" الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ‏" ‏(الملك:2).


هــذه الآية الكريمة جاءت في بدايات سورة الملك‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ثلاثون ‏(30)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بالشهادة لله تعالى بأنه هو الذي بيده الملك‏ ,‏ وهو على كل شيء قدير‏ ,‏ ومن أسماء هذه السورة المباركة أيضا‏ : (المانعة‏)‏ و ‏(‏المنجية‏)‏ لأنها تمنع قارئها من عذاب القبر‏ ,‏ وتنجيه منه‏ ,‏ وذلك لقول رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ عنها " هي المانعة‏ ,‏ وهي المنجية‏ ,‏ تنجي من عذاب القبر "
(‏أخرجه الإمام الترمذي‏)  .‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة الملك حول قضية العقيدة الإسلامية القائمة على التوحيد الخالص لله تعالى ـ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد ـ وتبدأ بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .‏ الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ "‏ (الملك‏:1‏-‏2) .‏
وفي هذا الاستهلال من التعظيم للخالق سبحانه وتعالى ما هو جدير به‏ ,‏ لأن من معاني‏ (تبارك‏) :‏ تعالى ربنا وتعاظم وكثر خيره‏ ,‏ ودام إحسانه وفضله‏ ,‏ وثبت إنعامه وكرمه على جميع عباده وسائر خلقه ثبوتا لا يزول ولا يحول أبدا‏ .‏ ومن معاني هذا التعظيم لله الخالق‏ ,‏ الواحد الأحد‏ ,‏ الفرد الصمد‏ ,‏ الذي‏ . .‏ لم يلد‏ ,‏ ولم يولد،‏ ولم يكن له كفوا أحد تنزيهه ـ جل وعلا ـ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .
وفي هذا الاستهلال المبارك أيضا تأكيد على تفرد الخالق سبحانه وتعالى بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ لأن من معاني‏ (الملك‏) :‏ السلطان‏ ,‏ والقدرة‏ ,‏ ونفاذ الأمر‏ .‏

وانطلاقا من تقريره أنه تعالى خلق الموت والحياة ليبلوَ الناس أيهم أحسن عملا كانت الشهادة له ـ جل جلاله ـ بأنه هو‏ (العزيز الغفور‏) ,‏ أي الغالب الذي لا يقهر‏ ,‏ والذي لا يعجزه شيء‏ ,‏ ومع ذلك فهو العفو عن تقصير عباده‏ ,‏ الغفور لذنوبهم‏ .‏ ومن دواعي تفرده‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بكل ذلك ألا يعبد غيره‏ ,‏ ولا يقصد سواه بدعاء أو رجاء أو طلب‏ ,‏ ولا يشرك في عبادته أحد‏ ,‏ وأن ينزه فوق كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏ وكذلك يشهد لله الخالق بالربوبية والألوهية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه أنه تعالى هو الذي خلق سبع سماوات طباقا‏ (أي متطابقة حول مركز واحد هو كوكبنا الأرض‏ ,‏ دون أدنى خلل‏ ,‏ أو نقصان‏ ,‏ أو اضطراب‏ ,‏ ولولا هذا البيان الإلهي الذي تكرر في القرآن الكريم عشرات المرات‏ ,‏ ما كان أمام الإنسان من سبيل لإدراك هذه الحقيقة الكونية‏ ,‏ وذلك لأن كل ما يراه علماء الفلك في زمن العلم والتقنية الذي نعيشه لا يتعدي جزءا يسيرا من السماء الدنيا‏ ,‏ وبما أن الكون دائم الاتساع فإن هذا الجزء المرئي من السماء الدنيا دائم التباعد عنا بسرعات لا يستطيع التطور العلمي والتقني المعاصر اللحاق به‏ ,‏ وعلى الرغم من ذلك فإن الإنسان يستطيع بحسه المحدود‏ ,‏ وقدراته المحدودة‏ ,‏ أن يدرك شيئا من دقة بناء السماء‏ ,‏ وتكورها على ذاتها‏ ,‏ وإحكام خلق كل صغيرة وكبيرة فيها دون أدني خلل‏ ,‏ ولذلك تطالب الآيات كل ذي بصيرة بتكرار النظر في السماء حتى يتحقق من بديع صنع الله فيها‏ ,‏ مؤكدة انه مهما نظر فلن يستطيع العثور على خلل واحد‏ .‏ وتستشهد سورة الملك بعدد آخر من آيات الله في الكون على صدق ما جاء بها من أمور الغيب‏ ,‏ ومن ركائز العقيدة الإسلامية منها النجوم التي جعلها الله‏ (تعالى‏)‏ زينة للسماء الدنيا وسماها بالمصابيح‏ ,‏ وهي تسمية في غاية الدقة العلمية‏ ,‏ لأن النجوم هي أفران نووية كونية عملاقة وقودها نوى ذرات الإيدروجين التي تتضاغط في قلب النجم فتتحد مع بعضها البعض منتجة نوى ذرات الهيليوم‏ ,‏ ثم الليثيوم‏ ,‏ لتكون نوى ذرات أثقل باستمرار‏ ,‏ مطلقة كميات هائلة من الطاقة التي يقوم عليها نظام الكون‏ ,‏ وتستقيم الحياة على الأرض‏ ,‏ ولما كانت النجوم في دورة حياتها ينتهي بها المطاف إلى أجسام باردة كالكواكب التي تنفجر فينزل بعضها على الأرض شهبا ونيازك قال ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) : ‏" وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ "‏ . (الملك:‏5) .‏ ثم انتقلت الآيات بعد ذلك إلى وصف جانب من عذاب الكفار في يوم القيامة‏ ,‏ وإلى شيء من الحوار الذي سوف يدور بينهم وبين خزنة جهنم وفي ذلك تقول‏ :‏ " وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المَصِيرُ .‏‏إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ .‏‏ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ .‏‏ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ .‏ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ .‏‏ فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لأَصْحَابِ السَّعِيرِ "‏ (الملك‏:6‏-‏11)‏ . وهنا قد يتبادر إلى الذهن سؤال فحواه أن الآخرة لم تحن بعد‏ ,‏ وأن أهل الجنة لم يدخلوها بعد‏ ,‏ وكذلك أهل النار لم يساقوا إليها بعد‏ ,‏ فكيف أوردت الآيات هذا الوصف الدقيق لأفواج الكفار تلقي في نار جهنم‏ ,‏ ولحوار خزنة جهنم مع الكفار‏ ,‏ وردود الكفار عليهم؟ وللإجابة على ذلك أقول إن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ ومن مخلوقاته كل من الزمان والمكان‏ ,‏ والخالق يملك مخلوقاته‏ ,‏ ويحدها‏ ,‏ ويحكمها بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ والمخلوق لا يحكم خالقه أبدا‏ ,‏ وعلى ذلك فإن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يحوي بعلمه وحكمته وقدرته كل الأماكن وكل الأزمنة‏ ,‏ فلا يخرج عن علمه من ذلك شيء أبدا‏ ,‏ ولا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء فالماضي والحاضر والمستقبل في علم الله‏ (تعالى‏)‏ كله حاضر‏ ,‏ ومن هنا جاء وصف المستقبل في الآخرة كأنه أمر قائم‏ ,‏ حاضر‏ ,‏ ظاهر‏ .‏

وبالمقابل تصف الآية الثانية عشرة من هذه السورة المباركة جانبا من فضل الله‏ (تعالى‏)‏ على الذين يخشونه بالغيب فيجتنبون معاصيه‏ ,‏ ويقبلون على طاعاته فتقول ‏:‏ " إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ "‏ (الملك‏:12)‏ . ثم تخاطب الآيات في سورة الملك الناس جميعا مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ يعلم السر والجهر‏ ,‏ ويعلم ما تخفي كل نفس‏ ,‏ حتى تقيم من الإنسان على نفسه رقيبا حسيبا‏ ,‏ يراجعها في كل خطأ حتى تتوب‏ ,‏ ويشجعها على كل خير فتستزيد‏ ,‏ ويعبد الله‏ (تعالى‏)‏ كأنه يراه‏ ,‏ ويحيي روح مراقبة الله له في قلبه حتى يستيقظ لهذه الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون‏ :‏ إن الله تعالى عليم بذات الصدور‏ ,‏ وحتى يتجرد لله تعالى وحده في الأعمال والنيات‏ ,‏ ويتقي هواجس النفس‏ ,‏ ونفثات الشياطين لإيمانه بأن الله تعالى يسمعه ويراه‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ علىمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ .‏‏ أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ "‏ (الملك‏:13‏-‏14)‏ . وبعد ذلك تستمر الآيات في استعراض عدد من نعم الله على عباده‏ ,‏ وفي التذكير بحتمية الموت والبعث والرجوع إلى الله تعالى فتقول ‏:‏ " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإليه النُّشُورُ "‏ (الملك‏:15)‏ , أي أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي خلق الأرض وجعلها مهيأة لحياة الإنسان عليها في سهولة ويسر‏ ,‏ ولفظة‏ (ذلولا‏ًً)‏ تعني سهلة‏ ,‏ مسخرة‏ ,‏ مذللة لكم يا بني آدم‏ ,‏ من‏ (الذل‏)‏ وهو اللين وسهولة الانقياد‏ ,‏ و‏ (مناكب‏)‏ الأرض هي جوانبها‏ ,‏ وفجاجها وأطرافها‏ ,‏ وهو من قبيل الحض على الاجتهاد في عمارة الأرض وإقامة عدل الله فيها وهي من واجبات الاستخلاف‏ ,‏ والحث على كسب الرزق الذي قدره الله‏ (تعالى‏)‏ لكل حي في الوجود فقال‏ (تعالى‏) : "‏ وَكُلُوا مِن رِّزْقِه " (الملك‏:15)‏ , لأن السعي في طلب الرزق واجب على كل مخلوق‏ ,‏ وهذا السعي لا يتنافى أبدا مع حقيقة أن الرزق مقسوم سلفا‏ ,‏ ولا يتنافى أبدا مع ضرورة التوكل على الله وهو الرزاق ذو القوة المتين وختمت هذه الآية الكريمة بالإشارة إلى حقيقة البعث‏ ,‏ وحتمية الرجوع إلى الله‏ .‏ وتعاود الآيات التهديد بعذاب الله‏ (تعالى‏)‏ للكفار والمشركين والعاصين من عباده في الدنيا قبل الآخرة فتقول‏ :‏ " أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ .‏ أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَليكُمْ حَاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ .‏ وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ "‏ (الملك‏:16‏-18) .‏ وخسف الأرض من الظواهر المصاحبة لتصدع غلافها الصخري‏ ,‏ وغور أجزاء منه على هيئة ما يعرف بالأغوار أو الأودية الخسيفة‏ ,‏ وذلك من مثل حوض البحر الأحمر‏ ,‏ بخليجيه ‏:‏ العقبة والسويس‏ ,‏ وغور وادي الأردن‏ ,‏ كما قد يصحب تكون الأغوار هزات أرضية‏ (زلزالية‏)‏ أو ثورات بركانية مرعبة‏ ,‏ وهذه وغيرها من الظواهر الطبيعية‏ ,‏ هي من جند الله التي يسخرها عقابا للعاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين‏ ,‏ وإذا لم تؤخذ بهذا المفهوم فلن يتعلم الإنسان أبدا‏ .‏ و‏(‏المور‏)‏ الحركة جيئة وذهابا في اضطراب وتموج شديدين و‏ (المور‏)‏ و‏ (الخسف‏)‏ من أوصاف ما يتعرض له الغلاف الصخري للأرض في أثناء الهزات الأرضية التي تعتبر من أعنف الكوارث التي يبتلي بها الله‏ (تعالى‏)‏ عباده الصالحين‏ ,‏ أو يعاقب الكفار والمشركين والعاصين منهم كما عاقب قارون وقومه من قبل‏ .‏ و‏ (الحاصب‏)‏ هي الريح الشديدة التي من عنف شدتها فإنها تثير الحصباء‏ (الحصى‏) ,‏ أو هي الحجارة المنزلة من السماء على وجه من أوجه العقاب الإلهي للكفار والمشركين وللعصاة المذنبين‏ ,‏ وهو إنذار شديد بعذاب من الله‏ (تعالى‏)‏ لجماعة من أهل الأرض كما حدث لكل من أصحاب الفيل‏ ,‏ وقوم لوط‏ ,‏ وسوف يعلم المنذرون شيئا عن صدق وعيد الله‏ (تعالى‏)‏ لهم حين يقع العذاب الذي أنذروا به عليهم‏ ,‏ ولذلك حذرت الآية الثامنة عشرة من سورة الملك كل الناس مما وقع للأمم السابقة من العذاب فتقول ‏:‏ " وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ "‏ (الملك‏:18) .‏ والإشارة هنا إلى الأمم السابقة على كفار ومشركي جزيرة العرب‏ ,‏ الذين كذبوا رسل ربهم إليهم‏ ,‏ وعصوا أوامره‏ ,‏ فأنكر الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ذلك عليهم‏ ,‏ وأنزل عقابه الشديد الأليم بهم وترك آثار خرابهم ودمارهم عبرة لكل معتبر‏ .‏ ثم تنتقل سورة الملك إلى استعراض آية أخري من الآيات الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق والتي تتلخص في إعطاء الطيور القدرة على ارتقاء الهواء‏ ,‏ والسبح فيه بكفاءة عالية فتقول ‏:‏ " أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ "‏ . (الملك‏:19) . وفي التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الناصر‏ ,‏ المعطي‏ ,‏ الوهاب‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ ذو القوة المتين‏ ,‏ تعتب الآيات على المشركين الذين عبدوا مع الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ غيره من المخلوقات أو المخلوقين‏ ,‏ مبتغين منهم النصر أو راجين عندهم الرزق فتقول‏ :‏ " أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الكَافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ .‏ ‏أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ .‏ أَفَمَن يَمْشِي مُكِباًّ عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِياًّ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " (الملك‏:20‏-‏22)‏ وتشبه الآية الأخيرة المؤمن بالذي يمشي سويا على صراط مستقيم أي على طريق واضح المعالم‏ ,‏ تبين النهاية في كل من الدنيا والآخرة حتى ينتهي به إلى جنات النعيم‏ ,‏ بينما الكافر يمشي مكبا على وجهه‏ ,‏ تائها ضالا حائرا لا يدري أين يسلك‏ ,‏ ولا كيف يسير‏ ,‏ ولا يعرف لطريقه نهاية حتى يكبه في نار الجحيم‏ ,‏ وتسأل الآية الكريمة كل مستمع لها أيهما أهدي سبيلا؟ .

وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين أن يخبر الناس جميعا بأن الله‏ (تعالى‏)‏ يمن عليهم بإنشائهم من العدم‏ ,‏ ومنحهم من الحواس والملكات ما يعينهم على الاستمتاع بوجودهم‏ ,‏ ومن قبيل الشكر على هذه النعم استخدامها في طريق الخير إلى أقصي مدي لها‏ ,‏ وحمد الله‏ (تعالى‏)‏ والثناء عليه في كل مرة تستخدم فيها حاسة من تلك الحواس‏ ,‏ أو ملكة من تلك الملكات‏ ,‏ وبأن الله‏ (تعالى‏)‏ يمن عليهم كذلك بنشر الجنس البشري في مختلف أرجاء الأرض مما يتبعه اختلاف الألوان والألسنة والعادات‏ ,‏ ثم يجمعهم من هذا الشتات ليوم لا ريب فيه‏ ,‏ يتشكك فيه أهل الكفر والضلال‏ ,‏ ويتساءلون عن موعده‏ ,‏ وتأمر الآيات خاتم الأنبياء‏ ,‏ والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يجيب بأن علم هذا اليوم عند الله ولا يعلمه سواه‏ ,‏ وأنه‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ بعث ـ كما بعث غيره من أنبياء الله ورسله ـ للإنذار بوقوع هذا اليوم على بينة من رب العالمين‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏: ‏" قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ .‏ قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإليه تُحْشَرُونَ .‏‏وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .‏‏ وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ " ‏(‏الملك‏:23‏-‏26)‏ . ثم تنتقل بنا الآية السابعة والعشرون عبر حجز الغيب‏ ,‏ وكأن الساعة قد قامت‏ ,‏ والكافرون يرون ما يوعدون به من العذاب رأي العين‏ ,‏ فسيئت وجوههم وسمعوا من التقريع والتوبيخ ما دهاهم‏ ,‏ وزاد فجيعتهم‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآية الكريمة‏ :‏ " فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وَجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ "‏ (الملك‏:27)‏ , و‏ (زلفة‏)‏ حال من مفعول رأوه‏ ,‏ وهو اسم مصدر لـ‏ (أزلف‏)‏ و‏ (إزلافا‏)‏ بمعني قرب قربا‏ ,‏ وقيل إن استعمال‏ (الزلفة‏)‏ في منزلة العذاب كاستعمال البشارة ونحوها من الألفاظ و‏ (سيئت‏)‏ بمعني عمها السوء من الغم والحزن‏ ,‏ و‏ (تدعون‏)‏ أي تطلبون في الدنيا وتستعجلون‏ ,‏ إنكارا واستهزاء‏ ,‏ من‏ (الدعاء‏)‏ بمعني الطلب‏ .‏ وتختتم هذه السورة المباركة بخطاب موجه من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يأمره فيه بما يلي ‏: ‏" قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ‏.‏ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعليه تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُّبِينٍ .‏ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ " (الملك‏:28‏-‏30)‏ . وهذه الآيات الثلاث ترد على كفار ومشركي قريش ـ وعلى كل كافر ومشرك إلى يوم القيامة ـ الذين كانوا يتمنون هلاك رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهلاك المسلمين الذين آمنوا به وبما أنزل إليه من ربه‏ ,‏ تماما كما يتمناه كفار ومشركو اليوم‏ ,‏ والآيات تقول لسيد الأنبياء والمرسلين ‏:‏ قل لهؤلاء الكفار والمشركين بالله‏ ,‏ الجاحدين لنعمه‏ ,‏ الغامطين للحق الذي أنزله بعلمه ‏:‏ إن ما تتمنون لنا من الهلاك لن ينقذكم من عذاب الله ونكاله الواقع بكم لا محالة في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ أما نحن فقد آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم‏ ,‏ وتوكلنا عليه‏ ,‏ واعتصمنا بجنابه‏ ,‏ وسوف تعلمون لمن تكون عاقبة الأمور في الدنيا قبل الآخرة‏ :‏ للمؤمنين بالله‏ ,‏ الموحدين لجلاله‏ ,‏ المنزهين لذاته العلية عن الشريك والشبيه والمنازع والصاحبة والولد أما الذين أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا فغرقوا في وحل الضلال المبين‏!‏ وتهديدا لهؤلاء الضالين تذكرهم الآية في ختام هذه السورة المباركة بنعمة الماء على العباد‏ ,‏ والذي بدونه لا تكون الحياة‏ ,‏ فتقول‏:‏ يا أيها المشركون الضالون التائهون عن الحق والضالعون في الشرك‏ ,‏ الغارقون في ظلام الجهل‏ ,‏ إذا قدر الله‏ (تعالى‏)‏ أن يغور الماء في آباركم حتى لا تستطيعوا الوصول إليه‏ ,‏ فمن غير الله القادر يمكنه أن يأتيكم بماء جار على سطح الأرض؟‏!‏
وكان ماء مكة المكرمة في هذا الوقت مستمدا من كل من بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي‏ .‏



من ركائز العقيدة في سورة الملك :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ ,‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد‏ .‏ وتنزيهه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ والإيمان بأن هذا الإله الواحد بيده ملك كل شيء من الأجل والرزق‏ ,‏ والنصر إلى كل ما في الوجود‏ ,‏ وبأنه على كل شيء قدير‏ ,‏ وهو عليم بذات الصدور‏ ,‏ وأن هذا الإله الواحد هو المستحق وحده الخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة والخشية والتوكل والإخلاص والتجرد والتقوى‏ .‏
(2)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو المهيمن هيمنة مطلقة على كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوَ الناس أيهم أحسن عملا تمهيدا للبعث بعد الموت‏ ,‏ والحشر‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء بالخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بحقيقة الكمال والجمال والإتقان في جميع خلق الله‏ .‏
‏(4)‏ التصديق بكل ما وقع من عقاب بالمكذبين من أبناء الأمم السابقة‏ ,‏ وبأن للذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير‏ ,‏ وأن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان برسالة الإنسان في هذه الحياة‏ ,‏ عبدا لله‏ (تعالى‏)‏ مستخلفا في الأرض لفترة محددة من الزمن‏ ,‏ يعبد الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بما أمر‏ ,‏ ويقوم بواجبات الاستخلاف ومنها عمارة الأرض وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ والدعوة إلى دين الله الحق‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة الملك :
‏(1)‏ الإشارة إلى مرجعية عليا للكون في خارجه‏‏"الله الذي بيده الملك‏" ‏ وهو ما تنادي به اليوم أحدث الدراسات الفلكية‏ .‏
‏(2)‏ الإشارة إلى خلق الموت والحياة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة قد بدأت في الوصول إلى حقيقة إن الموت مخلوق‏ .‏
‏(3)‏ وصف السماوات بأنها سبع طباق‏ ,‏ وإلى إحكام بنائها بلا فراغات ولا أدنى خلل أو اضطراب‏ ,‏ والعلوم المكتسبة لا تتجاوز وصف ما تراه من السماء الدنيا بأكثر من انه منحن‏ ,‏ وذلك لعجز العلماء عن رؤية كل أبعاد السماء الدنيا‏ ,‏ او رؤية شيء مما حولها من سماوات‏ .‏
‏(4)‏ إثبات أن النجوم هي زينة السماء الدنيا‏ ,‏ وأن منها رجوماً للشياطين من الشهب والنيازك‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تشير إلى وحدة بناء السموات والأرض وان أصل كل أجرام السماء هو الدخان الكوني الذي نشأ عن عملية الانفجار العظيم‏ (أو فتق الرتق‏) .‏
‏(5)‏ وصف تسخير الأرض للإنسان بتذليلها أي جعلها متوافقة مع احتياجاته‏ ,‏ متناسبة مع طبيعة حياته وهو ما أثبتته كل الدراسات الأرضية‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى العلاقة بين خسف الأرض ومورانها وهي علاقة لم تدرك إلا بعد دراسة ميكانيكية حدوث الزلازل‏ .‏
‏(7)‏ وصف الرياح بالحاصب‏ ,‏ وهي رياح ذات سرعات عالية تمكنها من حمل الحصى والرمال معها مما يضاعف من قدراتها التدميرية‏ .‏
‏(8)‏ وصف طرائق تحليق الطيور في السماء بدقة فائقة‏ : " صافات ويقبضن "‏ (الملك:19) .
‏(9)‏ تأكيد حقيقة أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قد توج خلقه بالإنسان الذي أنشأه من العدم‏ ,‏ وجعل له السمع والأبصار والأفئدة‏ ,‏ وتقديم خلق السمع على الأبصار‏ ,‏ والأبصار على الأفئدة في هذه السورة المباركة‏ ,‏ وفي غيرها من سور القرآن الكريم له من السند العلمي ما يؤكد خلقها في جنين الإنسان بهذا الترتيب المعجز‏ .‏
‏(10)‏ الإشارة إلى إمكانية غور الماء في الآبار‏ ,‏ وهي ملاحظة علمية دقيقة‏ .‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الثانية من القائمة السابقة والتي جاءت في الآية الثانية من سورة الملك .

من الدلالات العلمية للآية الكريمة في قوله تعالى ‏:‏
" الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ " ‏‏(الملك:2)
جاء الفعل‏ (مات‏)‏ بمشتقاته وتصاريفه في القرآن الكريم مائة وخمسا وستين‏ (165)‏ مرة‏ ,‏ ومن هذه المرات جاء ذكر‏ (الموت‏)‏ في خمسة وثلاثين ‏(35)‏ موضعا‏ .‏ ويعرف‏ (الموت‏)‏ بأنه مفارقة الحياة‏ ,‏ وهو مصير محتوم على كل حي بتقدير من الله تعالى‏ ,‏ لا يستطيع احد الهروب منه‏ ,‏ ولا التقدم أو التأخر عنه‏ .‏ وقد فرضه ربنا تبارك وتعالى على جميع خلقه ليفرق بين خلوده وفناء خلقه‏ ,‏ وديمومته‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ومرحلية جميع المخلوقين في هذه الحياة‏ ,‏ ليتفرد ـ جل جلاله ـ بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ وليجبر المخلوقين على الخضوع لجلاله بالموت‏ ,‏ مؤكدا لهم بمحدودية كل منهم بأجله‏ ,‏ لكي تستمر الحياة حسب مخططه ـ سبحانه وتعالى ـ جيلا بعد جيل حتى يرث الأرض ومن عليها‏ .‏ ويعرف‏ (الموت‏)‏ بمفارقة الحياة بعد توقفها بالكامل‏ ,‏ وذلك لأنه ضد الحياة ونقيضها‏ .‏ يقال للحي‏: (مات‏) (يموت‏)‏ و‏ (‏يمات‏)‏ فهو‏ (ميت‏)‏ بتشديد الياء وتسكينها إذا فارقته الحياة‏ .‏ ويستوي في ذلك المذكر والمؤنث لقول الله تعالى ‏:‏ " لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً " (الفرقان‏:49) .‏
هذا‏ ,‏ وقد يعبر بـ‏ (الموتة الصغرى‏)‏ عن النوم‏ ,‏ وذلك لقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وهو الذي يتوفاكم بالليل‏ " (الأنعام‏:60) ,‏ ولقوله‏ (عز من قائل‏) :‏ " اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عليها المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى "  (الزمر‏:42) .‏وفي قول ربنا‏ (وهو أحكم القائلين‏) :‏ الذي خلق الموت ذكر أغلب المفسرين أن من معانيها أنه‏ (تعالى‏)‏ أوجد الخلائق من العدم‏ ,‏ واستشهدوا بحديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي رواه قتادة‏ (رضي الله عنه‏)‏ فقال ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الله أذل بني آدم بالموت‏ ,‏ وجعل الدنيا دار حياة ثم دار موت‏ ,‏ وجعل الآخرة دار جزاء ثم دار بقاء‏ " (رواه ابن أبي حاتم‏)‏ . وأشار نفر من المفسرين إلى اختلاف المتكلمين في‏ (الموت‏)‏ حيث قال بعضهم‏:‏ إنه أمر موجود مخلوق وهو ضد الحياة‏ ,‏ وقال البعض الآخر‏:‏ إن الموت أمر عدمي فإذا انعدمت الحياة مات المخلوق الحي‏ ,‏ وبناء على هذا الفهم اعتبروا‏ (خلق الموت‏)‏ الوارد في الآية الثانية من سورة الملك بمعني‏ (التقدير‏) ,‏ أي أن الله تعالى خلق الحياة لأنها أمر وجودي‏ ,‏ وقدر الموت بنهاية تلك الحياة‏ ,‏ فإذا جاء أجل النهاية انعدمت الحياة‏ ,‏ وقال البعض الآخر‏:‏ إن‏ (الموت‏)‏ أمر وجودي كالحياة‏ ,‏ أي أنه عند نهاية الحياة يخلق الله شيئا يسمي‏ (الموت‏) ,‏ ويؤكد ذلك حديث ذبح الموت الذي رواه أبو سعيد الخدري‏ (رضي الله عنه‏)‏ عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه قال : " يؤتي بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد‏ :‏ يا أهل الجنة‏ ,‏ فيشرئبون وينظرون‏ ,‏ فيقول لهم‏ :‏ هل تعرفون هذا؟ فيقولون ‏:‏ نعم‏ ,‏ هذا الموت‏ .‏ وكلهم قد رآه‏ .‏ ثم ينادي‏ :‏ يا أهل النار‏ ,‏ فيشرئبون وينظرون‏ ,‏ فيقول لهم ‏:‏ هل تعرفون هذا؟ فيقولون ‏:‏ نعم‏ ,‏ هذا الموت‏ .‏ وكلهم قد رآه‏ ,‏ فيذبح‏ ,‏ ثم يقول المنادي ‏:‏ يا أهل الجنة خلود فلا موت‏ ,‏ ويا أهل النار خلود فلا موت " ثم قرأ‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قول الحق تبارك وتعالى‏ :‏
" وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ " ‏(مريم:‏39‏‏) أخرجه البخاري ومسلم‏ .‏

العلوم المكتسبة تثبت خلق الموت ‏:‏
في العقود الثلاثة المتأخرة من القرن العشرين أثبتت دراسات الشيفرة الوراثية للإنسان أن تقدير الموت مبرمج فيها‏ .‏ وتتكون الشيفرة الوراثية للجنين من التقاء نطفتي الرجل والمرأة فيتكامل عدد الجسيمات الصبغية إلى ‏(46)‏ وهو العدد المحدد لنوع الإنسان حيث يحمل كل من النطفتين نصف هذا العدد‏(23‏ صبغيا فقط‏) .‏ وبتكامل عدد الصبغيات يتحدد كل من الصفات السائدة التي سوف تظهر على الجنين ـ إن قدر الله تعالى له الحياة ـ والصفات المتنحية‏ (المستترة‏)‏ في شيفرته الوراثية لتظهر في نسله من بعده‏ ,‏ ومن هذه الصفات‏ (الأجل‏)‏ الذي تؤكد الآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها أنه مخلوق‏ .‏ وفي ذلك يروي الإمام مسلم في صحيحه عن عبد الله بن مسعود‏ (رضي الله عنه‏)‏ قال‏:‏ حدثنا رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو الصادق المصدوق قال‏ " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات ‏:‏ بكتب رزقه‏ ,‏ وأجله‏ ,‏ وعمله‏ ,‏ وشقي أو سعيد ‏" .

وقد أكدت الكشوف العلمية في دراسات الشيفرة الوراثية للإنسان حقيقة أن الموت مخلوق مع خلق الإنسان‏ ,‏ ومبرمج في داخل كل خلية نووية من خلاياه الحية بدقة بالغة على النحو التالي‏ :‏
(1)‏ في سنة‏ (1971‏م‏)‏ اقترح العالم الروسي أولو فنيكوف‏ (Olevnikov)‏ ضرورة وجود آلة محددة تفسر خروج عملية الانقسام في الخلايا السرطانية عن السيطرة‏ .‏
‏(2)‏ في سنة ‏(1985‏م‏)‏ تم اكتشاف هذه الآلة المحددة التي تفسر خروج عملية الانقسام في الخلايا السرطانية عن السيطرة وكانت إنزيما خاصا اكتشفه كل من جرايدر وبلاك بيرن ‏(Greider&Blacburn)‏ وقد اكتشف أن هذا الإنزيم يختص ببناء غطاءين طرفيين لكل جسيم صبغي عرف كل منهما بـ الغطاء الطرفي(EndCaporTelomere)وانطلاقا من هذا الاسم سمي الإنزيم المتحكم في بنائه باسم إنزيم تيلوميريز ‏(Telomerase)أو الأنزيم الباني للأغطية الطرفية للجسيم الصبغي‏ .‏
‏(3)‏ في سنة‏(1986‏ م‏)‏ اكتشف هوارد كوك‏ (HowardCooke)أن طول الغطاءين الطرفيين للجسيم الصبغي يتناقص مع كل انقسام تقوم به الخلية الحية‏ ,‏ وأن هناك علاقة مطردة بين فقد أجزاء من طول هذين الغطاءين الطرفيين وشيخوخة الخلية‏ ,‏ فإذا وصل طولهما إلى حد معين ماتت الخلية بعد توقفها عن الانقسام‏ .‏

وتأكدت هذه النتائج باكتشاف أن طول الأغطية الطرفية في كل من الخلايا الجذعية‏ (StemCells)‏ والخلايا المستنبتة من صغار السن أطول منها في خلايا كل من الكهول والشيوخ من كبار السن‏ ,‏ وأن قدرة هذه الخلايا النشيطة على الانقسام تفوق قدرة خلايا كبار السن عدة مرات‏ ,‏ ومن هنا أطلق على كل واحد من هذه الأغطية الطرفية للجسيمات الصبغية اسم عداد المضاعفات الانقسامية المتكررة‏(Replicometer) أو عداد الأجل‏(LongivityMeter)‏ مما شجع بعض الباحثين مثل بودنار‏(Bodnar)‏ على إعطاء إنزيم تيلوميريز لكبار السن لتأخير الشيخوخة ولكن اتضح أن هناك علاقة بين زيادة هذا الإنزيم في الخلايا ونشاطها السرطاني‏ .‏(4)‏ في سنة ‏(1989‏ م‏)‏ لاحظ مورين‏(Morin)أن هناك علاقة واضحة بين زيادة إفراز إنزيم التيلوميريز(TheTelomeraseEnzyme)‏ في الخلية الحية وبين نشاطها في الانقسامات غير العادية المتسارعة والمعروفة باسم النشاط السرطاني‏ .‏ وقد مهد ذلك لإمكانية معالجة الأمراض السرطانية بإيقاف نشاط هذا الإنزيم بواسطة عقار مضاد له أو للمورث المتسبب في إفرازه‏ ,‏ ولكن ذلك لم يتم بعد‏ ,‏ وإن حاوله شاي‏(Shay)‏ في سنة‏2001‏ م بفتح باب استخدام مثبطات إنزيم تيلوميريز لوقف الأنشطة السرطانية‏ .‏ وبإثبات خلق الموت مع خلق الحياة ثبت أن الأجل مقدر في داخل الخلية الحية‏ ,‏ وأن كلا من الأمراض والأحداث العارضة والشيخوخة وغيرها من الأحداث الحيوية مقدر كذلك ومدون في الشيفرة الوراثية وذلك بواسطة طول الأغطية الطرفية للصبغيات‏ ,‏ وما يفرز من الإنزيم الباني لها مما يحدد عدد مرات انقسام كل خلية حية وبالتالي يحدد أجلها‏ .‏
‏(5)‏ بمجرد فقد الخلية الحية لقدرتها على الانقسام فإنها تبدأ في فقد أجزاء من محتواها البروتيني من كل من السائل الخلوي والنواة‏ ,‏ وقد تتورم الخلية حتى تنفجر ملقية بمحتوياتها في الأنسجة المجاورة‏ ,‏ وقد تتعرض النواة إلى التفتت أو الانكماش‏ .‏ وينتج ذلك عن فقد غشاء الخلية قدرته على التحكم في مرور السوائل إلى داخل الخلية أو إلى خارجها‏ ,‏ مما يؤدي إلى انفجارها وتناثر مكوناتها التي تنفجر هي الأخرى أو تلتهم بواسطة الخلايا المجاورة‏ ,‏ أو يؤدي ذلك إلى انكماشها مكونة عددا من الفقاقيع الغازية على سطحها‏ .‏ وهذه العمليات تتم بدقة فائقة مما حدا بالعلماء إلى تسميتها باسم الموت الخلوي المبرمج
‏ (أو المقدر‏)
(ProgrammedCellDeathOrPCD)‏ ويطلق عليه باللاتينية اسم‏(Apoptosis) ,‏ وهي خاصية داخلية في الخلية الحية توظف لصالح الجسد الذي يحتويها وهو حي‏ ,‏ وتحدد أجله عند لحظة الوفاة‏ ,‏ وتتم بواسطة عدد من العوامل الخاصة التي تعرف باسم عوامل الأمر بالموت(Apoptosis-InducingFactorsorA .I .F) ,‏ ومن هذه العوامل أعداد من مواد بروتينية خاصة تختزن في المسافات بين الطيات الغشائية للمتقدرات‏ .‏ وهذه العوامل الآمرة بالموت تحدد في الأيام الأولي من الحمل وفق عدد من القوانين التي يأمر الخالق العظيم ببثها في الخلايا الحية لحظة خلقها ومنها جسد الإنسان‏ .‏
‏(6)‏ بذلك يدب الموت بالتدريج في خلايا كل جسد حي بدءا من العضيات الدقيقة في داخل الخلية إلى الخلايا ذاتها‏ ,‏ ثم الأنسجة فالأعضاء والأجهزة منتهيا بالانهيار الكامل للكائن الحي بالوفاة‏ ,‏ والتي يعلن عنها طبيا بوقف كل من القلب والرئتين عن العمل والانخفاض الملحوظ في درجة حرارة الجسم وتصلبه أو تخشبه‏ ,‏ وانتشار الزرقة فيه خاصة في كل من الشفاه والأطراف‏ ,‏ وظهور عدد من البقع الدموية على الجلد‏ ,‏ وتوقف حركة العينين‏ .‏ وباستخدام الأجهزة المتطورة في غرف العناية المركزة يمكن استنهاض عمل كل من القلب والرئتين‏ ,‏ وعلى ذلك فان الموت الحقيقي يتحدد بموت الدماغ‏ ,‏ والذي من أعراضه الدخول في إغماء كامل لا فواق منه والموت محدد سلفا في لحظة الخلق الأولي للكائن الحي‏ .‏
‏(7)ومن قبل ألف وأربعمائة سنة نزل القرآن الكريم بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ‏" (الملك‏:2) .‏

ولم يدرك أحد من الخلق حقيقة أن الموت مخلوق كالحياة‏ ,‏ وفي نفس الوقت الذي تخلق فيه الحياة إلا في العقدين المتأخرين من القرن العشرين‏ .‏ وسبق القرآن الكريم بتقرير ذلك مما يثبت لكل ذي بصيرة بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية والذي لم يقطعه لرسالة سابقة أبدا ـ وحفظه في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ وتعهد بذلك الحفظ الكامل حتى قيام الساعة ليبقي القرآن الكريم العظيم حجة على جميع الخلق ـ عربهم وعجمهم إلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ .‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة سيد الأنام‏ ,‏ سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين .. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏