" أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى .‏ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى "(القيامة:36-37).


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في ختام سورة القيامة‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها أربعون بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لحديثها عن الآخرة وأهوالها‏ ,‏ وعن عدد من علاماتها‏ ,‏ ومن الأحداث الكبرى المصاحبة لها‏ :‏ من لحظة الاحتضار‏ ,‏ إلى أهوال البعث والحساب والجزاء‏ .‏
ويصاحب ذلك تذكير من الله ـ تعالى ـ بشيء من طبائع النفس الإنسانية‏ ,‏ وميلها إلى التكاسل عن طاعة بارئها‏ ,‏ وإلى الإقبال على الدنيا ومفاتنها‏ ,‏ وإلى نسيان الآخرة وتجاهلها‏ ,‏ إن لم يكن إنكارها والكفر بها‏ ,‏ ومن هنا كان امتداح ربنا ـ تبارك وتعالى ـ للنفس اللوامة‏ .‏
وترد سورة القيامة على المشككين في حقيقة البعث‏ ,‏ شارحة دوافعهم الخفية إلى هذا التشكيك‏ ,‏ مؤكدة فجيعتهم لحظة مفاجأتهم بوقوعه‏ ,‏ ومشيرة إلى انقسام الناس يومئذ إلى سعداء وأشقياء‏ ,‏ ومذكرة الإنسان بأصله وبحقيقة رسالته في الحياة الدنيا‏ ,‏ وبحتمية رجوعه إلى خالقه ـ سبحانه وتعالى ـ ومستشهدة على ذلك كله بنشأة الإنسان الأولى في هذه الحياة الدنيا‏ .‏

وتبدأ سورة القيامة بقول ربنا ـ تبارك اسمه :
" لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ . وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ " (القيامة‏:2,1)‏ .
ولا إما صلة لتوكيد القسم في الحالتين‏ ,‏ وإما نافية للجنس‏ ,‏ لأن نفي القسم في اللغة العربية توكيد له ـ والله تعالى غني عن القسم لعباده ـ ويوم القيامة هو يوم البعث‏ ,‏ ويطلق على كثير من أحوال الآخرة وأهوالها ونوازلها التي تحدث مابين الدنيا والآخرة‏ ,‏ وفي الأثر‏ :‏ من مات فقد قامت قيامته‏ .‏
و‏(‏النفس اللوامة‏)‏ هي التي إذا أخطأت ندمت‏ ,‏ وسارعت إلى التوبة والاستغفار والعودة إلى مرضاة الله‏ ,‏ وإذا قصرت في طاعة ربها ندمت‏ ,‏ وبادرت بوفاء العبادة حقها‏ ,‏ وإلى الاستكثار منها‏ ,‏ فهي نفس متيقظة‏ ,‏ تحاسب صاحبها قبل أن يحاسب‏ ,‏ وصفها الحسن البصري ـ رضي الله عنه ـ بقوله ‏:‏ إن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه‏ :‏ ما أردت بكلمتي ؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قدما ما يعاتب نفسه‏ .‏
والنفس اللوامة يحبها الله‏ (تعالى‏)‏ حتى ليقسم بها كما أقسم بيوم القيامة على تعاظم هوله‏ ,‏ ويقابلها بالنفس الفاجرة التي تسول لصاحبها الخروج على أوامر الله‏ ,‏ والخوض في نواهيه‏ ,‏ ولذلك تحاول إقناعه بإنكار الآخرة وما فيها من بعث وحشر‏ ,‏ وحساب وجزاء‏ .‏ وجواب القسم محذوف وتقديره‏:‏ أن القيامة واقعة لا محالة‏ ,‏ وأن الخلق ليبعثن جميعا‏ ,‏ وليحاسبن وليكافأن على ما عملوا إن خيرا فخير وإن شرا فشر‏ ,‏ ويدل على جواب القسم ما جاء بعد القسم من آيات يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ . بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ " ‏(القيامة‏:4 ,3)‏ .
وهو استفهام تقريعي توبيخي لكل إنسان كافر بالبعث‏ ,‏ ومن مآسي هؤلاء البشر الغافلين أنهم يقيسون على الله
‏ (تعالى‏)‏ بمقاييسهم المحدودة‏ ,‏ العاجزة‏ ,‏ القاصرة‏ ,‏ ولا يعلمون أن الله تعالى على كل شيء قدير وأن قدرته
‏ (تعالى‏)‏ لا تحدها حدود‏ ,‏ لأنه هو رب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ خالقه ومبدعه‏ ,‏ ومدبر أمره‏ ,‏ والمتصرف فيه بعلمه وحكمته وقدرته وإرادته التي يصفها القرآن الكريم بأنها بين الكاف والنون فيقول ‏:‏
" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ . فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ  " (يس‏:83,82)‏ .
والذين يقيسون على الله‏ (تعالى‏)‏ بمقاييس البشر ـ في القديم والحديث ـ يستصعبون عملية البعث بعد أن رمت الأجساد وتحللت‏ ,‏ ونخرت العظام وبليت‏ ,‏ واندثر ذلك وتفرق في تراب الأرض وثراها‏ ,‏ وخصت العظام بالذكر هنا لأنها هي الهيكل الصلب الذي يحمل اللحم‏ (العضلات والجلد‏)‏ ويعطي للإنسان قوامه المنصوب الذي يميزه عن غيره من المخلوقات‏ ,‏ ولذلك فالعظام هنا تعني الجسد كله منفوخة فيه الروح‏ .‏ وهاتان الآيتان الكريمتان‏ : ‏
" أَيَحْسَبُ الإِنْسَانُ أَن لَّن نَّجْمَعَ عِظَامَهُ . بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّـسَوِّيَ بَنَانَهُ " (القيامة‏:4,3)‏ .
تؤكدان حتمية بعث الأموات أحياء‏ ,‏ وإعادتهم من البلى كما خلقهم الله‏ (تعالى‏)‏ أول مرة من العدم‏ ,‏ وتستشهدان على ذلك بقدرة الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ على تسوية البنان بسلمياتها الصغيرة‏ ,‏ وبكسائها من اللحم والجلد‏ ,‏ وبما على جلدها من بصمات مميزة لصاحبها‏ ,‏ حيث إنها لا تتطابق في شخصين أبدا‏ ,‏ ولا في التوائم المتماثلة‏ ,‏ ولا في أصبعين من مكونات اليد الواحدة أو القدم الواحدة أبدا‏ ,‏ والبنان هي الأصابع أو أطراف الأصابع‏ ,‏ ومفردها بنانة‏ ,‏ وهذه الأشكال المميزة لكل فرد من بني آدم‏ ,‏ بل لكل أصبع من أصابع يديه وقدميه لها من الثبات طيلة حياته‏ (إلا في ازدياد حجمها مع نمو الجسم‏)‏ ما يجعلها إحدى علاماته الجسدية المميزة له‏ .‏
وتسوية البنان بكل هذه التفاصيل‏ ,‏ لما يثبت القدرة الإلهية على بعث الأموات بتفاصيل صفاتهم الجسدية إلى أدق دقائقها‏ ,‏ وهذا لا يعجز الخالق العظيم الذي أبدع خلق الإنسان وخلق ما حوله من آفاق تتسع إلى نهاية لا يعلمها إلا هو‏ .‏

ماذا يحدث للجسد بعد وفاة الإنسان؟
بعد وفاة الإنسان ودفن جسده في تراب الأرض يبدأ هذا الجسد في التحلل بعملية معاكسة لعملية بنائه التي بدأت أصلا من تراب الأرض الذي ارتوي بالماء فأصبح طينا‏ ,‏ وأذاب الماء من هذا الطين ما قبل الذوبان فيه من عناصر الأرض ومركباتها حتى تمايزت من بين حبات هذا الطين سلالة مذابة في الماء‏ (سلالة من طين‏) ,‏ وبتبخير المحاليل المذيبة لتلك السلالة جزئيا ترسبت بعض العناصر والمركبات بين حبيبات المعادن الصلصالية فأصبح الطين‏ (طينا لازبا‏)‏ أي لاصقا بعضه ببعض‏ .‏ وبجفاف هذا الطين اللازب أصبح‏ (صلصالا من حمأ مسنون‏)‏ أي أسود منتن‏ ,‏ ثم زاد جفافه فأصبح‏ (صلصالا كالفخار‏) ,‏ ثم نفخ الله‏ (تعالى‏)‏ فيه من روحه فأصبح إنسانا‏ (هو آدم أبو البشر‏) ,‏ ومن آدم خلقت زوجه حواء‏ (عليها السلام‏)‏ بمعجزة أمر بها الله تعالى‏ .‏ ثم تسلسل نسل آدم منه ومن زوجه حواء‏ (عليهما السلام‏)‏ من شفرتيهما الوراثية اللتين خلقهما الله‏ (تعالى‏)‏ وخلق فيهما جميع نسليهما‏ ,‏ وتغذي هذا النسل ونمت أجساده على عناصر الأرض التي يمتصها النبات مع عصارته الغذائية من طين الأرض‏ ,‏ ثم بواسطة ما يأخذه النبات الأخضر من طاقة الشمس‏ ,‏ وما يمتصه من غاز ثاني أكسيد الكربون من الجو‏ ,‏ وبما وهبه الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ من قدرات يحول بها ذلك كله إلى كربوهيدرات‏ ,‏ وبروتينات‏ ,‏ وزيوت‏ ,‏ ودهون تتركز في ثمار ومحاصيل النباتات التي يحيا عليها كل من الإنسان‏ ,‏ وما يباح له أكله من الحيوان‏ ,‏ وأصل ذلك كله من تراب الأرض‏ .‏ثم إذا مات ابن آدم‏ ,‏ وغادرت روحه جسده‏ ,‏ فإن هذا الجسد يبدأ في اليبوس والتخشب حتى يصير كالتمثال الحجري أو‏ (صلصال كالفخار‏) ,‏ وبعد دفنه يبدأ في التحلل التدريجي الذي تقوم به البكتيريا والفيروسات‏ ,‏ والفطريات والطحالب التي تعايشت مع الجسد في حياته‏ ,‏ والتي توجد في جو وتربة القبر الذي يدفن فيه‏ ,‏ فيتغير لونه‏ ,‏ وتنتن رائحته‏ (أي تفسد‏)‏ حتى يصير‏ (صلصالا من حمأ مسنون‏) ,‏ ثم يتحول إلي‏ (طين لازب‏)‏ بفقد جزء من محتواه المائي‏ ,‏ وبفقد كل مائه يتحول إلى تراب يغيب في تراب الأرض فيما عدا فضلة واحدة سماها رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ باسم عجب الذنب ووصفها بأنها عظمة في حجم حبة الخردل توجد في نهاية العصعص‏ ,‏ وأنها لا تبلي أبدا‏ ,‏ وأن الإنسان يبعث منها في يوم القيامة بعد إنزال مطر خاص فينبته الله منها كما ينبت البقلة من بذرتها‏ ,‏ وقد أيدت الدراسات المختبرية صدق هذا الوصف النبوي الشريف بأن عجب الذنب لا يبلي أبدا‏ .‏
وتؤكد الآيات في سورة القيامة أن من الدوافع النفسية إلى إنكار البعث محاولة خداع النفس من أجل الإغراق في الشهوات المحرمة‏ ,‏ والمضي قدما في الفجور دون وازع من ضمير أو رادع من حساب أو عقاب‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
" بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ . يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ القِيَامَةِ  " (القيامة‏:6 ,5)‏ .

وللتأكيد على حتمية الآخرة تسارع الآيات إلى استعراض عدد من مشاهدها المرعبة المذهلة فتقول‏ : " فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ .‏‏ وَخَسَفَ القَمَرُ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ . يَقُولُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المَفَرُّ . كَلاَّ لاَ وَزَرَ . إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ ‏ .‏ يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ . بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ " (القيامة‏:7‏-‏15) .
فمن مشاهد الآخرة خطف الأبصار وشدة شخوصها‏ ,‏ وسرعة تقلبها كتقلب البرق وخطفه‏ ,‏ وخسوف القمر وطمس نوره‏ ,‏ ثم ابتلاع الشمس له كإشارة إلى بدايات تهدم النظام الكوني بأمر من الله‏ (تعالى‏) .‏
وفي وسط ذهول الناس من فجائية هذه الأحداث وتسارع وقعها يتساءل الإنسان المرعوب‏ ,‏ المرتاع‏ ,‏ الفزع‏ ,‏ الذي أنكر القيامة وسخر من وقوعها‏ ,‏ ثم فوجئ بوقوعها وبأهوالها فيقول‏ :‏ أين المفر‏ (القيامة‏:10)‏ فيرد عليه الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بقوله العزيز ‏:‏
" كَلاَّ لاَ وَزَرَ " (القيامة‏:11)‏ و‏(‏كلا‏)‏ لفظة ردع وزجر وإبطال لقول القائل‏ ,‏ و‏(‏الوزر‏)‏ الملجأ الذي يلتجأ إليه من جبل أو حصن أو غيرهما‏ ,‏ بمعني أنه لا ملجأ من الله‏ (تعالى‏)‏ إلا إليه‏ ,‏ فالمصير والمنتهي إليه‏ ,‏ ولذلك قال تعالى‏ :‏ " إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المُسْتَقَرُّ " (القيامة‏:12)‏ حين يواجه الإنسان بصحيفة أعماله كاملة غير منقوصة‏ :‏ " يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ " (القيامة‏:13)‏ وهو حين تعرض عليه أعماله‏ ,‏ وتشهد عليه جوارحه يصبح شاهدا على نفسه‏ ,‏ بصيرا بما كان منها‏ ,‏ فلا تقبل منه الأعذار مهما حاول‏ ,‏ ولذلك تقول الآيات ‏: "‏ بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ  " (‏القيامة‏:15 ,14)‏ .
وبعد ذلك تنتقل الآيات بالخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي كان يجهد نفسه الشريفة في متابعة الوحي بالقرآن الكريم من جبريل‏ (عليه السلام‏)‏ في لهفة بالغة حتى لا يتفلت منه شيء‏ ,‏ فنزل الوحي مطمئنا إياه بأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد تكفل بجمع القرآن الكريم في قلب النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وفي صحائفه على مر الزمان‏ ,‏ وفي قلوب الحفاظ عبر التاريخ إلى قيام الساعة‏ ,‏ كما تكفل بتثبيته على لسانه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قراءة صحيحة وعلى ألسنة الراغبين في حفظه من أبناء وبنات أمة الإسلام‏ ,‏ فما كان على رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إلا أن يستمع لجبريل‏ (عليه السلام‏)‏ وهو يقرأ عليه القرآن الكريم فإذا ما أتم قراءته طبع الله‏ (تعالى‏)‏ ما قرئ في قلب خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وأجراه على لسانه فقرأ مثلما قرأ جبريل تماما‏ .‏ كذلك تعهد ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بتفهيم من يشاء من عباده دلالة آيات كتابه العزيز ولذلك قال‏ (عز من قائل‏)‏ موجها الخطاب إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :
‏" لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ . إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ . فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ " (القيامة‏:16‏-‏19)‏ . وبعد ذلك تنتقل الآيات بالخطاب إلى الناس كافة منتقدة حبهم للدنيا وانشغالهم بها إلى الحد الذي قد ينسي الكثيرين منهم حتمية رجوعهم إلى الله تعالى‏ ,‏ بل قد يدفع بالبعض إلى إنكار الآخرة فتقول‏ :‏ " كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ العَاجِلَةَ . وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ " (القيامة‏:21,20)‏ .
وفجأة تنتقل الآيات إلى مصائر الخلائق في الآخرة بين وجوه تعلوها النضرة والصفاء والبشر‏ ,‏ ناعمة بالنظر إلى ربها‏ ,‏ ومستبشرة بحسن مصيرها‏ ,‏ ووجوه كالحة ذليلة مستيقنة بداهية تقصم ظهورها وفي ذلك تقول الآيات‏:‏
" وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ .‏ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ . تَظُنُّ أَن يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ "(القيامة‏:22‏-‏25)‏ . وفجأة كذلك تنتقل بنا الآيات إلى مشهد الاحتضار‏ ,‏ وشدة سكرات الموت‏ ,‏ وحشرجة الصدر‏ ,‏ وبلوغ الروح إلى الحلقوم‏ ,‏ لعل الناس يستيقظون من غفلتهم ليعلموا خطورة الانتقال من الدنيا إلى الآخرة‏ ,‏ ويتنبهوا إلى حتمية الموت الذي يصرع الجبابرة كما يصرع المساكين‏ ,‏ ويقهر المتسلطين كما يقهر المستضعفين‏ ,‏ ولا حيلة لأحد من الخلق فيه أبدا فتقول ‏: ‏" كَلاَّ إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ . وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ .‏ وَظَنَّ أَنَّهُ الفِرَاقُ . وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ . إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَسَاقُ . فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى . وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى . ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى . أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى . ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى . أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى " (القيامة‏:26‏-‏36)‏ .
ثم تستشهد الآيات بطلاقة القدرة الإلهية المبدعة في خلق الإنسان من نطفة إذا تمنى‏ ,‏ ثم جعله علقة بطول أجزاء قليلة من الملليمتر‏ ,‏ ومن هذه العلقة خلق الإنسان بأعضاء جسده المختلفة‏ ,‏ وأجهزته المتعددة‏ ,‏ وأنسجته وخلاياه التي يصل عددها إلى ألف تريليون خلية في المتوسط تتعاون في خدمة هذا المخلوق المكرم بجنسيه الذكر والأنثى طيلة حياة كل منهما وإلى لحظة مماته‏ ,‏ ولذلك ختمت هذه السورة المباركة بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى. فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ المَوْتَى " ‏(‏القيامة‏:36‏-‏40) .‏
وعلى كل سامع لهذا الختام المنطقي الرائع أن يقول كما أوصانا نبينا‏ (صلى الله عليه وسلم‏):‏ بلي هو سبحانه قادر على أن يحيي الموتى‏ ,‏ وأنا على ذلكم من الشاهدين‏ .‏


من ركائز العقيدة في سورة القيامة :
(1)الإيمان بيوم القيامة وبكل ما سوف يحدث فيه من أحداث جسام وصفها القرآن الكريم‏ .‏
(2) التسليم بقيمة‏ (النفس اللوامة‏)‏ في إصلاح سلوك صاحبها وإيقاظ ضميره‏ ,‏ وإسعافه بالتوبة إلى الله‏ (تعالى‏)‏ من أخطائه كلما أخطأ‏ ,‏ وإلى شحذ همته لمزيد من الطاعة وعمل الخير كلما هبطت همته في ذلك‏ .‏
(3)التصديق بحقيقة البعث‏ ,‏ بل بحتميته وضرورته‏ ,‏ وبشهادة الخلق الأول على إمكانية وقوعه‏ .‏
(4) اليقين بأن من الدوافع النفسية لإنكار البعث عند الكافرين الرغبة في مخالفة أوامر الله‏ (تعالى‏)‏ دون تأنيب من الضمير‏ ,‏ والخوض في المعاصي إلى حد الفجور دون مخافة الحساب والجزاء‏ .‏
(5)التسليم بأن من أوائل أحداث تدمير الكون هي حادثة ابتلاع الشمس للقمر‏ .‏
(6) الإيمان بأنه لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه‏ .‏
(7) اليقين بأن جميع أعمال وأقوال الإنسان مدونة عليه‏ ,‏ وأنه سوف ينبأ في يوم الحساب بما قدم وأخر‏ ,‏ وأنه سيكون شاهدا على نفسه في ذلك اليوم‏ ,‏ ولن تقبل منه أعذار عن أخطائه‏ .‏
(8) التصديق بأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد تكفل بطبع القرآن الكريم في قلب خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وفي قلوب الحفاظ المجتهدين من الذكور والإناث إلى قيام الساعة‏ ,‏ كما تكفل بجمعه وحفظه بمختلف صور الحفظ المادي حفظا كاملا بنفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ إلى أن يرث الله ـ تعالى ـ الأرض ومن عليها‏ ,‏ وتكفل بتيسير تلاوته‏ ,‏ وبيان معانيه لمن يشاء من عباده‏ .‏
(9) التسليم بأن حب الدنيا هو جزء من هوي النفس البشرية‏ ,‏ والعاقل من قاوم تلك النزعة حتى يحيا حياته في توازن واعتدال لا ينسيه الآخرة‏ .‏
(10) الإيمان بأن الناس سوف ينقسمون في الآخرة إلى سعداء وأشقياء‏ ,‏ وأن السعداء هم الذين يوظفون دنياهم من أجل الفوز في أخراهم‏ ,‏ بينما الأشقياء هم الذين ضحوا بأخراهم من أجل دنياهم‏ .‏
‏(11) اليقين بأن الموت حق على جميع العباد وأن أحدا لا يملك للمحتضر شيئا‏ .‏
(12) التصديق بأن الإعراض عن دين الله وتكذيب رسله‏ ,‏ والتقصير في أداء العبادات المفروضة وأولها الصلاة‏ ,‏ وإنكار المعلوم من الدين بالضرورة‏ ,‏ وفي مقدمته الغيوب التي نزل بها وحي السماء‏ ,‏ والتعالي والاختيال والتكبر على خلق الله‏ ,‏ كل ذلك من مبررات تحقق وعيد الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في الدنيا والآخرة‏ ,‏ وعند الموت والبعث والحساب والجزاء‏ .‏
(13)الإيمان بأن للإنسان رسالة محددة في هذه الحياة هي عبادة الله‏ (تعالى‏)‏ بما أمر‏ ,‏ وحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة عدل الله فيها‏ .‏
(14)اليقين بأن الذي خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمني قادر حقا على أن يحيي الموتى‏ ,‏ وأن الخلق الأول شاهد على إمكانية البعث‏ .

من الإشارات الكونية في سورة القيامة :
‏(1) نفي أزلية العالم بالتأكيد على حتمية الآخرة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد ذلك وتدعمه‏ .‏
(2) التأكيد على عدد من جوانب النفس الإنسانية وطبائعها‏ ,‏ والدراسات المتأخرة في علم النفس تدعم ذلك وتؤيده‏ .‏
(3)الإشارة إلى دقة تسوية البنان في الإنسان‏ .‏
‏(4) التأكيد على أن ابتلاع الشمس للقمر من أوائل أحداث انهدام الكون‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تسجل ابتعاد القمر عن الأرض بمعدل ثلاثة سنتيمترات في كل سنة‏ ,‏ مما يشير إلى حتمية وقوع ذلك الحدث بسنن وقوانين الآخرة التي هي مغايرة لسنن الدنيا وقوانينها مغايرة كاملة‏ .‏
(5)الإشارة إلى حفظ القرآن الكريم بوعد من الله‏ (تعالى‏) ,‏ وحفظه على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية في نفس لغة الوحي التي أنزل بها‏ (اللغة العربية‏)‏ دون زيادة حرف واحد أو نقصان حرف واحد لما يؤكد ذلك ويدعمه‏ .‏
(6) التأكيد على حقيقة الموت‏ ,‏ وعلى عجز جميع المخلوقين عن دفعه‏ .‏
(7) وصف بعض صفات الكفار والمشركين وصفا دقيقا يتحقق في واقع الحياة‏ .‏
(8)الإشارة إلى خلق الإنسان من نطفة من مني يمني ووصف بعض مراحل الجنين‏ .‏
(9) الإشارة إلى حتمية البعث‏ ,‏ وبقاء عجب الذنب دون أن يُبلى يؤكد ذلك‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الثامنة من القائمة السابقة والتي تقرر خلق الإنسان من نطفة من مني يُمنى‏ .‏



من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين :
أولا ‏:‏ في قوله تعالى ‏:" أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى "
تؤكد هذه الآية الكريمة أن الإنسان لم يخلق عبثا‏ ,‏ بل له رسالة محددة في هذه الحياة لها قصد وغاية‏ ,‏ ومن ورائها حكمة بالغة‏ ,‏ وأن الحياة الدنيا ما هي إلا فسحة من الزمن يهبها الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ لكل مخلوق عاقل مكلف ليثبت في نهايتها جدارته بالجنة ونعيمها‏ ,‏ أو استحقاقه للنار وجحيمها‏ ,‏ والإنسان ليس له بعد حياته الدنيا إلا الموت‏ ,‏ ثم حياة البرزخ وحساب القبر‏ ,‏ ثم البعث والحشر والحساب والجزاء‏ ,‏ ثم الخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏
وتنزل القرآن الكريم بالتأكيد على أن الإنسان لن يترك سدى‏ ,‏ فيه إشارة إلى تلك الرسالة بعد أن كانت الغالبية الساحقة من أهل الأرض قد نسيتها‏ ,‏ فغرقت في بحور من دعاوى الكفر والشرك والإلحاد من أمثال الوثنيات المتعددة‏ ,‏ والخرافات الموغلة في الخيال‏ ,‏ والأساطير المفتراة بغير حساب‏ ,‏ والهواجس الظنية البعيدة كل البعد عن الواقع مما دفع بغالبية الناس إلى متاهات من الضلال والفساد‏ ,‏ في العلاقات‏ ,‏ والسلوك‏ ,‏ والاعتقاد‏ ,‏ أضرت بالبشرية أضرارا بالغة‏ .‏
في هذا الجو الخانق أنزل القرآن الكريم هداية من الله ـ الخالق ـ للإنسان في القضايا التي يعلم ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بعلمه المحيط أن الإنسان لا يمكنه الوصول فيها إلى تصور صحيح أبدا من مثل قضايا العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات‏ ,‏ وهي تشكل ركائز الدين‏ ,‏ كما تحدد للإنسان رسالته في هذه الحياة‏:‏ عبدا لله‏ ,‏ يعبده ـ تعالى ـ بما أمر‏ ,‏ ومستخلفا في الأرض يعمرها ويسعي جاهدا لإقامة عدل الله فيها‏ .‏ وعلى أساس من نجاحه أو فشله في تحقيق هذه الرسالة سيكون جزاؤه العادل في الآخرة‏ .‏
ونحن نري الموت حقيقة قائمة في حياتنا‏ ,‏ لا حيود عنها‏ ,‏ ولا مهرب منها‏ . .!! ,‏ ونري الأدلة المادية الملموسة على حتمية فناء الكون بكل ما فيه ومن فيه‏ ,‏ ظاهرة جلية‏ ,‏ كما تشير العلوم المكتسبة إلى إمكانية البعث‏ ,‏ والمنطق السوي يدعم حتميته وضرورته ليكافأ المحسن على إحسانه‏ ,‏ والمسيء على إساءته‏ ,‏ فكم من مسيء يفلت من عقاب الدنيا‏ ,‏ وكم من محسن لا يلقى في الدنيا جزاء‏ ,‏ لذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ أن الإنسان لن يترك سدى‏ .‏
ثانيا ‏:‏ في قوله تعالى‏ :
‏ " أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى "‏
‏(‏النطفة‏)‏ في اللغة العربية هي الماء الصافي‏ ,‏ قل أو كثر والجمع‏ (نطاف‏);‏ و‏ (نطفان‏)‏ الماء سيلانه‏ ,‏ وقد‏ (نطف‏ ,‏ ينطف‏)‏ بضم الطاء وكسرها‏;‏ أي‏:‏ سال يسيل‏ .‏ ويكني عن اللؤلؤة بـ‏ (النطفة‏) ,‏ و‏ (النطف‏)‏ الدلو‏;‏ وليلة‏ (نطوف‏)‏ يجيء فيها المطر حتى الصباح‏ ,‏ و‏ (الناطف‏)‏ السائل من المائعات الحلوة‏ .‏ يقال فلان‏ (ينطف‏)‏ بالمعروف أي يندي به فهو‏ (منطف‏)‏ المعروف‏ .‏
أما القرآن الكريم فقد أورد لفظة‏ (نطفة‏)‏ اثنتي عشرة مرة بمعني الخلية التناسلية‏ (خلية التكاثر‏)‏ التي يتخلق منها الإنسان على النحو التالي ‏:‏
‏‏" خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ "‏ (النحل‏:4) .‏
‏‏" قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً "‏ (الكهف‏:37) .‏
‏‏" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ " (الحج‏:5) .‏
‏‏" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ "‏ ‏(المؤمنون‏:12‏-‏13) .‏
" وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً ‏" (فاطر‏:11)‏ .
‏‏" أَوَ لَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ‏" (يس‏:77) .‏
" هَوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ‏"  (غافر‏:67) .‏
‏‏" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى .‏ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏" (النجم‏:46,45) .‏
‏‏
" أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى "‏ (القيامة‏:37)‏
‏‏" إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ‏" (‏الإنسان‏:2)‏ .
‏‏" قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ .‏ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ‏"‏ ‏(‏عبس‏:17‏-‏19) .‏

وعلى ذلك فإن الغالب في معني‏ (النطفة‏)‏ هو الخلية التناسلية ‏Gamete)) سواء كانت من الرجل أو من المرأة‏ ,‏ و‏ (النطفة الأمشاج‏)‏ هي اللقيحة (Zygote)‏ الناتجة عن اندماج نطفتي الرجل والمرأة‏ .‏
و‏ (المني‏)‏ في اللغة هو التقدير‏ ,‏ يقال‏: (مني‏)‏ لك‏ (ألماني‏);‏ أي‏:‏ قدر لك المقدر و‏ (المني‏)‏ هو السائل أو السوائل الحاملة للنطف التي قدرت بها الحياة‏ .‏ وهذه اللفظة جاءت بتصريفاتها المختلفة أربع مرات في كتاب الله المجيد على النحو التالي ‏:‏
" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏"  (النجم‏:46,45) .‏
‏‏" أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ . أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الخَالِقُونَ ‏" (الواقعة‏:59,58) .‏
‏‏
" أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى  " (القيامة‏:37ـ‏39) .‏
و‏ (الإمناء‏)‏ هو إفراغ السوائل الحاملة للخلايا التناسلية في مكانها الصحيح حتى تتم عملية الإخصاب‏ ,‏ أو هو الإخصاب ذاته‏ ,‏ وهو من تقدير الخالق الحكيم ـ سبحانه وتعالى ـ‏ ,‏ أو هو إنتاج النطف ثم إخصابها‏ ,‏ ويتم ذلك بتقدير من الله ـ تعالى ـ ليعطي لكل فرد من بني آدم شيفرة وراثية تميزه عن غيره من الخلق‏ ,‏ وتعطي ذلك لكل فرد من نسله إلى قيام الساعة‏ .‏
ومن‏ (المني‏)‏ بمعنى التقدير جاءت لفظة‏ (المنية‏)‏ وهي الأجل المقدر للكائن الحي بالموت‏ ,‏ وجمعها‏ (المنايا‏)‏ و‏(‏المنون‏) ;‏ يقال‏: (مني‏)‏ له أي‏:‏ قدر له وذلك لان الموت مقدر على كل حي و‏ (المنية‏)‏ واحدة‏ (المني‏) ,‏ و‏(‏الأمنية‏)‏ واحدة‏ (الأماني‏)‏ وجمعها‏ (أمان‏)‏ و‏ (‏أماني‏)‏ بالتخفيف والتشديد‏ .‏

إدراك العلوم المكتسبة لحقيقة النطفة‏ :‏
مما لا شك فيه أن الإنسان قد شغل بقضية التناسل منذ أن وطئت قدماه الأرض‏ .‏ فمنذ أكثر من ثمانية قرون وجدت بعض الكتابات عن تكون الجنين في الحضارات القديمة من مثل الحضارة المصرية القديمة‏ ,‏ والحضارة الهندية القديمة‏ ,‏ ولكنها كانت في مجموعها مشوبة بالتخمين والظن‏ ,‏ وظل الحال كذلك إلى الحضارة اليونانية القديمة حين اقترح أبو قراط‏ (من حوالي ‏460‏ ق.‏م‏ .‏ إلى حوالي ‏377‏ ق‏.‏م‏ .)‏ دراسة الأجنة في بيض الطيور‏ .‏ وتبعه أرسطو‏ (من حوالي‏384‏ ق‏ .‏م‏ .‏ إلى حوالي‏322‏ ق‏ .‏م‏ .)‏ الذي نادي بتكون الجنين من اختلاط دم الحيض مع ماء الرجل‏ ,‏ وتلاه جالن‏ (من حوالي‏130‏ ـ‏201‏ م‏)‏ وتكلم عن تغذية الحميل والأغشية المحيطة به‏ .‏
وفي الفترة من ‏610‏م إلى ‏632‏م أنزل الله ـ تعالى ـ القرآن الكريم متضمنا وصفا دقيقا لمراحل تخلق الجنين الإنساني في ترتيب محكم غاية الإحكام ‏:‏ من النطفة إلى النطفة الأمشاج‏ ,‏ إلى العلقة‏ ,‏ ثم المضغة‏ (المخلقة وغير المخلقة‏)‏ إلى خلق العظام وكسوتها باللحم‏ (العضلات والجلد‏) ,‏ ثم إنشاء الحميل خلقا آخر في تشكل متواصل إلى لحظة الميلاد‏ .‏ وعلى الرغم من ذلك فقد ظل العالم لا يعرف النطفة إلى أواخر القرن السابع عشر الميلادي‏ .‏

في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي قام قسطنطين الأفريقي (Africanus Constantinus) بترجمة العديد من الأعمال المتعلقة بالأجنة من اللغات اليونانية والرومانية والعربية إلى اللغة اللاتينية‏ ,‏ وتأثرا بالأساطير التي كانت شائعة في زمانه حاول ربط أحوال الجنين أثناء الحمل بالنجوم والكواكب‏ ,‏ وهي محاولة لا أساس لها من العلوم الصحيحة‏ .‏
وفي عصر النهضة حاول دافنشي
Leonardo) daVinci) في القرن الخامس عشر الميلادي قياس أبعاد الحميل في عدد من مراحل نموه المتأخرة‏ ,‏ ثم تبعه كل من جيرولامو فابريشيوسGirolamo Fabricius)) ووليام هارفي (William Harvey) في أواخر القرن السادس عشر وأوائل القرن السابع عشر الميلاديين اللذين ناديا بأن الجنين يفرزه الرحم‏ .‏
وبعد اختراع المجهر فتحت آفاق جديدة أمام علماء الأجنة على الرغم من بساطة الأجهزة في أول الأمر فوصف الهولندي دي جراف
(Regnier de Graff) حويصلة البييضة دون معرفة دورها في تخلق الجنين وذلك في سنة ‏1672‏م وبعد ذلك بثلاث سنوات وصف مالبيجي (Marcello Malpighi) جنين الدجاجة على أنه صورة مصغرة للدجاجة‏ .‏
ولم تكتشف نطفة الرجل‏ (الحيمن‏)‏ إلا في أواخر القرن السابع عشر الميلادي حينما استخدم كل من هام وزميله ليوفينهويك في سنة ‏1677‏م
(Hammand Leeuwenhoek) مجهرا محسنا‏ ,‏ ولكن دون فهم لدور هذه النطفة في عملية الإخصاب‏ ,‏ حيث تصورا هذا الحيمن حاملا في رأسه إنسانا متقزما مكتمل النمو في هيئة متناهية الضآلة في الأبعاد يزداد تدريجيا إلى حجم الطفل الكامل النمو في رحم الأم‏ ,‏ وتبعهما في ذلك كل من هارتسويكر (Hartsoeker) في سنة ‏1694‏م‏ ,‏ وبفون (‏Buffon‏) في سنة ‏1749‏م‏ .‏

في سنة ‏1759‏م رفض وولف
(Caspar Friedrich Wolff‏) فكرة الخلق الكامل للوليد في رأس نطفة الرجل‏ .‏ ولم تنته هذه الخرافة إلا في سنة ‏1775‏م حين أثبت سباللنزاني
(‏
Spallanzani) دور كل من نطفتي الرجل والمرأة في تخلق الجنين‏ ,‏ وكان كل من القرآن الكريم وأقوال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد أكدا هذه الحقيقة من قبل ألف سنة‏ ,‏ فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده ‏:‏ أن يهوديا مر برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يحدث أصحابه‏ ,‏ فقالت قريش ‏:‏ يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏ .‏ فقال اليهودي‏ :‏ لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي‏ ,‏ فقال‏ :‏ يا محمد‏!‏ مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏:ـ " يا يهودي‏!‏ من كل يخلق ‏:‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة ‏" .‏
وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى ‏" ‏‏(الحجرات‏:13)‏ .
في سنة ‏(1817‏ م‏)‏ اكتشف باندر ((H .C .Pander‏ تكون جسم الجنين من ثلاث طبقات‏ ,‏ وبعد ذلك بعشر سنوات وصف فون باير في سنة ‏1827‏م ‏VonBaer) 1827 (الخلية البيضية الناضجة (‏Oocyte) في رحم أنثى الكلب بعد اكتشاف الحيمن بحوالي مائة وخمسين سنة‏ .‏ في سنة ‏1839‏م قدم كل من الألمانيين شليدن وشفان (‏Schleiden and Schwann‏) مفهوم الخلية على أنها هي وحدة بناء أجساد الكائنات الحية‏ ,‏ وحتى بعد هذا الاكتشاف فإن العلوم المكتسبة لم تدرك أن النطف من الخلايا إلا في أواخر القرن التاسع عشر ‏(1859‏م‏) ,‏ ولم تعرف عملية الإخصاب إلا بعد أن شاهدها كل من هيرتويج (‏Hertwig) في سنة ‏1875‏م‏ ,‏ وفان بنيدين ((Van Beneden‏ في سنة ‏1883‏م‏ ,‏ ولم يتم التأكد من ذلك إلا في أوائل القرن العشرين‏ .‏

من هذا الاستعراض التاريخي السريع يتضح أن تسجيل القرآن الكريم لحقيقة أن الإنسان‏ (ألم يك سوى نطفة من مني يمنى‏)‏ هو سبق علمي حقيقي يشهد لهذا الكتاب المجيد بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية ـ ولم يقطعه لرسالة سابقة أبدا وحفظه حفظا كاملا وذلك لأن القرآن الكريم هو رسالة الله الخاتمة لهداية خلقه‏ ,‏ ولما لم يكن من بعدها رسالة أخرى تعهد ـ سبحانه وتعالى ـ بحفظها حفظا كاملا في نفس لغة وحيها‏ (اللغة العربية‏)‏ فحفظها على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية‏:‏ كلمة كلمة‏ ,‏ وحرفا حرفا‏ ,‏ وتعهد بهذا الحفظ إلى أن يشاء الله‏ .‏
فالحمد الله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة النبي والرسول الخاتم‏ ,‏ والحمد لله على هدايتنا إلى اتباعه والتأسي به‏ ,‏ ونسأله ـ تعالى ـ أن يثبتنا على هذا الحق حتى نلقاه وهو راض عنا‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه‏ ,‏ ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏