" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العليم القَدِيرُ "‏ ‏ (‏الروم‏:54).


هــذه الآية الكريمة جاءت في خواتيم سورة الروم‏ ,‏ وهي سورة مكية وآياتها ستون بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بالتنبؤ بانتصار الروم على الفرس قبل وقوعه بعدد من السنين‏ ,‏ وبعد أن كانوا قد هزموا هزيمة منكرة أمام الجيوش الفارسية‏ .‏ وهذا الخبر يمثل جانبا من جوانب إعجاز القرآن الكريم يعرف باسم الإعجاز التنبؤي‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة الروم حول عدد من ركائز العقيدة الإسلامية‏ ,‏ شأنها في ذلك شأن كل السور المكية‏ . تبدأ سورة الروم بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " الـم . غُلِبَتِ الرُّومُ .‏ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ . فِي بِضْعِ سِنِينَ لله الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ . بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ‏" (الروم‏:1‏-‏5) .
والحروف المقطعة التي استهلت بها هذه السورة المباركة‏ (ألم‏)‏ تكررت في مطلع ست من سور القرآن الكريم هي‏ (البقرة‏ ,‏ آل عمران‏ ,‏ العنكبوت‏ ,‏ الروم‏ ,‏ لقمان‏ ,‏ السجدة‏)‏ وجاءت مرة واحدة بالصيغة‏ (ألمر‏)‏ في مطلع سورة الرعد‏ .‏ والحروف المقطعة بصفة عامة تعتبر من أسرار القرآن الكريم التي أوكلها أغلب المفسرين إلى علم الله‏ (تعالى‏) ,‏ وحاول البعض تفسيرها بما عرضناه من قبل في عدد من المقالات السابقة‏ .‏وقد أشارت الآيات إلى هزيمة الروم في أدني الأرض وهي منطقة حوض وادي عربة ـ البحر الميت ـ وادي الأردن وقد أثبتت الدراسات العلمية أنها أكثر أجزاء اليابسة انخفاضا عن مستوى سطح البحر‏ ,‏ وهي في الوقت نفسه أقرب الأراضي إلى أرض الحجاز‏ ,‏ ولفظة‏ (أدني‏)‏ تحتمل المعنيين ‏:‏ الأخفض والأقرب‏ .‏ وأكدت السورة لكريمة أن الروم سوف يغلبون من بعد غلبهم هذا في بضع سنين‏ ,‏ ـ والبضع في العربية بين الثلاث والتسع‏ ,‏ وقد تحقق ذلك بالفعل‏ .‏ وأكدت الآيات كذلك أن الأمر لله تعالى من قبل ومن بعد‏ ,‏ وأن النصر بيده يهبه لمن يشاء‏
 (وهو العزيز الرحيم‏) ,‏ كما أكدت فرح المسلمين يومئذ لسببين‏:‏ أولهما‏:‏ لانتصارهم في معركة بدر الكبرى على كفار ومشركي قريش‏ ,‏ وثانيهما‏ :‏ الانتصار الروم على الفرس‏ ,‏ وقد تحققت البشريان بأمر الله‏ (تعالى‏).‏
ثم تتتابع الآيات مؤكدة أن وعد الله لا يخلف‏ ,‏ ومستنكرة أن أغلب الناس غافل عن حتمية الآخرة وغير معتبر بإبداع الخالق في النفس الإنسانية‏ .‏ وفي السماوات والأرض وما بينهما‏ ,‏ كما تستنكر كفرهم بلقاء ربهم‏ ,‏ وعدم اعتبارهم بما حدث للأمم من قبلهم جزاء تكذيبهم بها وبآيات الله ورسله‏ .‏

وتستمر الآيات في التأكيد على حقيقة أن الله تعالى يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ وأن الخلق جميعهم إليه راجعون‏ ,‏ وأن المجرمين سوف يحزنون في الآخرة حزنا شديدا يبلغون به حد اليأس‏ ,‏ وأن شركاءهم الذين أشركوهم في عبادة الله تعالى سوف يتخلون عنهم فيكفرون بهم‏ ,‏ ويتفرق الخلق إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات فينعمون في الجنة‏ ,‏ والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة ففي النار يعذبون لا يغادرونها أبدا‏ .‏ وتأمر الآيات بذكر الله‏ ,‏ وتسبيحه‏ ,‏ وحمده انسجاما مع ما يقوم به جميع من في السماوات والأرض من الخلق غير المكلف‏ ,‏ وذلك في المساء والصباح‏ ,‏ وفي العشية وفي الظهيرة‏ ,‏ لما في هذه الأوقات المحددة من بركات خاصة فتقول ‏: ‏" فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ .‏ وَلَهُ الحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ "‏ (الروم‏:18,17) .‏ ثم تستعرض السورة الكريمة عددا من آيات الله في الكون مما يشهد بطلاقة القدرة وعظيم الصنعة وإبداع الخلق‏ ,‏ وتضرب للناس مثلا من أنفسهم وتسألهم بطريقة الاستفهام الإنكاري ‏:‏ هل لكم من مواليكم شركاء فيما ملكناكم من الأموال فلا تتصرفون في شيء مما تملكون إلا بإذنهم ؟ فإن كنتم لا ترضون هذا ولا تفعلونه ـ وهم أمثالكم في البشرية والعبودية لله تعالى ـ فكيف تشركون مع الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بعض مخلوقاته‏ ,‏ بل بعض مصنوع مخلوقاته‏ ,‏ حيث تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه من دون الله أو تشركونه في عبادة الله تعالى؟ وتبين الآيات لأصحاب العقول المستنيرة كلا من الحق والباطل‏ ,‏ ولكن الذين كفروا اتبعوا أهواءهم دون إدراك بعواقب كفرهم أو شركهم‏ ,‏ ولعلم الله‏ (تعالى‏)‏ بهم أضلهم‏ ,‏ ومن يهدي من أضل الله ؟‏ .‏ وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ ـ ومن بعده كل مؤمن برسالته ـ بأن يقيم وجهه للإسلام الحنيف‏ ,‏ أي يقبل عليه بكليته لأنه الدين الذي يرتضيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ من عباده‏ ,‏ فهو دين الفطرة التي فطر الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ الناس عليها‏ ,‏ والتي لا تبديل لها‏ ,‏ وإن كان أكثر الناس لا يعلمون ذلك لجهلهم‏ ,‏ أو لتكبرهم‏ ,‏ أو لانغماسهم في معاصي الله‏ .‏كذلك تأمر الآيات بالإنابة إلى الله‏ (تعالى‏)‏ وبتقواه‏ ,‏ كما تأمر بإقامة الصلاة‏ ,‏ وتحذر من الوقوع في دنس الشرك بالله‏ .‏ وفي الإشارة إلى شيء من طبائع النفس الإنسانية تذكر الآيات في سورة الروم أن الناس إذا أصابهم الضر التجأوا إلى الله طالبين كشفه عنهم‏ ,‏ فإذا استجاب الله لتضرعهم سارع فريق منهم إلى الشرك به‏ ,‏ فتكون عاقبة أمرهم الكفر بأنعم الله‏ (تعالى‏) ,‏ وتنذرهم الآيات من شر تلك العاقبة‏ ,‏ مؤكدة أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ إذا أذاق الناس نعمة منه فرحوا بها إلى حد البطر‏ ,‏ وإذا أصابهم بشدة بسبب ما اقترفوا من ذنوب يئسوا إلى حد القنوط‏ ,‏ ونسوا أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏ .‏

وتأمر الآيات بإيتاء ذي القربى حقه والمسكين وابن السبيل‏ ,‏ وتحرم الربا‏ ,‏ وتحض على أداء الزكاة‏ ,‏ وتؤكد أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الخلاق‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ المحيي‏ ,‏ المميت‏ ,‏ وأن الذين عبدهم المشركون لا يستطيعون تحقيق شيء من ذلك‏ ,‏ فتعالى الله عما يشركون‏ .‏
وتشير الآيات إلى ظهور الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس‏ ,‏ مؤكدة أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ سوف يعاقبهم على ذلك‏: " لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ " ‏ (‏الروم‏:41) .‏
وتأمر الآيات بالسير في الأرض للاعتبار بما حدث للأمم المشركة من قبل‏ ,‏ مؤكدة ضرورة الاستقامة على الإسلام العظيم من قبل أن تأتي الآخرة فتصدع به كل الخلائق ثم يجزي كل بعمله‏ .‏
وتذكر السورة الكريمة أن تصريف الرياح هو من دلالات طلاقة القدرة الإلهية المستوجبة شكر العباد‏ ,‏ وتعاود التذكير بعقاب المكذبين من مجرمي الأمم السابقة انتقاما منهم‏ ,‏ ومؤكدة أن نصر المؤمنين حق على رب العالمين في كل زمان ومكان‏ .‏ ثم تعاود إلى تفصيل كيفية تكون السحب الطباقية‏ ,‏ وإنزال الماء منها‏ ,‏ فيستبشر العباد بذلك بعد أن كانوا من اليائسين‏ ,‏ وتشبه إحياء الموتى بإحياء الأرض بعد موتها‏ ,‏ مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ على كل شيء قدير‏ ,‏ تقارن بين الرياح المبشرة بالخير وبين ريح العقاب المصفرة‏ .‏ وتشبه الآيات إعراض الكفار والمشركين عن الاستماع إلى رسالة الله الخاتمة بعجز كل من الموتى والصم عن الاستماع وخاصة إذا كان الأصم منهم مدبرا‏ ,‏ وفي ذلك تقول مخاطبة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏) : ‏" فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ .وَمَا أَنْتَ بِهَادِ العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ "‏ (الروم‏:53,52) . وتذكر الآيات الناس بحقيقة أن الله‏ (تعالى‏)‏ خلقهم من ضعف‏ ,‏ ثم جعل لهم من بعد الضعف قوة‏ ,‏ ثم جعل من بعد القوة ضعفا وشيبة حتى لا يغتر أحد بشبابه ولا يحزن لشيبته وضعفه‏ ,‏ ويعلم أنها سنة الله في خلقه‏ .‏ وتؤكد الآيات على مرحلية الدنيا وفتنة الناس بها‏ ,‏ وغفلتهم عن الآخرة‏ ,‏ ونسيانهم لحتمية وقوعها‏ ,‏ ثم مفاجأتهم بها في يوم القيامة‏ .‏  وتختتم سورة الروم بخطاب موجه من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ ـ ومن بعده إلى كل المؤمنين برسالته ـ مؤكدا كفر الذين كذبوا بالقرآن العظيم‏ ,‏ وقد طبع الله على قلوبهم بكفرهم فهم لا يعلمون الحق‏ ,‏ ولا يجدون إليه سبيلا‏ ,‏ وآمرا بالصبر على استخفافهم بدعوة الحق‏ ,‏ والاطمئنان إلى وعد الله‏ ,‏ وهو واقع بهؤلاء الكفار والمشركين لا محالة‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَّيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ . كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ . فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ‏" ‏(الروم‏:58‏ ـ‏60) .‏ هذا وقد سبق لنا عرض ركائز كل من العقيدة والعبادة وتلخيص الإشارات الكونية التي جاءت في سورة الروم‏ ,‏ ولا أري حاجة إلى إعادتها هنا لكي نخصص هذا المقال لعرض الدلالات العلمية للآية رقم‏ (54)‏ من هذه السورة المباركة‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا‏ :‏ في قوله تعالى ‏: " اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ " (‏الروم‏:54):
يخلق الله‏ (تعالى‏)‏ جنين الإنسان بإخصاب نطفة مختارة من بين مئات نطف الزوجة بواسطة نطفة مختارة كذلك من بين بلايين نطف الزوج ليخرج إلى الوجود كائنا بصفات محددة في علم الله‏ ,‏ فما من نفس منفوسة إلا أن الله خالقها‏ , . .‏ " وما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة "‏ .‏‏ (‏أخرجه الأئمة الستة‏) .‏ "وما من نفس إلا‏ . . .‏ سيأتيها ما قدر لها "(أخرجه الإمامان البخاري ومسلم‏) .‏
ونطفة الرجل لا يزيد طولها عن خمسة ميكرونات‏ (005 .‏ ـ مم‏)‏ بينما يصل قطر نطفة المرأة إلى مائتي ميكرون‏ (00 ,2‏ مم‏)‏ وهل هناك بداية أضعف من ذلك؟
وتبدأ النطفة الأمشاج‏ (0 ,2‏ مم‏)‏ في الانقسام لتكون التويتة
‏ (Morula)‏ وبها مئات الخلايا‏ ,‏ ثم تتجوف التويتة‏ ,‏ ويتكون بداخلها سائل رقيق فتعرف باسم الأرومة‏ ,‏ أو التكور الجرثومي (‏Blastula‏ )وتبدأ في محاولة التعلق ببطانة جدار رحم الأم في الفترة من الليلة السادسة إلى الرابعة عشرة من تاريخ الإخصاب‏ .‏

‏وبعد انزراعها في بطانة جدار الرحم تتحول إلى طور العلقة الذي يستمر من الليلة الخامسة عشرة إلى الليلة الخامسة والعشرين من تاريخ الإخصاب‏ ,‏ ويتراوح طول الجنين في هذه الفترة بين‏ (7 .‏ - مم‏) , (3 .‏ مم‏) . ‏‏من الليلة السادسة والعشرين إلى الثانية والأربعين من عمر الجنين تتحول العلقة إلى طور المضغة ويتراوح طولها بين‏ (3 ,2‏ مم‏) ,
(13 ,00‏ مم‏) .من الليلة الثالثة والأربعين إلى الليلة التاسعة والأربعين يزداد حجم الجنين لانتشار العظام فيه ويتراوح طوله بين‏ (14‏ مم‏) , (20‏ مم‏) .‏‏‏ ثم تكسي العظام باللحم‏ (العضلات والجلد‏)‏ في خلال الأسبوع الثامن‏ (من الليلة الخمسين إلى الليلة السادسة والخمسين من عمر الجنين‏)‏ ويزداد طوله ليتراوح بين‏ (22‏ مم‏) , (31‏ مم‏) .

‏ ومن بداية الأسبوع التاسع يبدأ الجنين‏ (Embryo)‏ في اكتساب عدد من الملامح الإنسانية فينتقل إلى طور الحميل‏ (Fetus)الذي يستمر إلى نهاية فترة الحمل‏ ,‏ وأقصاها تسعة شهور قمرية‏ (أي‏38‏ أسبوعا أو‏266‏ ليلة من تاريخ الإخصاب إلى نهاية فترة الحمل‏) ,‏ وأقلها ستة شهور قمرية‏ (أي‏26‏ أسبوعا أو‏177‏ ليلة من تاريخ الإخصاب‏) .‏
وتتميز هذه الفترة بالنمو السريع للحميل خاصة بعد أسبوعه الثاني عشر‏ ,‏ وببدء عملية التناسق بين أبعاد كل من الرأس‏ ,‏ والجسم‏ ,‏ والأطراف‏ ,‏ فيزداد الطول من‏ (32‏ مم‏)‏ في نهاية طور الجنين إلى حوالي (500‏ مم‏)‏ قبل المخاض‏ ,‏ كما يتراوح الوزن من‏ (8‏ جم‏)‏ إلى‏ (- .3500‏ جم‏) .
وتشير الدراسات الطبية إلى أن‏50%‏ من حالات الحمل تفشل قبل أن تعلم المرأة أنها حملت‏ ,‏ وأن‏78%‏ من الحالات الباقية يجهض‏ ,‏ ويتم إسقاطه أو تحلله وامتصاصه في داخل الرحم‏ .‏ وبالإضافة إلى ذلك يقول ربنا‏ (وهو خير القائلين‏) : "‏ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (النحل‏:78) .
ويقول‏ (عز من قائل‏) :‏ " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عليها المَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ " (الحج‏:5) .‏
ويقول‏ (سبحانه وتعالى‏) :‏ " هَوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "‏ , (غافر‏:67) .‏
ومن الثابت علميا أن الحميل لا يمكنه أن يعيش خارج الرحم إلا بعد تمام شهره القمري السادس‏ ,‏ ولذلك قال‏ (تعالى‏) : "‏ وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً " (الأحقاف‏:15) .‏ وقال‏ (عز من قائل‏) :‏ " وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ " (البقرة‏:233) .‏

وعلى ذلك تحدد فترة الرضاعة حسب المدة التي قضاها المولود في بطن أمه‏ ,‏ فإن كان قد ولد بعد ستة شهور قمرية فلابد من استكمال فترة رضاعته إلى حولين كاملين‏ ,‏ وإن كان قد ولد لتسعة شهور قمرية فيكفي لرضاعته واحد وعشرون شهرا قمريا‏ .‏
والوليد الذكر عادة ما يكون أكبر حجما من الأنثى‏ ,‏ ويبلغ طوله حوالي (- .50‏ سم‏)‏ ووزنه حوالي (3 .5‏ كجم‏)‏ في المتوسط‏ ,‏ وبإتمام عامه الأول يزداد طول الرضيع بحوالي35%‏ فيصل طوله إلى‏ (70‏ سم‏) ,‏ ويتضاعف وزنه ثلاث مرات فيصل إلى حوالي العشرة كيلو جرامات‏ .‏
وفي الرضيع تكون أغلب العظام طرية ولذلك تكون قابلة للكسر وللتشوه إذا لم تعامل بحرص شديد‏ ,‏ ثم يبدأ تكلسها بالتدريج حتى تقوي‏;‏ وتنبت الأسنان الأولي‏ (وهي عادة الأمامية السفلية‏)‏ عند تمام الشهر السابع من عمر الوليد‏ ,‏ وبعد إتمام عامه الأول يصل عدد الأسنان النابتة إلى حوالي الست‏ .‏
ويولد المولود بعضلات كاملة ولكنها صغيرة بالنسبة إلى حجمه‏ .‏ وبحواس منتبهة وأولها السمع‏ ,‏ والبصر‏ ,‏ واللمس‏ ,‏ وقدرة القبض على الأشياء‏ ,‏ وإن تأخرت حاسة الذوق قليلا‏ .‏
وتستكمل قشرة المخ نشاطها بالتدريج‏ ,‏ فيستطيع الوليد بعد ثمانية أسابيع من الميلاد إدراك ما حوله‏ ,‏ والتمييز بين الأصوات ذات النبرات المختلفة وبين الروائح المتباينة‏ ,‏ وتزداد قدراته بالتدريج‏ .‏ بعد ذلك فتكتمل حاسة الإبصار في شهره السادس‏ ,‏ كما تزداد قدراته على إصدار الأصوات والانفعال بالأحداث من حوله في شهره السابع‏ .‏
وفي الفترة بين عامه الأول والثاني‏ (من الشهر الثاني عشر إلى الثامن عشر‏)‏ يبدأ الرضيع الطبيعي بالحركة ومحاولة المشي‏ ,‏ وفي فهم دلالة بعض الكلمات‏ ,‏ وفي تمام الشهر السادس عشر يبدأ في الوقوف على قدميه والمشي مستقلا‏ ,‏ وفي تمام السنتين يكون قد وصل إلى مرحلة الكلام بجمل قصيرة مفهومة وقد تم فطامه‏ .‏
ويبدأ الطفل بالتدريج في إدراك ما حوله وفي تحصيل وحدات المعرفة ووسائلها‏ ,‏ ثم في تعلم اللغة‏ ,‏ وفي تنمية الذاكرة والقدرة على التعبير وعلى التفكير والاستنتاج‏ ,‏ ثم تتطور دوافعه ورغباته‏ ,‏ ثم أخلاقه وقيمه حتى يدخل في طور المراهقة وتبدأ في الأولاد حوالي سن‏ (13)‏ سنة وفي البنات بين سن‏ (8) , (11)‏ سنة في المتوسط‏ ,‏ وتستمر فترة المراهقة إلى سن العشرين حين يكتمل نمو العظام وتقوي وتزداد كثافتها‏ ,‏ ويتم نمو العضلات وتشتد‏ ,‏ وتكتمل الغضاريف‏ ,‏ فتتغير الأبعاد والأشكال والتصورات والمفاهيم‏ .



ثانيا‏:‏ في قوله تعالى‏: " ثم جعل من بعد ضعف قوة‏ " (‏الروم‏:54) :
‏يتميز طور المراهقة بالنمو البدني السريع‏ ,‏ فيزداد الطول والوزن بشكل ملحوظ بزيادة حجم العضلات في الذكور‏ ,‏ وزيادة سمك الطبقة الدهنية في الإناث بصفة عامة‏ .‏ ويصاحب النمو الجسدي بالبلوغ الجنسي‏ ,‏ وزيادة إفراز الهرمونات‏ ,‏ وتصل القوة البدنية إلى أعلى مستوياتها‏ ,‏ وإن عاني المراهقون من الحساسية الشديدة‏ ,‏ والحرج‏ ,‏ والميل إلى العزلة عن المجتمع‏ ,‏ والخوف من النقد الشخصي‏ .‏
وتمتاز هذه الفترة أيضا بظهور عدد من القدرات الخاصة التي توظف في محاولة تحقيق الذات بانتهاج نوع من الاستقلالية الفكرية حتى يتم تشكيل الهوية‏ ,‏ بالنمو العقلي والعاطفي والوجداني‏ ,‏ والتعطش إلى محبة الآخرين‏ ,‏ والرغبة في الاستحواذ على إعجابهم‏ .
وتعتبر فترة المراهقة هي طور الشباب‏ ,‏ وهو طور الانتقال من الطفولة إلى الرجولة‏ ,‏ فتزداد القدرات البدنية‏ ,‏ والعقلية‏ ,‏ والنفسية بالتدريج حتى تصل إلى قمتها في سن الخامسة والعشرين‏ ,‏ وتستمر بهذا الزخم إلى سن الخامسة والأربعين‏ (وهي مرحلة الرجولة الكاملة‏)‏ ثم يبدأ منحني الجسد في التدهور ليدخل في دور الكهولة ثم الشيخوخة‏ .‏ ويسمي القرآن الكريم مرحلة الرجولة باسم مرحلة بلوغ المرء أشده فيقول‏ :‏
" حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين "‏ (الأحقاف‏:15) .‏ولذلك عبر القرآن الكريم على الانتقال من مراحل الجنين‏ ,‏ والحميل‏ ,‏ والرضيع‏ ,‏ والطفل ـ وما فيها من ضعف ـ إلى مراحل الشباب والرجولة ـ وما فيها من قوة وشدة ـ يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : "‏ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً " (الروم‏:54) .وهي قوة تشهد لله الخالق بأنه هو وحده واهبها‏ ,‏ ومرتبها‏ ,‏ ومنظمها حسب علمه وحكمته وقدرته‏ .‏

ثالثا‏ :‏ في قوله تعالى‏ :" ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً " (الروم‏:54):‏
بعد وصول الإنسان إلى أقصي مراحل نموه الجسدي في طور الرجولة وثباته عند هذه القمة من سن‏ (25)‏ إلى سن‏ (45)‏ سنة يتوقف النمو الجسدي‏ ,‏ وتأخذ القدرات البدنية في التناقص التدريجي حتى سن الخامسة والستين‏ ,‏ ثم بالتناقص الحاد من سن الخامسة والستين إلى نهاية العمر‏ ,‏ وتسمي هذه الفترة باسم طور الشيخوخة‏ (Senescence)‏ وهي حالة من التدهور التدريجي في بنية كل حي يشمل جميع خلاياه‏ ,‏ وأنسجته‏ ,‏ وأعضائه‏ ,‏ وأجهزته‏ ,‏ مما يضعف من كفاءتها ومن قدرتها على القيام بوظائفها بالمعدلات التي كانت تقوم بها في طوري الشباب والرجولة‏ .‏ وهذا التدهور الصحي هو نوع من التدمير الذاتي المبرمج‏ (Phenoptosis)في الشيفرة الوراثية للخلية الحية‏ .‏ فيبدأ الخلل في التراكم على مستوي الخلايا لينعكس على الأنسجة‏ ,‏ والأعضاء‏ ,‏ والأنظمة‏ ,‏ ويبدأ في الظهور في أشكال متعددة من التغير في تركيب الأحماض النووية التي تكتب بها الشيفرة الوراثية إلى شيب الرأس‏ ,‏ وتجاعيد الجلد‏ ,‏ وضعف الحواس‏ .‏
ومن المعروف أن أبسط تغير في تركيب الأحماض النووية يؤدي إلى عجز الخلية عن القيام بدورها المنوط بها‏ ,‏ فتتراجع فاعليتها وتظهر أعراض الشيخوخة المختلفة عليها‏ .‏ وقيل إن من أسباب ذلك كثرة الجذور الحرة للعناصر
‏ (FreeRadicals)في الجسم‏ .‏ والشيخوخة بذاتها ليست حالة مرضية‏ ,‏ ولكن إذا صاحبها الكثير من الأمراض تحولت إلى شيخوخة مرضية (Senility)يعتني بها في فرع خاص من فـروع الــعلم يعــرف باسم علم الشيخوخة‏ (Gerontology)‏ وفي أحد تخصصات التطبيب يعرف باسم طب الشيوخ‏ (Geriatics) .‏ وأعراض الشيخوخة لا يمكن إيقافها‏ ,‏ ولا التخلص منها‏ ,‏ وذلك لأنها ناتجة عن ضعف قدرة خلايا الجسم على الانقسام كلما تقادم بها العمر‏ .‏ وقد اكتشف وجود غطاءين طرفيين عند نهايتي كل جسيم من الجسيمات الصبغية الحاملة للمورثات‏ ,‏ وأن هذين الغطاءين يتناقص طول كل منهما عقب كل عملية انقسام‏ ,‏ فإذا وصل طولهما إلى حد معين فإن عملية انقسام الخلية تتوقف حتى تموت‏ ,‏ وتسمي فترة عجز الخلية عن الانقسام باسم شيخوخة الخلية‏ .

ومن مظاهر ذلك ما يلي ‏:‏
‏ (1)‏ شيب شعر الرأس‏:‏ والشيب هو ابيضاض الشعر بفقدانه مادته الملونة الموجودة بخلايا التلوين‏ (Melanocytes)في عمق البصيلة الشعرية‏ ,‏ ويتناقص عدد خلايا التلوين بمعدل‏1%‏ في كل سنة تقريبا‏ ,‏ ويخضع نشاطها إلى مفعول هرمون خاص‏ ,‏ وبنقص إفرازه تدريجيا مع تقدم العمر يضعف نشاط خلايا تلوين الشعر فيبيض لونه بالتدريج‏ .‏
كذلك ثبت أن من أسباب التعجيل بظهور الشيب تكرر حالات الفزع‏ ,‏ والأزمات النفسية‏ ,‏ والشدائد التي يمر بها الإنسان‏ ,‏ وذلك لما يصاحب تلك الحالات من إفراز مادة الأدرينالين وهي من المواد القاتلة لخلايا التلوين‏ .‏ وقد يصاحب ابيضاض الشعر بقلة كثافته أو تساقطه نظرا لموت الأوعية الدموية والخيوط العصبية المغذية للبصيلات المسئولة عن إنتاجه‏ .‏
(2)‏ انكماش الجلد وتجعده‏:‏ ويحدث ذلك نتيجة لتناقص نشاط كل من الغدد العرقية والدهنية مما يؤدي إلى رقة وجفاف الجلد‏ ,‏ وضعف أنسجته الضامة مع تقدم العمر‏ ,‏ وقد يتغطي الجلد بعدد من البقع الداكنة في أجزائه المعرضة لأشعة الشمس‏ ,‏ كما قد يظهر الشعر في أماكن الشارب والذقن عند بعض النساء الطاعنات في السن‏ .‏ وكذلك يعاني الكثيرون ممن جاوزوا سن الخامسة والستين من مشاكل جلدية عديدة من مثل الإصابة بالفطريات‏ ,‏ والالتهابات‏ ,‏ والحساسية الشديدة لأشعة الشمس‏ ,‏ وبعض السرطانات الجلدية‏ (عافانا الله منها‏) .‏
(3)‏ ضعف الحواس‏:‏ مع تقدم الإنسان في العمر تأخذ حواسه في الضعف التدريجي وذلك من مثل قدرات السمع‏ ,‏ والبصر‏ ,‏ والتذوق‏ ,‏ والشم‏ ,‏ واللمس‏ ,‏ ولذلك كان من الأدعية المحببة إلى قلب المصطفي‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ قوله الشريف‏ :" اللهم عافني في بدني‏ ,‏ اللهم عافني في سمعي‏ ,‏ اللهم عافني في بصري‏ ,‏ لا إله إلا أنت ‏"ولتعويض النقص في عدد من قدرات حواسهم يستعين كبار السن بوسائل معينة كالسماعات‏ ,‏ والنظارات‏ ,‏ والعدسات وغيرها‏ ,‏ كما تزداد حاجتهم إلى الإضاءة الشديدة‏ ,‏ ويصعب تأقلمهم مع الانتقال إلى الأماكن المظلمة‏ .‏ وقد يقل عدد خلايا التذوق في اللسان فتقل قدراتهم على الاستمتاع بالطعام‏ .‏

(4)‏ وهن‏ (هشاشة‏)‏ العظام ‏:‏ يمثل الهيكل العظمي للإنسان جزءا مهما من تكوينه الحيوي تتعاقب فيه عمليات الهدم والبناء منذ تكامله وحتى لحظة الوفاة‏ ,‏ ومع تقدم العمر‏ ,‏ وتزايد معدلات الهدم على معدلات البناء فإن الهيكل العظمي يدخل في مرحلة الوهن نظرا لامتلائه بالفراغات الناتجة عن تناقص مادة الكالسيوم‏ ,‏ وبذلك تزداد هشاشته‏ (Osteoporosis) ,‏ ويسهل كسر أي جزء منه في الوقت الذي تتباطأ سرعة التئامه‏ ,‏ ومن أكثر العظام المعرضة للكسر عند كبر السن عظام الورك والمعصم والعمود الفقري‏ ,‏ ويحصل الكسر عند اقل صدمة‏ .‏ وعادة ما تتضاغط فقرات العمود الفقري مؤدية إلى قصر القامة‏ ,‏ أو حدوث تحدب في الظهر نتيجة لضعف العضلات وتآكل الغضاريف‏ ,‏ مما يحدث آلاما شديدة‏ ,‏ ويؤدي إلى التهاب المفاصل‏ .‏ ويرجع وهن العظم عند كبر السن إلى توقف إفراز أعداد من الهرمونات المهمة‏ ,‏ وإلى نقص واضح في أعداد من الفيتامينات أهمها فيتامين‏ (D)‏ مما يؤدي إلى نقص معدلات امتصاص الكالسيوم من الدم‏ ,‏ كذلك يتسبب في هذا المرض أية زيادة في إفراز هرمون جار الدرقية المعروف باسم‏ (Para-Thormone)‏ والذي يعمل على نخر العظام‏ ,‏ أو الزيادة في إفراز أو في تعاطي الكورتيزون الذي يؤدي إلى تثبيط عمل الخلايا البانية للعظام‏ .‏
(5) ‏ضعف العضلات‏:‏ بعد سن الخامسة والأربعين لاحظ العلماء تناقص كتلة كل من الأنسجة العضلية‏ ,‏ والوصلات العصبية العضلية‏ ,‏ وزيادة كتلة الأنسجة الدهنية والليفية بالتدريج مع تقدم العمر‏ ,‏ خاصة مع قلة ممارسة الرياضة‏ ,‏ وقلة الحركة‏ .‏
(6)‏ ضعف كل من القلب والجهاز الدوري‏:‏ مع تقدم السن تبدأ بعض الخلايا العضلية للقلب في التلف‏ ,‏ ويبدأ كل من الأنسجة الليفية والدهون في التراكم على الجدر الداخلية للأوعية الدموية‏ ,‏ وفي عضلات القلب‏ ,‏ وبذلك تقل كفاءة القلب تدريجيا في ضخ الدم‏ ,‏ وتقل سرعة انقباضه‏ ,‏ وتزداد نسب الإصابة بتصلب الشرايين‏ ,‏ فيرتفع ضغط الدم‏ ,‏ وقد يؤدي كل ذلك إلى حدوث الجلطات الدموية التي قد تفضي إلى الموت‏ .‏
(7)‏ التدهور التدريجي للجهاز العصبي‏:‏ تتجدد خلايا جسم الإنسان كلها لعدة دورات طيلة حياته‏ ,‏ باستثناء الخلايا العصبية‏ ,‏ والتي إن ماتت لا يحل محلها بديل ولذلك يقل عددها باستمرار مع تقدم العمر خاصة بعد تجاوز الخامسة والأربعين فتضعف الذاكرة قصيرة الأمد‏ ,‏ ويضعف معها العديد من الحواس كالسمع والبصر‏ ,‏ والعديد من المهارات كالقدرة على الإمساك بالأشياء‏ ,‏ وعلى الاستجابة للمؤثرات‏ ,‏ وقد يصاب الطاعن في السن بشيء من النسيان‏ ,‏ والخرف‏ ,‏ والذهول عن كل من المكان والزمان‏ ,‏ وقد تتعرض شخصيته إلى شيء من التغيير مع تراكم العديد من المواد بين الخلايا والألياف العصبية الحية تعرف باسم لطع الشيخوخة‏ (SenilePlaques)والتي تكثر عادة في منطقة الناصية‏-‏ وهي منطقة اتخاذ القرار في المخ ـ ولذلك فإن الطاعنين في السن قد يصابون بالعديد من أمراض الشيخوخة من مثل مرض الذهان‏ (Alzheimer) ,‏ والاكتئاب‏ ,‏ والوسوسة‏ ,‏ والخوف‏ ,‏ وقد يتطور ذلك إلى شيء من الهوس والهيجان والجنون‏ .
(8)‏ ضعف الجهاز التنفسي‏:‏ حيث تتناقص كفاءته بالتدريج مع الزمن فيصاب الطاعنون في السن عادة بالعديد من أمراض التهاب الرئتين‏ ,‏ والغشاء البريتوني المغلف لهما‏ ,‏ والتهابات الشعب الهوائية‏ ,‏ وحساسية الأجزاء المتصلة بها‏ ,‏ وغير ذلك من أمراض الجهاز التنفسي‏ .‏
(9)‏ ضعف الجهاز الهضمي‏:‏ نظرا لتناقص إفراز كل من العصارات والإنزيمات المساعدة في عملية هضم الطعام‏ ,‏ فإن قدرات الجهاز الهضمي تبدأ في التناقص مع تقدم السن‏ ,‏ فبالإضافة إلى ضعف قدرة الأسنان على القضم ـ إن لم تكن قد تساقطت بعد ـ فإن ضعف المعدة على الهضم قد يؤدي إلى تكون القرح والنزيف وإلى زيادة المعاناة من الإمساك نتيجة لقلة النشاط البدني‏ .‏
(10)‏ ضعف الجهاز البولي‏/‏ التناسلي :‏ نظرا للنقص التدريجي في إفراز العديد من الإنزيمات الخلوية في الكلي فإنها تفقد بعض وحداتها‏ (Nephrons)‏ مما يؤدي إلى إنقاص كفاءتها أو فشلها بالكامل‏ ,‏ وبالمثل يؤدي النقص الفجائي في إفراز العديد من الهرمونات عند الإناث بمجرد الدخول في سن اليأس‏ ,‏ والنقص التدريجي عند الذكور في مراحل الشيخوخة إلى ضعف نشاط الجهاز التناسلي بالتدريج حتى يتوقف مع مرور الزمن‏ .‏
 (11)‏ ضعف جهاز المناعة ‏:‏ يضعف جهاز المناعة في جسم الإنسان تدريجيا مع التقدم في العمر‏ ,‏ ولذلك تتناقص القدرة على مقاومة الأمراض‏ .‏ ومن أخطر أعراض ذلك هو عجز جهاز المناعة عن تمييز خلايا الجسم السليمة من الأجسام الغريبة الغازية له‏ ,‏ فيبدأ بمهاجمة الجسد الذي صمم أصلا للدفاع عنه فيصاب بسلسلة من الأمراض المعروفة باسم أمراض فقد التمييز المناعي والتي ينتج عنها إضعاف العديد من الخلايا والأنسجة والعمليات الحيوية في الجسم مع تقدم العمر‏ .‏

لهذا الضعف المتراكب في جميع أجهزة الجسم مع الزمن قال‏ (تعالى‏) "‏ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ العليمُ القَدِيرُ " ‏(الروم‏:54)‏
وميز القرآن الكريم ضعف التعمير والانتكاس عن الضعف الأول وهو ضعف الخلق والتسوية والتعديل والنشأة والابتداء والنماء‏ ,‏ بأن قرن الضعف الأخير بالشيب‏ .‏ ولو أن هذه مظاهر يعيشها الإنسان إلا أن وصف القرآن الكريم لها بهذه الدقة العلمية والترتيب المنطقي الرشيد لما يشهد لهذا الكتاب الخالد بالربانية الخالصة‏ ,‏ ويشهد للرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ فصلي الله وسلم وبارك على سيدنا محمد‏ ,‏ وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه‏ ,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏