(وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً*‏)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن

(418) (وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً*‏)

(‏الإسراء‏:34)‏.

بقلم الدكتور: زغلول النجار

هذه الآية الكريمة جاءت في ختام الثلث الأول من سورة الإسراء, وهي سورة مكية, وآياتها مائة وإحدى عشرة بعد البسملة وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في مطلعها إلي رحلة الإسراء بخاتم الأنبياء والمرسلين- صلي الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى.
ويدور المحور الرئيس لسورة الإسراء حول قضية العقيدة الإسلامية, شأنها في ذلك شأن كل السور المكية. هذا, وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة, وما جاء فيها من ركائز العقيدة, والتشريعات الإسلامية, والإشارات الكونية, ونركز هنا علي أوجه الإعجاز التشريعي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال.

من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة


تتحدث هذه الآية الكريمة عن اليتيم صاحب المال, واليتيم هو من مات عنه أبوه وهو دون الحلم, أو مات عنه أبواه وهو كذلك. وفي هذه الحالة التي لا يملك فيها اليتيم من أمره شيئا يصبح ماله هدفا لكل طامع لا يخاف الله. لذلك يأمر الإسلام برعاية اليتيم إن كان فقيرا, وباتخاذ وصي عليه إن كان غنيا, ينوب عنه في إدارة ماله بكفاءة وإخلاص حتى ينميه له, ويخرج عنه زكاته. ويشترط في الوصي أن يكون مسلما, بالغا, عاقلا, أمينا حرا, مستقيما, قادرا علي إدارة هذا المال بكفاءة, سواء كان هو من أهل اليتيم أو من غير أهله. ويأمر الله كل من تولي أمر يتيم ذي مال أن يحافظ علي هذا المال, وأن يعمل علي تنميته بأفضل الطرق, وإخراج زكاته باستمرار حتى يبلغ اليتيم أشده, ويصبح قادرا علي إدارة ماله فيرده إليه. وفي خلال فترة الوصاية لا يجوز للوصي أن يأخذ شيئا من مال اليتيم إذا كان غنيا متعففا عن ذلك, يعفه ماله ودينه وتقواه لربه. وإن كان فقيرا جاز له أن يأخذ أجر إدارته لمال اليتيم بما يرضي الله, وعن طيب نفس من اليتيم وأهله- إن كان له أهل أو من المجتمع الذي يعيشان فيه. وذلك لأن مال اليتيم فيه المطمع, والشيطان يسول لولي اليتيم ولجميع من حوله أن لكل منهم حقا في هذا المال, ومن هنا جاء التحذير الإلهي من الوقوع في ذلك, ورتب عليه الوعيد الشديد فقال- تعالي-: ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا( الإسراء:34). وجاء الأمر الإلهي بالنهي عن الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن بصيغة الجمع حتى تكون الجماعة المسلمة كلها مسئولة عن اليتيم وماله, وكفالته, وحسن رعايته. وجاءت الوصايا القرآنية بذلك في أكثر من عشرين آية صريحة كان من أشدها وقعا علي نفس المسلم قول الحق- تبارك وتعالي-: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) (النساء:10).
ولذلك اعتبر رسول الله- صلي الله عليه وسلم- أكل مال اليتيم من السبع الموبقات المهلكات وذلك بقوله الكريم: "اجتنبوا السبع الموبقات قيل: يا رسول الله! وما هن ؟ قال: الشرك بالله, والسحر, وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق, وأكل الربا, وأكل مال اليتيم, والتولي يوم الزحف, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات". وفي هذا الحديث الشريف يعتبر رسول الله- صلي الله عليه وسلم- أكل مال اليتيم بالباطل من الكبائر المهلكة, التي قد تخلد الواقع فيها في نار جهنم إن لم يتب إلي الله.
ووجه الإعجاز التشريعي في ذلك توضحه حالة الضعف التي يكون فيها اليتيم القاصر, الذي لا حول له ولا قوة, ولا قدرة له علي إدارة ما ورثه من مال. فيصبح هذا المال كمن لا صاحب له, ومال هذا وصفه يغدو محل طمع كل طامع. ويأتي الشيطان بوساوسه, وإغراءاته لإقناع كل من له علاقة بهذا اليتيم بأن له في هذا المال حقا. يناله إما بضم مال اليتيم إلي ماله, أو بالإسراف في الإنفاق منه إسرافا مخلا, أو بتبديل الخبيث من ماله بالطيب من مال اليتيم, أو بغير ذلك من صور التحايل. والأصل في الولي علي اليتيم أن يستشعر حجم الأمانة الملقاة علي عاتقه, والتي سوف يسائله الله- تعالي- عنها. والواجب علي كل من ولي أمر يتيم قاصر أن يرد هذا المال إلي صاحبه بمجرد أن يأنس فيه القدرة علي إدارة ماله بذاته, دون أدني تسويف
ومن أجل الحد من مطامع النفس البشرية, ومن إغواءات الشيطان لها حذر ربنا- تبارك وتعالي- في هذه الآية القرآنية الكريمة (الإسراء34) عباده جميعا من الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن, وكرر هذا التحذير في أكثر من عشرين آية قرآنية أخري, وكذلك قال رسول الله- صلي الله عليه وسلم-:
"- إياكم ومال الضعيفين: اليتيم والمرأة."
"- ارحموا ضعافكم فإنكم تنصرون وترزقون بضعفائكم" أي : بدعائهم واستغفارهم.
ولما كان الإسلام هو دين الرحمة بجميع الخلائق, خاصة بالضعفاء والمساكين الذين لا حول لهم ولا قوة, ولما كان أحوج هؤلاء الضعفاء والمساكين إلي رحمة الرحماء من عباد الله هم الأيتام, فإن الإسلام العظيم أولاهم عناية خاصة, وأوجب لهم الكفالة, وحسن الرعاية والتربية, وحذر من ظلمهم, أو الإساءة إليهم, كما أوجب المحافظة علي أموالهم, والحرص علي تنميتها- إن كان لأي منهم مال موروث- وذلك بأفضل الوسائل الممكنة, وحذر من الأخذ من تلك الأموال إلا بالمعروف وفي ظل الحاجة لذلك.
ولأن رعاية مال اليتيم مسئولية الوصي أو الولي, وعهد علي الجماعة المسلمة, أتبع الأمر بعدم الاقتراب من مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن في هذه الآية الكريمة بالأمر الإلهي الذي يقول فيه ربنا- تبارك وتعالي-: (...وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً*) أي أوفوا بهذا العهد الذي عاهدتم الله- تعالي- عليه, وأوفوا بغيره من العهود التي أمر الله- تعالي- بها والتزمتم بالوفاء بأدائها سواء كانت هذه العهود مع الله أو مع الناس لأنكم سوف تسألون عنها يوم القيامة. وقد أكد القرآن الكريم ضرورة الوفاء بالعهود في العديد من آياته لأن الوفاء بالعهد هو أحد الوسائل اللازمة لزرع الاستقامة في المجتمع المسلم, ولنشر الثقة, وطهارة المعاملات واحترام الذات فيه.