من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في صيام شهر رمضان

من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في صيام شهر رمضان

بقلم

الأستاذ الدكتور زغلول راغب محمد النجار

      يقول ربنا- تبارك وتعالى- في محكم كتابه :

بسم الله الرحمن الرحيم

  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ * (البقرة:183-186).

وفي هذه الآيات عدد هائل من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

أولا:في قوله- تعالى-{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا..} نداء من الله- تعالى-  حبيب إلى قلب كل مؤمن , ولمحة الإعجاز فيه أنه لا يقوم بفريضة الصيام إلا عباد الله المؤمنين وذلك لأن الصيام تعبير واضح عن خضوع العبد خضوعا إراديا كاملا لربه , ومن الثابت أنه لم يعبد بالصيام الحقيقي أحد غير الله , ولذلك قال تعالى في الحديث القدسي : ” كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به...“ .

ثانيا : في قوله- تعالى- {....كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ....} تأكيد على أن الله - تعالى- فرض صيام   شهر رمضان على كل مسلم, بالغ, عاقل, حر, صحيح ومقيم . لذلك اعتبر رسول الله-    صلى الله عليه وسلم- صيام هذا الشهر ركنا من أركان الإسلام .

ثالثا : في قوله- تعالى- {...كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ..} تأكيد على وحدة رسالة السماء المنطلقة من وحدانية الخالق- سبحانه وتعالى- , لذلك قال المصطفى- صلى الله عليه وسلم- :“ صوم رمضان كان مفروضا على الأمم قبلكم“. وفي ذلك إشارة أيضا إلى ختام سلسلة النبوة والرسالة ببعثة سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- لأن النص القرآني لم يقل شيئا عمن جاءوا بعد البعثة الخاتمة .

رابعا : في قوله- تعالى- {... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ...} والتقوى في الأصل معناها الوقاية , ويقصد بها هنا وقاية الإنسان المؤمن من الوقوع في حد من حدود الله , ولا يعين الإنسان على تحقيق التقوى في ذاته شئ مثل الصيام . وذلك لأن الصيام يعتبر وسيلة تربوبة ناجعة للإنسان تقوي من إرادته , وتشحذ من همته , وتزيد من مقدرات احتماله وتعوده على الصبر , وعلى إيثار عبادة الله على الدعة والراحة , بالإضافة إلى ما في هذه العبادة من تزكية للنفس , وتطهير للقلب , وصحة للأبدان . وهذه كلها تتحقق  بالصوم الذي يقرب العبد من ربه , ويؤكد حقيقة الإيمان في وجدانه . فالهدف من هذه العبادة هو تحقيق تقوى الله- سبحانه وتعالى- . والتقوى تتحقق بالإيمان الصادق بالله الخالق البارئ المصور , وبملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقدر (خيره وشره), وبإخلاص العبودية لله- تعالى- وحده, وبتنزيهه– سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه, وعن كل وصف لا يليق بجلاله, وبخشيته في السر والعلن. ولذلك عبر السلف الصالح عن التقوى بالعديد من الصيغ التي منها ما يلي :

" الخوف من الجليل, والعمل بالتنزيل, والاستعداد ليوم الرحيل " .

" أن يطاع الله فلا يعصى, ويذكر فلا ينسى, ويشكر فلا يكفر " .

" أن يجدك الله حيث أمرك, وألا يجدك حيث نهاك " .

ومن أفضل الوسائل لتحقيق التقوى في قلب المؤمن هي عبادة الصيام الذي يصفه الرسول-صلى الله عليه وسلم- بقوله الشريف: ” الصيام جنة“, أي وقاية وحاجز من الوقوع في المعاصي, ويقول:“الصوم نصف الصبر, والصبر من منازل المؤمنين بالله المتقين لجلاله ” .

         والصوم يعين على حسن أداء العبادات , لأنه يجمع إلى العبادات المفروضة وسننها عددا من السنن الأخرى التي منها: صلاة التراويح , التهجد , المواظبة على تلاوة القرآن وحسن مدارستة فيتحقق بذلك المزيد من التفقه في الدين .وإذا أضفنا إلى ذلك حضور مجالس العلم والحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر , وتحري ليلة القدر فيها , والإكثار من الدعاء والحرص على أداء العمرة إن استطاع إلى ذلك سبيلا لأقوال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي منها :

-         ”عمرة في رمضان تقضي حجة , أو قال حجة معي“.

-         ”من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه“.

-         ” من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ”.

-         ومن التقوى الالتزام بمكارم الأخلاق وصوم رمضان يعود الصائم على الالتزام بمكارم الأخلاق, وفي ذلك يقول الرسول-:

-         ” ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث“ .

-         ”.... والصيام جنة , فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث , ولا يصخب , فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ”.

-         ” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه“.

   ومن مكارم الأخلاق الجود والكرم خاصة في رمضان لأن رسول الله كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل , وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن كما جاء في حديث ابن عباس والذي ختمه بقوله:“..فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة“.

خامسا : في قوله- تعالى- : { أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ...} ويعني ذلك أن الصيام لفترة محدودة هي   مدة شهر رمضان , وليست صيام الدهر كله والذي يمكن أن يفقد صائم الدهر الشعور بجلال هذه العبادة, لأنها تصبح بالممارسة المستديمة شيئا من العادة وليست من العبادة

سادسا : في قوله- تعالى- : {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر..} وهذا من رحمة الله- تعالى- بعباده المؤمنين,  فعلى الرغم من جلال عبادة الصوم, فإن هذا النص يستثني من هذه العبادة كلا من المرضى حتى يصحوا والمسافرين حتى يقيموا. وظاهر النص مطلق, اي: غير محدد لنوع المرض أو طول فترة السفر, بمعنى أن أي مرض وأي سفر يسوغ الفطر مع القضاء. والأمر في ذلك متروك لضمير العبد المؤمن لأن الشعائر التعبدية في الإسلام هي علاقة بين العبد وربه, وإذا تحققت التقوى في قلب العبد المسلم فإنه لن يتفلت, ولن يترخص أبدا إلا في الأمر الذي يرتضيه قلبه ويرى فيه طاعة لخالقه. وفي ذلك يروى عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قوله :“ إن الله تعالى- وضع شطر الصلاة عن المسافر وأرخص له في الإفطار, وأرخص فيه للمرضع والحبلى إذا خافتا على ولديهما ” .

سابعا : في قوله- تعالى- : {... وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ...} رخصة لمن يجد في نفسه مجاهدة شديدة في الصوم , وهو مدلول ”لفظة يطيقونه“ لأن الإطاقة هي الاحتمال بأقصى جهد . من هنا رخص ربنا- تبارك وتعالى- بالفطر لكل من يجد مشقة في الصوم على أن يطعم مسكينا عن كل يوم يفطره . ثم حبب  في إطعام المساكين إطلاقا , إما تطوعا بغير الفدية , وإما يالإكثار من حد الفدية .

ثامنا : في قوله- تعالى- : {... وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ...} وذلك لما في الصوم من فوائد عديدة منها: تقوية الإرادة , وتعويد على الصبر, ومضاعفة للاحتمال , وزيادة في حب طاعة الله. هذا بالإضافة إلى ما في الصوم من تزكية للنفس وضبط للسلوك وطهارة للقلب وعافية للبدن.

   فقد ثبت أن جسم الإنسان يعتمد في نشاطه أثناء الصيام على سكر الجلوكوز الذي يتناوله الصائم فيما يتناول في وجبة السحور, ولذلك قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- :     ”تسحروا فإن في السحور بركة “, وقال:“إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين“  ولكن الجلوكوز الذي يحصل عليه جسم الصائم في وجبة السحور لا يكفي إلا لساعات محددة من ساعات فترة الصيام , لذلك يعتمد جسم الصائم على كل من المواد السكرية والدهنية المختزنة فيه. وبمجرد تناقص نسبة سكر الجلوكوز في الدم , تبدأ عمليات الاستقلاب في التسارع فيتحول الجلايكوجين المختزن في الكبد إلى سكر الجلوكوز ثم تتحول الدهون إلى الأحماض الدهنية والجليسيرول التي تتأكسد لتصنيع الجلوكوز وإنتاج الطاقة. ويشترك في ذلك استقلاب المواد البروتينية من أجل حفظ معدل تركيز سكر الجلوكوز في الدم في مستوى ثابت . ويؤدي الصيام إلى زيادة تدفق الدم خلال الأوعية الدموية ويساعد ذلك على زيادة نسبة الاكسجين والغذاء الواصل الي الخلايا عبر هذا الدم, مما يؤدي إلى زبادة حيويتها ونشاطها بعد تخليص الجسم من المركبات الدهنية الملتصقة بجدران تلك الأوعية اثناء فترة الصيام , ويؤدي ذلك إلى تأخر علامات الشيخوخة. كما يؤدي أيضا إلى تحلل الخلايا التالفة واستبدالها بخلايا جديدة تزيد من حيويةوظائف الجسم المختلفة لذلك يشعر الانسان بعد انتهاء شهر الصوم بنقاء جسمه وزيادة طاقته وتجدد نشاطه.

 ومن المعلوم أن هناك من الأمراض ما يشفيه الصيام , أو ما يكون عاملا مساعدا في شفائه . ومن الأمراض التي يعالجها الصيام تلك الأمراض الناتجة عن السمنة المفرطة كتصلب الشرايين , وزيادة ضغط الدم  وغبر ذلك من أمراض القلب والدورة الدموية. كذلك يعالج الصيام التهاب المفاصل , ومشكلات الجهاز الهضمي ,    والغدد الصماء. والصيام يقوي جهاز المناعة في الجسم ويخلصه مما قد تراكم فيه على مدار السنة من الدهون والشحوم والسموم والنفايات المختلفة . وعلى ذلك فإن للصوم العديد من الفوائد  المتحققة والتي لا  تشمل الصائمين فقط , بل تمتد إلى أهل الرخص إن صاموا, ما لم يتحقق لهم ضرر صحي من الصيام .

وقد أثبت العديد من أساتذة علم النفس – من غير المسلمين – من أمثال باري شفارتز (2004)   (Barry Schwartz 2004) - ضرورة أن يتدرب الإنسان – ولو لفترات محددة – على حرمان نفسه طواعية واختيارا من العديد من رغائبها وشهواتها كأسلوب من أساليب تهذيب هذه النفس وتربيتها على تقوية أرادتها وضبط سلوكها أمام العديد من الشهوات والغرائز والانفعالات التي يتعرض لها الإنسان  في هذه الحياة . وأنه كلما زادت قدرة الإنسان في ذلك كلما ارتقى في سلم الإنسانية إلى مقامات متسامية في السلوك , والفهم , والحكم على الأشياء .

     وعلى التقيض من ذلك فأن الإفراط في إشباع الشهوات , وفي تكديس الاختيارات يؤدي إلى شئ من عدم القناعة الذي ينتهي بالإنسان إلى حالات من الاكتئاب والشعور بالتعاسة والإحباط المفضي إلى العديد من الأمراض النفسية وذلك لأن أغلب الناس لا يعرفون وسيلة لضبط شهواتهم , وللتقليل من نهم رغائبهم , وشره أطماعهم في هذه الحياة الدنيا .

تاسعا: في قوله- تعالى-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ...} :

    فالله- سبحانه وتعالى- كما فضل بعض الرسل والنبيين والأفراد العاديين على بعض , فضل بعض  الأماكن والأزمنة على بعض . فمن تفضيل الأماكن جعل مكة المكرمة أفضل بقاع الأرض قاطبة , يليها في الكرامة مدينة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثم مدينة القدس الشريف التي ندعو الله- تعالى- أن يعيننا على تحريرها إن شاء . وجاء العلم الحديث ليثبت توسط مكة المكرمة من اليابسة كما يثبت أن خط الطول المار بها هو خط الطول الوحيد الذي يتجه إلى الشمال الحقيقي (أي : إلى النجم القطبي) .

 ومن تفضيل الأزمنة جعل ربنا- تبارك وتعالى- يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع , وجعل شهر رمضان أشرف شهور السنة , وجعل الليالي العشر الأخيرة منه أشرف عشرة ليال في السنة , وجعل أشرفها على الإطلاق ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر .

وفي المقابل جعل ربنا- تبارك وتعالى- الأيام العشرة الأولى من شهر ذي الحجة (بمعنى النهار) أشرف عشرة أيام في السنة , وجعل أشرفها على الإطلاق يوم عرفة .

ومن الثابت أن القرآن الكريم أنزل جملة من اللوح المحفوظ في السماء السابعة إلى بيت العزة في السماء الدنيا , في ليلة القدر من سنة البعثة النبوية الشريفة . ثم أنزل بعد ذلك منجما ( أي مفرقا ) حسب المناسبات والأحداث على مدى ثلاث وعشرين سنة .  فعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال : "أنزل القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان فجعل في بيت العزة ".

    كذلك جاء عن الرسول الكريم ما يؤكد أن جميع ما نعلم من الرسالات السماوية السابق نزولها كان قد تم إنزالها في هذا الشهر ايضا . فعن وائلة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: " أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان , وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان , وأنزل الإنجيل لثلاث عشر خلت , وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان " .

    وفي ذلك تأكيد على شرف شهر رمضان عند رب العالمين , وعلى وحدة رسالة السماء المنطلقة من وحدانية الخالق- سبحانه وتعالى- وعلى الأخوة بين جميع الأنبياء , وبين الناس جميعا

عاشرا: في قوله- تعالى-:{..هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَان..}:  والهدى هو الرشاد إلى سبيل الحق وقصد المنهج , وذلك لأن العالم قبل بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين- صلى الله عليه وسلم- كان في غالبيته الساحقة – قد فقد الصلة بنور السماء ففسدت العقيدة , وانحرفت العبادات , وتدنت الأخلاق , وانحطت السلوكيات حتى أصبح الناس في أمس الحاجة إلى الهداية الربانية من جديد فأنزل الله- تعالى- القرآن الكريم هدى للناس الذين كانوا قد فقدوا الصلة بالهداية الربانية بالكامل, وغرقوا في العديد من الوثنيات المبتدعة , أو المعتقدات المحرفة عن الرسالات السابقة , فجاء القرآن الكريم بالقول الفصل بين الحق والباطل , وبين الحلال والحرام .

حادي عشر :في قوله- تعالى-:{...فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...}

أمر من الله- تعالى- لعباده المؤمنين بجعل صيام شهر رمضان فريضة على كل مسلم, بالغ,عاقل, حر, سليم (قادر), مقيم وذلك للمردود الإيجابي للصيام على الصائم : بدنيا, نفسيا, تربويا, أخلاقيا, سلوكيا, دينيا ودنيويا أفردا ومجتمعات.  لذلك اعتبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- صوم رمضان ركنا من أركان الإسلام , وأكد على ذلك بقوله الشريف:

” من أفطر يوما من أيام رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وإن صامه ” .           ومما عرفنا من حكمة الصوم ما يلي :

-         تقوية الإرادة في الإنسان , وضبط سلوكه , وتحسين أخلاقه .

-         تعميق الإيمان وزيادة التقوى بالمواظبة على مختلف العبادات .

-         التأكيد على وحدة الأمة الإسلامية .

-         التواصي بالفقراء والمحتاجين في المجتمع وزيادة الإحسان إليهم

-         التأكيد على فريضة الجهاد : . وتكفي في ذلك الإشارة إلى أن أغلب انتصارات المسلمين حدثت في شهر رمضان ابتداء من غزوة بدر الكبرى (عام 2 هجري) إلى معركة العاشر من رمضان (عام 1393 هجري) . ولذلك وردت كلمة "الجهاد " بمختلف تصريفاتها في كتاب الله ثلاثا وثلاثين (33) مرة وأكد رسولنا- صلى الله عليه وسلم- على فريضة الجهاد بأقوال كثيرة منها ما يلي :

أفضل الأعمال: إيمان بالله ورسوله, ثم جهاد في سبيل الله, ثم حج مبرور" (أخرجه أحمد بن حنبل) .

-"أفضل الناس مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله..." (أخرجه أحمد بن حنبل) .

"إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله " (أخرجه أبو داود) .

"غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها" (أخرجه أحمد بن حنبل) .

ثاني عشر: في قوله- تعالى- {...وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...} رخصة رخصها الله- تعالى- لكل من المريض والمسافر أن يفطر أيام مرضه أو سفره في رمضان على أن يقضي ذلك في أيام أخر .

ثالث عشر : في قوله- تعالى- : {...يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر...} تأكيد على التيسير للمؤمن في جميع التكاليف الإسلامية مما يربي النفس المسلمة على الأخذ بهذا اليسر في كل أمور الحياة لأن العقيدة الإسلامية تدعو إلى السماحة التي لا تكلف فيها مع الشعور الدائم برحمة الله التي يحيط بها عباده حتى ييسر بعضهم على بعض .  ويتجلى التيسير في الصيام الإسلامي بتحديد مدة الصيام من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس , وهذه الفترة يتراوح مداها في أغلب بقاع الأرض بين 11.30ساعة عند الاتقلاب الشتوي  و17ساعة عند الاتقلاب الصيفي . وهذه الفترة تحقق الفائدة القصوى من الصيام ,وذلك لأنها لو زادت عن 17ساعة لأضرت بصحة الصائم , ولو قلت عن 11.30ساعة ما استفاد الصائم من صيامه شيئا . وبعد الإفطار يباح للصائم حرية المطعم والمشرب من كل ما هو مباح دون أدنى حرمان من كل ما هو لازم لحياته ومفيد لبدنه دون تقتير أو إسراف .

رابع عشر : في قوله- تعالى- {... وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*} توضيح للرخصة التي شرعها الله لكل من المسافر والذي أصابه مرض في رمضان أن يقضي أيام فطره في وقت آخر حتى يتمكن من إكمال عدة أيام شهر رمضان فلا يضيع عليه أجر يوم من أيامه.       

    وللفوائد العديدة لعبادة الصيام فإن كل من يدرك فضلها يدرك أنها نعمة تستحق الشكر لله والتكبير لجلاله . وهذه غاية من غايات الصوم في رمضان. فعندما يشعر الصائم بقيمة هذه العبادة التي يسرها له الله طيلة فترة الصيام, يبطلق لسانه بالشكر لله (تعالى).

خامس عشر : في قوله تعالى : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ*} تأكيد على قرب الله تعالى من عباده الصائمين الذين شرفهم بنسبتهم إليه , وبالرد المباشر عليهم وبتعجيل إجابة دعاء كل فرد منهم ولذلك يوجههم ربهم إلى الثبات على الإيمان به والاستجابة لأوامره حتى يقودهم ذلك إلى الهداية والصلاح والرشد في الدنيا وانجاة في الآخرة .

 ومن أقوال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في فضل الدعاء ما يلي :

” إن الله- تعالى- ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبين ”.

” ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله- عز وجل- بدعوة إلا آتاه الله إياها , أو كف عنه من السوء مثلها , ما لم يدع يإثم أو قطيعة رحم .

” يستجاب لأحدكم ما لم يعجل . يقول: دعوت فلم يستجب لي ”.

” للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة ”. ” ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل , والصائم حتى يفطر , ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة , وتفتح لها أبواب السماء , ويقول الرب : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ”.