(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ...*)

بسم الله الرحمن الرحيم

(413) - (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ...*)

(النساء :135) .

بقلم

الأستاذ الدكتور: زغلول راغب محمد النجار

 

هذا النص القراني الكريم جاء في أوائل الربع الأخير من سورة" النساء" ,وهي سورة مدنية, وآياتها مائة وست و سبعون (176) بعد البسملة , وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالنساء.                   ويدور المحور الرئيس للسورة حول قضايا التشريع لكل من المرأة, و الأسرة, و المجتمع, مع عدد من الضوابط التربوية والأخلاقية والسلوكية التي تضبط المجتمع المسلم وتقيمه على قواعد من أوامر الله ونواهيه.

هذا , وقد سبق لنا استعراض سورة النساء وما جاء فيها من ركائز التشريع والعقائد الإسلامية والإشارات الكونية و نركز هنا على جانب الإعجاز التشريعي في النص الكريم الذي اخترناه عنوانا لهذا المقال.

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم

يقول- ربنا تبارك وتعالى- في محكم كتابه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً *) (النساء:135) .

وفي هذا النداء الإلهي بقول ربنا- تبارك وتعالى- لعباده المؤمنين قائلا لهم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا...*) ترقيق لقلوبهم كي يتقبلوا أمر ربهم  بقبول حسن وذلك بأن يكونوا ( قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ ) أي متكفلين بإقامة شرع الله وعدله في الأرض , دون أدنى قدر من التحيز أو المحاباة لأن الله – تعالى- مطلع على جميع أحوالهم علنها وسرها. والأمر في الآية الكريمة بإقامة ذلك العدل هو بين جميع الناس : المسلمين وغير المسلمين وذلك لأن عدل الله- تعالى- لا يفرق بين إنسان وآخر, بل يشمل الناس جميعا وأن يكون عدلا على الوجه الأكمل الذي يرتضيه الله انطلاقا من الإيمان بالأخوة الإنسانية التي قررها الحق- تبارك وتعالى- في محكم كتابه, وفصلها رسول الله- صلى الله عليه وسلم في العديد من أحاديثه الشريفة.

والعدل الذي يأمر به الله- تعالى- يتساوى فيه الأقارب والأباعد , ويتساوى فيه الأصدقاء والأعداء , ويتساوى فيه أصحاب الجاه والسلطان مع أفقر الفقراء في المجتمع الذي يعيشون فيه, ولذلك قال- تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ...*) أي: يا من آمنتم بالله , وصدقتم بكتابه اجتهدوا في إقامة العدل بين الناس كافة, ومن ذلك أن تقيموا شهاداتكم بالحق لوجه الله- تعالى- دون أدنى قدر من التحيز أو المحاباة. واجعلوا شهادتكم حسبة لوجه الله الكريم, لا لحساب أحد من المشهود لهم أو عليهم , ولا لمصلحة فرد أو جماعة , مهما كانت درجة قربه منكم. وبذلك تكون شهادتكم خالصة لوجه الله- تعالى-, وقادرة على إحقاق الحق, وإقامة العدل في جميع الأحوال, وتحت مختلف الظروف, لا تميلون عنه, وأن تكونوا متعاونين على تحقيقه, متناصرين في سبيل ذلك مهما كان شأن الظالم وقدراته , لأن قدرة الله- تعالى- فوق كل قدرة, وهو- سبحانه- أمر بإقامة العدل العام بين كل الناس, ولذلك اتبع هذا الأمر الإلهي بقول الحق- تبارك وتعالى- : (..وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ...) وذلك تجريدا للنفس المؤمنة من إمكانية الضعف البشري تحت ضغط المصالح الشخصية , أو الحب للوالدين والأقربين فإرضاء الله- تعالى- بإقامة عدله في الأرض يجب ألا يطغى عليه أية عاطفة شخصية.

وبعد أن حضت الآية الكريمة المؤمنين بالله وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ضد الضعف البشري أمام حب الذات, وحب الوالدين والأقربين أكدت على تحصينها ضد الضعف البشري أمام عدد من المشاعر الاجتماعية الأخرى من مثل المشاعر تجاه كل من الفقراء والأغنياء  في المجتمع, وفي ذلك تقول الآية الكريمة : (..إِن يَكُنْ غَنِياًّ أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا..*) أي لا تأخذكم الشفقة على الفقير, أو التكبر عليه, ولا المجاملة للغني, أو الحقد عليه إلى مجافاة العدل, وعدم أداء الشهادة بصدق لأن الله- تعالى- هو المتكفل بعباده , وما على الفرد المؤمن بالله إلا السعي الجاد لإقامة عدل الله في الأرض مهما كلفه ذلك من ثمن. ولذلك اتبع ربنا- تبارك وتعالى-قوله ب (...فَلاَ تَتَّبِعُوا الهَوَى أَن تَعْدِلُوا...*) أي أنهاكم عن اتباع أهواء نفوسكم حتى تحققوا عدل الله في الأرض فإن ذلك أزكى لكم وأطهر. وهذا تأكيد على أن كل سلوك يتنافى مع تحقيق العدل هو من هوى النفس الأمارة بالسوء, ومن ذلك شهادة الزور, التي يوسوس بها شيطين الإنس والجن إلى كل نفس ضعيفة ويغرونها بالزيغ عن الحق وعن العدل, انطلاقا من الإغراء بحب الذات أو الوالدين والأقربين, أو إغواء بالشفقة على الفقير, أو مجاملة للغني أو بالرغبة في الانتقام من عدو, وهذه كلها مخالفات شرعية تستجلب غضب الله- تعالى- وسخطه.

وتختتم الآية الكريمة بتهديد شديد من الله- تعالى- وتحذير ووعيد من الوقوع في جريمة تحريف الشهادة, مهما كانت الإغراءات الشيطانية لاقتراف مثل هذا الظلم لأن الله- تعالى- يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, وفي ذلك يقول- تعالى-: (... وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً *) أي : وإن تلووا ألسنتكم عن الشهادة بالحق, وتقوموا بتحريفها عن وجهها الصحيح , أو تعرضوا بترك أدائها بالحق , فإن الله- تعالى- مطلع عليكم , وسوف يجازيكم بأعمالكم.

ويكفي للعبد المؤمن قبل إدلائه بالشهادة أن يتذكر حقيقة أن الله- تعالى- مطلع عليه وعلى جميع أعماله, حتى يؤديها بكل ما يملك من صدق وأمانة طلبا لمرضاة الله.

هذه التربية الإيمانية التي تجعل العبد المؤمن يعبد ربه كأنه يراه , فإن لم يكن في مقدوره أن يرى خالقه, فإن الإيمان الراسخ بأن الله- تعالى- لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء يجعل مراقبة هذا الخالق العظيم لكل عبد من عباده المؤمنين خير ضابط لسلوكه. وهذا الضابط الإيماني في ضمير المؤمن بالله يفوق قدرة كل القوانين والنظم الوضعية في ضبط سلوك العبد المؤمن – مع ضرورة وجود القوانين والنظم الحاكمة للمجتمع – وذلك لأن القوانين في غيبة مراقبة الله لا بد وأن تخرق, وأن العبد الذي لا يؤمن بالله تحكم سلوكه مكاسبه المادية العاجلة, وأهواؤه ورغائبه الدنيئة مهما كان في تحقيقها من الأضرار لغيره من بني جلدته.

وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة التي تأمر بالعدل العام في جميع الأحوال, وبأداء الشهادة بالحق وعلى الوجه الأكمل من أدائها بأمانة. وما أحوج الإنسانية في عالم اليوم الذي كثر فيه قول الزور وشهادة الزور وساد فيه الظلم وغاب العدل, من تأمل أوامر الله- تعالى في هذه الآية الكريمة حتى تستقيم أحوالها. والله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين.