(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرر القرآن :

(415) - (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *)

(الروم:21).

بقلم

الأستاذ الدكتور/ زغلول النجار

 

هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع الثلث الثاني من سورة "الروم", وهي سورة مكية, وآياتها ستون (60) بعد البسملة, وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها ببشرى انتصار الروم على الفرس فبل وقوعه ببضع سنين, وذلك بعد أن كانت قوات الفرس قد هزمتهم هزيمة منكرة قبل نزول هذه السورة المباركة بعدة سنوات.

ويدور المحور الرئيس لسورة "الروم" حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية شأنها في ذلك شأن كل السور المكية.

هذا وقد سبق لنا استعراض سورة "الروم" وما جاء فيها من كل من ركائز العقيدة الإسلامية والإشارات الكونية, ونركز هنا على وجه الإعجاز التشريعي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال.

 

من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة

خلق الله- تعالى- كل خلقه في زوجية كاملة حتى يبقى هذا الإله الخالق متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه. ففي عالم الجمادات هناك المادة وأضداد المادة, والطاقة الموجبة والسالبة. وفي عوالم الأحياء هناك الذكر والأنثى, وقد جعل الله- تعالى- التزاوج بينهما وسيلة إعمار الحياة على الأرض إلى نهاية هذا الوجود الدنيوي المؤقت.

ومن الثابت علميا اليوم أن كل الجمادات والسوائل والغازات قد خلقت ولا تزال تخلق من غاز الأيدروجين وهو أخف العناصر وأقلها بناءً. وذرة الأيدروجين مكونة من جزأين : بروتون واحد يحمل شحنة موجبة في نواتها, وإلكترون واحد يحمل شحنة سالبة مكافئة, ويدور في مدار حول النواة. وفي وحدة هذه اللبنة الأساسية للخلق إشارة إلى وحدانية الخالق, وفي بنائها المزدوج تأكيد على الزوجية في جميع الخلق.

كذلك من الثابت قرآنيا وعلميا أن الله- تعالى- خلق ولا يزال يخلق جميع الأحياء من الماء. والماء سائل واحد, ولكنه مكون من ذرتي أيدروجين تحملان شحنة كهربائة موجبة, وذرة أكسجين واحدة تحمل شحنة كهربائية سالبة, ومكافئة للشحنة الموجبة على ذرتي الأيدروجين. وجعل الخالق- سبحانه وتعالى- جميع الأحياء في زوجية واضحة أو مستترة حتى يبقى وحده متفردا بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه.

ومن طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق أن جعل الخالق- سبحانه وتعالى- جميع أزواج المخلوقات غير المكلفة متوافقة توافقا فطريا من أجل انتظام حركة الحياة انتظاما كاملا دون أدنى قدر من الخلل أو الحيود عن النظام.

أما الإنسان- ذلك المخلوق المكرم, وهو من الخلق المكلف- فقد زوده الله- تعالى- بالروح , وبالعقل, وبالعلم, وبالتفضيل على كثير من الخلق, ولذلك حمله أمانة التكليف, واستخلفه في الأرض لعبادة خالقه بما أمر, ولحسن القيام بواجبات الاستخلاف على هذا الكوكب بعمارتها وأقامة شرع الله وعدله في ربوعها. ولكي يستمر وجود هذا المخلوق المكرم على وجه الأرض إلى نهاية هذا الوجود الدنيوي خلقة الله - تعالى- في زوجية كاملة (ذكرا وأنثى) وشرع له التزاوج والإنجاب واستمرار النسل إلى ما شاء الله . ولما كان الإنسان مخلوقا عاقلا , حرا , مكلفا , ذو إرادة , فقد ترك الله- تعالى- له كامل الحرية في التعامل مع نصفه الآخر بعد أن وضع له الضوابط اللازمة التي تقيم هذه العلاقة على الوجه الذي يرتضيه الله , ولذلك قال- تعالى- : (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ *) (الروم:21).

فالأصل في علاقة الزوجين أن تكون سكنا لكل منهما, وأن تكون قائمة على أساس من التواد والتراحم بينهما, حتى لا يجور أحدهما على الآخر بدوافع الأهواء التي منها الأنانية الشخصية أو الخوف من المستقبل أو بغواية من الشيطان وجنوده وأعوانه.

وقد شرع الله- تعالى- الزواج إعمارا للأرض بذرية بني آدم. وشرع لهذه العلاقة من الضوابط الأخلاقية والسلوكية ما يصونها حفظا للإنسان ونسله, وتوفيرا لرعايته رعاية كاملة, وتنشئته التنشئة الصالحة. كما تكون في ذلك تطهيرا للمجتمعات الإنسانية من الانحراف عن الفظرة التي فطر الله عباده عليها ومما يمكن أن يحققه ذلك الانحراف من سلوكيات خاطئة, ومن مظالم متعددة , ومفاسد قد تدمر الإنسان ومجتمعه , وتتعسه وتشقيه, وتفسد مجتمعاته إفسادا يصعب إصلاحه بسبب خروجه على أوامر ربه. فالذرية إن لم تنشأ في أسرة ترتبط أطرافها بالمودة والرحمة, ويجد كل فرد فيها الأمن والطمأنينة والسكن لا يمكن لها أن تنشأ تنشئة صالحة, والرسول- صلى الله عليه وسلم- يحذر من إهمال الناشئة فيقول : " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت "

وانطلاقا من ذلك كله اهتم الإسلام العظيم اهتماما كبيرا بمؤسسة الأسرة بوصفها المحضن الأمثل لبناء الفرد المسلم , وتنشئته التنشئة الصالحة. كما أن مؤسسة الأسرة تعتبر الوسيلة المثلى لبناء المجتمعات الإنسانية على أساس من العفاف والطهر , وربطها بروابط المصاهرة التي تؤكد على حقيقة الأخوة الإنسانية, بغض النظر عن الإختلافات العرقية التي استخدمها شياطين الإنس والجن كوسيلة للتفرقة بين الناس عبر التاريخ.


والأسرة تحقق الأمر الإلهي بالزواج كما جاء في الآية الكريمة التي نحن بصددها (الروم:21), وكما جاء في العديد من غيرها من آيات القرآن الكريم (البقرة :223؛ النساء:1 ؛ الحجرات:13 ؛ والنبأ:8). والزواج يحقق الاستقرار النفسي عند طرفيه , بإشباع حاجاتهما المادية والمعنوية بما يحفظ كرامة الإنسان ويصون عرضه ونسله. ومن هذه الحاجات الحب العفيف, والسكن, والمودة والرحمة. وإشباع غريزة حب الولد, وحفظ كلا من الدين, والنفس, والعقل, والمال  والعرض, كما يحقق الترابط بين عائلتين على أساس من وشائج القربى والرحم. لذلك اقتضت حكمة الله- تعالى- أن تكون فترة الطفولة البشرية هي أطول فترة طفولة بين جميع المخلوقات الحية حتى تتمكن الأسرة المسلمة من تربية النشئ تربية صالحة تجعله فاهما لرسالته في هذه الحياة: عبدا لله مطالبا بعبادته – تعالى- بما أمر, ومستخلفا ناجحا في الأرض مطالبا بحسن القيام على عمارتها, وإقامة شرع الله وعدله في ربوعها, وذلك بتحليل ما أحل وتحريم ما حرم حتى يلقى الله- تعالى- وهو راض عنه فيحقق بذلك النجاح في الدنيا والنجاة في الآخرة , فيفوز في الدارين, وذلك هو الفوز المبين. من أجل ذلك كله شجع الإسلام العظيم على الزواج, واشترط إقامة هذه العلاقة الإنسانية الحميمة على أسس من المودة والرحمة والسكن حتى تستقيم هذه العلاقة بين الزوجين, وحتى يمكنهما ذلك من تنشئة أبنائهما التنشئة الصحيحة. وإذا قارنا ذلك بمحاولة الحضارة المادية المعاصرة هدم مؤسسة الأسرة, وإشاعة الفوضى في علاقة الرجل بالمرأة وعلاقتها به, يتضح لنا وجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال, والله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل , وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.