( وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن

(424) ( وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *)

(البقرة:188)

بقلم

الأستاذ الدكتور: زغلول راغب محمد النجار

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في الثلث الأخير من سورة البقرة, وهي سورة مدنية, وآياتها مائتان وست وثمانون (286) بعد البسملة, وهي أطول سور القرآن الكريم علي الإطلاق..


من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة

يقول ربنا- تبارك وتعالي- في محكم كتابه: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (البقرة:188)
وفي هذه الآية الكريمة عدد من أوجه الإعجاز التشريعي التي يمكن إيجازها فيما يلي:
أولا: في قوله- تعالي-: (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ): في هذا النص الكريم أمر من الله- تعالي- ألا يأكل أحد من الناس أموال غيره بالباطل, أي: بالوجه الذي لم يبحه الله- تعالي-. كذلك ينهي هذا النص الكريم عن دفع الأموال إلي الحكام علي سبيل الرشوة ليعينوا الدافع لها علي أكل أموال غيره بالباطل وكلاهما يعلم أنه يأكل هذا المال بالحرام, والمال هو وسيلة تقييم ممتلكات وجهود الناس, ولذلك فلا يجوز الحصول عليه إلا بوسائل مشروعة, مما أحل الله, محافظة علي حقوق الناس, وعلي قيمة المال ذاته حتى يبقي وسيلة صالحة للتقييم في مختلف مجالات الحياة, وأهمها تقييم جهود وممتلكات الآخرين. وعلي العكس من ذلك فإنه إذا تجرأ الناس علي أكل أموال الغير بالباطل فإن الاقتصاد ينهار والعلاقات الاجتماعية تفسد وتنتزع البركة من المال بالكامل. ومن معاني أكل المال بالباطل هو أكله من غير الوجه الحلال الذي أباحه الله لآكليه, ومن ذلك التعامل بأي شكل من أشكال الربا, أو المقامرة, أو الرشوة, أو التزوير, أو الاحتيال, أو الغش في التجارة أو الصنعة, أو السرقة المباشرة وغير المباشرة.
ثانيا: في قوله- تعالي-: (...وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ...): قال السدي (رحمه الله) أن من معاني هذا النص الكريم أن يظلم منكم الرجل صاحبه, ثم يخاصمه ليقطع ماله وهو يعلم أنه ظالم. ومن معانيه أيضا النهي عن رشوة من بيده أمر من أمور الإدارة أو الحكم لأكل طائفة من أموال الناس الخاصة أو العامة بطرق غير مشروعة. ومن معانيه كذلك النهي عن التخاصم في الأموال عند الحكام بهدف أكل أموال الناس بالإثم أي بالحرام الذي حرمه الله- تعالي- علي عباده.
ثالثا: في قوله- تعالي-: (...وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ...): والخطاب هنا هو للذين يأكلون أموال الغير بدون وجه حق وهم يعلمون ذلك, أي يعلمون أنهم يأكلون مالا حراما. أما الذين لا يعلمون ذلك فلعل الله- تعالي- أن يعفو عنهم.
وهكذا يربط القرآن الكريم الأمر في التقاضي بصفة عامة, وبالتقاضي في المال بصفة خاصة بتقوى الله- تعالي- تأكيدا علي أن المال لا يجوز أن يكتسب إلا بالحلال, وألا ينفق إلا في حلال, حثي تبقي قيمته ثابتة.
وعلي الرغم مما وهب الله- تعالي- الإنسان من عقل, وزوده به من الهداية الربانية, فهو مستهدف دوما من الشيطان وجنوده وأعوانه, وخاضع لقدر من شهواته التي منها حب المال. والإنسان إذا لم يتق الله في المال, ويحكم عقله في شهواته فإن الشيطان يغريه بأكل المال الحرام, كما يغويه بالاستعانة بالحكام من أجل تحقيق ذلك فيشيع المظالم بين الناس.
من هنا فإن ما جاء في هذا التحذير الإلهي من أكل أموال الناس بالباطل يأتي وجها من أوجه الإعجاز التشريعي في كتاب الله.
لأن هذا الأمر الإلهي يضبط العلاقات المالية بين الناس, وهي واحدة من أخطر العلاقات, وأكثرها إثارة للخلافات والفتن. وضبط هذه العلاقات المالية بهذه الدقة القرآنية لما يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية, بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله وحفظه بعهده الذي قطعه علي ذاته العلية, في نفس لغة وحيه( اللغة العربية) علي مدي أربعة عشر قرنا, وتعهد بهذا الحفظ تعهدا مطلقا حتى يبقي القرآن الكريم حجة الله البالغة علي جميع خلقه إلي يوم الدين.