" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ‏ " (النور‏:43).


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة النور‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وعدد آياتها أربع وستون‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في الآية الخامسة والثلاثين منها إلى حقيقة كونية عليا مؤداها أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏ .
ويدور المحور الرئيسي للسورة حول عدد من التشريعات الإلهية التي تحكم سلوك المسلم وأخلاقه ومعاملاته‏ ,‏ والآداب الاجتماعية التي يجب أن يتمسك بها في حياته الخاصة والعامة‏ ,‏ وضوابط العلاقات في داخل الأسرة المسلمة‏ ,‏ والبيت المسلم‏ ,‏ صيانة للحرمات‏ ,‏ وحفاظا على المجتمعات المسلمة من كل أسباب التفكك والانهيار‏ ....!!
ومن الآداب السلوكية التي فرضتها السورة الكريمة على أصحاب رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في زمن الوحي‏ (والتي تنسحب على المسلمين في كل زمان ومكان‏)‏ أنهم إذا كانوا في معية رسول الله وهم قائمون على أمر مهم من أمور المسلمين‏ ,‏ لا يجوز لهم أن يتركوه حتى يستأذنوا فيأذن لهم‏ .‏
وأوردت السورة الكريمة عددا من الحدود الشرعية التي فرضها الله‏ (تعالى‏)‏ صونا للمجتمعات الإنسانية من الفساد‏ ,‏والإباحية‏ ,‏ والفوضى‏ ,‏ من مثل حدود الزنا‏ ,‏ والقذف‏ ,‏ واللعان‏ ,‏ وعالجت قضايا الأسرة‏ ,‏ والآداب التي تحكم سلوك كل فرد من أفرادها‏ ,‏ والحلول للمشكلات التي يمكن أن تعترض سبيلها‏ ...!!‏
وتبدأ سورة النور بالتأكيد على أنها من جوامع سور القرآن الكريم‏ ,‏ أنزلها الله‏ (تعالى‏)‏ كما أنزل بقية سور هذا الكتاب العزيز على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وفرض فيها على عباده فرائض ألزمهم بإتباعها‏ ,‏ كما أنزل عددا من آياته البينات كي تكون تذكرة للناس إلى قيام الساعة‏ ...!!‏
وتحذر سورة النور من إتباع خطوات الشيطان‏ ,‏ وتأمر بالإنفاق في سبيل الله‏ ,‏ وتنهي عن الخوض في أعراض الناس‏ ,‏ وعن قذف المحصنات الغافلات المؤمنات‏ ,‏ وتؤكد أن الخبيثات من الزوجات للخبيثين من الأزواج والخبيثين من الأزواج للخبيثات منهن‏ ,‏ وأن الطيبات للطيبين والطيبين للطيبات‏ ,‏ وتنهي عن دخول البيوت دون الاستئذان والسلام على أهلها‏ ,‏ وتأمر بغض البصر‏ ,‏ وحفظ الفرج‏ ,‏ وبالاحتشام وستر العورات‏ ,‏ وعدم التبرج بزينة‏ ,‏ وتضع ضوابط للزواج‏ ,‏ وتحرم البغاء‏ ,‏ وتؤكد أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏ ,‏ وتضرب مثلا لهذا النور‏(‏ولله المثل الأعلى‏) ,‏ وتدعو إلى بناء المساجد بيوتا لله‏ (تعالى‏)‏ في الأرض‏ ,‏ وتأمر بالقيام على تطهيرها‏ ,‏ وتعظيمها‏ ,‏ وعمارتها‏ ,‏ ورفع شأنها كي تكون دوما منارات للهدي‏ ,‏ ومراكز للدعوة إلى دين الله‏ ,‏ ومساجد يعبد فيها الله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه ولا منازع‏) ,‏ ويسبح المؤمنون بحمده صباح مساء‏ ,‏ لا يشغلهم عن ذلك شاغل من شواغل الدنيا بزخارفها وزينتها‏ ,‏ فلا يجوز للمؤمن بالله أن ينشغل عن إقام الصلاة في المساجد على أوقاتها‏ ,‏ وإيتاء الزكاة عند استحقاقها‏ ,‏ بأقدارها‏ ,‏ وحدودها‏ ,‏ وفي مصارفها الشرعية‏ ,‏ وذلك كله طمعا في مرضاة الله‏ (تعالى‏) ,‏ وفي كرمه‏ ,‏ وفضله‏ ,‏ ورحمته‏ ,‏ وتجنبا لغضبه وسخطه‏ ,‏ وخوفا من أهوال يوم القيامة التي تضطرب لها القلوب‏ ,‏ وتزيغ الأبصار‏ ..‏
فالله‏ (تعالى‏)‏ يعطي ما يشاء لمن يشاء من عباده‏ ,‏ ولا حدود لعطائه‏ ,‏ وذلك انطلاقا من تمام ربوبيته‏ ,‏ وكمال قدرته‏ ,‏ وطلاقة مشيئته‏ ,‏ وفيض جوده‏ ,‏ وعظيم إحسانه‏ .....!!‏
وفي مقابل هذا الموقف من المؤمنين فإن الكفار سوف يفاجئون في الآخرة برؤية أعمالهم التي اقترفوها في الدنيا‏(‏وهم يظنون أنها أعمال نافعة‏)‏ وكأنها سراب خادع‏ ,‏ يخدع الظمآن في هجير الصحراء فيراه ماء يجري في القيعان على سطح الأرض حتى إذا جاءه لم يجده شيئا‏ ,‏ ووجد الله عنده فوفاه حسابه‏ ,‏ والله سريع الحساب‏ .‏
وتشبه السورة الكريمة تخبط الكفار في ظلمات الضلال بالواقف في قاع البحر العميق‏ ,‏ وسط ظلمات متراكمة‏ ,‏ متكاثفة‏ ,‏ بعضها فوق بعض‏ ,‏ تحجبه عن رؤية يده إذا أخرجها ورفعها أمامه‏ ,‏ وأضافت السورة أن من لم يهده الله للإيمان فلن يهتدي أبدا‏ .‏ وتؤكد أن جميع من في السماوات والأرض يسبح لله الذي له ملك كل شيء وإليه المصير‏ ....!!‏
وتحدثت الآيات عن تكون السحب الركامية‏ ,‏ وعما ينزل الله‏ (تعالى‏)‏ منها من ماء وبرد‏ ,‏ وعما يصاحب ذلك من ظواهر كالبرق‏ ,‏ كما تحدثت عن تقلب الليل والنهار‏ ,‏ وعن خلق كل دابة من ماء‏ ,‏ وعن إنزال الآيات المبينات للحق‏ ,‏ وعن هداية الله‏ (تعالى‏)‏ لمن يشاء من خلقه إلى دينه الحق الذي هو الإسلام كما أنزله على فترة من الرسل وأتمه وحفظه في بعثة الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏

وتحذر الآيات في هذه السورة المباركة من النفاق والمنافقين‏ ,‏ وتصفهم بأحط الصفات‏ ,‏ وتقارن بين مواقفهم ومواقف المؤمنين‏ ,‏ وتفضح دخائل نفوس المنافقين وما جبلوا عليه من الكذب‏ ,‏ والمكر‏ ,‏ والاحتيال‏ ,‏ والحنث في الأيمان‏ ,‏ ونقض العهود والمواثيق‏ ,‏ وتؤكد الآيات أن الله‏ (تعالى‏)‏ خبير بما يعملون‏ . . . ,‏ وعلى الرغم من ذلك كله فإن الآيات توصي رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يأمر هؤلاء المنافقين - في زمرة من يأمر من عباد الله - بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ فإن جوبه ذلك بالإعراض فإن ما على الرسول إلا البلاغ‏ ,‏ وما عليهم إلا السمع والطاعة‏ ...!!‏
وتؤكد الآيات في سورة النور أن وعد الله‏ (تعالى‏)‏ قائم للذين آمنوا وعملوا الصالحات من عباده في كل زمان ومكان أن يستخلفهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم‏ ,‏ وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضي لهم‏ ,‏ وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا ماداموا يعبدون الله‏ (تعالى‏)‏ على التوحيد الخالص لا يشركون به شيئا‏ ,‏ وأن‏ . .‏ ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون‏ .‏
وتأمر الآيات مجددا بإقام الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة‏ ,‏ وطاعة الرسول‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في كل أوامره خاصة في الأمر بالجهاد في سبيل الله‏ ,‏ وذلك طلبا لرحمة الله‏ (تعالى‏) ,‏ وتؤكد أن الذين كفروا ليسوا بمعجزين في الأرض‏ ,‏ وأن مأواهم النار وبئس المصير‏ ,‏ كما تؤكد أنه ليس على أهل الأعذار من حرج أو إثم في القعود عن الجهاد في سبيل الله‏ ...!!‏
وتختتم سورة النور بوصف الذين آمنوا والتزموا بأوامر الله ورسوله‏ ,‏ وتأمر بتوقير هذا الرسول الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودعائه بأفضل ما يمكن أن يدعي به‏ . .‏ وتحذر من مخالفة أمره أو الخروج عن منهجه وسنته‏ ,‏ لأن ذلك قد يكون سببا في تعرضهم لفتنة في الدنيا ولعذاب أليم في الآخرة‏ .‏
وتؤكد الآيات في ختام السورة مرة أخري أن لله ما في السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ عليم بما في قلوب خلقه من الإيمان والكفر‏ ,‏ وأنهم جميعا سوف يرجعون إليه فينبئهم بما فعلوا في الدنيا ويحاسبهم عليه‏ ,‏ ويجازي كلا بعمله‏ ,‏ وهو‏ (تعالى‏)‏ لا تخفي عليه خافية في الأرض ولا في السماء‏ .‏



والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة النور على صدق ما جاء بها من حقائق وأحكام آيات عديدة منها ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏ .‏
‏(2)‏ ضرب المثل لهذا النور الإلهي بمشكاة‏ ..‏ فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور‏ ...
‏(3)‏ تشبيه أعمال الكافرين بالتشبيه العلمي الرائع‏ ..‏ كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى  إذا جاءه لم يجده شيئا‏ ...
‏(4)‏ التشبيه بالظلمة المركبة فوق قيعان البحار العميقة التي تغشاها الأمواج الداخلية ومن فوقها الأمواج السطحية ومن فوقها السحب‏ ,‏ وكل منها يحجب جزءا من أشعة الشمس فيؤدي إلى تلك الظلمة المتراكبة الحالكة‏ ,‏ والأمواج الداخلية في كل من البحار العميقة والمحيطات لم تعرف إلا في القرن العشرين‏ .‏
‏(5)‏ التأكيد على حقيقة أن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور‏ ,‏ وفي ذلك إشارة ضمنية إلى حقيقة لم يكتشفها الإنسان إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين مؤداها أن صور الحياة فوق قيعان البحار العميقة والمحيطات قد زودها الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بوسائل إنارة ذاتية‏ ,‏ ولولا ذلك ما كان لها من نور‏ .‏
‏(6)‏ التأكيد على حقيقة أن كل ما في السماوات والأرض يسبح بحمد الله‏  (تعالى‏)‏ ويقدسه ويمجده في عبادة تسخيرية لا يدركها كثير من الناس‏ .‏
(7)‏ التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يسوق السحاب بقدرته وإرادته إلى حيث يشاء‏ (أي يزجيه‏) ,‏ وتتم هذه العملية ببطء يسمح لقطع السحاب المختلفة من الاقتراب والالتحام مع بعضها البعض‏ (ثم يؤلف بينه‏) ,‏ والتراكم وتكاثف بعضها فوق بعض‏ (ثم يجعله ركاما‏)‏ حتى يزداد سمكها وترتفع إلى أعلى فيزداد تكثف بخار الماء فيها‏ ,‏ ونمو قطيرات الماء الناتجة من هذا التكثف بالتدريج حتى تنزل مطرا من خلال تراكمات السحاب بإذن الله‏ (تعالى‏)‏ وإلى حيث يشاء ‏(‏فتري الودق يخرج من خلاله‏) ,‏ كما قد تتجمد بعض قطيرات الماء نظرا للارتفاع الهائل الذي تصل إليه فينزلها الله‏ (تعالى‏)‏ بردا من هذه السحب المتراكمة كالجبال وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء‏ ,‏ وأن نور برق البرد في هذه السحب الركامية يكاد يذهب بأبصار الناظرين إليه من شدته‏ .‏
(8)‏ التأكيد على قدرة الله البالغة في تقليب الليل والنهار‏ .‏
‏(9)‏ خلق كل دابة من ماء‏ .‏
‏(10)‏ الإشارة إلى إمكانية تصنيف الدواب على أساس من طريقة مشيها
‏" والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير‏ " ‏(النور:45) , وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة مستقلة ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السابعة والتي تشير فيها الآية الثالثة والأربعون من سورة النور إلى تكون المزن الركامية‏ ,‏ وإلى إنزال كل من المطر والبرد منها بإرادة الله‏ (تعالى‏) ,‏ وإلى ما قد يصاحب ذلك من برق ورعد‏ .

 وقبل التعرض لذلك لابد من استعراض لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ " (النور‏:43)‏ .
ذكر ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ ما نصه‏ :‏ يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة وهو الإزجاء‏ , (ثم يؤلف بينه‏)‏ أي يجمعه بعد تفرقه‏ , (ثم يجعله ركاما‏)‏ أي متراكما أي يركب بعضه بعضا‏ , (فتري الودق‏)‏ أي المطر‏ , (يخرج من خلاله‏)‏ أي من خلله‏ ,‏ وقوله‏: (وينزل من السماء من جبال فيها من برد‏)‏ قال بعض النحاة‏: (من‏)‏ الأولي لابتداء الغاية‏ ,‏ والثانية للتبعيض‏ ,‏ والثالثة لبيان الجنس‏ ,‏ ومعناه‏:‏ أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد‏ ,‏ وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب فإن‏ (من‏)‏ الثانية عنده لابتداء الغاية لكنها بدل من الأولي والله أعلم‏ ,‏ وقوله تعالى‏ : " ‏فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء " (النور‏:43)‏ , يحتمل أن يكون المراد بقوله‏:(‏فيصيب به‏):‏ أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد‏ ,‏ فيكون قوله‏: ‏" فيصيب به من يشاء " رحمة لهم ‏‏" ويصرفه عن من يشاء "‏ ‏(النور‏:43)‏ , أي يؤخر عنهم الغيث‏ ,‏ ويحتمل أن يكون المراد بقوله‏:‏‏(‏فيصيب به‏)‏ أي بالبرد نقمة على من يشاء لما فيه من إتلاف زروعهم وأشجارهم‏ ,(‏ويصرفه عن من يشاء‏)‏ رحمة بهم‏ ,‏ وقوله‏ : " ‏يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏ "‏ (النور‏:43)‏ أي يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته‏ ....

وجاء في تفسير الجلالين‏ (رحم الله كاتبيه برحمته الواسعة‏)‏ ما نصه‏:(‏ألم تر أن الله يزجي سحابا‏)‏ يسوقه برفق‏ (ثم يؤلف بينه‏)‏ بضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة‏ (ثم يجعله ركاما‏)‏ بعضه فوق بعض‏ (فتري الودق‏)‏ المطر‏(‏يخرج من خلاله‏)‏ مخارجه‏ , (وينزل من السماء‏) (من‏)‏ زائدة‏ (جبال فيها‏)‏ في السماء بدل بإعادة الجار‏ (من برد‏)‏ أي بعضه‏ (فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء‏) (يكاد‏)‏ يقرب‏ (سنا برقه‏)‏ لمعانه‏ (يذهب بالأبصار‏)‏ الناظرة له‏:‏أي يخطفها‏ .
وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما  نصه ‏:‏ ومشهد آخر من مشاهد هذا الكون التي يمر عليها الناس غافلين‏ ,‏ وفيها متعة للنظر‏ ,‏ وعبرة للقلب‏ ,‏ ومجال للتأمل في صنع الله وآياته‏ ,‏ وفي دلائل النور والهدي والإيمان‏ ..... ,‏ والمشهد يعرض على مهل وفي إطالة‏ ,‏ وتترك أجزاؤه للتأمل قبل أن تلتقي وتتجمع‏ .‏ كل أولئك لتؤدي الغرض من عرضها في لمس القلب وإيقاظه‏ ,‏ وبعثه إلى التأمل والعبرة‏ ,‏ وتدبر ما وراءها من صنع الله‏ .‏ إذ يد الله تزجي السحاب وتدفعه من مكان إلى مكان‏ ,‏ ثم تؤلف بينه وتجمعه‏ ,‏ فإذا هو ركام بعضه فوق بعض‏ ,‏ فإذا ثقل خرج منه الماء‏ ,‏ و الوبل الهاطل‏ ,‏ وهو في هيئة الجبال الضخمة الكثيفة‏ ,‏ فيها قطع البرد الثلجية الصغيرة‏ ..‏ ومشهد السحب كالجبال ليبدو كما يبدو لراكب الطائرة وهي تعلو فوق السحب أو تسير بينها‏ ,‏ فإذا المشهد مشهد الجبال حقا‏ ,‏ بضخامتها‏ ,‏ و مساقطها‏ ,‏ وارتفاعاتها وانخفاضاتها‏ ,‏ وإنه لتعبير مصور للحقيقة التي لم يرها الناس‏ ,‏ إلا بعد ما ركبوا الطائرات‏ .‏
وهذه الجبال مسخرة بأمر الله‏ ,‏ وفق ناموسه الذي يحكم الكون‏ ,‏ ووفق هذا الناموس يصيب الله بالمطر من يشاء‏ ,‏ ويصرفه عمن يشاء‏ .. وتكملة المشهد الضخم‏ : " يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار "‏ (النور‏:43)‏ , ذلك ليتم التناسق مع جو النور الكبير في الكون العريض‏ ,‏ على طريق التناسق في التصوير‏ .‏

و جاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ (رحم الله كاتبها رحمة واسعة‏)‏ ما نصه‏: (ألم تر أن الله‏):‏ دليل من الآثار العلوية على كمال قدرته تعالى وانفراده بالخلق والتدبير‏ . (يزجي سحابا‏)‏ يسوقه سوقا رفيقا إلى حيث يريد‏ .‏ يقال‏:‏ زجي الشيء يزجيه تزجية‏ ,‏ دفعه برفق‏ ,‏ كزجاه وأزجاه‏ . (ثم يجعله ركاما‏)‏ متراكما بعضه فوق بعض‏ .‏ يقال‏:‏ ركم الشيء يركمه ركما‏ ,‏ إذا جمعه وألقي بعضه على بعض‏ .‏ وتراكم وارتكم الشيء‏:‏ اجتمع‏ ,‏ والركام‏:‏ الرمل المتراكم‏ .
(الودق‏)‏ أي المطر‏ .‏ وهو في الأصل مصدر ودق السحاب يدق ودقا‏ ,‏ إذا نزل منه المطر‏ .
(خلاله‏)‏ أي فتوقه ومخارجه‏ .‏ جمع خلل‏ ,‏ كجبال وجبل‏ . . (سنا برقه‏)‏ أي شدة ضوء برق السحاب ولمعانه‏ .‏ يقال‏:‏ سنا يسنو سنا‏ ,‏ أي أضاء‏ .‏

وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزي الله كاتبيه خير الجزاء‏)‏ ما نصه‏:‏ ألم تر أيها النبي أن الله يسوق بالريح سحابا‏ ,‏ ثم يضم بعضه إلى بعض ويجعله متراكما‏ ,‏ فتري المطر يخرج من خلال السحاب‏ ,‏ والله ينزل من مجموعات السحب المتكاثفة التي تشبه الجبال في عظمتها بردا‏ ,‏ كالحصى ينزل على قوم فينفعهم أو يضرهم تبعا لقوانينه وإرادته ولا ينزل على آخرين كما يريد الله فهو سبحانه الفاعل المختار‏ .‏ ويكاد ضوء البرق الحادث من اصطكاك السحب يذهب بالأبصار لشدته‏ ,‏ وهذه الظواهر دلائل قدرة الله الموجبة للإيمان‏ .‏

وجاء في الهامش الملاحظتان التاليتان‏ :
1‏- لا يعرف التشابه بين السحب والجبال إلا من يركب طائرة تعلو به فوق السحاب فيراها من فوق كأنها الجبال والآكام‏ ,‏ وإذا لم تكن تلك الطائرات في عصر النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فإنه يكون ذلك دليلا على أن هذا الكلام من عند الله الذي يعلم ما علا‏ ,‏ وما انخفض‏ .‏
‏2‏- تسبق هذه الآية الكريمة ركب العلم‏ .‏ فإنها تتناول مراحل تكون السحب الركامية وخصائصها‏ .‏ وما عرف علميا في العهد الأخير من أن السحب الممطرة تبدأ على هيئة وحدات يتآلف عدد منها في مجموعات هي السحب الركامية‏:‏ أي السحب التي تنمو في الاتجاه الرأسي‏ ,‏ وترتفع قممها إلى علو ‏15‏ أو ‏20‏ كيلو مترا فتبدو كالجبال الشامخة‏ .‏
كما أن هذه السحب هي ـ وحدها ـ التي تجود بالبرد وتشحن بالكهرباء‏ ,‏ وقد يتلاحق حدوث البرق في سلسلة تكاد تكون متصلة‏(40‏ تفريغا في الدقيقة الواحدة‏)‏ فيذهب ببصر الراصد من شدة الضياء‏ .‏ وهذا هو عين ما يحدث للملاحين والطيارين الذين يخترقون عواصف الرعد في المناطق الحارة‏ .‏ وينجم عن فقد البصر هذا أضرار بليغة تشكل خطرا حقيقيا على أعمال الطيران وسط العواصف الرعدية‏ .‏



السحب الركامية في منظور العلوم المكتسبة :

أولاً ‏:‏ تَكَوُّن السحب‏ :‏
تتكون السحب نتيجة لتكثف بخار الماء في الهواء الرطب على هيئة قطيرات دقيقة من الماء‏ ,‏ ويتم مثل هذا التكثف بتبريد الهواء الدافئ الرطب إما بالتقائه مع جبهة باردة‏ ,‏ أو بارتفاعه إلى أعلى بطفوه فوق الجبهة الباردة أو بارتطامه بالسلاسل الجبلية‏ ,‏ وفي كل الأحوال يكون تصريف الرياح وإرسالها بمشيئة الله‏ (تعالى‏)‏ هو الوسيلة الفاعلة في حركة الهواء الرطب أفقيا ورأسيا‏ .‏
وتساعد حركة الرياح حرارة الشمس التي تصل الأرض بكميات متفاوتة نظرا لميل محور دوران الأرض حول نفسها أمام الشمس على دائرة البروج بزاوية قدرها ست وستون درجة ونصف‏ .‏ والأرض تجري كذلك في مدارها حول الشمس وهي مائلة بهذا القدر‏ ,‏ وعلى ذلك فإن أشعة الشمس تتعامد على خط الاستواء‏ ,‏ وتميل ميلا كبيرا فوق القطبين‏ ,‏ وميلا متوسطا بينهما‏ ,‏ مما يؤدي إلى تباين كبير في توزيع درجات الحرارة على سطح الأرض‏ ,‏ وعند هذا التباين تنتج حركة صاعدة للهواء الساخن‏ ,‏ وحركة هابطة للهواء البارد‏ ,‏ كذلك فإن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق يعين على دفع الهواء المحيط بالمنطقة الاستوائية في اتجاه الغرب‏ ,‏ وإلى تكون عدد من الخلايا بين خط الاستواء وكل من قطبي الأرض على هيئة دورة عامة للرياح شديدة الانتظام حول الأرض‏ ,‏ منها الدوائر الحارة‏ ,‏ والمعتدلة والباردة والجبهات الهوائية الفاصلة بينها‏ .‏ وبالإضافة إلى ذلك فإن الظروف الجغرافية المحلية تزيد من تعقيد الصورة العامة لحركات الرياح التي تكون دافئة ورطبة فوق المحيطات المدارية‏ ,‏ وحارة‏/‏ جافة فوق الصحاري‏ ,‏ وباردة‏/‏ جافة فوق المناطق المكسوة بالجليد‏ .‏
وتتدخل تضاريس سطح الأرض مثل السلاسل الجبلية‏ ,‏ والتلال‏ ,‏ والهضاب‏ ,‏ والسهول والمنخفضات و الكتل المائية المختلفة في زيادة تعقيد الصورة‏ ,‏ ففي الصيف تسخن اليابسة أكثر من الكتل المائية‏ ,‏ وفي الشتاء تحتفظ الكتل المائية بالحرارة لمدة أطول فتكون أدفأ من اليابسة‏ ,‏ فينشأ عن تلك الفروق في درجة الحرارة حركة للرياح تعرف باسم نسيم البر والبحر‏ ,‏ كما تنشأ دورة للرياح بين الجبال والأودية والمنخفضات المحيطة بها‏ .‏
وهذه الحركات الأفقية للكتل الهوائية من مناطق الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض تصاحبها حركات رأسية إلى أعلي‏ ,‏ فإذا سخنت كتلة من الهواء إلى درجة تمايزها عن الكتل الهوائية المجاورة لها فإنها ترتفع إلى أعلى حيث يتناقص ضغطها‏ ,‏ وتنخفض درجة حرارتها‏ ,‏ ويبدأ ما فيها من رطوبة في التكثف إذا وصلت درجة الحرارة فيها إلى نقطة التشبع‏ (نقطة تكون الندي‏) ,‏ فتتحول الكتلة الهوائية الرطبة إلى سحابة من أنواع السحب المتعددة‏ .‏
وبتصريف الرياح أفقيا ورأسيا ينقسم الغلاف الغازي المحيط بالأرض إلى أعداد من الكتل الهوائية المتجاورة والمتمايزة في صفاتها الطبيعية وتركيبها الكيميائي‏ ,‏ وكل كتلة من هذه الكتل الهوائية تمثل بكمية هائلة من الهواء المتجانس فيما بينه خاصة في درجتي الحرارة والرطوبة النسبية‏ ,‏ وتمتد كل كتلة منها لعدة كيلو مترات أفقيا ولمئات حتى آلاف الأمتار رأسيا‏ ,‏ ويفصل بينها حدود واضحة تعرف باسم الجبهات الهوائية‏ .‏
والغلاف الغازي للأرض يقدر سمكه بعدة آلاف من الكيلو مترات‏ ,‏ وتقدر كتلته بأكثر قليلا من ستة تريليونات من الأطنان‏(6 .120 (.)1510‏ طن‏) ,‏ والغالبية العظمي من هذه الكتلة‏(%99)‏ يقع دون ارتفاع‏50‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏ ,‏ وعلى ذلك فإن حركة الرياح تكاد تتركز أساسا في هذا الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏ .‏
ويتناقص ضغط الهواء بالارتفاع في الغلاف الغازي للأرض من حوالي الكيلو جرام على السنتيمتر المربع‏(1 .0336‏ كيلو جرام‏/‏ سم‏2)‏ عند مستوى سطح البحر إلى حوالي الجرام على السنتيمتر المربع‏(1 .0336‏ جرام‏/‏ سم‏2)‏ عند ارتفاع‏48‏ كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏ ,‏ وإلى قرابة الصفر عند ارتفاع ستين كيلو مترا فوق مستوي سطح البحر‏ .‏
والغلاف المائي للأرض تقدر كميته بحوالي‏1 .36‏ مليار كيلو متر مكعب‏ ,‏ ويغمر ماء الأرض أكثر قليلا من71%‏ من مساحة سطحها‏ ,‏ وأغلب هذا الماء‏(%97 .2)‏ مخزون في البحار والمحيطات‏ ,‏ وأغلب الباقي‏ (حوالي‏%2 .15‏ من مجموع ماء الأرض‏)‏ موجود على هيئة جليد فوق قطبي الأرض‏ ,‏ وفي قمم الجبال العالية‏ ,‏ والباقي‏(%0 .65)‏ موجود في البحيرات العذبة‏ ,‏ وفي خزانات الماء تحت سطح الأرض‏ ,‏ وفي المجاري المائية المختلفة من الأنهار والجداول وغيرها‏ .‏
وتقوم حرارة الشمس بتبخير‏380 .000‏ كيلو متر مكعب من ماء الأرض سنويا‏ ,‏ أغلبها‏(320 .000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من أسطح البحار والمحيطات‏ ,‏ والباقي‏(60 .000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ يصعد من اليابسة بالبخر ومن تنفس الإنسان والحيوان ونتج النبات‏ ,‏ وهذا البخار تدفعه حركة الرياح جانبيا ورأسيا على هيئة هواء رطب إلى مناطق أبرد أو أقل ضغطا فتبدأ فيه عمليات التكثيف على هيئة قطيرات متناهية الدقة من الماء فتتكون السحب‏ ,‏ ثم تدفع تيارات الرياح بهباءات الغبار وغيرها من نوى التكثيف إلى داخل السحب فتعين على المزيد من تكثف بخار الماء ونمو قطيراته إلى الحجم الذي يسمح بنزولها مطرا أو بردا أو ثلجا‏ ,‏ وتحرك الرياح تلك السحب المثقلة بالماء‏ (المزن‏)‏ إلى حيث يشاء الله‏ (تعالى‏)‏ لها أن تنزل فينزلها‏ (سبحانه‏)‏ بقدر معلوم‏ .‏

وحينما يصل ماء المطر إلى المنطقة المقسوم لها أن ينزل عليها هذا القدر من الماء بتقدير من الله‏ (تعالى‏)‏ فإنه يجري على سطح اليابسة يشرب منه كل حي بالقدر المقسوم‏ ,‏ كما يقوم بدور مهم في تفتيت صخور الأرض وتكوين التربة‏ ,‏ وشق الفجاج والسبل‏ ,‏ ويخزن جزء معلوم منه في صخور الأرض المنفذة وينتهي المطاف بالباقي إلى البحار والمحيطات ليعاود الكرة من جديد‏ .‏
والماء المختزن تحت سطح الأرض قد يشارك في تغذية بعض الأنهار والبحيرات والمستنقعات‏ ,‏ وقد تتفجر عنه الصخور فيخرج على هيئة عدد من الينابيع الفوارة أو العيون‏ ,‏ كما قد يحفر عليه عدد من الآبار‏ .‏
وتسقط الأمطار على البحار والمحيطات بمعدل ‏284 .000‏ كيلو مترا مكعبا في السنة‏ ,‏ وعلى اليابسة بمعدل ‏96 .000‏ كيلو مترا مكعبا‏ ,‏ وذلك في دورة معجزة تعرف باسم دورة الماء حول الأرض وفي ذلك يقول المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)
:‏ " ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه‏ "‏ .


ثانياً‏ :‏ تكون السحب الركامية ‏:
بتصريف الرياح ـ حسب علم الله ومشيئته ينقل بخار الماء من مناطق البخر على هيئة الكتل الهوائية الدافئة الرطبة إلى مناطق التكثيف الباردة مكونا السحب التي تلقح بنوى التكثيف بفعل الرياح التي يصرفها الله‏ (تعالى‏)‏ أيضا بعلمه وحكمته وإرادته فتتحول هذه السحب إلى سحب قادرة على إنزال الماء تعرف باسم السحب الممطرة‏ (أو المزن‏)‏ يسوقها الله‏ (تعالى‏)‏ إلى حيث يشاء‏ .‏

وعلى ذلك فإن من العوامل الفاعلة في تكثف بخار الماء في داخل الكتل الهوائية الرطبة وتكون السحب هو تبردها بدرجة كافية حتى تصل إلى نقطة الندي فيبدأ البخار المتجمع في تلك الكتل الهوائية الرطبة في التكثف على هيئة قطيرات مائية‏ ,‏ وتتبرد الكتل الهوائية الرطبة إما بالتقائها مع كتل هوائية باردة‏ ,‏ وإما برفعها إلى مستويات أعلى من مستوي سطح البحر بعدة مئات بل آلاف من الأمتار‏ ,‏ مما يتسبب في فقدانها الكثير من حرارتها بوجودها في وسط أقل حرارة‏ ,‏ وبتمددها لوجدوها في وسط أقل ضغطا فتتبرد إشعاعيا‏ ,‏ ومع التبرد ترتفع درجة الرطوبة النسبية فيها‏ ,‏ ويبدأ ما تحمله كتلة الهواء الرطب من بخار الماء في التكثف على هيئة قطيرات الماء فتتكون السحب‏ ,‏ وتتحدد قاعدة السحابة الواحدة بناء على كل من درجة الحرارة والرطوبة في كتلة الهواء الصاعدة وشدة الرياح التي تدفعها‏ ,‏ بينما تتحدد قمة السحابة وحجمها على هذه العوامل ذاتها بالإضافة إلى قوة حركة الدفع إلى أعلى وطبيعته‏ .‏

ومن العناصر الفاعلة والمؤدية إلى مزيد من تكثف بخار الماء في داخل السحب المثقلة به هي نوى التكثف التي يسوقها الله‏ (تعالى‏)‏ مع الرياح المصرفة‏ ,‏ وهي عبارة عن هباءات دقيقة من الغبار والهباب‏ ,‏ والمركبات الكيميائية التي لها جاذبية خاصة لبخار الماء‏ (مثل كبريتات النوشادر‏)‏ وبعض الأملاح الناتجة عن تبخر ماء البحار والمحيطات‏ ,‏ وغير ذلك مما يمكن أن يعلق بالهواء‏ .‏
فعندما يرسل الله‏ (تعالى‏)‏ الرياح فتدفع بكتلة من الهواء الرطب الدافئ فوق كتلة من الهواء البارد فإنها تتبرد‏ ,‏ ويبدأ ما بها من بخار الماء في التكثف على هيئة قطيرات مائية فتتكون سحب منخفضة نسبياً لها هيئة طباقية ولذا تعرف بالسحب الطباقية‏ (
Stratiformor Layered Clouds) ‏وهي تتكون من طبقات أفقية تقريبا تمتد لمئات من الكيلو مترات المربعة‏ ,‏ بسمك عدة مئات من الأمتار‏ ,‏ وتدفعها رياح عمودية على اتجاه جبهتها تزودها ببخار الماء‏ ,‏ ولذلك فهي عادة ما تكون من أغزر أنواع السحب إمطارا وأوسعها انتشارا بإذن الله‏ (تعالى‏) .
وعلى العكس من ذلك فإنه عندما يرسل الله‏ (تعالى‏)‏ الرياح فتدفع بكتلة من الهواء البارد في اتجاه كتلة من الهواء الدافئ الرطب‏ ,‏ فإن كتلة الهواء البارد تقطع كتلة الهواء الدافئ بمقدمتها‏ (الجبهة الهوائية الباردة‏)‏ وبتكرار عملية سوق السحب في اتجاه بعضها بعضا‏ (الإزجاء‏) ,‏ والتأليف بينها فإنها تداوم إلى نصفين ترفع احدهما إلى أعلي‏ ,‏ وتحتوي النصف الآخر في الارتفاع إلى أعلى على هيئة متراكمة مكدسة متراكبة فوق بعضها بعضا‏ ,‏ ومع مداومة الارتفاع يبدأ بخار الماء في كتلة الهواء المرتفعة في التكثف على هيئة قطيرات مائية دقيقة مكونة تجمعات من السحب العالية المتراكبة تعرف باسم السحب الركامية
(Cumuliformor Heap Clouds) ‏وهي عبارة عن أكوام من السحب المكدسة فوق بعضها بعضا بما يشبه سلاسل الجبال المفصولة بعدد من الأخاديد والأودية العميقة التي قد يصل ارتفاعها إلى أكثر من ‏15‏ كيلو مترا‏ ,‏ مما يعكس الارتفاع المتكرر والمتعدد للهواء المشبع ببخار الماء على مدي طويل من الزمن‏ ,‏ ومع الارتفاع إلى مستويات تتعدي مستوي الركود المناخي يحدث الانخفاض الشديد في درجة الحرارة مما يسمح بتكون بللورات من الثلج في قمة جبال السحب الركامية يليه إلى أسفل حبيبات البرد وقطرات من الماء الشديد البرودة‏ ,‏ ثم قطرات الماء البارد‏ ,‏ والسحب الركامية‏ ,‏ هي النوع الوحيد من السحب المعروفة لنا والمصاحبة بظواهر الرعد والبرق و بنزول كل من البرد والثلج‏ .‏

وعلى ذلك فإن تكون السحب الركامية يتطلب أن تسوق الرياح بإذن الله‏ (تعالى‏)‏ قطعا من السحاب المتناثر بطريقة مستمرة ولفترة محددة حتى تتلاقي وتتحد وتتآلف في مناطق تعرف باسم مناطق التجمع (‏Convergence Zones) وهو ما سماه القرآن الكريم بتعبير الإزجاء‏ ,‏ وهذا الإزجاء أو السوق البطيء لقطع السحاب يزيد من تركيز بخار الماء في مثل هذا التجمع من السحب‏ ,‏ وذلك لأن سرعة تحرك هذه السحب تكون أبطأ من سرعة الرياح المثيرة لها‏ ,‏ خاصة إذا كان حجم السحابة كبيرا‏ ,‏ وذلك بسبب تأثير قوة الإعاقة ‏(Drag Force)‏ وهذا ما يسبب التحام وتآلف تلك السحب‏ .
كذلك فإن سرعة الرياح تتباطأ بصفة عامة كلما اتجهنا إلى مناطق التجمع حتى تتلاحم السحب مع بعضها البعض بإرادة الله‏ (تعالى‏) ,‏ ولعل هذا هو المقصود من قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه‏ " (النور‏:43)‏ , وعندما تلتحم سحابتان أو أكثر ‏(
Cloud-merging)‏ فإن تيار الهواء الصاعد داخل تجمعهما يزداد شدة‏ ,‏ وعنفا‏ ,‏ وسرعة مما يعين على جلب المزيد من بخار الماء إلى قمة هذا التجمع التراكمي للسحب‏ ,‏ ويزيد من معدلات التكثف فيه‏ ,‏ وبازدياد سرعة تيار الهواء الصاعد فإنه يدفع بالتجمع المتراكم إلى مزيد من الارتفاع إلى أعلي‏ ,‏ وتكون سرعة التيارات الهوائية الصاعدة أعلى ما تكون في وسط هذا التجمع للسحب الركامية‏ ,‏ مما يؤدي إلى المزيد من ركم مكوناتها والدفع بها إلى أعلى بهيئة النافورة المتدفقة أو البركان الثائر الذي تتراكم طفوحه على جانبيه‏ .‏
وكلما زاد إزجاء السحب إلى بعضها البعض أي تجميعها‏ ,‏ زاد ركمها أي تراكمها وتكدسها‏ ,‏ وزاد سمك تجمعها وبالتالي زادت قدرة هذا السحاب المركوم على إنزال المطر والبرد بإذن الله وزادت ظواهر الرعد والبرق فيه‏ ,‏ وسمي بالمزن الركامية‏ (أو السحاب الركامي الممطر‏) ,‏ والأنواع الشاهقة الارتفاع من المزن الركامية تتكون من بلورات الثلج في قمتها‏ ,‏ ومن خليط من حبات البرد وقطرات ماء شديد البرودة في وسطها‏ ,‏ وقطرات ماء بارد فقط في قاعدتها‏ .
وتتحرك السحب الركامية إلى حيث شاء الله تعالى لها أن تصل‏ ,‏ وتظل عملية الركم مستمرة فيها مادامت تيارات الهواء الصاعدة قادرة على رفع مزيد من بخار الماء‏ ,‏ وعندما تثقل حمولة هذا السحاب المركوم ينزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ حيث يشاء بقدر معلوم على هيئة مطر‏ ,‏ أو برد‏ ,‏ أو ثلج‏ ,‏ أو على هيئة خليط منها جميعا وذلك حسب مكونات التجمعات المزنية المركومة وتوزيع درجات الحرارة والرطوبة فيها وأسفل منها‏ ,‏ ويتكون البرد بين درجات تتراوح بين ما دون الصفر المئوي وأربعين درجة تحت الصفر‏ ,‏ وقد تنمو حبات البرد إلى حجم البرتقالة‏ ,‏ وهي مدمرة للزراعة‏ ,‏ وينزل المطر من قاعدة المزن الركامية على هيئة زخات متفرقة في بادئ الأم
‏ ,‏ ثم لا تلبث أن تشمل معظم قاعدتها حيث تسود التيارات الهابطة في نهاية عمر المزن الركامية‏ .‏

إن معرفة السحب الركامية لم يدركها الإنسان إلا بعد ريادة السماء بواسطة الطائرات‏ ,‏ وهذا الفهم لطبيعة وتكون السحب الركامية لم تصل إليه العلوم المكتسبة إلا في أواخر القرن العشرين‏ ,‏ ومن هنا يأتي وصف القرآن الكريم لها بهذه الدقة والإحاطة والشمول شهادة صدق على أن القرآن العظيم هو كلام الله الخالق‏ ,‏ وأن الرسول الخاتم الذي تلقاه كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض فسبحان الذي أنزل القرآن الكريم‏ ,‏ أنزله بعلمه‏ ,‏ وأنزل فيه قوله الحق ‏:‏ " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ " (النور‏:43)‏ .

وصلى الله وسلم وبارك على النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقى هذا القرآن العظيم وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏