(‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ‏..)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن

(421) (‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ ‏..)

(النساء:29‏)

بقلم الدكتور/ زغلول النجار

هذا النص القرآني الكريم جاء في الربع الأول من سورة‏(‏ النساء‏),‏ وهي سورة مدنية‏,‏ وآياتها مائة وست وسبعون‏(176)‏ بعد البسملة‏

وقد سميت بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام الشرعية المتعلقة بالنساء.
هذا وقد سبق لنا استعراض هذه السورة المباركة, وما جاء فيها من التشريعات, وركائز العقيدة, والإشارات الكونية, ونركز هنا علي وجه الإعجاز التشريعي في النص الذي اخترناه منها عنوانا لهذا المقال.

من أوجه الإعجاز التشريعي في النص الكريم


يقول ربنا- تبارك وتعالي في محكم كتابه:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً* وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً*) ( النساء:30-29).
والنداء الإلهي هنا هو للذين آمنوا, ينهاهم فيه ربهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل, أي: بالحرام الذي يشمل الغش, والاحتيال والخيانة, والرشوة, والقمار, وبيع المحرمات من مثل الخمور ولحم الميتة والدم ولحم الخنزير, وما أهل لغير الله به, واحتكار الضروريات من أجل رفع أسعارها, والتعامل بالربا, والغصب, والسرقة, وشهادة الزور, واليمين الكاذبة, والتدليس, والاختلاس, والظلم, وبيع ما لا يجوز بيعه كالعرض والذمة, والضمير والخلق, والدين وغير ذلك من أوجه المعاملات التي حرمها الله- تعالي- في محكم كتابه علي لسان خاتم أنبيائه ورسله (صلي الله عليه وسلم).
وينطلق هذا النهي من حقيقة أن من يفعل ذلك هو إنسان لا يؤمن بأن الرزق من الله- تعالي- الذي يوزعه بعلمه وحكمته وقدرته, بينما لا يزال الفرد منا جنينا في بطن أمه قبل أن يخرج إلي الحياة الدنيا, وذلك انطلاقا من قول رسول الله- صلي الله عليه وسلم-:
"إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة, ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك, ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك, ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات, يكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقي أو سعيدا" ( صحيح مسلم).
وعلي ذلك فإن التحايل في كسب الرزق لا يجدي شيئا, ولن يزيد المقسوم لكل فرد من بني آدم. والنص القرآني الكريم الذي نحن بصدده يستثني العمليات التجارية التي تتم عن تراض بين أصحاب المال أو بين البائع والمشتري, ولذلك قال- تعالي:
(...إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ...) وهو استثناء منقطع معناه: لكن إذا تمت التجارة عن طيب نفس بين كل واحد من الشركاء في التجارة, أو بين كل من البائع والمشتري فهي حلال بحلال الله. وخصت التجارة بالذكر من بين أسباب التملك لكونها أغلب وقوعا من غيرها في المعاملات المالية. ولذلك يقول رسول الله- صلي الله عليه وسلم-: "أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا, وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا, وإذا اشتروا لم يذموا, وإذا باعوا لم يمدحوا, وإذا كان عليهم لم يمطلوا, وإذا كان لهم لم يعسروا" ( رواه البيهقي).
وفي قوله- تعالي-: (... وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً*) معناه لا تهلكوها بارتكاب الآثام, ومنها أكل أموال الناس بالباطل, الذي يشبه قتل النفس بغير حق, أو قتل الإنسان نفسه بالانتحار. ويوحي ذلك بالآثار المدمرة التي تنتج عن أكل أموال الناس بالباطل في المجتمعات الإنسانية من خراب في الدنيا وعذاب في الآخرة.
ولما كان الله- تعالي- يريد أن يرحم عباده الذين آمنوا به من الوقوع في مثل هذه المعاصي, فقد حذرهم منها, تداركا للضعف الإنساني الذي قد يغري بعض الأفراد منهم بالوقوع فيها جريا وراء بعض الشهوات العارضة. ولذلك جاء التهديد بعذاب الآخرة لكل من تغويه نفسه بأكل أموال الناس بالباطل, فأتبعت هذه الآية الكريمة بقول ربنا- تبارك وتعالي-:
(وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَاناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً*) (النساء:30).
وفي مقابل اجتناب كبائر المعاصي- ومنها أكل أموال الناس بالباطل- يعد الله-تعالي- عباده المؤمنين برحمته وغفرانه وتجاوزه عن صغائر الذنوب, مراعاة لما يعلمه فيهم من ضعف ولذلك قال- تعالي-:
(إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً) ( النساء:31).
وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في هذا النص الكريم الذي يشرع للإنسان ما يضبط سلوكه, ويقيم له من نفسه حارسا يعينه علي ضبط ذلك السلوك خاصة في مجال المعاملات المالية وهي باب من أوسع أبواب إغواء الشيطان. فلا يجوز لفرد في المجتمع أن يجور علي حقوق غيره وإلا أصابه الدمار في الدنيا, والعذاب الشديد في الآخرة.
وقد تكرر النهي عن أكل أموال الناس بالباطل كثيرا في كتاب الله- تعالي- وفي سنة رسوله -صلي الله عليه وسلم-, ومن ذلك قوله -تعالي-:
(وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *) (البقرة:188).
وأكل الأموال بالباطل هو كل ما لم يبح الشرع أخذه من الحقوق المالية, ومعني الآية الكريمة: لا يأخذ بعضكم مال بعض دون مبرر مشروع.