" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (البقرة:22).


هذه الآية الكريمة جاءت في مقدمات سورة البقرة‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وآياتها ‏286‏ بعد البسملة‏ ,‏ وعلى ذلك فهي أطول سور القرآن الكريم على الإطلاق‏ ,‏ وأول سوره بعد فاتحة الكتاب في ترتيب سور المصحف الشريف‏ ,‏ وقد عظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم تعظيما كبيرا فقال إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة البقرة حول عدد من الأحكام الشرعية‏ ,‏ والقضايا التعبدية‏ ,‏ والضوابط الأخلاقية والسلوكية‏ ,‏ والركائز العقدية التي يمكن إيجاز الخطوط العريضة لها في النقاط الأساسية التالية ‏:
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ (بغير شريك ولا شبيه ولا منازع‏) ,‏ والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر‏ .‏
(2)‏ هذا الإيمان يقتضي التسليم بوحدة الرسالة السماوية التي أنزلها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ على فترة من الرسل‏ ,‏ وختمها وأتمها‏ ,‏ وأكملها في القرآن الكريم‏ ,‏ الذي تعهد ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بحفظه فحفظ حفظا كاملا في لغة وحيه على مدي أربعة عشر قرنا وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ ,‏ ليبقي مصدرا لهداية الناس كافة حتى يوم الدين‏ .‏
(3)‏ الإيمان بوحدة الجنس البشري دون تمييز عرقي أو عنصري أو على أي أساس آخر لأن البشرية كلها ينتهي نسبها إلى آدم وحواء‏ (عليهما من الله السلام‏) .‏
(4)‏ الالتزام بركائز الدين من الشهادتين‏ ,‏ وإقام الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة‏ ,‏ وصوم رمضان‏ ,‏ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا‏ .‏
(5)‏ عدم التفرقة بين رسل الله‏ ,‏ وترك التفضيل بينهم لله‏ ,‏ وتتويج الإيمان بهم جميعا بالإيمان بالنبي الخاتم والرسول الخاتم سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وبالرسالة الخاتمة التي أوحيت إليه والتي حفظت في القرآن الكريم وفي سنته الشريفة‏ .‏
(6)‏ الإيمان بضرورة تلقي الدين عن طريق القناعة العقلية والقلبية الكاملة‏ ,‏ والتسليم بأن دين الله مبني على الكسر‏ ,‏ ورفع الحرج‏ ,‏ وأن من أصوله الثابتة أنه‏ :‏
" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " (‏البقرة‏:256) .‏
(7)‏ التسليم بأن القتال مشروع في الإسلام لدفع المظالم‏ ,‏ وللدفاع عن الأرض‏ ,‏ والعرض‏ ,‏ وعن النفس والمال والولد والأهل‏ ,‏ وعن الدين ومقدساته‏ ,‏ ولتأمين سيادة عدل الله في الأرض‏ ,‏ ولضمان حرية التدين‏ ,‏ وللمحافظة على كرامة الإنسان من أي جور أو طغيان‏ ,‏ ولذلك تدعو سورة البقرة إلى الجهاد في سبيل الله دون اعتداء‏ ,‏ وإلى تعظيم منازل الشهداء‏ ,‏ والمجاهدين‏ ,‏ وإلى تقدير مقامات الصابرين في البأساء والضراء‏ ,‏ ومقامات الموفين بعهودهم إذا عاهدوا‏ ,‏ وإلى غير ذلك من القيم ومن مكارم الأخلاق‏ .‏
‏ (8)‏ الإيمان بحتمية الآخرة وبضرورتها‏ ,‏ والتحذير من فجائية وقوعها‏ ,‏ وأهوالها‏ ,‏ والعمل على مواجهتها‏ ,‏ وفي ذلك جاء قول الله‏ (تعالى‏) : ‏
" وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ‏" (البقرة‏:281)‏ وهو آخر ما نزل من القرآن الكريم‏ .‏
‏(9)‏ الدعوة إلى التأمل بعين البصيرة في آيات الله العديدة المنتشرة في الأنفس والآفاق لأنها هي كتاب الله المنظور كما أن القرآن الكريم هو كتابه المقروء‏ .‏

(10)‏ فصلت سورة البقرة أحكام الأسرة من الزواج‏ ,‏ والطلاق‏ ,‏ والعدة‏ ,‏ والرضاع وغيرها‏ .‏
(11)‏ تدعو سورة البقرة في مواضع عديدة منها إلى الإنفاق في سبيل الله‏ ,‏ وإلى الإحسان إلى الخلق بصفة عامة‏ ,‏ وتدعو إلى إيثار الخير ونبذ الشر‏ ,‏ كما تدعو إلى العمل الصالح المنطلق من الإيمان الصادق بالله‏ ,‏ وإلى الاستعانة على كل جليل من الأمور بالصبر والصلاة‏ ,‏ وإلى ترك العصبيات العرقية والإقليمية الضيقة‏ ,‏ وإلى نبذ الموروثات المغلوطة‏ ,‏ والتقليد الأعمى‏ ,‏ وإلى التمسك بتحكيم العقل من أجل الوصول إلى سلامة الحكم في كل أمر من أمور الحياة‏ ,‏ كما تنعي السورة الكريمة على كل من يدعو إلى الحق وفضائل الأعمال ثم ينسي نفسه‏ ,‏ وتحذر بشدة من التعامل بالربا وتهدد الواقعين فيه بحرب من الله ورسوله‏ ,‏ كما تحذر من كتم الشهادة‏ ,‏ وتؤكد المحافظة على حقوق الآخرين بكل وسيلة مشروعة‏ ,‏ وتحذر من ديون العباد‏ ,‏ وتضع الشروط الواجبة لحفظ حقوق الآخرين فيها‏ .‏
(12)‏ مايزت سورة البقرة في مواقع عديدة منها بين صفات كل من المتقين والمنافقين‏ ,‏ وضربت نماذج لكل منهم‏ ,‏ وألمحت إلى نعيم المتقين في الجنة‏ ,‏ وإلى عذاب المنافقين من الكفار والمشركين في النار‏ ,‏ وصورت جانبا من ذلهم وحيرتهم يوم القيامة‏ ,‏ وحذرت المؤمنين من موالاتهم أو الركون إليهم في الدنيا‏ ,‏ كما حذرت من متابعة الشيطان الرجيم وأعوانه وجنده‏ .‏
(13)‏ وللتأكيد على هذه المعاني والقيم ألمحت سورة البقرة لقصة أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وزوجه‏ ,‏ وإلى جوانب من قصة نبي الله إبراهيم‏ (على نبينا وعليه السلام‏) ,‏ وأشارت إلى اختلاف أتباع نبي الله عيسي‏ (عليه السلام‏)‏ من بعده بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :
" وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ "‏ (البقرة‏:253).‏
كما تحدثت سورة البقرة عن واقعة تحويل القبلة‏ ,‏ وعن قرار الله‏ (تعالى‏)‏ بجعل أمة الإسلام أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس‏ ,‏ ويكون الرسول عليهم شهيدا‏ .‏
(14)‏ وختمت سورة البقرة بدعاء إلى الله‏ (تعالى‏)‏ يهز القلوب والعقول‏ ,‏ ويحرك الضمائر والمشاعر حيث تقول ‏:‏
" رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ علينَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ "‏ (‏البقرة‏:286)  .

من الآيات الكونية في سورة البقرة :
(1)‏ التأكيد على أن القرآن الكريم كتاب لا ريب فيه والبحث العلمي يؤكد ذلك في كل كلمة وحرف وإشارة وردت فيه‏ (الآية‏2) .‏
(2)‏ الإشارة إلى أمراض القلوب ومنها الخوف والوسوسة والشك في زمن لم يكن معروفا لأحد شيء من تلك الأمراض‏ (الآية‏10) .‏
(3)‏ التمييز بين كل من الضياء والنور والنار‏ ,‏ والمقابلة بين الظلمات والنور وهي من الحقائق العلمية التي لم يدركها الإنسان إلا مؤخرا (‏الآية‏17) .‏
(4)‏ ذكر الصيب من السماء وهو المطر الغزير الذي يكثر هطوله بالليل‏ ,‏ والمصحوب بالرعد والبرق والصواعق والعواصف وهو تجمع فريد من الظواهر الكونية التي لم تدرك إلا مؤخرا‏‏ (الآية‏19) .‏
(5)‏ الإشارة إلى خطف البصر عن طريق البحلقة في ضوء البرق‏ ,‏ وتقديم السمع على البصر (‏الآية‏20) .‏

(6)‏ الإقرار بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق الخلق جميعا (‏الآية‏21) .
(7)‏ الإشارة إلى فرش الأرض وتمهيدها‏ ,‏ وبناء السماء وإحكامها وحبكها‏ ,‏ وإنزال الماء من السحاب‏ ,‏ وإخراج مختلف الثمرات بواسطته‏ ,‏ والنهي عن الشرك بالله تعالى‏ (الآية‏22) .‏
(8)‏ ضرب المثل بالبعوضة وما فوقها وهي من الحشرات المميزة في بناء جسدها‏ (‏الآية‏26) .‏
(9)‏ التأكيد على أن الموت سابق للحياة ولاحق بها‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ خلق ما في الأرض جميعا ثم استوي إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليم‏ (الآية‏29) .‏
(10)‏ التأكيد على واقعة فلق البحر لنبي الله موسي‏ (على نبينا وعليه السلام‏)‏ وفرقه إلى فرقتين‏ ,‏ ونجاة موسي ومن معه‏ ,‏ وهلاك فرعون وجنده وهي من حقائق التاريخ‏ (الآية‏50) .‏
(11)‏ التأكيد على انفجار اثنتي عشرة عينا من عيون الماء بضربة من عصا موسي‏ (عليه السلام‏)‏ على الضفة الشرقية من خليج السويس في منطقة تعرف اليوم باسم عيون موسي‏ (الآية‏



(12)‏ الإشارة بالمشرق والمغرب إلى الكون كله‏ (الآيتان‏142 ,115) .‏
‏(13)‏ اتخاذ المسجد الحرام قبلة للمسلمين والعلم يؤكد مركزيته بالنسبة لليابسة (‏الآيات:‏150,149,144) .‏
(14)‏ الإشارة إلى خلق السماوات والأرض‏ ,‏ واختلاف الليل والنهار‏ ,‏ وإلى الفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس‏ ,‏ وإلى إنزال الماء من السماء‏ ,‏ وإحياء الأرض به بعد موتها‏ ,‏ وبث الدواب من كل نوع فيها‏ ,‏ وتصريف الرياح‏ ,‏ والسحاب المسخر بين السماء والأرض وجعل ذلك كله آيات لقوم يعقلون (‏الآية‏164) .‏
(15)‏ التأكيد على حقيقة أن الأهلة هي مواقيت للناس والحج‏ (الآية‏189) .‏
(16)‏ التأكيد على ما في كل من الخمر والميسر من آثام تفوق أي نفع يمكن أن يجتني من ورائهما (‏الآية‏219) .‏
(17)‏ التأكيد على ما في المحيض من أذي (‏الآية‏222) .
(18)‏ التأكيد على حقيقة أن الجنة‏ (أي الحديقة ذات الأشجار الكثيفة الملتفة على بعضها البعض‏)‏ بالربوة العالية إذا أصابها الوابل‏ (أي المطر الشديد‏)‏ آتت أكلها ضعفين‏ ,‏ وهو لا يضرها باحتمال إغراقها بالسيول لارتفاعها وسرعة انحسار الماء عنها بعد أخذ كفايتها منه‏ ,‏ وإن لم يصبها وابل فإن الطل‏ (أي المطر الخفيف أو الرذاذ‏)‏ يكفيها لري نباتاتها وطيب عطائها‏ ,‏ والمقصود أن هذه الجنة تزكو وتزدهر وتثمر كثر المطر عليها أو قل‏ ,‏ وهو تشبيه قائم على حقيقة علمية راسخة‏ ,‏ تصف إنفاق الصالحين ابتغاء مرضاة الله وتثبيتا من أنفسهم بأنه يزكو عند الله ويطيب‏ ,‏ زاد قدره أم قل كما تزكو الجنة بالربوة زاد المطر عليها أو قل‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على الآيتين‏22 ,21‏ من سورة البقرة واللتين تتحدثان عن خمس قضايا محددة هي ‏:‏
(1)‏ الإقرار بأن الله تعالى هو خالق الخلق جميعا‏ .‏
(2)‏ فرش الأرض وتمهيدها‏ .‏
(3)‏ بناء السماء وإحكامها وحبكها‏ .‏
(4)‏ إنزال الماء من السماء‏ .‏
(5)‏ إخراج الثمرات بواسطة الماء‏ .‏
وختام ذلك يأتي النهي عن الشرك بالله تعالى‏ ,‏ نهيا قاطعا جازما‏ .‏
وقبل الدخول إلى شرح كل واحدة من هذه القضايا أري لزاما على استعراض أقوال عدد من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح هاتين الآيتين الكريمتين‏ .‏

من أقوال المفسرين في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *‏ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " (البقرة‏:22,21) .
ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما نصه ‏:‏
في بيان وحدانية ألوهيته بأنه هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود‏ ,‏ وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة‏ ,‏ بأن جعل لهم " الأَرْضَ فِرَاشاً " ‏‏(البقرة‏:22) أي مهدا كالفراش‏ ,‏ مقررة موطأة مثبتة بالرواسي الشامخات‏; " وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ‏" (البقرة‏:22) وهو السقف‏ ,‏ كما قال تعالى‏: " وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ‏" (الأنبياء:32) ; " وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً "‏ (البقرة‏:22) والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه‏;‏ فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار رزقا لهم ولأنعامهم‏ .‏ ومضمونه‏:‏ أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها ورازقهم‏ ,‏ فبهذا يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره‏ ,‏ ولهذا قال‏ :‏ " فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏" (البقرة‏:22) .
وأضاف ‏:‏ قال ابن عباس‏ ,‏ قال الله تعالى ‏:
"‏ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ‏"‏ (البقرة‏:21) للفريقين جميعا من الكفار والمنافقين‏ ,‏ أي وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم‏ .‏ وعنه أيضا في تفسير قوله تعالى ‏: " فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏" (البقرة‏:22) :أي لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر ‏وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره‏ ,‏ وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من التوحيد هو الحل الذي لا شك فيه‏ .‏
وأضاف كذلك‏:‏ قال أبو العالية :
" فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً ‏" (البقرة‏:22) أي عدلاء شركاء‏ ,‏ وقال مجاهد في تفسير قوله تعالى ‏: " فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏" (البقرة‏:22) قال‏ :‏ تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل‏ .‏
وأضاف ابن كثير عددا من الأحاديث النبوية الشريفة والروايات في معني هذه الآية الكريمة تؤيد ما ذهب إليه في تفسيرها‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏) .‏
وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ تفسيرا لهاتين الآيتين الكريمتين ما نصه‏:‏ إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم‏ .‏ ربهم الذي تفرد بالخلق‏ ,‏ فوجب أن ينفرد بالعبادة‏ . . .‏ وللعبادة هدف لعلهم ينتهون إليه ويحققونه‏ :
" لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (البقرة‏:22) .‏
لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية‏ ,‏ صورة العابدين لله‏ ,‏ المتقين لله‏ ,‏ الذين أدوا حق الربوبية الخالقة‏ ,‏ فعبدوا الخالق وحده‏ ,‏ رب الحاضرين والغابرين‏ ,‏ وخالق الناس أجمعين‏ ,‏ ورازقهم كذلك من الأرض والسماء بلا ند ولا شريك‏ .‏

 الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً " (البقرة‏:22) , وهو تعبير يشي باليسر في حياة البشر على هذه الأرض‏ ,‏ وفي إعدادها لهم لتكون لهم سكنا مريحا وملجأ وافيا كالفراش‏ ...‏ والناس ينسون هذا الفراش الذي مهده الله لهم لطول ما ألفوه‏ ,‏ ينسون هذا التوافق الذي جعله الله في الأرض ليمهد لهم وسائل العيش‏ ,‏ وما سخره لهم فيها من وسائل الراحة والمتاع‏ ,‏ ولولا هذا التوافق ما قامت حياتهم على هذا الكوكب في مثل هذا اليسر والطمأنينة‏ .‏ ولو فقد عنصر واحد من عناصر الحياة في هذا الكوكب ما قام هؤلاء الأناسي في غير البيئة التي تكفل لهم الحياة‏ .‏ ولو نقص عنصر واحد من عناصر الهواء عن قدره المرسوم لشق على الناس أن يلتقطوا أنفاسهم حتى لو قدرت لهم الحياة‏ .‏
" وَالسَّمَاءَ بِنَاءً ‏"‏
(البقرة‏:22) فيها متانة البناء وتنسيق البناء‏ .
‏" وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ "
(البقرة‏:22) والماء النازل من السماء هو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعا‏ ...‏ وقصة الماء في الأرض‏ ,‏ ودوره في حياة الناس‏ ,‏ وتوقف الحياة عليه في كل صورها وأشكالها‏ . . .‏ كل هذا أمر لا يقبل المماحكة‏ ,‏ فتكفي الإشارة إليه‏ ,‏ والتذكير به‏ ,‏ في معرض الدعوة إلى عبادة الخالق الرازق الوهاب‏ .
وفي ذلك النداء تبرز كليتان من كليات التصور الإسلامي‏:‏ وحدة الخالق لكل الخلائق
‏" الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ " (البقرة‏:22) ,‏ ووحدة الكون وتناسق وحداته وصداقته للحياة وللإنسان ‏: " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ " (البقرة‏:22) فهذا الكون أرضه مفروشة لهذا الإنسان‏ ,‏ وسماؤه مبنية بنظام‏ ,‏ معينة بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقا للناس‏ ..‏ والفضل في هذا كله للخالق الواحد‏: " فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏" (البقرة‏:22)تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم‏ ,‏ وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء‏ ,‏ وأنزل من السماء ماء‏ ,‏ وأنه لم يكن له شريك يساعد‏ ,‏ ولا ند يعارض‏ ,‏ فالشرك به بعد هذا العلم تصرف لا يليق‏! .‏
والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة‏ ,‏ قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون‏ (ولا يزالون‏) ..‏ فقد تكون الأنداد في صور أخري خفية‏;‏ قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة‏ ,‏ وفي الخوف من غير الله في أي صورة‏ ,‏ وفي الاعتقاد بنفع أو ضر من غير الله في أي صورة‏ ,‏ وضرب عددا من النماذج ثم أضاف‏ :‏ هكذا كان سلف هذه الأمة ينظر إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله‏ ..‏ فلننظر بحق أين نحن من هذه الحساسية المرهفة‏ ,‏ وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة‏!!! .‏
وجاء في كل من تفسير الجلالين‏ ,‏ وصفوة البيان لمعاني القرآن‏ ,‏ والمنتخب في تفسير القرآن الكريم وصفوة التفاسير‏ (جزي الله كاتبيها خيرا‏)‏ كلام مشابه لا حاجة بنا لإعادته‏ .‏






الدلالة العلمية للآية الكريمة :
أولا ‏:‏
في قوله‏ (تعالى‏) :‏ " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً (البقرة‏:22)‏ :‏
تقدر مساحة سطح الأرض الحالية بنحو ‏510‏ ملايين كيلو متر مربع‏ ,‏ منها ‏29% (أي نحو ‏149‏ مليون كيلو متر مربع‏)‏ يابسة‏ , 71% (أي نحو ‏361‏ مليون كيلو متر مربع‏)‏ مسطحات مائية‏ ,‏ نصفها تقريبا‏ (أي نحو ‏173 .6‏ مليون كيلو متر مربع‏)‏ أرصفة قارية أي أجزاء من حواف القارات مغمورة بالماء‏ .

وهذه الضخامة في أبعاد الأرض جعلتها تبدو مستوية بالنسبة إلى نظر الإنسان وإمكانات حسه‏ .
وكل من سطح اليابسة وقيعان البحار والمحيطات ليس تام الاستواء‏ ,‏ حيث أن كلا منهما يتعرج في تضاريس متباينة‏;
ويقدر ارتفاع أعلى قمة على سطح اليابسة وهي قمة إفرست بأقل قليلا من تسعة كيلو مترات‏ (8 .848‏م‏) ,‏ ويقدر منسوب أخفض نقطة على سطح اليابسة‏ (وهي حوض البحر الميت‏)‏ بنحو أربعمائة متر تحت مستوي سطح البحر‏ ,‏ وقاع البحر الميت الذي تصل أعمق أجزائه إلى نحو ثمانمائة متر تحت مستوي سطح البحر يعتبر جزءا من اليابسة لأنه بحر مغلق‏ .‏
ويصل منسوب أعمق أغوار المحيطات‏ (وهو غور ماريانا في قاع المحيط الهادي بالقرب من جزر الفلبين‏)‏ إلى أكثر قليلا من الأحد عشر كيلو مترا‏ (11 .033‏ كم‏) .
‏ وبذلك يصل الفرق بين أعلى وأخفض نقطتين على سطح الكرة الأرضية إلى أقل قليلا من العشرين كيلو مترا‏ (19 .881‏ كم‏) ,‏ وبنسبة ذلك إلى نصف قطر الأرض‏ (المقدر بنحو ‏6371‏ كيلو مترا في المتوسط‏)‏ يتضح أن الفارق بين أعلى وأخفض نقطتين على سطح الكرة الأرضية لا يكاد يتعدي‏ , 3%‏ من طول نصف قطرها‏ .‏
وإذا أخذنا الفرق بين متوسط ارتفاع اليابسة‏ (والمقدر بنحو‏840‏ م فوق مستوي سطح البحر‏)‏ ومتوسط أعماق البحار والمحيطات‏ (والمقدر بنحو‏3729‏ م إلى ‏4500‏م‏)‏ ونسبنا ذلك إلى نصف قطر الأرض‏ (المقدر بنحو‏6371‏ كم‏)‏ كانت النسبة في حدود ‏0 .007%‏ وهذا يمثل قمة التسوية والتمهيد والفرش لسطح الأرض خاصة إذا علمنا أن اليابسة بدأت بسلاسل من الجبال شديدة الوعورة‏ ,‏ ثم سخر الله‏ (تعالى‏)‏ عمليات التعرية المختلفة من التجوية والتحات إلى النقل والترسيب في تسوية تلك السلاسل الجبلية إلى تلال قليلة الارتفاع أو متوسطة‏ ,‏ وسهول منبسطة تشقها الأودية والمجاري المائية التي تحمل رسوبياتها إلى السهول والمنخفضات كما تحملها إلى البحار والمحيطات مكونة دالات عملاقة ظاهرة ومغمورة تتقدم في البحار التي تصب فيها‏ ,‏ وهنا تنتهي عمليات تعرية سطح الأرض بوصوله إلى مستوي سطح البحر على هيئة سهل تحاتي منبسط‏ .‏
وقد استمر الصراع بين العمليات الداخلية البانية لسطح الأرض‏ ,‏ والعمليات الخارجية الهدمية التي تحاول أن تصل بسطح الأرض إلى مستوي سطح البحر في دورات متتالية تعرف باسم دورات شكل الأرض أو دورات التحات ظلت تعمل على مدي‏4 .6‏ بليون سنة على الأقل حتى تم تمهيد سطح الأرض وبسطه‏ ,‏ وجعله فراشا للإنسان ولغيره من المخلوقات‏ ,‏ وأمكن شق الفجاج والسبل فيه‏ ,‏ وتكوين المجاري المائية‏ ,‏ والبحيرات الداخلية‏ ,‏ والأغوار والمنخفضات الأخرى‏ ,‏ وسوف يظل الأمر كذلك حتى يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ ,‏ في تبادل مستمر بين اليابسة والماء‏ (القارات والمحيطات‏) ,‏ وبين المرتفعات والمنخفضات‏ ,‏ وبين دورات الصخور‏ ,‏ وغير ذلك من عمليات الاتزان الأرضي التي سخرها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في تهيئة الأرض لاستقبال الحياة‏ ,‏ والتي لا تزال تعمل إلى قيام الساعة‏ .‏ وفي تلك الدورات المتبادلة بين البناء والهدم تكونت السهول الخصبة‏ ,‏ والتربة الغنية‏ ,‏ والركازات المختلفة من المعادن‏ ,‏ والصخور التي تحوي في أحشائها الكثير من خيرات الأرض التي تجمعت عبر ملايين السنين‏ ,‏ فمعدلات تجمع الرسوبيات تتراوح بين مائة ومائتين من السنين لتجمع السنتيمتر الواحد من سمك الطبقات المترسبة‏ ,‏ بينما تتراوح معدلات التعرية بين ثلاث سنوات وثلاثمائة سنة لإزالة سنتيمتر واحد من كتلة الصخور المتكونة‏ ,‏ وهذا يعني أن عمليات تسوية سطح الأرض حتى أصبحت صالحة للعمران قد استهلكت من الزمن والطاقة ما لا تستطيع البشرية مجتمعة أن تقوم بالوفاء بتكلفته‏ ,‏ ومن هنا يمن علينا ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بقوله‏: (عز من قائل‏) :‏ " الذي جعل لكم الأرض فراشا‏ "
(البقرة‏:22)‏ وذلك في مقام الاستدلال على ألوهيته ووحدانيته وطلاقة قدرته في إبداعه لخلقه‏ .‏

ثانيا ‏:‏ في قوله‏ (تعالى‏) :
 
" وَالسَّمَاءَ بِنَاءً "(البقرة‏:22)‏ :‏
يمن علينا ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ أنه جعل السماء من فوقنا بناء محكما على ضخامة أبعادها‏ ,‏ وتعدد أجرامها‏ ,‏ وانتشار مختلف صور المادة والطاقة فيها‏ ,‏ وذلك بعدد من القوي التي أودعها ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في كل جزئية من جزئياتها‏ ,‏ ومن هذه القوي ما يلي‏ :‏
(1)‏ القوي النووية الشديدة‏:‏ التي تمسك باللبنات الأولية للمادة في داخل نوى الذرة‏ ,‏ ولولاها ما تكونت نوى الذرات‏ ,‏ ولظل الكون مليئا باللبنات الأولية للمادة فقط‏ ,‏ والتي لا تعني شيئا‏ .
(2)‏ القوي النووية الضعيفة‏:‏ التي تمسك باللبنات الأولية للمادة في داخل الذرات‏ ,‏ ولولاها ما تكونت ذرات المادة ولبقي الكون مليئا بنوى ذرات المادة فقط‏ .‏
‏(3)‏ القوي الكهرومغناطيسية‏:‏ التي تمسك بذرات المادة في داخل كل من جزيئاتها ومركباتها‏ ,‏ وهي التي تؤدي إلى حدوث الإشعاع الكهرومغناطيسي على هيئة فوتونات الطاقة أو ما يعرف باسم الكم الضوئي‏ ,‏ ولولا هذه القوة الكهرومغناطيسية لكان الكون مليئا بذرات العناصر السائبة‏ ,‏ ولما كانت هناك جزيئات ولا مركبات ولا نور ولا دفء ولاستحالت الحياة‏ .‏
(4)‏ قوي الجاذبية‏:‏ وهي القوي التي تمسك بأطراف السماء وبكل أجرامها‏ ,‏ ومختلف تجمعاتها‏;‏ ولولا هذا الرباط الحاكم الذي أودعه الله‏ (تعالى‏)‏ في كل أجرام الكون ما كانت الأرض ولا كانت السماء‏ ,‏ ولو زال هذا الرباط لانفرط عقد الكون وانهارت مكوناته‏ ,‏ ومن هنا كانت المنة الإلهية بجعل السماء بناء‏ .‏


ثالثا‏ :‏ في قوله‏ (تعالى‏) :
" وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً "
‏‏(البقرة‏:22)‏ :‏
أي أنزل من السحاب ماء عذبا فراتا لأن المصدر الرئيسي للماء النقي على سطح الأرض هو ماء المطر‏ ,‏ وذلك لأنه منذ أن أخرج الله‏ (تعالى‏)‏ ماء الأرض من داخلها على هيئة بخار الماء الصاعد مع ثورات البراكين‏ ,‏ وكثفه في نطاق المناخ من الغلاف الغازي للأرض الذي يتبرد بالارتفاع‏ ,‏ فرده مطرا سال على سطح الأرض‏ ,‏ وفاض إلى منخفضاتها مكونا البحار والمحيطات‏ ,‏ ثم بدأت دورة الماء حول الأرض‏;‏ ويقدر ما يرتفع من الأرض إلى غلافها الغازي سنويا بنحو‏ (380 .000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من الماء يتبخر أغلبه من أسطح البحار والمحيطات‏ (320 .000‏ كيلو متر مكعب‏) ,‏ ويرتفع الباقي من اليابسة‏ (60 .000‏ كيلو متر مكعب‏) .‏
ويعود كل ما يتبخر من ماء الأرض إليها ثانية بمشيئة الله وإرادته لينزل منه على اليابسة‏ (96 .000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ وعلى البحار والمحيطات‏ (284 .000‏ كيلو متر مكعب‏) ,‏ وفي هذه الدورة المعجزة تكسب اليابسة سنويا‏ (36000‏ كيلو متر مكعب‏)‏ من ماء البحار والمحيطات ينزل عليها مطرا يجري ماء على سطح الأرض ويؤدي أدوارا مهمة على اليابسة ثم يفيض إلى البحار والمحيطات مرة أخري‏ ,‏ وكل الماء المخزون تحت سطح الأرض على كثرته أصله من ماء المطر‏ .‏
وفي هذه الدورة المعجزة للماء حول الأرض يتحرك الماء إلى الغلاف الغازي للأرض فيتطهر مما تجمع به من أملاح وملوثات‏ ,‏ ويعاود نزوله على الأرض ماء طهورا‏ ,‏ وتمتد هذه الدورة من نحو الكيلو متر تحت مستوي سطح البحر إلى ارتفاع ‏15‏ كم فوق مستوي سطح البحر‏ ,‏ فيتم بواسطتها تطهير الماء‏ ,‏ وتلطيف الجو‏ ,‏ وتوفير نسب متفاوتة من الرطوبة فيه‏ ,‏ وري كل من الإنسان والحيوان والنبات‏ ,‏ وتغذية كل من الأنهار والجداول‏ ,‏ والتربة السطحية‏ ,‏ وخزانات الماء تحت سطح الأرض فيعمل على زيادة كمياتها‏ ,‏ وعلى تجديد عذوبتها‏ ,‏ وعلى تعويض ما يفيض إلى السطح أو يضخ منها‏ ,‏ كما يتم تفتيت الصخور‏ ,‏ وتكون كل من التربة والصخور الرسوبية‏ ,‏ وتركيز العديد من المعادن والصخور والخامات الاقتصادية‏ .‏
وكما يكون في ماء المطر خير ورحمة‏ ,‏ فقد يجعله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ عقابا وعذابا حينما تؤدي السيول الجارفة إلى دمار شامل أو فيضانات مغرقة بالأنهار والجداول والسيول تأتي على الحرث والنسل‏ .‏
والغطاء الرسوبي للأرض الذي يقدر حجمه بأكثر من ‏360 .000‏ كيلو متر مكعب يرجع الفضل في تكوينه إلى دورة الماء حول الأرض‏ ,‏ وما بهذا الغطاء من رسوبيات ملحية تقدر كتلتها بملايين الأطنان ناتج عن عمليات التبخير بعد أن أذابته مياه الأمطار أصلا من صخور اليابسة ثم حملته إلى البحار والمحيطات ليعود مرة أخري إلى اليابسة في دورات التبادل بين المحيطات والقارات‏ ,‏ حينما يتحول أحدهما إلى الآخر‏ .‏

رابعا‏ :‏ في قوله‏ (تعالى‏) :
" فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ " (البقرة‏:22)‏ :‏
جاء ذكر إخراج الثمرات من الأرض لتمثل النعمة الرابعة من نعم الله على العباد في هذه الآية الكريمة‏ ,‏ وهي نعمة لا تستقيم الحياة بدونها وذلك لارتباط حياة كل من الإنسان والحيوان بالنبات ومنتجاته خاصة بثمار النباتات العليا‏ .‏ ومن هنا كانت حكمة الله البالغة في خلق النبات ثم الحيوان‏ ,‏ وبعد أن اكتملت كل صور الخلق وهيئت الأرض لاستقبال الإنسان خلقه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وجعله أكرم المخلوقات‏ .‏

وقد جاء ذكر إخراج الثمرات من الأرض في هذه الآية الكريمة في تسلسل منطقي جميل‏ ,‏ أشار أولا إلى تكوين التربة بواسطة عمليات التعرية المختلفة‏ (من التجوية والتحات إلى النقل والترسيب‏)‏ التي فتتت صخور الأرض‏ ,‏ وكونت السهول المنبسطة‏ ,‏ والتربة الخصبة اللازمة للإنبات‏ ,‏ وجعلت الأرض فراشا ممهدا لحياة كل من النبات والحيوان والإنسان‏ .‏ ثم أشارت إلى بناء السماء وأولها الغلاف الغازي للأرض والسحاب المسخر بينهما في نطاق المناخ الذي خصصه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بالتبرد مع الارتفاع حتى يتكثف فيه بخار الماء المرتفع من الأرض فيعود إليها مطرا بإذن الله‏ . .‏ ولذلك أشارت الآية الكريمة إلى إنزال الماء من السماء‏ ,‏ فأخرج الله‏ (تعالى‏)‏ به مختلف الثمرات رزقا للعباد‏ ,‏ وهي من نعم الله العديدة على الإنسان وعلى ما حوله من مخلوقات‏ .‏
وتشمل الثمرات كل جزء يستخدمه الإنسان من النبات سواء كان هذا الجزء من جذور النبات أو سيقانه أو أوراقه أو أزهاره‏ ,‏ وبذلك تقسم الثمرات إلى ثمرات حقيقية وأخري غير حقيقية‏ . ,‏ ومن الثمرات الحقيقية ثمرات الفاكهة‏ ,‏ التي تمثل الثمرة فيها مبيض الزهرة بعد تمام إخصابه بحبوب اللقاح‏ ,‏ وتكون جنين النبتة في البذرة‏ (أو البذور‏)‏ محاطا بالعديد من الأغلفة النباتية لحمايته ولتغذية الجنين في وقت إنباته‏ ,‏ وقد تمثل الثمرة بالبذرة ‏ (أو البذور ‏)‏ في حالات الحبوب والبقول بأنواعها المختلفة‏ .‏ ووظيفة الثمار الأولي هي المحافظة على جنين النبتة في داخل البذرة‏ (أو البذور‏)‏ ومده بالغذاء في وقت الإنبات‏ ,‏ ومساعدة هذا النوع من النبات على استمرارية الوجود على الأرض إلى أن يشاء الله‏ ,‏ وعلى الانتشار الأفقي في الأرض بانتشار بذوره‏  ,‏ ولولا ذلك لانقرضت أنواع النباتات العليا‏ ,‏ ووظيفة الثمار الثانية هي غذاء كل من الإنسان والحيوان‏  .‏
وتقسم الثمار الحقيقية إلى ثمار بسيطة‏ ,‏ ومجمعة‏ ,‏ ومركبة‏ ,‏ وتقسم الثمار البسيطة إلى جافة وغضة‏ ,‏ أما الثمار المجمعة المركبة فأغلبها غضة‏ ;‏ والثمار غير الحقيقية هي الثمار التي تدخل في تركيبها أجزاء أخري غير المبيض‏ ,‏ وهذه أيضا إما أن تكون بسيطة كالتفاح‏  ,‏ أو مجمعة كالشليك ‏ ,‏ أو مركبة من مثل كل من التين والتوت‏ ,‏ أو قد تكون جزءا من النبات غير النورة والزهرة‏  .‏
ومن ثمرات النبات ما يمثل غذاء رئيسيا للإنسان‏ ,‏ ولما يستخدمه من مختلف صور الحيوان‏ ,‏ ومنها كثير من الزيوت والدهون والأصباغ والألوان التي يستخدمها الإنسان في طعامه وصناعاته المختلفة‏  ,‏ ومنها العديد من أنواع الدواء التي يحتاجها كل من الإنسان والحيوان في تطبيب أمراضه ‏ ,‏ وعلاج أوجاعه‏ ,‏ ومن هنا كان إخراج الثمرات من الأرض من رزق الله الذي يمتن به على عباده‏  ,‏ ومن الشهادات الناطقة بطلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق وتنوعه‏ .‏

 

خامسا‏:‏ في قوله‏ (تعالى‏ ) :‏
" فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏"(البقرة‏:22)‏ :‏
بعد استعراض جانب من نعم الله على العباد جاء الأمر الإلهي بتحريم الشرك بالله أندادا لا تنفع ولا تضر‏  ,‏ ولا تملك لنفسها من أمر الله شيئا‏ ,‏ وكل عاقل يدرك أن الله‏ (تعالى‏ )‏ وحده هو الخالق الرازق ذو القوة المتين‏ ,‏ وأن الخلق جميعا عبيده‏ ,‏ ولذلك
عندما سئل رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏ ) :‏ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال‏:‏ أن تجعل لله ندا وهو خلقك وقوله‏ (صلى الله عليه وسلم ‏)‏ لمعاذ بن جبل ‏:‏ أتدري ما حق الله على عباده؟ ثم أجاب‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏ ) :‏ بقوله الشريف أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ‏ .‏
هذه الحقائق التي ساقتها الآية الكريمة لتنتهي إلى الأمر بتوحيد الله الخلاق الرزاق العليم ‏ ,‏ وإلى النهي عن الشرك الذي وصفه ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ بقوله‏:‏ الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل‏  .
هذه الحقائق الكونية لم يصل إليها علم الإنسان إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين ‏ ,‏ وورودها في كتاب الله المنزل من قبل أربعة عشر قرنا لما يقطع بأنه كلام الله الخالق‏ ,‏ ويشهد بالنبوة والرسالة للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه‏  ,‏ كما يشهد بصدق ما جاء به من الدعوة إلى التوحيد الخالص لله‏ ,‏ وعبادته‏ (تعالى‏)‏ وحده بما أمر‏ ,‏ بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ‏ . .‏ فأشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ‏)‏ والحمد لله رب العالمين‏ .‏