( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ*)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن :

(394) – ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ*)

(فصلت : 33 ).

بقلم

الأستاذ الدكتور / زغلول راغب النجار

 

   هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في نهاية الثلث الثاني من سورة "فصلت", وهي سورة مكية , وآياتها أربع وخمسون (54) بعد البسملة . ويدور المحور الرئيس لسورة حول القرآن الكريم الذي جعله الله- تعالى- هدىً وشفاءً للمؤمنين , على الرغم من صد كل من الكفار والمشركين عنه , وعن دعوته إلى الإيمان بالله , وتوحيده , والاستقامة على هديه .

هذا وقد سبق لنا استعراض سورة "فصلت" , وما جاء فيها من ركائز العقيدة والإشارات الكونية , ونركز هنا على وجه الإعجاز النشريعي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال .

من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة

(الإسلام) لفظة عربية مستمدة من الأصلين (السلام) و (التسليم) , ومعناه الاعتراف باللسان, والاعتقاد بالقلب, والوفاء بالفعل لكل ما أنزل الله من الحق. ويتم ذلك مع الإذعان الكامل والاستسلام الاختياري لله في جميع ما قضى وقدر, طلبا لمرضاته.

وعلى ذلك فالإسلام هو دين الفطرة التي فطر الله جميع خلقه عليها , ومنهم غير المكلف الذي ينصاع انصياعا تسخيريا لطاعة الله , وعبادته, وحمده, وتسبيحه, ومنهم المكلف الذي أعلم بالإسلام, وترك له اختياره بإرادته الحرة حتى يؤجر على ذلك, أو تركه باختيارة فيعاقب على معصيته لأوامر خالقه.

ومن رحمة الله- تعالى- بخلقه المكلف أنه لم يتركهم للفطرة الإيمانية التي غرسها في جبلة كل فرد منهم, وأشهدهم على أنفسهم وهم في صلب أبويهم آدم وحواء على حقيقة أنه لا إله إلا الله وفي ذلك يقول- عز من قائل: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ*) (الأعراف:172), بل عرض عليهم الأمانة وخيرهم في حملها فاختاروا ذلك بإرادتهم كما يقرر ربنا- تبارك وتعالى في محكم كتابة بقوله العزيز: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً*) (الأحزاب:72).

وزادت رحمة الله بعباده المكلفين بأن علم أباهم آدم- عليه السلام- دين الإسلام , لحظة خلقه فيما علمه من الأسماء كلها فقال- تعالى-: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ*) (البقرة:31), وعاشت البشرية على شريعة الحق عشرة قرون بين آدم ونوح- عليهما السلام- (حديث رسول الله - صلى الله عليه و سلم- الذي أخرجه الحاكم في المستدرك ).

وتفسيرا لهذا الحديث روى ابن عباس- رضي الله عنهما- : "أن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا, فوسوس الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا ولم تعبد, حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عُبدت" (البخاري). وكانت هذه أول صورة من صور الشرك في تاريخ البشرية.

وتفشت الوثنية في قوم نوح , فبعثه الله - تعالى- ليردهم إلى الإسلام من جديد, فلم يستجب لدعوته إلا أقل القليل من قومه. ولما يئس نوح من هدايتهم دعا الله- تعالى- عليهم فجاء الطوفان الذي أبادهم, ونجى الله - سبحانه وتعالى- عبده نوحا والذين آمنوا معه (العنكبوت:15,14, نوح:21-25).

لجأ نوح والذين آمنوا معه إلى مكة المكرمة, وعاشوا على الإسلام حتى جاء من نسلهم "قوم عاد" الذين سكنوا "الأحقاف" في أقصى الجنوب الشرقي من منطقة "الربع الخالي", فأشركوا بالله انصياعا لوسوسة الشيطان. أرسل الله- تعالى- عبده ونبيه هودا- عليه السلام- لهداية قومه "عادا الأولى" وردهم إلى الإسلام , فما آمن معه إلا القليل . ولما يئس من هدايتهم دعا الله- تعالى- عليهم فجاءت الريح العقيم التي أهلكتهم, وطمرت ديارهم بالرمال السافية , ونجى الله- تعالى- عبده ونبيه هودا والذين آمنوا معه فلجأوا إلى مكة المكرمة.

جاء من نسل هود والذين آمنوا معه "قوم ثمود" أو "عاد الثانية" الذين سكنوا منطقة الحجر (وادي القرى), واجتالتهم الشياطين فأشركوا بالله. بعث الله عبده ونبيه صالحا إلى قومه "ثمود" يدعوهم إلى الإسلام من جديد فعارضته غالبيتهم ورفضوا دعوته, ولما يئس من هدايتهم دعا الله- تعالى- عليهم فأهلكهم بصيحة صاعقة طاغية فأصبحوا في ديارهم جاثمين , ونجى الله عبده ونبيه صالحا والذين آمنوا معه فلجأوا إلى مكة المكرمة , وجاء من نسلهم قبيلة "ثقيف" الذين سكنوا الطائف واجتالتهم الشياطين فاشركوا بالله.

واستمرت البشرية تتردد بين الإيمان والكفر, وبين التوحيد والشرك, وبين الاستقامة على منهج الله والخروج عليه حتى شاع الكفر بين غالبية أهل الأرض, وانتشرت الوثنيات والخرافات والأساطير, وفسدت العقائد, وحرفت العبادات, وساءت الأخلاق, وتدنت المعاملات, وتفشت المظالم, وأرسل الله- تعالى- النبي تلو النبي, والرسول تلو الرسول, إلى مختلف بقاع الأرض من أجل إنقاذ الناس, من هذه الضلالات, وهدايتهم إلى دين الله ,وأكمل الله دينه- الذي لا يرتضي من عباده دينا سواه- في بعثة الرسول الخاتم وحفظه في القرآن الكريم وفي سنة خاتم النبيين. وفي ذلك يروي الإمام أحمد عن أبي ذر الغفاري أنه قال: أتيت رسول الله- صلى الله عليه و سلم - قلت: " يا رسول الله ! أي الأنبياء كان أول ؟ قال: آدم ؛ قلت: ونبي كان ؟ قال نعم , نبي مكلم , قلت كم المرسلون ؟ قال: ثلاثمائة وبضعة عشر جماً غفيراً. وفي رواية لأبي أمامة عن أبي ذر قال : ... قلت يا رسول الله : كم وفى عدة الأنيباء ؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً, الرسل من

 ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً ".

وقد أخبرنا القرآن الكريم عن خمسة وعشرين من هؤلاء الأنبياء والمرسلين وأكد أنهم جميعا كانوا قد بعثوا بالإسلام العظيم. فالمسلم مفروض فيه أن يكون صالحا في ذاته, هاديا لغيره إلى هذا الدين العظيم, ولا يمكنه أن يحقق ذلك إلا إذا أعلن عن هويته الإسلامية دون لبس أو مواربة. والآية الكريمة موجهة إلى عدد من أبناء المسلمين الذين جهلوا حقيقة الإسلام , فانخدعوا بعدد من الشعارات المزيفة من أمثال "الليبرالية", و"العالمانية", و"الديمقراطية", و"الاشتراكية", و"الشيوعية", أو اليسار بصفة عامة. وجميع هذه الشعارات طرحت في الغرب في محاولة للانعتاق من ربقة الكنيسة التي كانت قد هيمنت على مقدرات الحياة هناك فأذلت العباد وأقسدت البلاد. وهذا الواقع الغربي لم يكن له نظير في بلاد المسلمين ومن هنا تتضح ومضة الإعجاز التشريعي في قول الحق – تبارك وتعالى-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ*), والله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلي الله وسلم ولارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.