(....إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ*)

بسم الله الرحمن الرحيم

من أسرار القرآن:

(449)- (....إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ*)

(‏سورة المائدة‏:72)

بقلم

الأستاذ الدكتور: زغلول راغب محمد النجار

منذ خلق الله أبوانا آدم وحواء إلي بعثة الرسول الخاتم قام الدين علي أساس من التوحيد الكامل لله‏.‏ وهذا التوحيد‏,‏ يقتضي تنزيه الخالق‏ -‏ سبحانه وتعالي‏-‏ عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏.‏ كما يقتضي اللجوء إليه‏,‏ والاستعانة به‏,‏ والسؤال منه وحده دون غيره‏.‏

لذلك يروي عن رسول الله - صلي الله عليه وسلم- أنه نادي علي ابن عباس قائلا له: "يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تجاهك, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت علي أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا علي أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رفعت الأقلام وجفت الصحف."
ولكن غواية الشيطان للإنسان لم تتوقف عند حدود إغرائه بالخروج علي أوامر الله - تعالي- في مجال السلوك, كما حدث في الأجيال من آدم إلي نوح, بل امتدت إلي دائرة العقيدة لإخراج بني آدم من التوحيد إلي الشرك. ولم يتمكن الشيطان من تحقيق ذلك إلا في زمن قوم نوح, انطلاقا من قول رسول الله - صلي الله عليه وسلم-: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم علي شريعة الحق"
ويروي ابن عباس:"... أن رجالا صالحين من قوم نوح هلكوا, فأوحي الشيطان إلي قومهم أن انصبوا إلي مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا, وسموها بأسمائهم, ففعلوا ولم تعبد, حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت. بعث الله عبده ونبيه نوحا ليرد قومه إلي التوحيد من جديد, وبعد ألف سنة إلا خمسين عاما من دعوته إياهم لم يستجب له إلا آحاد منهم. ولما يئس نوح من هداية قومه دعا الله - تعالي- عليهم فجاء الطوفان الذي أفناهم وطهر الأرض من شركهم, ونجي الله عبده نوحا والذين آمنوا معه."
وتكرر هذا الأمر مع مائة وأربعة وعشرين ألف نبي, اصطفي الله - تعالي- من بينهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا. وظل الشرك بالله هو أوسع مداخل الشيطان لغواية الإنسان. يبدأ الشيطان في إغراء الإنسان بتعظيم فرد من بني آدم, أو شيء مما خلق الله حتى يتسرب الشرك إلي قلبه دون أن يشعر به. ولذلك قيل: الشرك أخفي من دبيب النملة السوداء علي الصخرة الملساء في الليلة الظلماء. ويقول ابن كثير في تفسيره لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا, لأن الرب - تعالي- لا ينصرك, بل يكلك إلي الذي عبدت معه, وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا, لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له"
ويقول ابن عباس: "صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد,.... وبعث الرسول الخاتم والأرض غارقة في بحار من الكفر والشرك والضلال.", وفي ذلك يقول: ".. إن الله نظر إلي أهل الأرض فمقتهم- عربهم وعجمهم- إلا بقايا من أهل الكتاب".
وبعد أن قضي رسول الله - صلي الله عليه وسلم- علي مختلف صور الشرك بالله, وأقام دولة الإسلام علي ركائز من التوحيد. حذر من افتراق أمته, فقال: "إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم علي اثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الأمة ستفترق علي ثلاثة وسبعين ملة, كلها في النار إلا واحدة, وهي الجماعة." وفي حديث آخر قال: "ما أنا عليه وأصحابي". وقال: "لا تقوم الساعة حتى تلتحق قبائل من أمتي بالمشركين, وحتى يعبدوا الأوثان....." وقال: "... ومن ادعي دعوي الجاهلية فإنه من جثي جهنم فقال رجل: وإن صلي وصام؟ قال: وإن صلي وصام, فادعوا بدعوي الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله".
وفي أيامنا هذه رأينا مغاوير جنوب لبنان يتركون العدو الإسرائيلي خلف ظهورهم, ويغيرون علي الشعب السوري المسلم يحملون الأعلام الصفراء واللافتات السوداء التي تنادي علي الحسين بدلا من الاستعانة بالله, وكأنهم نسوا الله فأنساهم أنفسهم, فلم يدركوا أن ذلك باب من أخطر أبواب الشرك بالله. والله - تعالي- يحذر من هذا السقوط بقوله العزيز: (....إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ*). صدق الله العظيم, وصلي الله علي سيدنا محمد وعلي آله وصحبه وسلم.