية, والشكوك المرضية والريب التي تدمر حياته بالقلق والترقب , وكل ذلك قد لا يكون له أدنى أساس من الصحة, فيحرم الظان من الطمأنينة التي قد يعكرها القلق الدائم والتوقع المستمر للمكروه الذي يربك الحياة , ويجهد صاحبه ويملأ قلبه بالريب والشكوك في إخوانه المؤمنين الذين شوهد منهم الصلاح , وأونست منهم الأمانة الظاهرة , فيحرمه سوء الظن بهم دون أدنى مبرر لذلك. وفي الحديث الصحيح: "أن الله- تعالى- حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به ظن السوء " (البيهقي). أما من يجاهر بالخبائث فلا يحرم سوء الظن فيه. كذلك فإنه باجتناب الظن السيئ يقيم الإسلام العظيم سياجا منيعا يحفظ حقوق الناس أفرادا وجماعات في المجتمعات التي يقيمها , فلا يؤخذ فيها فرد واحد بمظنة كاذبة, ولا يحاكم بشبهة أو ريبة لا أساس لها من الصحة , ولا يصبح الاتهام بلا دليل, أو مجرد الظنون, أو الشكوك والريب أساسا لوقوع أي شكل من المظالم على أي فرد في المجتمع المسلم. والرسول -صلوات الله وسلامه عليه- يقول: " إذا ظننت فلا تحقق " (الطبراني) وذلك لأن الظن والشك لا يرقيان أبدا إلى مرتبة اليقين, واليقين لا يزول بالظن والشك أبدا.

وبذلك فإن الإسلام العظيم يطهر قلوب وضمائر الأفراد , كما يطهر الحكام في المجتمعات الإسلامية من إصدار الأحكام لمجرد الظن بلا دليل, أو الشك بلا مسوغ حقيقي, وانتزاع الثقة من الغير, وافتراض السوء فيهم, وإلقاء التهم عليهم بلا أدنى قرينة. ومن معاني ذلك أن يبقى الناس أبرياء, حقوقهم مصونة, وحرياتهم مكفولة, وكرامتهم محفوظة حتى يثبت بوضوح أنهم قد ارتكبوا ما يؤاخذون عليه. ولا يكفي أن يكون مجرد الظن السيئ بهم مبررا لتعقبهم بغية التحقق من هذا الظن الذي دار حولهم, تحقيقا للعدل, وصونا لكرامة الإنسان, أفرادا وجماعات.

وهنا تتضح الحكمة من الأمر الإلهي باجتناب كثير من الظن, والتأكيد على أن بعض الظن إثم, أي مؤثم, والإثم هو الذنب الذي يستحق عليه العقوبة, وهذا البعض هو الكثير الذي يجب اجتنابه لما في ذلك تطهير للنفوس من إمكانية التلوث بالظن السيئ كي يحفظها نقية طاهرة من الهواجس والشكوك التي تعتبر مدخلا من مداخل الشيطان على الإنسان لإفساد علاقته بأخيه المؤمن, وتوتر الصلات بينهما دون مبرر حقيقي لمثل تلك الوقيعة والقطيعة.

كذلك يأمر النص القرآني الكريم المسئولين في المجتمع المسلم ألا يأخذوا الناس بمظنة كاذبة, أو تهمة باطلة بغير دليل قاطع, فيظلوا أبرياء حتى يثبت أنهم قد ارتكبوا ما يؤاخذون عليه. وبذلك تظل حقوقهم مصونة , وحرياتهم مكفولة, وكرامتهم محفوظة , ومجتمعاتهم آمنة. وفي ذلك سبق لكل قوانين حقوق الإنسان في العالم بأكثر من ألف سنة ونيف. فقد نجح المسلمون في إقامة مجتمعاتهم بهذا الطهر الفردي والاجتماعي لقرون طويلة, حتى نجحت مؤامرات شياطين الإنس  في إسقاط دولة الخلافة الإسلامية في الربع الأول من القرن العشرين, كما نجحت في إقصاء الإسلام عن مقامات اتخاذ القرار, فحكمت علاقات الناس وأحكام القائمين على الأمر بالظنون الخاطئة, والشكوك والريب التي أضاعت الحقوق وتسببت في العديد من المظالم, وإدت إلى تقهقر المجتمعات الإسلامية في كل مجالات الحياة طوال القرنين الماضيين. وهنا يتضح وجه من أوجه الإعجاز التشريعى في النص الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال, والله يقول الحق, ويهدي إلى سواء السبيل, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.