من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي في صيام شهر رمضان - حلقة 8


يقول ربنا- تبارك وتعالى- في محكم كتابه :

بسم الله الرحمن الرحيم

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ*وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُم يَرْشُدُونَ*) (البقرة:183-186).


وفي هذه الآيات عدد هائل من أوجه الإعجاز التشريعي والعلمي والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

ثامنا : في قوله- تعالى- : {... وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ...} وذلك لما في الصوم من فوائد عديدة منها: صحة البدن,  تقوية الإرادة , وتعويد على الصبر, ومضاعفة الاحتمال , وزيادة في حب طاعة الله. هذا بالإضافة إلى ما في الصوم من تزكية للنفس وضبط للسلوك وطهارة للقلب وعافية للبدان.

فقد ثبت أن جسم الإنسان يعتمد في نشاطه أثناء الصيام على سكر الجلوكوز الذي يتناوله الصائم فيما يتناول من طعام في وجبة السحور, ولذلك قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- : ”تسحروا فإن في السحور بركة “, وقال:“إن الله وملائكته يصلون على المتسحرين“ ولكن الجلوكوز الذي يحصل عليه جسم الصائم في وجبة السحور لا يكفي إلا لساعات محددة من فترة الصيام , لذلك يعتمد جسم الصائم على كل من المواد السكرية والدهنية المختزنة فيه. وبمجرد تناقص نسبة سكر الجلوكوز في الدم , تبدأ عمليات الاستقلاب في التسارع فيتحول الجلايكوجين المختزن في الكبد إلى سكر الجلوكوز ثم تتحول الدهون إلى الأحماض الدهنية والجليسيرول التي تتأكسد لتصنيع الجلوكوز وإنتاج الطاقة. ويشترك في ذلك استقلاب المواد البروتينية من أجل حفظ معدل تركيز سكر الجلوكوز في الدم في مستوى ثابت.

ويؤدي الصيام إلى زيادة تدفق الدم خلال الأوعية الدموية ويساعد ذلك على زيادة نسبة الاكسجين والغذاء الواصل الي الخلايا عبر هذا الدم, مما يؤدي إلى زبادة حيويتها ونشاطها بعد تخليص الجسم أثناء فترة الصيام من المركبات الدهنية الملتصقة بجدران تلك الأوعية, ويؤدي ذلك إلى تأخر علامات الشيخوخة. كما يؤدي أيضا إلى تحلل الخلايا التالفة واستبدالها بخلايا جديدة تزيد من حيوية وظائف الجسم المختلفة لذلك يشعر الانسان بعد انتهاء شهر الصوم بنقاء جسمه وزيادة طاقته وتجدد نشاطه وحيويته.

ومن المعلوم أن هناك من الأمراض ما يشفيه الصيام , أو ما يكون عاملا مساعدا في شفائه . ومن الأمراض التي يعالجها الصيام تلك الأمراض الناتجة عن السمنة المفرطة كتصلب الشرايين, وزيادة ضغط الدم  وغير ذلك من أمراض القلب والدورة الدموية. كذلك يعالج الصيام التهاب المفاصل , ومشكلات الجهازالهضمي , والغدد الصماء. والصيام يقوي جهاز المناعة في الجسم ويخلصه مما قد تراكم فيه  على مدار السنة من الدهون والشحوم والسموم والنفايات المختلفة. وعلى ذلك فإن للصوم العديد من الفوائد الطبية المتحققة والتي  تشمل أهل الرخص إن صاموا, ما لم يتحقق لهم ضرر صحي من الصيام.

وقد اكتشف عدد من العلماء الغربيين مؤخرا في جامعة جنوب كاليفورنيا (2014)أن الصوم يثير توليد الخلايا الجذعية في جسم الصائم مما يساعد على قتل الخلايا السرطانية, كما يعمل على تجديد وتنشيط خلايا الدم, ويحمي الدماغ من الاضطرابات مثل فقدان الذاكرة. كما توصلوا إلى أن صيام يومين ألى ثلاثة أيام لمدة 12-14 ساعة تقريبا من كل اسبوع يساهم في حماية مخ الإنسان من العديد من المشاكل (المعهد الأهلي لدراسات تقدم العمر). كذلك أكدت هذه البحوث المتقدمة أن الصيام يحمي من مرض البول السكري, ويجدد النظام المناعي للجسم بالكامل, كما يحافظ على وزن الطبيعي للجسم, وينظم نسبة سكر الدم ويحسن الذاكرة. وهذا ما يؤكد الحكمة من شرعية الصيام سواء كان مفروضا أو تطوعا.

وقد أثبت العديد من أساتذة علم النفس–من غير المسلمين–من أمثال باري شفارتز (2004)(Barry Schwartz 2004) - ضرورة أن يتدرب الإنسان–ولو لفترات محددة–على حرمان نفسه طواعية واختيارا من العديد من رغائبها وشهواتها كأسلوب من أساليب تهذيب هذه النفس وتربيتها على تقوية أرادتها وضبط سلوكها أمام العديد من الشهوات والغرائز والانفعالات التي يتعرض لها الإنسان في هذه الحياة. وأنه كلما زادت قدرة الإنسان في ذلك كلما ارتقى في سلم الإنسانية إلى مقامات متسامية في السلوك, والفهم, والحكم على الأشياء.

وعلى التقيض من ذلك فأن الإفراط في إشباع الشهوات, وفي تكديس الاختيارات يؤدي إلى شئ من عدم القناعة الذي ينتهي بالإنسان إلى حالات من الاكتئاب والشعور بالتعاسة والإحباط المفضي إلى العديد من  الأمراض النفسية وذلك لأن أغلب الناس لا يعرفون وسيلة لضبط شهواتهم, وللتقليل من نهم رغائبهم,  وشره أطماعهم في هذه الحياة الدنيا.