من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في صيام شهر رمضان - حلقة 4


يقول ربنا- تبارك وتعالى- في محكم كتابه :

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ *) (البقرة:183-186).


وفي هذه الآيات عدد هائل من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

رابعا : في قوله- تعالى- {... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ...} والتقوى في الأصل هي الوقاية , ويقصد بها هنا وقاية الإنسان المؤمن من الوقوع في حد من حدود الله , ولا يعين الإنسان على تحقيق التقوى في ذاته شئ مثل الصيام.

وذلك لأن الصيام يعتبر وسيلة تربوبة ناجعة للإنسان تقوي من إرادته , وتشحذ من همته , وتزيد من قدرة احتماله وتعوده على الصبر , وعلى إيثار عبادة الله على الدعة والراحة , بالإضافة

إلى ما في هذه العبادة من تزكية للنفس , وتطهير للقلب , وصحة للأبدان . وهذه كلها تتحقق بالصوم الذي يقرب العبد من ربه , ويؤكد حقيقة الإيمان في وجدانه .

فالهدف من هذه العبادة هو تحقيق تقوى الله- سبحانه وتعالى- . والتقوى تتحقق بالإيمان الصادق بالله  وبملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وبالقدر (خيره وشره), وبإخلاص العبودية لله وحده, وبتنزيهه – سبحانه وتعالى- عن جميع صفات خلقه, وعن كل وصف لا يليق بجلاله, وبخشيته في السر والعلن. ولذلك عبر السلف الصالح عن التقوى بالعديد من الصيغ التي منها ما يلي :

" الخوف من الجليل, والعمل بالتنزيل, والاستعداد ليوم الرحيل " .

" أن يطاع الله فلا يعصى, ويذكر فلا ينسى, ويشكر فلا يكفر " .

" أن يجدك الله حيث أمرك, لا حيث نهاك " .

ومن أفضل الوسائل لتحقيق التقوى في قلب المؤمن هي عبادة الصيام الذي يصفه الرسول-صلى الله عليه وسلم- بقوله الشريف: ” الصيام جنة“, أي وقاية وحاجز من الوقوع في المعاصي, ويقول:“الصوم نصف الصبر, والصبر من منازل المؤمنين بالله المتقين لجلاله ” .

والصوم يعين على حسن أداء بقية العبادات  , لأنه يجمع إلى العبادات الأخرى المفروضة وسننها عددا من السنن التي منها: صلاة التراويح , التهجد , المواظبة على تلاوة القرآن وحسن مدارستة فيتحقق بذلك المزيد من التفقه في الدين .وإذا أضفنا إلى ذلك حضور مجالس العلم والحرص على الاعتكاف في العشر الأواخر من الشهر , وتحري ليلة القدر فيها , والإكثار من الدعاء والحرص على أداء العمرة إن استطاع الصائم إلى ذلك سبيلا, لأقوال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التي منها :

-”عمرة في رمضان تقضي حجة , أو قال حجة معي“.
-”من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه“.
-” من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ”.
-- ومن التقوى الالتزام بمكارم الأخلاق , وصوم رمضان يعود الصائم على الالتزام بذلك , وفي ذلك يقول الرسول-:
-” ليس الصيام من الأكل والشرب إنما الصيام من اللغو والرفث“ .
-”.... والصيام جنة , فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث , ولا يصخب , فإن سابه أحد أو قاتله فليقل : إني امرؤ صائم ”.
-” من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه“.

ومن مكارم الأخلاق الجود والكرم خاصة في رمضان لأن رسول الله كان أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل , وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن كما جاء في حديث ابن عباس والذي ختمه بقوله:“...فلرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة“.