"...‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ‏..." (‏ الزمر‏:6)‏.


هـذا النص القرآني الكريم جاء في مقدمة سورة الزمر‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(75)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لتركيزها على زمر المتقين السعداء المكرمين من أهل الجنة‏,‏ في مقابل زمر العصاة الأشقياء المهانين من أهل النار‏,‏ وأحوال كل منهم في الآخرة.
ويدور المحور الرئيسي لسورة الزمر حول قضية العقيدة‏ ـ  شأنها في ذلك شأن كل السور المكية ـ‏ وتستهل سورة الزمر بتمجيد القرآن الكريم‏ المنزل من رب العالمين إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏,‏ هداية للناس أجمعين‏,‏ وأمراً بإخلاص الدين لله ـ تعالى ـ وحده‏,‏ ونهياً قاطعاً عن الشرك بالله‏,‏ وعن ادعاء الولد لجلاله وهو الواحد القهار‏,‏ المنزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في مطلع هذه السورة المباركة‏:‏ " تَنزِيلُ الكِتَابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ ‏ . ‏ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ‏ . لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ   (‏الزمر‏:1‏ ـ‏4)‏ .
ثم استعرضت السورة الكريمة عدداً من الأدلة المادية الملموسة التي تشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالإلوهية‏,‏ والربوبية‏,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبطلاقة القدرة‏,‏ وبديع الصنعة‏,‏ وإحكام الخلق‏,‏ وبأنه ـ تعالى ـ هو العزيز الغفار‏,‏ والواحد القهار‏,‏ المنزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏.‏
وفي التأكيد على حرية الإنسان في اختياره لمعتقده‏,‏ وعلى مسئوليته عن ذلك الاختيار‏,‏ وعلى حتمية رجوعه إلى خالقه‏,‏ وحتمية محاسبته على أعماله يقول ربنا ـ تبارك اسمه ـ في خطابه لخلقه‏:‏
" إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏ "  (‏ الزمر‏:7)‏ .
وفي استعراض شيء من طبائع النفس البشرية في حالات الضيق والسعة‏,‏ وتمايز الناس في ذلك بين كافر ومؤمن وعالم وجاهل وجزاء كل منهم في الآخرة تقول الآيات‏:‏
" وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ . أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ "‏ (الزمر ‏:9,8)‏ .

وفي خطاب من الله ـ تعالى ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفصل جزاء كل من الطائفتين من عباده ـ وهما المؤمنون الموحدون‏ والكافرون المشركون ـ يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ ‏ . قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ. ‏ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المُسْلِمِينَ ‏ . ‏ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. ‏ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي ‏ . فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِينُ ‏ "  (‏ الزمر‏:10 ‏15)‏ .
وفي تفصيل جزاء كلٍ من الكافرين المشركين الخاسرين‏,‏ والمؤمنين الموحدين الفائزين يوم القيامة يقول ربنا ـ جلت قدرته ـ: ‏
" لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ‏ .‏ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ البُشْرَى فَبِشِّرْ عِبَادِ ‏ .‏ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ . أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ. لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لاَ يُخْلِفُ اللَّهُ المِيعَادَ "‏  (‏ الزمر‏:16‏ ـ‏20)‏.
وتعود الآيات في سورة الزمر إلى استعراض عدد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏,‏ والشاهدة للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالإلوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وبالتنزيه الكامل عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ وهذه الآيات الكونية القائمة بالحجة البالغة على جميع الخلق تركها الله ـ تعالى ـ ذكرى لأولي الألباب من أصحاب العقول والنهى.‏
وتعاود سورة الزمر إلى التمييز مرة أخرى بين الذين شرح الله صدورهم للإسلام والقاسية قلوبهم‏,‏ فتقول‏:
" أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ "‏  (‏ الزمر‏:22)‏ .
وتكرر السورة الكريمة تعظيم القرآن الكريم فتقول‏:‏
" اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ "‏ (‏ الزمر‏:23)‏ .
وتعاود الآيات إلى التذكير بالفرق الهائل بين المؤمنين والكافرين في جزاءي الدنيا والآخرة فتقول‏:‏
" أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ‏ .‏ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ .‏ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الخِزْيَ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ‏"‏ ‏(‏الزمر‏:24‏ ـ‏26)‏ .
وللمرة الثالثة تؤكد سورة الزمر على شيء من فضائل القرآن الكريم فتقول‏:‏
" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. ‏ قُرْآناً عَرَبِياًّ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ‏"  (‏ الزمر‏:28,27)‏ .
وتعاود السورة الكريمة إلى التفريق بين فضائل التوحيد‏,‏ ودنس الشرك بضرب المثل فتقول‏:‏
" ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ‏" (‏ الزمر‏:29)‏ .
وتؤكد السورة الكريمة على حتمية الموت والبعث والحساب‏,‏ وعلى الفارق الهائل بين زمر المكذبين وزمر المصدقين لكلام الله، فتقول مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏
" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ‏ .‏ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ. ‏ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ . وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ‏ . لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ المُحْسِنِينَ .‏ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ .‏ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ‏ . وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انتِقَامٍ "‏  (‏ الزمر‏:31‏ ـ‏37)‏ .
ومرة أخرى تخاطب الآيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مستنكرة شرك المشركين‏,‏ ومحذرة من سوء مصيرهم لتقول‏:‏
" وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ.  قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ. ‏ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ‏"      (‏ الزمر‏:38‏ ـ‏40)‏ .
وتستمر الآيات في توجيه الخطاب إلى رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ معظمة مرة أخرى القرآن الكريم فتقول‏:‏
" إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ "‏  (  الزمر‏:41)‏ .
وفي الآية الثانية والأربعين تقارن سورة الزمر بين النوم والموت فتقول‏:‏
" اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "  (‏ الزمر‏:42)‏ .
وتعاود الآيات في سورة الزمر للمرة الثالثة إلى استنكار شرك المشركين‏,‏ محذرة من سوء عذابهم يوم القيامة موجهة الخطاب إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقول‏:‏
" أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ.  قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ . وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ "‏ ‏ ‏(‏الزمر‏:43‏ ـ‏45)‏ .
ومرة أخرى تتوجه السورة الكريمة بالخطاب إلى رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ فتقول له آمرة وموجهة‏:‏
" قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏" (‏ الزمر‏:46)‏ .
وتكرر سورة الزمر وصف عذاب الظالمين المستهزئين بالدين فتقول‏:‏
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِن سُوءِ العَذَابِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ . وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ‏"  (‏ الزمر‏:48,47) .‏
ومرة ثانية تعاود الآيات إلى استعراض شيء من طبائع النفس الإنسانية مؤكدة أن الله ـ تعالى ـ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر لتقول‏:‏
" فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ. ‏ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏ . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُم بُمُعْجِزِينَ. أَوَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ "‏  (‏ الزمر‏:49‏ ـ‏52)‏
ثم تعاود الآيات إلى فتح أبواب التوبة واسعة أمام أهل المعاصي مهما أسرفوا فيها‏,‏ وتدعوهم إلى الاستغفار على ما كانوا قد اقترفوا من الذنوب وعدم اليأس من رحمة الله ـ تعالى ـ فتقول مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏:‏
" قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.  وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ .‏ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ .‏ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ .‏ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المُتَّقِينَ.  أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ .‏ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنتَ مِنَ الكَافِرِينَ "   (‏ الزمر‏:53‏ ـ‏59) .‏

وللمرة السادسة تقارن السورة المباركة بين مصائر كلٍ من المكذبين المتكبرين‏,‏ والمصدقين المتقين في الآخرة فتقول‏:‏ " وَيَوْمَ القِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ. ‏ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ " (‏الزمر‏:61,60)‏ .
وتعظيماً لله ـ تعالى ـ وتحذيراً للكافرين تقول سورة الزمر‏:‏
" اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . ‏ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ " ‏ ‏(‏الزمر‏:63,62).‏
وتوجه السورة الكريمة الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلي الله عليه وسلم ـ للمرة العاشرة مؤكدة التوحيد الخالص لرب العالمين‏,‏ ومستنكرة شرك المشركين‏,‏ ومؤكدة وحدة الدين في الإسلام العظيم فتقول له‏:‏
" قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجَاهِلُونَ‏ .‏ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ . بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ "  ‏(‏الزمر‏:64‏ ـ‏66)‏ .
وتصف سورة الزمر مشهداً من مشاهد يوم القيامة يعظم الله ـ تعالى ـ وينزهه عن كل شريك ويؤكد على نفختي الصعق والبعث‏,‏ وعلى ما يعقبهما من أحداث عظام وحساب وجزاء فتقول‏:‏
" وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ . وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ . وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ‏" ‏ ‏(‏الزمر‏:67‏ ـ‏70)‏ .
وتختتم السورة الكريمة بوصف مصائر كل من زمر الكافرين المتكبرين وزمر المتقين العاملين فتقول‏:‏
" وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ العَذَابِ عَلَى الكَافِرِينَ‏ .‏ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ . وَسِيقَ الَذينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ . وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العَامِلِينَ . وَتَرَى المَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " ‏(‏الزمر‏:71‏ ـ‏75)‏ .



من ركائز العقيدة في سورة الزمر:
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ رباً واحداً أحداً‏,‏ فرداً صمدا‏ً,‏ بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏,‏ وتنزيهه ـ سبحانه وتعالى ـ عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ والإيمان بكل ما وصف به ذاته العلية من صفات الكمال والجلال التي منها أنه ـ سبحانه ـ العزيز الحكيم‏,‏ الواحد القهار‏,‏ الرحيم الغفار‏,‏ مالك الملك‏,‏ الغني‏‏ عالم الغيب والشهادة، والعليم بذات الصدور‏,‏ الهادي‏ الكافي‏،‏ المنتقم‏,‏ الخالق‏,‏ الحكم العدل‏,‏ القابض الباسط‏,‏ الرزاق‏‏ الوكيل‏,‏ الحليم‏‏ العليم ‏.‏
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام رب العالمين الذي أنزله بالحق على خاتم أنبيائه ورسله‏ قرآناً عربياً غير ذي عوج‏,‏ وهدى وبشرى للمؤمنين ‏.‏
‏(3)‏ التصديق ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأنه ليس من بعده نبي ولا رسول‏,‏ فقد ختمت بنبوته النبوات‏,‏ وببعثته الرسالات‏,‏ ولذلك تعهد ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بحفظ رسالته فحفظت على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏,‏ وسوف تبقى محفوظة إلى أن يشاء الله‏.‏
‏(4)‏ التسليم بحتمية الموت‏ والبعث‏,‏ والحساب‏ والجزاء‏,‏ وبأن للآخرة نفختين‏،‏ نفخة الصعق التى يصعق بها كل حي في السماوات والأرض إلا من يشاء الله‏,‏ ونفخة البعث التي يبعث بها كل ميت فيحشر ويعرض ويحاسب ويلقى جزاءه بالخلود في الجنة أبداً أو في النار أبداً‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الرزق من الله ـ تعالى ـ الذي يبسطه لمن يشاء ويقدر له‏,‏ وبضرورة الصبر عند الابتلاء، فالصابرون يوفون أجورهم بغير حساب‏ .‏
‏(6)‏ التصديق بمسئولية كل إنسان عن عمله‏,‏ وبأنه لا تزر وازرة وزر أخرى‏,‏ وبأن كل بني آدم خطاءون‏,‏ وأن خير الخطائين التوابون‏,‏ وأن الله ـ تعالى ـ لا يغفر أن يشرك به‏ ويغفر مادون ذلك لمن يشاء من عباده ‏.‏
‏(7)‏ اليقين بنعيم أهل الجنة وبعذاب أهل النار‏,‏ وبكل ما أنزل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ من عذاب بالعاصين المكذبين من الأمم السابقة ‏.‏

من الإشارات الكونية في سورة الزمر:
‏(1)‏ وصف خلق السماوات والأرض بأنه تم بالحق، (أي حسب قوانين وسنن منضبطة انضباطا شديدة يشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالإلوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه)، وبأنه ـ تعالى ـ هو الحق.‏
‏(2)‏ الإشارة الضمنية الدقيقة إلى كلٍ من كروية الأرض‏ ودورانها حول محورها أمام الشمس‏,‏ وجريها في مدارها‏,‏ وجري كلٍ من القمر والشمس‏ ـ‏ وبالتالي جري كل أجرام السماء‏ ـ إلى أجل مسمى مما يشير إلى حتمية الآخرة‏.‏
‏(3)‏ التأكيد علي خلق الناس جميعاً من نفس واحدة هي نفس أبينا آدم ـ عليه السلام ـ التي خلق منها زوجها ‏ـ‏ أمنا حواء عليها السلام‏ ـ وعلوم الوراثة تؤكد ذلك وتدعمه‏.‏
‏(4)‏ ذكر إنزال ثمانية أزواج من الأنعام مما قد يشير إلى إنزال الأمر الإلهي بخلقها‏,‏ أو إنزال الشفرة الوراثية الخاصة بها‏.‏
‏(5)‏ وصف خلق جنين الإنسان على مراحل " ... خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ... "، وهو ما أكده علم الأجنة ‏.‏
‏(6)‏ الإشارة إلى أن أصل الماء المخزون في صخور قشرة الأرض هو ماء المطر الذي يسلكه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ينابيع في الأرض‏,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد ذلك‏ .‏
‏(7)‏ وصف إنبات الأرض بنزول الماء عليها أو بريها فتخرج زروعاً مختلفة الألوان‏,‏ وعند نضج ثمارها تيبس وتجف بعد نضارتها‏,‏ ويصفر لونها‏,‏ ثم تتحطم وتصبح فتاتاً متكسراً،‏ وفي ذلك إشارة إلى دورة الحياة والموت في كل صور الخلق ‏.‏
‏(8)‏ التأكيد على مفارقة النفس للجسد في حالتي النوم والممات‏,‏ وعلى عودتها إلى النائم لحظة يقظته‏,‏ وإمساكها عن جسد الذي قضى عليه الموت ‏.‏
‏(9)‏ الجزم بأن الله ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه على كل شيء وكيل ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي في هذا المقال علي النقطة الرابعة من القائمة السابقة والمتعلقة بإنزال ثمانية أزواج من الأنعام فضلاً من الله ـ تعالى ـ على بني الإنسان‏، ولكن قبل الدخول في هذه القضية لابد من استعراض قول المفسرين في قول الله ـ تعالى ـ في قوله: " خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ... " (الزمر:6)

من أقوال المفسرين في قوله ـ تعالى ـ: " خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ... "

ذكر ابن كثير‏ ـ رحمه الله‏ ـ ما مختصره‏:...‏ أي وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج‏,‏ وهي المذكورة في سورة الأنعام  " مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ‏ وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ ‏وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ ‏.... ". (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير الجلالين ‏ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ ما نصه‏: "‏ وَأَنزَلَ"‏ أي‏:‏ وخلق. "‏ لكم من الأنعام‏ "‏ الإبل‏,‏ والبقر‏,‏ والغنم وهو الضأن والمعز "‏ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ‏ " من كل زوجين‏:‏ ذكراً وأنثى‏,‏ كما بين في الآيتين‏144,143‏ من سورة الأنعام‏ ....‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر صاحب الظلال ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـما نصه‏:...‏ والأنعام الثمانية كما جاءت في آية أخري هي‏:‏ الضأن والمعز والبقر والإبل‏‏ من كل ذكر وأنثى،‏ وكلٌ من الذكر والأنثى يسمى زوجاً عند اجتماعهما‏،‏ فهي ثمانية في مجموعها‏...‏ والتعبير بأنه إنزال لها من عند الله يعبر عن تسخيرها للإنسان‏, ‏فهذا التسخير منزل من عنده‏،‏ منزل من عليائه إلى عالم البشر‏،‏ ومأذون لهم فيه من عنده ـ تعالى‏....‏ (انتهى قول المفسر)
وجاء في تفسير السعدي‏ ـ رحمه الله‏ ـ ما نصه‏: " وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ "  أي‏:‏ خلقها بقدر نازل منه‏‏ رحمة بكم‏. "‏ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ "، وهي التي ذكرها في سورة الأنعام: " ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الإِبِلِ وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ "‏ وخصها بالذكر مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها‏؛ لكثرة نفعها‏,‏ وعموم مصالحها‏,‏ ولشرفها‏,‏ ولاختصاصها بأشياء لا يصلح لها غيرها، كالأضحية والهدي والعقيقة ووجوب الزكاة فيها‏,‏ واختصاصها بالدية‏. (انتهى قول المفسر)
وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ  رحمة الله على كاتبه ـ‏ ما نصه‏:
" وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ‏..." أي من كلٍ من الإبل والبقر والضأن والمعز زوجين‏ ذكراً وأنثى,‏ يتم بهما التناسل وبقاء النوع‏،‏ وعبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء‏.‏
وذكر صاحب صفوة التفاسير‏ ـ‏ جزاه الله خيرا‏ً ـ‏ ما نصه‏:...‏ أي وأوجد لكم من الأنعام المأكولة ـ وهي الإبل‏,‏ والبقر‏,‏ والغنم‏,‏ والمعز‏ ـ ثمانية أزواج من كل نوع ذكراً وأنثى‏.‏ قال قتادة‏:
" ‏وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ‏ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ " كل واحد زوج‏,‏ وسميت أزواجاً لأن الذكر زوج الأنثى‏,‏ والأنثى زوج الذكر‏.‏ قال المفسرون‏:‏ والإنزال عبارة عن نزول أمره وقضائه‏. (انتهى قول المفسر).
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيراً ـ‏ ما نصه‏:‏ وأنزل لصالحكم ثمانية أنواع من الأنعام ذكراً وأنثى،‏ وهي الإبل والبقر والضأن والماعز. (انتهى قول المفسر)

الأنعام في القرآن الكريم:
جاء ذكر الأنعام في القرآن الكريم في ثلاثة وثلاثين‏(33)‏ موضعاً‏,‏ منها ستة وعشرون‏(26)‏ بلفظ ‏(‏الأنعام‏),‏ وفي موضعين‏(2)‏ بلفظ‏ (‏أنعاما‏ً),‏ وفي ثلاثة مواضع‏(3)‏ بلفظ ‏(‏أنعامكم‏),‏ وجاءت‏ مرة بلفظ‏ (‏أنعامهم‏)،‏ ومرة أخرى بلفظ‏ (‏النعم‏).‏
هذا وقد سميت خامس سور القرآن طولاً باسم سورة الأنعام‏.‏ ولفظة‏ (‏الأنعام‏)‏ مستمدة من‏(‏النعمة‏)‏ وهي المنة‏ واليد‏ والصنيعة‏؛‏ وذلك لأن‏ (‏الأنعام‏)‏ من أعظم وأجل المخلوقات التي أنعم الله ـ تعالى ـ بها على الإنسان لما فيها من الفوائد الكثيرة والمنافع العديدة‏.‏ يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في محكم كتابه‏:‏
" أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ .‏ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ.  وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ ‏".‏ ‏(‏يس‏:71‏ ـ‏73)‏
و‏(‏النعمى)‏ و‏(‏النعماء‏)‏ و‏(‏النعيم‏)‏ كلها ألفاظ مستمدة كذلك من ‏(‏النعمة‏)، والعرب يطلقون لفظة ‏(الأنعام‏)‏ أساساً على الإبل‏,‏ والقرآن الكريم يضيف إليها كلاً من البقر والضأن والمعز‏ (‏سورة الأنعام‏:‏ الآيات‏142‏ ـ‏144).‏
وتعرف‏ (‏الأنعام‏)‏ باسم المال الراعية‏,‏ وواحدتها‏ (‏النعم‏).‏ قال الفراء‏:‏ هي ذكر لا يؤنث؛ لأنهم يقولون‏:‏ هذا نعم وارد‏,‏ وجمعه ‏(‏نعمان‏)‏ علي وزن حمل وحملان‏,‏ وجمع الجمع ‏(‏أنعام‏)‏ و ‏(‏أناعيم‏).‏

الأنعام في علم الحيوان:
الأنعام
‏(Cattle=Family Bovidae) ‏هي إحدى عائلات الحيوانات المجترة‏ (Ruminants)‏ ذات الحافر ‏(Super-Order Ungulata)‏ زوجية الأصابع ‏(Even-Toed Ungulates=Order Artiodactyla)‏، وهي حيوانات ولودة‏,‏ تحمل صغارها داخل جسم الأم‏,‏ وترتبط الصغار مع الأم بواسطة المشيمة حتى تضعها وهي كاملة النمو‏,‏ وتتميز الأم بوجود غدد خاصة لإفراز اللبن الذي ترضعه صغارها حتى تفطم‏,‏ ولذلك تضم في مجموعة الثدييات المشيمية
‏(Placental Mammals = Class Mammalia, Subclass Eutheria)، ‏وهي حيوانات ذات فقار، ولذلك توضع تحت قبيلة الفقاريات ‏(Subphylum Vertebrata)‏، ولها حبل عصبي مركزي‏,‏ ولذلك تضم إلى قبيلة الحبليات ‏(Phylum Chordata),‏ وعلى ذلك تصنف الأنعام في علوم الحيوان علي النحو التالي‏:‏
‏(1)‏ المملكة الحيوانية
‏( Kingdom Animalia)‏ .
‏(2)‏ قبيلة الحبليات
‏(Phylum Chordata)‏ .
‏(3)‏ تحت قبيلة الفقاريات
‏(Subphylum Vertebrata)‏ .
‏(4)‏ طائفة الثدييات ‏(Class Mammalia)‏ .
‏(5)‏ تحت طائفة الثدييات المشيمية
‏ (Subclass Eutheria)‏ .
‏(6)‏ فوق رتبة الحافريات
‏(Super Order Ungulata)‏
‏(7)‏ رتبة زوجيات الأصابع ‏(Order Artiodactyla)‏ .
‏(8)‏ تحت رتبة المجترات
‏(Suborder Ruminant)‏ .
‏(9)‏ عائلة الأنعام‏(‏ الأبقار‏)
(Family Bovidae)‏ .
وكغيرها من الثدييات تتميز الأنعام بأنها حيوانات ولودة ترضع صغارها وبوجود الشعر أو الفرو أو الصوف الذي يكسو جلدها‏,‏ وبوجود الغدد العرقية والدهنية واللبنية في جلودها‏,‏ وبتميز أسنانها إلى قواطع وأنياب وأضراس‏,‏ ويتكون كلٌ من فكيها من عظمة واحدة‏,‏ وبوجود الحجاب الحاجز الذي يفصل التجويف الصدري عن التجويف البطني‏،‏ وهي حيوانات ذات دم حار‏,‏ ويعمل كلٌ من الشعر أو الفرو أو الصوف الذي يغطي الجلد والغدد العرقية على حفظ درجة حرارة ثابتة لأجسامها‏,‏ وهو ما يساعدها في التغلب على تغيرات الجو.‏

ومن  ذلك يتضح أن الأنعام من الحيوانات الثديية ‏(‏اللبونة‏),‏ وهي من الفقاريات التي اختصها الله ـ تعالى ـ بالقدرة على إفراز اللبن من بين فرث ودم لإرضاع صغارها حتى تكبر، ولذلك ميزها الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بعدد من الغدد الخارجية القادرة على إفراز اللبن تعرف باسم الأثداء أو الضروع‏.‏
وعلى الرغم من قلة أنواع الثدييات المعروفة‏ ـ أكثر قليلاً من أربعة آلاف نوع‏ ـ فإنها تشكل طائفة خاصة من طوائف الحيوان التي تتوزع توزعاً فاعلاً في جميع بيئات الأرض‏,‏ وتلعب دوراً مهماً في تبادل المادة والطاقة بينها وبين تربة الأرض‏,‏ قلَّ أن تشاركها فيه مجموعة أخرى من مجموعات الحياة الأكثر عدداً مثل الحشرات أو الطيور‏.‏
والأنعام من آكلات الأعشاب‏‏ التي ميزها الله ـ تعالى ـ بالاجترار‏,‏ وهيأ لها جهازاً هضمياً خاصاً قادراً على هضم كلٍ من الأعشاب وأوراق الأشجار‏ وغير ذلك من الأعلاف الخشنة‏,‏ وزود هذا الجهاز الهضمي بقدر من الكائنات الحية المجهرية الدقيقة التي تتعايش معه لتعينه على هضم المواد السيليولوزية المعقدة في معدة الاجترار‏,‏ وتزيد من القيمة الغذائية لتلك المواد بتحويل النيتروجين العضوي الناتج عن عملية تخمر الطعام إلى عدد من الأحماض الأمينية‏,‏ كما تقوم على تجهيز أعداد من الفيتامينات المهمة.‏
والأنعام تشمل بالإضافة إلى كلٍ من الإبل‏,‏ والبقر‏,‏ والضأن‏,‏ والمعز‏ ـ‏ وهي من الحيوانات المستأنسة‏ ـ‏ عدداً من الحيوانات‏‏ البرية، مثل الظباء‏‏ والزراف والغزلان‏.
وجمع القرآن الكريم للأنواع المستأنسة تحت مسمى الأنعام كما جاء في السورة التي تحمل هذا الإسم سبق علمي لجميع المعارف المكتسبة بأكثر من اثني عشر قرناً كاملة‏,‏ وتأكيد على فكرة جمع الحيوانات المتشابهة في وحدات تصنيفية، وهو ما يعرف باسم علم التصنيف‏.‏
أما الحافريات أحادية الأصابع ـ أي التي لها إصبع واحد بجوار الحافر أو الظلف
‏ ـ
(
Odd-(toed Ungulates=Order Perissodactyla) فتشمل من الحيوانات المستأنسة الخيل والبغال والحمير وأشباهها ومن الحيوانات البرية تشمل كلاً من الكركدن ‏(Rhinocerose)‏ والتابير ‏(Tapir) وأشباهها‏، والقرآن الكريم فصل بين هذه الرتبة والأنعام وجمع بينهما في سياق واحد‏,‏ كما جاء في سورة النحل حيث يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
" وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ. ‏ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ ‏ . ‏ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ .  وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ "  (‏النحل‏:5‏ ـ‏8)‏.
وهذا التمييز الدقيق والجمع في آن واحد بين الحيوانات الثديية المشيمية المجترة 
TheRuminant Placental Mammals)( ـ كما جاء في سورتي الأنعام والنحل ـ يعتبر سبقاً علمياً حقيقياً لكل المعارف المكتسبة بأكثر من اثني عشر قرناً كاملة‏,‏ كما يعتبر تأييداً لفكرة تصنيف الكائنات الحية التي تنسب إلى العالم السويدي لينيس Linnaeus)‏) في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي ‏(1758‏ م‏)، فهذه المجموعة من الحيوانات قسمها القرآن الكريم إلى الأنعام ‏ـ الضأن‏,‏ والمعز‏,‏ والإبل‏,‏ والبقر‏ ـ وهي من الحيوانات المستأنسة‏,‏ ويضم إليها علماء الحيوان كلاً من الظباء والزراف‏‏ والغزلان وأشباهها، وهي من الحيوانات البرية‏,‏ ويضعون الجميع في رتبة ذوات الحافر أو الظلف مزدوج الأصابع (‏(The Even-toed Ungulates=Order Artiodactyla‏، ويضع علماء التصنيف كلاً من الخيل والبغال والحمير من الحيوانات المستأنسة وأشباهها‏,‏ وكلاً من الكركدن‏,‏ والتابير وأشباههما من الحيوانات البرية في رتبة أخرى تعرف باسم رتبة ذوات الحافر‏ (‏ أو الظلف‏)‏ والإصبع الواحد ‏((The Odd-toed Ungulates=Order Perissodactyla‏، وللشبه الكبير بين هذه الحافريات جمع القرآن الكريم بينها‏,‏ ولكنه فصل بين الأنعام من جهة و الخيليات ـ‏ الحصانيات‏ ـ من جهة أخرى‏.‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم:
يقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏:‏
‏"..‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ‏.."‏(‏الزمر‏:6)‏.
وأجمع المفسرون على أن الأزواج الثمانية من الأنعام هي من الضأن اثنان‏,‏ ومن المعز اثنان‏,‏ ومن الإبل اثنان‏,‏ ومن البقر اثنان‏ (‏ ذكر وأنثى‏)‏ كما جاء في سورة الأنعام‏ (‏ الآيات‏142‏ ـ‏144),‏ ولكن اختلفوا في تفسير دلالة الفعل ‏(‏أنزل‏)، فمنهم من قال‏:‏ خلق لكم من ظهور الأنعام‏,‏ أو خلق لكم من الأنعام‏,‏ أو سخرها للإنسان بمعنى أن التسخير منزل من عند الله ـ تعالى ـ من عليائه إلى عالم البشر‏,‏ ومأذون لهم فيه من عنده ـ تعالى‏ ـ‏ ومنهم من قال‏:‏ إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ عبر عن الخلق بالإنزال؛ لأن الخلق إنما يكون بأمر من السماء‏,‏ ومنهم من قال‏:‏ وأوجد لكم من الأنعام المأكولة‏,‏ وأن المقصود بالإنزال هو نزول أمر الله وقضائه‏,‏ ومنهم من قال في معنى الإنزال هو الإنزال لصالح الناس‏,‏ ومنهم من قال‏:‏ خلقها بقدر نازل منه رحمة بالناس‏، ولم يتخيل أحد من المفسرين إمكانية أن يكون الإنزال إنزالاً حقيقياً لصعوبة ذلك على أفهام الناس نظراً لضخامة أحجام الأنعام‏,‏ وإن كان الله ـ تعالى ـ على كل شيء قدير‏,‏ ولكن يمكن أن يفسر ذلك
بإنزال الشفرة الوراثية لكلٍ منها ـ وهي لا تشغل حيزاً أكبر من واحد من المليون من الملليمتر المكعب ـ خاصة وقد ثبت وجود بكتيريا حية شبيهة بالأنواع الأرضية في العديد من النيازك التي وصلت إلى الأرض من السماء‏.‏

الحياة خارج أرضنا وإنزالها إلى الأرض‏:‏
في سنة‏1864‏ م نزلت مجموعة من النيازك بالقرب من مدينة أورجيل (Orgeuil)‏ في جنوب غربي فرنسا‏,‏ وقد درست هذه النيازك في الثلاثينيات الأولى من القرن العشرين وثبت إحتواؤها على عنصر الكربون على هيئة رقائق كروية الشكل مزدوجة الجدار تحيط بحبيبات من مواد غير عضوية، وبدراسة هذه الرقائق وجد أنها تشبه الفيروسات والجراثيم والفطريات‏ والأبواغ والبكتيريا المكورة‏ .‏
وفي سنة‏1960‏ م اكتشف الأمريكيان جورج كلاوس وبارت ناجي
(‏
GeorgeClaus& (BartNagy,1960 أشكالاً مشابهة في كلٍ من نيازك أورجيل ونيازك أخرى نزلت في تنزانيا بالقرب من إفونا‏Ivuna) ‏) في سنة‏1938‏ م ‏.‏
وفي سنة‏1979‏ اكتشف هانز ديتر فلوج
(‏Hans Dieter Pflug‏) في نيزك نزل بالقرب من مدينة مرشيزون ‏Murchison)‏) بولاية فيكتوريا بأستراليا أشكالاً عديدة شبيهة بما وجد في النيازك المشار إليها آنفاً‏,‏ وهو ما أكد له أن جميع البقايا الكربونية في تلك النيازك هي بقايا لكائنات حية‏,‏ وأن أصل الحياة على الأرض قد أنزل إليها من السماء فيما يعرف اليوم باسم نظرية الأصل الكوني للحياة ‏(The Cosmic Theory of Life)‏، وقد دعم هذه النظرية مانشره ليسنكو‏(S.V.Lysenko)‏ في نفس السنة  ‏(1979‏ م‏)‏ عن وجود حياة بكتيرية في الطبقة العليا من الغلاف الغازي للأرض علي ارتفاع بين‏50‏ كم و‏75‏كم فوق مستوى سطح البحر‏,‏ وهو ما دفعه إلى الاعتقاد بأن جميع صور الحياة الأرضية من نباتية وحيوانية قد تكونت من جينات من أصل كوني سماوي‏Cosmic Genes) ‏)، والحقيقة أن فكرة انتشار الحياة في المادة بين النجوم ليست فكرة جديدة فقد سبق أن نادى بها كلٌ من الفيزيائي البريطاني لورد كلفن‏(Lord Kelvin) في القرن التاسع عشر الميلادي‏,‏ والكيميائي السويدي أرهينيوس (‏Svante Arrhenius) في أوائل القرن العشرين‏,‏ وأطلقوا عليها اسم نظرية انتشار الحياة (The Panspermia Theory) بمعنى أن الشفرات الوراثية الخاصة بكل نوع من أنواع الحياة تنتشر في المادة بين النجوم، وينزل منها إلى الأرض ما ينزل في كل زمان ومكان حسب مخطط في غاية الدقة والإحكام‏ .‏
وقد فصل هذه القضايا الفلكي البريطاني الشهير فريد هويل في كتابه المُعَنْوَن الكون الذكي‏‏ نظرة جديدة في الخلق والتطور
Fred Hoyle1983: The Intelligent Universe, (ANewview of   Creation and Evolution).‏
وعلى ذلك فإن النص القرآني الذي يقول فيه ربنا ـ تبارك وتعالى ـ:‏
‏"...‏ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ
‏.."‏ ‏(‏الزمر‏:6)‏.
يشمل إنزال الأمر الإلهي بالخلق والتسخير‏,‏ كما يشمل إنزال الشفرة الوراثية التي يمكنها أن تنشط في أي وسط طيني ليخلق الله ـ تعالى ـ ما يشاء‏,‏ وهو على كل شيء قدير‏.‏
وسبق القرآن الكريم لجميع المعارف المكتسبة بأكثر من اثني عشر قرناً بالإشارة إلى إنزال الحياة من السماء يؤكد لكل ذي بصيرة أن هذا الكتاب الخالد لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية وحفظه حفظاً كاملاً في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ على مدى يزيد على الأربعة عشر قرناً‏,‏ وتعهد بهذا الحفظ إلى قيام الساعة حتى يبقى القرآن الكريم حجة على جميع الخلق إلى يوم الدين‏.‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام العظيم‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن الكريم‏,‏ وصلاة الله وسلامه على النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏