(...‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏*)

من أسرار القرآن

الإعلام وضرورة العدل والحيادية

(438) – (...‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ‏)

(المائدة: 8)

بقلم: د. زغلول النجار

 

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل سورة المائدة, وهي سورة مدنية, وآياتها مائة وعشرون بعد البسملة, وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي المائدة التي أنزلها الله - تعالي- من السماء كرامة لعبده ورسوله المسيح عيسي بن مريم - عليهما السلام-.
ويدور المحور الرئيس للسورة حول التشريع بعدد من الأحكام اللازمة لتنظيم المجتمع الإسلامي, ومن أبرزها ضرورة تحقيق العدل مع العدو قبل الصديق, وفي ذلك يقول ربنا- تبارك وتعالي-: 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ*) (المائدة:8).
وفي قوله- تعالي-: 
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ...) أي: كونوا دوما قائمين بالحق الذي أمركم به ربكم في كل أمر من أمور حياتكم, وذلك طلبا لمرضاته -سبحانه- لا طلبا للسمعة ومرضاة الناس. و(قوام) صيغة مبالغة في القيام بالأمر. ولذلك أتبع ربنا- تبارك وتعالي- هذا الأمر بقوله: (...شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ...) أي شهداء بالعدل. ثم أضاف- سبحانه- أمره العزيز الذي يقول فيه (..وَلاَيَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا..) أي: لا تحملنكم كراهيتكم لقوم من الأقوام علي ألا تعدلوا معهم, بل من الواجب عليكم استخدام العدل في كل الأحوال, ومع جميع الناس.
ثم جاء التأكيد علي ذلك بالأمر الإلهي: 
(..اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى...) أي أن تحقيقكم للعدل حتى مع من تبغضونهم من الخلق هو من علامات تقوي الله, ومخافة عقابه.
وختمت الآية الكريمة بقول الحق- تبارك وتعالي-: 
(...وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ*) أي: خافوا ربكم المطلع علي جميع أعمالكم ( سرها وعلنها) والمجازيكم عنها أحكم الجزاء وأعدله في الدنيا قبل الآخرة.
وفي ذلك يقول الزمخشري (رحمه الله): وفي هذا تنبيه عظيم علي أن العدل إذا كان واجبا مع الكفار الذين هم أعداء الله, وكان الأمر به بهذه الصفة من القوة, فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياء الله وأحباؤه ؟!.
وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في هذه الآية الكريمة التي تأمر بالعدل مع الأعداء قبل الأصدقاء.
وهذا الأمر الإلهي بالعدل بين الناس قد تحقق واقعا فعليا في ظل الدولة الإسلامية, ولكنه غاب عن ساحة التعاملات الإنسانية بعد إسقاط راية الإسلام بعدد من المؤامرات العالمية. وذلك لأن هناك فارقا كبيرا بين القواعد الأخلاقية حينما تمارس تنفيذا للأوامر الإلهية, فيتعبد الفرد ربه بتطبيقها طاعة يتقرب بها إليه, ويحرص علي حسن أدائها طلبا لمرضاته, وبين أن تكون الأخلاق حلية يتزين بها العبد ليمتدح بها بين أقرانه, وأخلاق الحلية سرعان ما تسقط في أوقات الشدة وساعات الأزمات...!!.
وقد أوردت هنا لمحة الإعجاز التشريعي في هذه الآية الكريمة لعل غالبية الإعلاميين أن يطلعوا عليها, وقد شاع في أحاديثهم, وكتاباتهم وبرامجهم المسموعة والمرئية كميات هائلة من الأكاذيب المفتراة,والتلفيقات المزورة, والتفاسير الملتوية لكل قرار, وحدث, وحديث, وذلك بهدف تشويه صورة الشرعية المنتخبة انتخابا حرا نزيها لأول مرة في تاريخ مصر الحديث, وذلك بفجور في الخصومة لم تعهد له مصرنا مثيلا من قبل.
وللتنبيه من أخطار ذلك أذكر هؤلاء الغافلين بأقوال رسول الله- صلي الله عليه وسلم- العديدة والتي منها ما يلي:
- "إن الصدق يهدي إلي البر, وإن البر يهدي إلي الجنة, وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا; وإن الكذب يهدي إلي الفجور, وإن الفجور يهدي إلي النار, وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا" (متفق عليه).
- "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن, كانت فيه خصلة من نفاق حتي يدعها: إذا إؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر"(متفق عليه).
- "ليس المؤمن بالطعان, ولا باللعان, ولا الفاحش, ولا البذيء" ( الترمذي).
- "سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر" (متفق عليه).
- "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده..."
ولذلك فمن الواجب علي الحكومة المصرية أن تضبط الأمور حتى لا ينفلت الزمام وتضيع دماء الشهداء هدرا بعد واحدة من أعظم الثورات في تاريخ البشرية والتي شهد العالم كله لها. وقد زاد حلم الرئيس والحكومة علي تجاوزات فلول النظام الفاسد البائد وعلي تجاوزات من تعاون معهم من الطامعين في السلطة ومن عملاء الأعداء في الداخل والخارج عن كل الحدود. والحل هو فرض هيبة الدولة انصياعا لأمر رسول الله - صلي الله عليه وسلم- الذي يقول فيه: "مثل القائم علي حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا في سفينة, فأصاب بعضهم أعلاها, وبعضهم أسفلها, فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا علي من فوقهم, فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا, فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا علي أيديهم نجوا ونجوا جميعا" (البخاري).
وهذا هو حال مصر اليوم, فالفلول والطامعون وعملاء الأعداء لا يريدون لمصر النجاة, ويتكاتفون من أجل إسقاط أول رئيس مصري منتخب في تاريخ هذا البلد العظيم, وأطلقوا لوسائل الإعلام المملوكة لعدد من رجال الإعلام الذين أثروا ثراء فاحشا في ظل النظام الفاسد البائد ليلبسوا الحق بالباطل, ويطلقوا العنان لأنفسهم بسيول من الافتراءات والأكاذيب, مستغلين طيبة الشعب المصري, ومتناسين قول الحق تبارك وتعالي: (..بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ*) (المائدة:8).
وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في هذه الآية القرآنية الكريمة التي تأمر بالعدل حتى مع من لا يحبه الإنسان, ولا يتوافق معه في الرأي.
وقد جاءت نتائج الاستفتاء علي مشروع الدستور المصري (بنسبة63.8%) مؤكدة الهوية الإسلامية للغالبية الساحقة من شعب مصر. وعلي ذلك فقد أصبح واجبا علي أتباع كل الرايات المعارضة والمستوردة, والتي بالغت في ظلمها لنظام الحكم المنتخب انتخابا نزيها لأول مرة في مصر عبر تاريخها الطويل, علي هؤلاء جميعا التسليم لرأي الأغلبية, والتوقف عن إثارة المزيد من القلاقل والفتن, حرصا علي سلامة الوطن الذي كان النظام الفاسد السابق قد دمر كل شيء فيه.
وذلك لأن في إثارة المزيد من الفتن والعداوات لا يهدف إلا إلي إعاقة حركة النهضة المصرية الجديدة, وإيقاف عجلة البناء. ودوافع ذلك هو أن كل القوي المعادية لا يرضيها أن يعود الإسلام إلي سدة الحكم في مصر من جديد, بعد أن حرمت من قيادته لقرابة القرنين من الزمان, 
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ).