(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ*)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن

(422) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ*)

‏(‏الأنفال‏:27)‏

بقلم الدكتور زغلول النجار

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل الثلث الثاني من سورة الأنفال, وهي سورة مدنية, وآياتها خمس وسبعون (75) بعد البسملة, وقد سميت بهذا الاسم الأنفال أي المغانم, وهي جمع النفل أي الزيادة, أو الأمر الثانوي, إشارة إلي الغنائم التي غنمها المسلمون نتيجة لمعركة بدر الكبرى. وقد سميت غنائم هذه الحرب بالأنفال تقليلا من شأنها أمام ما حققته من إنصاف للعدل, ورد للمظالم, وحماية للدين. أما الغنائم المادية فكانت زيادة علي ذلك, ونافلة منه.
ويدور المحور الرئيس لسورة الأنفال حول عدد من التشريعات الإسلامية المتعلقة بأمور القتال من مثل دوافعه, وأهدافه, ووسائله, وغاياته, وعوامل النصر والهزيمة فيه, ودور القوة المعنوية في تحقيقه, وأحكام الأسرى والغنائم, وضرورة الاستعداد دوما لمواجهة المعتدين, مع وجوب الجنوح إلي السلم إن جنح المعتدون إليه في واقعية وجدية كاملتين.
هذا, وقد سبق لنا استعراض سورة الأنفال, وما جاء فيها من التشريعات والعقائد, ونركز هنا علي لمحة الإعجاز التشريعي في الآية التي اتخذناها عنوانا لهذا المقال.


من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة


يقول ربنا- تبارك وتعالي- في محكم كتابه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ‏(‏الأنفال‏:27).‏ والمقصود بتعبير الخيانة هنا هو ترك فرائض الله وسنن رسوله- صلي الله عليه وسلم- عمدا, وذلك من (الخون) وهو النقص, انطلاقا من قول ابن عباس- رضي الله عنهما-: "خيانة الله- سبحانه- بترك فرائضه, وخيانة رسوله تكون بترك سنته". و(الأمانات) هي الأعمال التي ائتمن عليها العباد, وعلي رأسها الإيمان بقواعد الإسلام, وضرورة تحكيمها في حياة الناس دستورا شاملا, كاملا بغير نقص ولا زيادة, وذلك بالإرادة الحرة التي اختارها الإنسان وألزم نفسه بها.
وفي قوله- تعالي- (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأنتم تعلمون أنها خيانة, وتعرفون تبعة ذلك ووباله علي الواقع فيها قصدا. والله- تعالي- يأمر المؤمنين في هذه الآية الكريمة بألا يخونوه بالمعاصي, ولا يخونوا رسوله بترك سنته, ولا يخونوا أماناتهم في أعمالهم التي ائتمنهم الله, أو ائتمنهم غيرهم من بني آدم عليها. وهذه تشمل أمانة الإنسان نحو غيره من الناس في مختلف تعاملاته معهم أخذا وعطاء كالمكيال والميزان. وأداء الشهادة بالحق والصدق, ورد الأمانات المادية والمعنوية, وكتمان ما ائتمن عليه من أسرار. فحفظ الأمانة هي خصلة جامعة, لا تبعيض فيها ولا تجزئة, والمؤمن يدرك ببصيرته مساوئ الخيانة وسوء عواقبها في الدنيا والآخرة, فيحرص علي ألا يقع فيها أبدا.
وتخلي عباد الله المؤمنين عن القيام بتكاليف الله- تعالي- في الأرض تحت أية ضغوط هي خيانة لله وللرسول, وذلك لأن الصراع بين الشيطان والإنسان هو سنة من سنن هذا الوجود. والذين عرفوا طريقهم إلي الله- تعالي- فآمنوا به, والتزموا أوامره, وعرفوا فضل النبي والرسول الخاتم فآمنوا ببعثته واتبعوا سنته, وعضوا عليها بالنواجذ, لا يجوز لهم أن يقصروا في حسن التبليغ عن دين الله. فأهل الأرض جميعا في أمس الحاجة إلي الهداية الربانية حتى تستقيم حياتهم, ويتمكنوا من حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض. ومن أوائل ذلك الانتصار في معاركهم مع الشيء كذلك طالب ربنا عباده المؤمنين بضرورة الدعوة إلي دينه بالكلمة الطيبة, والحجة البالغة, وبالحكمة والموعظة الحسنة. وهذا هو ضرب من ضروب الأمانة التي أودعها الله- تعالي- في قلوب وعقول الجماعة المؤمنة من عباده, وطالبهم بتحقيقها أمرا واقعا في حياة الناس حتى ينصلح حالهم, كما طالبهم بالمجاهدة في سبيل ذلك قدر الاستطاعة.
وفي هذه الآية الكريمة يحذر ربنا جماعة المؤمنين من خيانة الأمانة التي حملتها كل نفس مؤمنة بالله يوم بايعت علي ذلك, انطلاقا من قول ربنا- تبارك وتعالي-: (إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً*). (الأحزاب:72-73)
والمقصود بتعبير الأمانة هنا هي الإرادة الحرة, بمعني حرية الاختيار بين الحق والباطل, وبين الخير والشر, وإدراك أبعاد ذلك, والمحاولة الجاهدة لحمل أمانة التكليف من الأوامر والنواهي, وتبعات ذلك. واختصاص الإنسان بحمل الأمانة هو أن يتحمل عاقبة اختياره, فيكون جزاؤه بناء علي عمله, فيحق العذاب علي المنافقين والمنافقات, والمشركين والمشركات, وليتوب الله علي المؤمنين والمؤمنات مما قد يقعون فيه من ضعف بشري, فيعمهم الله برحمته ومغفرته لأنه- تعالي- هو المتصف دوما بذلك.
وخيانة الأمانة هنا تعني عدم الطاعة لله- تعالي-, والتقصير في أداء الفرائض, لأن التكاليف الربانية عندما عرضت علي كل من السماوات والأرض والجبال فلم يطقن حملها, وأشفقن من ذلك مخافة التقصير في أمر من أوامر الله- تعالي-. ولكن عندما عرضها الله- تعالي- علي آدم قائلا له: إني قد عرضت الأمانة علي السماوات والأرض والجبال, فلم يطقنها, وأشفقن منها, فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت, وإن أسأت عوقبت. فقبل آدم حمل الأمانة بما فيها من مسئوليات- علي الرغم من ضعفه, ظالما لنفسه بحملها- جاهلا بثقل مسئولياتها. لذلك أكد ربنا- سبحانه وتعالي- علي تحذير عباده المؤمنين من خيانة الأمانة علي علم, لأن الواقع في ذلك- يحمل مسئولية تلك الخيانة كاملة غير منقوصة, أما السهو, والنسيان فالله- تعالي- قد عفا عنهما رحمة منه وفضلا.