" هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ "(آل عمران:6).


هـذه الآية الكريمة جاءت في مطلع سورة آل عمران‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم ، إذ تحوي مائتي آية بعد البسملة‏ ,‏ وبذلك تأتي في المقام الثالث بعد سورتي البقرة والأعراف من حيث عدد الآيات‏ .‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلي قصة امرأة عمران وابنتها السيدة مريم أم عبد الله ورسوله عيسى‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ ,‏ كما تروي معجزة ميلاده بغير أب‏ ,‏ وتذكر عددا من المعجزات التي أجراها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على يديه؛ لتشهد له بالنبوة وبالرسالة .‏ ويدور جزء كبير من هذه السورة المباركة حول حوار أهل الكتاب‏ ,‏ ويدور باقي السورة حول تحديد ركائز العقيدة الإسلامية وعدد من تشريعاتها‏ . وتستفتح السورة بالحروف المقطعة الثلاثة‏ ـ‏ ألم‏ ـ‏ التي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم ‏.‏ وقد أوردنا التعليق علي هذه المقطعات في عدد من المقالات السابقة‏ ,‏ ولا أرى ضرورة لتكرار ذلك هنا ‏.‏ وبالإضافة إلى توكيد وحدانية الله‏ ,‏ وحقيقة إنزال القرآن الكريم من لدن رب العالمين الذي أنزل التوراة والإنجيل من قبل‏ ,‏ تتضمن سورة آل عمران إشارة إلي اليهود‏ ,‏ وإلى خبث نواياهم‏ ,‏ وتآمرهم على غيرهم من الأمم‏ ,‏ وإلى مكرهم‏ ,‏ وخداعهم‏ ,‏ وكراهيتهم للحق وأهله‏ ,‏ كما تتضمن تحذيرا للمسلمين منهم وممن يلتف حولهم من أهل الشرك والكفر والضلال‏ .‏

وقد جاء الخطاب إلى أهل الكتاب في قرابة السبعين آية‏(‏من الآية:‏18‏ إلى الآية‏85)‏ نختار منها هنا قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ " ‏(‏آل عمران‏:64)‏ . وتؤكد سورة آل عمران ضرورة الإيمان بجميع الرسالات السماوية‏ ,‏ وبجميع أنبياء الله ورسله دون أدنى تفريق؛ لأن رسالتهم جميعا واحدة وهي الإسلام العظيم الذي بعث به كل نبي وكل رسول وفي ذلك يقول ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ " (آل عمران‏:19)‏ .
ويقول‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ في نفس السورة‏ :
‏" وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ " (آل عمران‏:85)‏ .
ثم تحدثت الآيات عن عقاب المرتدين‏ ,‏ وحكم الله‏ ـ تعالى ـ‏ فيهم‏ ,‏ ودعت إلى الإنفاق في سبيل الله‏ ,‏ وحذرت من تحريف الكتب السماوية‏ ,‏ وأمرت باتباع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين‏ .‏
وأشارت إلى الكعبة المشرفة بصفتها أول بيت وضع للناس‏ ,‏ وأكدت فريضة الحج علي المستطيع من المسلمين‏ ,‏ كما عتبت علي كفار قريش ضلالهم بينما آيات الله تتلى عليهم وفيهم خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ وأوصت بتقوى الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ في السر والعلن‏ ,‏ وبضرورة الاعتصام بحبله جميعاً دون اختلاف‏ ,‏ وذكَّرت العباد بنعم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ عليهم‏ ,‏ ودعت إلى نفرة أمة الإسلام للدعوة إلى الخير‏ ,‏ وإلى الأمر بالمعروف‏ ,‏ والنهي عن المنكر‏ ,‏ ووصفت الذين يستجيبون لهذا النداء الإلهي بأنهم هم المفلحون .
وتحدثت سورة آل عمران عن جزاء كلٍ من المؤمنين والكافرين ، وأكدت أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله على خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ وأنه هدى وموعظة للمتقين‏ ، وخاطبت أمة الإسلام بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ " (‏آل عمران‏:110)‏ .
وبعد ذلك انتقلت هذه السورة المباركة إلى الحديث عن غزوة أحد‏ ,‏ وما أصاب المسلمين فيها من انكسار بسبب مخالفتهم لأوامر رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في ساحة المعركة‏ ,‏ وذكَّرت بانتصارات بدر‏ ,‏ وبمُبرِّرات ذلك الانتصار‏ ,‏ وصاغت تلك الأحداث صياغة مُعجِزة لا تتوقف عند حدود وصف المعركتين وصفًا مُجرَّدا‏ًً ,‏ ولكن تتجاوز ذلك إلى توجيهات ربانية دائمة في بناء الجماعة الإسلامية‏ ,‏ وتوضيح سنن الله في النصر والهزيمة إلى يوم الدين‏ ,‏ مُؤكِّدة أن لله ما في السماوات وما في الأرض‏ ,‏ وأن الله ـ تعالى ـ يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وأنه غفور رحيم ‏.‏
وتنهي هذه السورة الكريمة عن أكل الربا‏ ,‏ وتحذر من عذاب النار‏ ,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ وبالمسارعة إلي طلب المغفرة من الله‏ ,‏ وسؤاله الجنة التي أُعدَّت للمتقين الذين أوردت شيئاً من صفاتهم‏ ,‏ وتوصي بالسير في الأرض من أجل الاعتبار بعواقب المكذبين الذين كذبوا رسل الله وحاربوا دينه وأولياءه ‏.‏ ثم عاودت سورة آل عمران إلى التذكير بغزوة أحد في مواساة رقيقة للمسلمين‏ ,‏ مُؤكِّدة أنهم هم الأعلَوْن ماداموا على إيمانهم بالله‏ ,‏ وإن تعرضوا لشيء من النكسات في بعض الأوقات؛ لأن النصر والهزيمة من سنن الله في الحياة‏ ,‏ لكل منها قوانينه‏ ,‏ وأن الأيام دُوَل يداولها الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ بين الناس لحكمة يعلمها‏ ,‏ منها أن يتخذ من المؤمنين شهداء‏ ,‏ وأن يطهرهم بشيء من الابتلاء والتمحيص مما قد يقعون فيه من الذنوب‏ ,‏ ويهلك كلا من الكافرين والمشركين‏ ,‏ والطغاة المتجبرين بذنوبهم‏ ,‏ والله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لا يحب الظالمين‏ ,‏ كما لا يحب المتخاذلين في الدفاع عن دمائهم‏ ,‏ وأعراضهم‏ ,‏ ومقدساتهم‏ ,‏ وممتلكاتهم‏ ,‏ وأراضيهم‏ ,‏ وعن الحق وأهله‏ .‏ وهذا الخطاب كما كان لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ولأصحابه وأهل زمانه‏ ,‏ هو خطاب لكل من آمن به من بعده إلي يوم الدين ‏. وتؤكد هذه السورة الكريمة على بشرية سيدنا محمد‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ وأنه رسول قد خلت من قبله الرسل لا يجوز لأي ممن آمن به واتبعه أن يرتد عن ذلك بعد موته‏ ,‏ فرسالته خالدة‏ ,‏ باقية إلى يوم الدين؛ لأن الله ‏ تعالى ـ‏ قد تعهد بحفظها فحُفظِت ‏.‏ وتؤكد كذلك أن من يرتد عن دينه فلن يضر الله شيئا‏ ,‏ ولكنه يهلك نفسه بتعريضها لسخط الله وعذابه‏ .‏
وتنتقل الآيات إلى الحديث عن قضية الأجل مؤكدة أن الله‏ ـ تعالى ـ‏ قد جعل لكل نفس أجلاً مُحدَّداً لا تموت إلا عنده‏ ... ,‏ وجعل الأجل غيباً لا يعلمه إلا الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ حتى لا تتوقف عجلة الحياة‏ ,‏ وحتى يتجاوز المسلم حاجز الخوف من الموت فيتقدم إلي مواكب الشهادة في سبيل الله دون وجل أو مهابة ‏.‏
وتؤكد الآيات أيضاً أن من قصد بعمله أجر الدنيا أعطاه الله إياه‏ ,‏ وليس له في الآخرة من نصيب‏ ,‏ وأن من قصد بعمله أجر الآخرة أعطاه الله تعالى أجرَيْ الدنيا والآخرة‏ .‏ وأن الله ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ يجزي عباده بحسب شكرهم لنعمه‏ ,‏ واعترافهم بعظيم فضله‏ ,‏ وإن كانت هذه أحكاماً عامة إلا أن فيها تعريضاً واضحاً بمن رغبوا في غنائم الحرب أثناء شدة القتال في غزوة أحد فتسببوا في عدم إتمام النصر الذي بدا في أول الأمر مُحقَّقاً للمسلمين‏ .‏ ثم تنتقل الآيات إلى الحديث عن العلماء الربانيين‏ ,‏ والمجاهدين الصادقين الذين قاتلوا مع أنبياء الله ورسله من أجل إعلاء دين الله، وإقامة عدله في الأرض‏ ,‏ فقُتل منهم من قتل شهيدا‏ً ,‏ وأصيب من أصيب‏ ,‏ ولكنهم لم يذلوا لعدوهم أبدا‏ ,‏ واحتسبوا وصبروا في كل ما مر بهم من الشدائد والمحن ولذلك امتدحهم القرآن الكريم بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ .‏ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى القَومِ الكَافِرِينَ .‏ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ " ‏(‏آل عمران‏:146‏-‏148) . وتعاود السورة المباركة إلى التحذير من موالاة كلٍ من الكافرين والمشركين‏ ,‏ مُؤكِّدة أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو مولى المؤمنين‏ ,‏ وهو خير الناصرين الذي يعدهم النصر بقوله الحق‏ :‏ " سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ‏" (آل عمران‏:151) . ثم تُعاود الآيات استعراض أحداث معركة أحد بهدف تربية المسلمين‏ ,‏ وتحذيرهم من شرور أنفسهم‏ ,‏ وتنبيههم إلي ما يمكن أن يحيط بهم من كيد الكفار والمشركين كالذي أحاط بهم في القديم والذي يحيط بهم اليوم‏ .‏ وتطلب الآيات من رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ألا يحزن على الذين يسارعون في الكفر ؛ لأنهم لن يضروا الله شيئاً‏ ,‏ في الوقت الذي يضرون أنفسهم ضرراً بليغا‏ًً ,‏ ويريد الله ـ سبحانه وتعالى ـ ألا يجعل لهم حظاً في الآخرة‏ ,‏ ولهم عذاب عظيم ‏.‏ وإمهالهم في الدنيا‏ ,‏ والتمكين لهم فيها ليس من صالحهم ؛ لازديادهم في المعاصي والآثام مما يجعلهم أهلاً لمُضاعفة العذاب في الآخرة‏ .‏ وعلي النقيض من ذلك فإن ابتلاء الله‏ ـ تعالى ـ لصفوف المؤمنين كي يميز الخبيث من الطيب‏ ـ وهو أعلم بهم‏ ـ ,‏ كما فعل في معركة أحد ولذلك قال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏ " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ "‏ (آل عمران‏:179) .
وتدعو الآيات إلى الإيمان بالله وتقواه‏ ,‏ وببذل المال في سبيل الله‏ ,‏ وتتوعد الذين يبخلون بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ " (‏آل عمران‏:180) وتؤيد الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في وجه المكذبين لدعوته ولبعثته الشريفة فتقول ‏: " فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المُنِيرِ " (‏آل عمران‏:184) ‏وتؤكد السور الكريمة أن الفناء هو مصير الخلائق‏ ,‏ وأن الموت مكتوب على كل نفس‏ ,‏ وأن جزاء الأعمال سوف يوفَّى كاملاً يوم القيامة‏ ,‏ وأن الابتلاء من سنن الحياة‏ ,‏ ولا يملك الإنسان في مواجهته أفضل من الصبر والاحتساب‏ ,‏ وتقوى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ .
وتختتم سورة آل عمران بتوجيه الناس جميعا إلى التأمل في خلق السماوات والأرض‏ ,‏ واستخلاص شيء من صفات الخالق العظيم بالتعرف على بديع صنعه في خلقه‏ ,‏ وتدعوهم إلى تكثيف الدعاء والرجاء من الله‏ ـ تعالى ـ ,‏ وإلى سؤاله النجاة من النار‏ ,‏ والاستعاذة به من خزي يوم القيامة‏ ,‏ ورجاء المغفرة من الذنوب‏ ,‏ وتكفير السيئات‏ ,‏ ورفع الدرجات‏.‏ وتخاطب الآيات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ، وجميع المسلمين من بعده ألا يغتروا بتقلُّب الذين كفروا في البلاد في شيء من النعم المادية والجاه والسلطان ؛‏ وذلك لأن متاع الدنيا قليل‏ ,‏ ومن ثم لابد وأن ينتهيَ بهم الأجل إلى جهنم وبئس المصير‏ ,‏ بينما الصالحون المتقون قد يعيشون في الدنيا عيشة الفقراء‏ ,‏ وحياة الابتلاء ثم تنتهي بهم هذه الحياة إلى نعيم الآخرة الأبدي ‏. ‏وتعاود السورة الكريمة في ختامها إلى التذكير بأن الذين اهتدوا إلى دين الله‏ ,‏ وآمنوا بخاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ وبالقرآن الكريم الذي أنزل إليه‏ ,‏ فمنَّ الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ عليهم بالخشوع لجلاله‏ ,‏ والخضوع لأوامره‏ ,‏ واجتناب نواهيه‏ ,‏ وأكرمهم بأن لهم أجرهم عند ربهم‏ ,‏ وتقفل سورة آل عمران بوصية من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إلى عباده المؤمنين يقول لهم فيها ‏:‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " ‏(‏آل عمران‏:200) ‏.
وهي عدة المؤمنين في مواجهة أهل الباطل في كل عصر وفي كل حين ‏.‏

من ركائز التشريع في سورة آل عمران :
أولا‏ :‏ تحريم ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وهو محرم تحريماً قاطعا‏ًً .‏
‏(2)‏ افتراء الكذب على الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ أو الاستهانة بعهوده وأيمانه ، وهو محرم كذلك ‏.‏
‏(3)‏ الردة عن الإسلام ؛ لأنها كفر بالله ورسوله‏ ,‏ وللمرتد أن يُستتاب فإن تاب بصدق قبل الله توبته‏ ,‏ وإن لم يتب فإنه يموت على الكفر‏ ,‏ ويخلد في النار أبدا‏ ,‏ وماله من ناصرين ‏.‏
‏(4)‏ أكل الربا لأنه من السبع الموبقات المُهلِكات المعروفات بالكبائر ‏.‏
‏(5)‏ التولي يوم الزحف لأنه من الكبائر كذلك‏ .‏
‏(6)‏ الأخذ من الغنيمة خلسة‏ ـ‏ الغلول ـ ؛‏ لأن‏
" مَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ‏ " .
‏(7)‏ النفاق ؛ لأن‏ المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا .

ثانيا ‏:‏ إيجاب ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ الدعوة إلى الإنفاق في سبيل الله قدر الاستطاعة ‏.‏
‏(2)‏ الأمر بحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلاً دون تراخٍ أو تأخير ‏.‏
(3)‏ تحكيم الشورى كقاعدة إسلامية للحكم في كل أمر من أمور المسلمين ‏.‏
(4)‏ مداومة الحث على الجهاد في سبيل الله ـ‏ تعالى‏ ـ ,‏ والترغيب في الاستشهاد من أجل إعلاء شأن الدين‏ ,‏ وإقامة عدل الله في الأرض ‏.‏

 



من ركائز العقيدة في سورة آل عمران :
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ‏ تعالى‏ ـ رباً واحداً أحدا‏ً بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة ولا ولد ,‏ وتنزيهه تنزيهاً كاملاً عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ واليقين بأن الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ هو الحي القيوم‏ ,‏ الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء‏ ,‏ وأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء‏ ,‏ وأنه هو العزيز الحكيم‏ ,‏ وهو البصير بالعباد‏ ,‏ ومالك الملك‏ ,‏ يؤتي الملك من يشاء‏ ,‏ وينزعه ممن يشاء‏ ,‏ ويعز من يشاء‏ ,‏ ويذل من يشاء‏ ,‏ بيده الخير وهو على كل شيء قدير‏ ,‏ وأن النصر منه وحده‏ ,‏ يؤيد بنصره من يشاء‏ ,‏ وأن الهديَ هداه‏ ,‏ وأن الفضل العظيم بيده يؤتيه من يشاء‏ ,‏ وأنه واسع عليم‏ ,‏ يختص برحمته من يشاء‏ ,‏ وهو رءوف بالعباد‏ ,‏ وهو عزيز ذو انتقام‏ ,‏ وأنه لا يخلف الميعاد‏ .‏
‏(2)‏ التصديق بالوحي الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ على فترة من الرسل‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏ وأكمله‏ ,‏ وحفظه في رسالته الخاتمة المُصدِّقة لما سبقها من صور الوحي‏ ,‏ والمُهيمِنة عليها‏ ,‏ وعلى ذلك فإن الإيمان بها وبالرسول الخاتم الذي جاء بها مُكمِّلاً للإيمان بوحي السماء‏ .‏
(3)‏ التسليم بأن القرآن الكريم يضم بين آياته المحكم والمتشابه ‏.‏
‏(4)‏ اليقين بأن كل نفس ذائقة الموت‏ ,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ جامع الناس ليوم لا ريب فيه‏ ,‏ مما يجسد حقيقة الآخرة بل حتميتها‏ ,‏ وحقيقة ما ذكر القرآن الكريم عنها وعما سوف يصاحبها من مشاهد وأحداث منها البعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجنة والنار‏ ,‏ وأن الجنة مثوى المتقين الذين تبيَض وجوههم في الآخرة‏ ,‏ وأن النار مثوى الكافرين الذين تسوَد وجوههم في هذا اليوم العصيب‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الدين عند الله الإسلام‏ ,‏ وأن أهل الكتاب لم يختلفوا في أمر الدين إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم‏ ,‏ وأنه من يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب‏ ,‏ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو الآخرة من الخاسرين‏ .‏
‏(6)‏ التسليم بضرورة طاعة الله ـ‏ تعالى ـ والاعتصام بحبله المتين‏ ,‏ وطاعة خاتم أنبياء الله ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ والالتزام بسنته وهديه ‏.‏
‏(7)‏ التصديق بأن أمة الإسلام هي خير أمة أخرجت للناس ؛ لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر‏ ,‏ وتؤمن بالله ـ تعالى‏ ـ فإن لم تلتزم بذلك فقدت هذه الخيرية‏ .‏

من الآيات الكونية في سورة آل عمران :
(1)الإشارة إلي أن الله ‏ ـ تعالى ـ‏ هو الذي يصور الخلق في أرحام الأمهات كيف يشاء ‏.‏
(2) التعبير عن دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بظاهرة ولوج الليل في النهار‏ ,‏ وولوج النهار في الليل ‏.‏
(3) تشبيه دورة الحياة والممات والبعث بإخراج الحي من الميت ، وإخراج الميت من الحي في هذه الحياة الدنيا ‏.‏
(4) التأكيد على خلق كلٍ من آدم وعيسى ابن مريم‏ ـ عليهما السلام ـ‏ من تراب‏ ,‏ ثم قيام كل منهما بالأمر الإلهي‏ :‏ " كن فيكون "‏ .‏
(5) ذكر حقيقة أن ‏...‏ أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعاملين .
(6)التأكيد على أن لله ما في السماوات وما في الأرض وأن إليه ترجع الأمور ‏.‏
(7)الإشارة إلى حقيقة أن كل نفس ذائقة الموت‏ ,‏ وأن الموت كتاب مُؤجَّل لا يحل إلا بإذن الله الذي لا يعلم الآجال أحد سواه ‏.‏
(8) التلميح إلى قضية نفسية مهمة لم تُعرف إلا مُؤخَّراً ، وهي معالجة الغم بغم جديد من أجل تخفيفه ‏.‏
(9) التأكيد على أن خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار فيهما آيات لأولي الألباب‏ ,‏ وأن التفكر في مثل هذه القضايا من وسائل التعرف على الخالق العظيم‏ ,‏ وعلى شيء من صفاته العليا وقدراته التي لا تحدها حدود‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الأولى من القائمة السابقة والتي تتعلق بالتأكيد على أن الله‏ ـ تعالى ـ‏ هو الذي يصور الخلق في أرحام الأمهات كيف يشاء‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
من الثابت علمياً أنه لم يخلق فردان من بني الإنسان‏ ـ‏ أو من غيرهم  من مختلف صور الأحياء الحيوانية والنباتية‏ ـ‏ وصفاتهما الحيوية متشابهة تشابهاً كاملاً إلا في حالات التوائم الصحيحة ـ وهي حالات نادرة ـ ، وحتى في هذه الحالات يبقى التوأمان مختلفين في الطبائع الشخصية‏ ,‏ والصفات الذاتية‏ ,‏ والنوازع النفسية‏ ,‏ والميول والرغبات‏ ,‏ والقدرات العقلية‏ ,‏ والمهارات اليدوية وإن تشابها من الناحية الشكلية ‏.‏
واحتمال التشابه الحيوي بين فردين من بني البشر غير التوائم الصحيحة هو أمر يكاد أن يكون مستحيلاً من الناحية الإحصائية‏ ,‏ وعلى ذلك فإن عملية تخلُّق كل فرد في مراحله الجنينية هي عملية تصوير خاصة به لا يقدر عليها إلا رب العالمين ‏؛‏ وذلك لأن المخزون الوراثي للبشر أجمعين كان في صلب أبينا آدم ـ عليه السلام ـ‏ لحظة خلقه‏ ,‏ ثم أعطيت أمنا حواء شطراً من هذا المخزون الوراثي‏ ,‏ الذي انفرد وتعدد بالتزاوج بين الذكور والإناث مع الزمن بالتدريج؛ ليعطيَ البلايين من البشر من زمن أبوَيْنا الأولَيْن آدم وحواء ـ عليهما السلام‏ ـ‏ إلى اليوم‏ ,‏ وسيظل يعطي كل نفس منفوسة أي قدر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لها الوجود إلى قيام الساعة‏ .
فالبلايين السبعة من البشر الذين يملئون جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ والبلايين التي عاشت من قبل وماتت‏ ,‏ والبلايين التي سوف تأتي من بعدنا إلى قيام الساعة، كانت كلها في عالم الذر في صلب أبينا آدم‏ ـ عليه السلام ـ‏ لحظة خلقه‏ ,‏ وقد أشهدهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ جميعاً على حقيقة الربوبية فقال‏ ـ‏ عز من قائل ـ :‏ " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " (الأعراف‏:172) ‏.
وأخرج كلٌ من الإمامَيْن البخاري ومسلم عن أنس بن مالك‏ ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال‏ :‏
" يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة‏ :‏ أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به‏ ,‏ قال‏ :‏ فيقول‏ :‏ نعم‏ ..‏ فيقول الله ـ تعالى ـ له ‏:‏ أردت منك أهون من ذلك‏ .‏ قد أخذت عليك في ظهر آدم ألا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي‏ "‏ .
فكل إنسان مُقدَّر له أن يحيا على سطح هذه الأرض ، ولو للحظة واحدة معروف بصفاته المحددة عند خالقه‏ ,‏ و كان موجوداً في عالم الذر في صلب أبينا آدم‏ ـ عليه السلام‏ ـ لحظة خلقه‏ ,‏ ثم تقاسمت أمنا حواء معه هذا المخزون الوراثي‏ ,‏ وبالتزاوج الذي جعله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ سنة من سننه لإعمار الأرض بالحياة‏ ,‏ بدأ هذا المخزون الوراثي الذي وهبه الله‏ ـ تعالى لأبوَيْنا آدم وحواء‏ ـ‏ عليهما السلام‏ ـ‏ في الانفراد مع الزمن ليعطيَ بلايين البلايين من بني آدم الذين خص الله‏ ـ‏ تعالى شأنه‏ ـ‏ كل فرد منهم بصفات محددة يقررها نصيبه المفروض له من المخزون الوراثي للإنسان‏ ,‏ والذي قسمه لنا الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ منذ الأزل ويعرف هذا التسلسل في عالم الوراثة باسم التنوع من الأصل الواحد، ولولا هذا التنوع لكان أفراد الجنس البشري على نمط واحد من الخلقة‏ ,‏ ولأدى ذلك إلى التنافر بين الناس‏ ,‏ ولاستحالت الحياة أو أصبحت ثقيلة كريهة لا تطيقها النفس الإنسانية‏ ,‏ لذلك خلق الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ لآدم زوجه وقال‏ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً " ‏(‏النساء‏:1) ‏.
ولذلك أيضاً خص الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ كل نوع من أنواع الحياة بعدد محدد من الصبغيات‏ ,‏ وخص الإنسان بستة وأربعين صبغياً في نواة خلاياه الجسدية‏ ,‏ وخص خلايا التكاثر بنصف هذا العدد‏(‏ثلاثة وعشرين صبغيا فقط‏) ،‏ حتى إذا التقت النطفتان من الزوج والزوجة‏ ,‏ واتحدتا بمشيئة الله‏ ـ تعالى‏ ـ ,‏ لتكوين النطفة الأمشاج‏ (المختلطة‏)‏ تكامل عدد الصبغيات‏ ,‏ وجاء نصفها من الأب وأسلافه‏ ,‏ والنصف الآخر من الأم وأسلافها فيأتي الجنين على قدر من التشابه والاختلاف مع الوالدين‏ ,‏ ولذلك يُروى عن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قوله الشريف‏ : ‏" إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله ـ تعالى ـ كل نسب بينها وبين آدم "  (أخرجه كل من الإمامين ابن جرير وابن أبي حاتم‏) .
 ‏فإذا علمنا هذه الحقيقة‏ ,‏ وأضفنا إليها أن الدفقة الواحدة من مني الرجل تحمل ما بين مائتي مليون‏ ,‏ وألف مليون نطفة ‏(‏حيمن أو حيوان منوي‏) ,‏ وأن الحد الأدنى للإخصاب يحتاج إلي كثافة لا تقل عن عشرين مليون نطفة في كل ملليلتر من المني الذي يتكون من تلك النطف، ومن سائل يشترك في إفرازه كل من الغدتين التناسليتين وعدد من الغدد الأخرى‏ .‏ وإذا علمنا أن من بين تلك البلايين من نطف الرجل التي تتحرك في اتجاه البييضة من أجل إخصابها لا يصل أكثر من خمسمائة نطفة‏ ,‏ وأن هذه النطف يتحلل أغلبها من أجل المساعدة على ترقيق جزء من جدار البييضة؛ لتمكن نطفة واحدة منها مختارة بواسطة الإرادة الإلهية من الولوج إلى داخل البييضة من أجل إخصابها وتكوين النطفة الأمشاج‏ .
‏وإذا علمنا أن الرجل يمكن أن يبقى نشيطاً جنسياً من لحظة بلوغه إلى لحظة مماته‏ ,‏ وأن هذه الفترة تمتد لأكثر من خمسين سنة في المتوسط فإن عدد النطف المنتجة من رجل واحد طيلة حياته تقدر بملايين الملايين لا ينجح منها في إتمام عملية الإخصاب إلا آحاد قليلة وقد لا يفلح أي منها في ذلك أبدا‏ ,‏ ولذلك قال‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : ‏" لِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ .‏أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ "‏ (الشورى:‏50,49) .
وبالإضافة إلى هذه القيود العديدة‏ ,‏ التي هي كلها من صنع الخالق العظيم وبين إصبعين من أصابعه ، فإن هناك قيوداً أشد في الجانب الآخر‏ ,‏ فبينما للأنثى وهي جنين في بطن أمها مابين أربعمائة ألف وستة ملايين بييضة في مراحل تكوينها الأولى‏ ,‏ فإنها إذاً وصلت إلى مرحلة البلوغ لا يبقى في غدتيها التناسليتين سوى بضعة عشرات الآلاف إلى ثلاثين ألف بييضة‏ ,‏ تنمو منها بييضة واحدة كل شهر طوال فترة خصوبة المرأة المقدرة بحوالي عشرين إلى ثلاث وثلاثين سنة في المتوسط‏ ,‏ وعلى ذلك فإن مجموع البييضات التي يفرزها جسم المرأة البالغة طوال مدة خصوبتها لا يزيد على الأربعمائة‏ ,‏ يهلك جزء كبير منها قبل الزواج‏ ,‏ وفي غير فترات الحمل بعد الزواج‏ .‏
فإذا أراد الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لجنين أن يُخلق حسب برنامج خلق بني آدم ، والذي وضع في صلب أبينا آدم  ـ‏ عليه السلام‏ ـ لحظة خلقه‏ ,‏ اختارت يد القدرة الإلهية بييضة محددة من البييضات الناضجة ومكنتها من الخروج من خدرها في الزمان والمكان المحددين‏ ؛ لملاقاة نطفة محددة من رجل معين كان الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد اختاره لها‏ ,‏ وذلك من أجل إخصابها وتخلق جنين محدد منهما‏ ,‏ بصفات وراثية محددة في علم الخالق العظيم‏ ,‏ سواء قدرت له الحياة أم لم تقدر‏ .‏
فإذا لم يكن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد أراد لهذا الجنين أن يُخلق‏ ,‏فإن البييضة لا توفق إلى لقاء النطفة فتموت‏ ,‏ لأن عمرها محدد بأربع وعشرين ساعة فقط‏ ,‏ وخصوبتها محددة بنصف عمرها أي باثنتي عشرة ساعة فقط‏ .‏
وتذكر الدراسات الطبية أنه في مقابل كل نطفة أنثوية ‏(‏بييضة‏)‏ تفرزها الزوجة‏ ,‏ فإن الزوج يفرز بليون نطفة ذكرية ‏(‏حيمن‏)‏ على الأقل‏ ,‏ وتصطفي القدرة الإلهية المُبِدعة من هذا الكم الهائل من النطف نطفة مؤنثة محددة‏ ,‏ بصفات وراثية معينة لتلتقيَ بنطفة مذكرة محددة بصفات وراثية خاصة في زمان ومكان محددين ليتخلق في رحم الأم جنين بصفات وراثية معينة قدر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ له أن يكون منذ الأزل ‏.‏

ومن الثابت أن البييضة قد تُلقَح ولا تُخصَّب‏ ,‏ وقد تخصب ولكن لسبب ما لا تستمر إلى مراحل التخلق التالية‏ ,‏ فليست كل بييضة مخصبة مُؤهَّلة للوصول إلى طور الجنين الكامل‏ ,‏ خاصة وأن الإحصاءات الطبية تشير إلى أن ‏78%‏ من كل حمل يجهض ويتم إسقاطه‏ ,‏ وأن نحو ‏50%‏ من حالات الحمل يفشل ويسقط قبل أن تدرك الأم أنها حملت بالفعل‏ .‏ وفي ذلك يقول المصطفي‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏ " إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكا فقال يا رب‏:‏ مُخلَّقة أو غير مُخلَّقة‏ ,‏ فإن قال‏:‏ غير مخلقة مجتها الأرحام دما " (أخرجه الإمام أبن أبي حاتم‏) .‏
ومن صور الاصطفاء الإلهي للجنين تحديد جنسه‏ ,‏ فإن كانت النطفة المحددة التي اختارها الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لإخصاب بييضة محددة تحمل شارة التذكير ‏(
Y)‏ جاء الجنين ذكراً بإذن الله‏ ,‏ وإن كانت تحمل شارة التأنيث‏ (x)‏ جاء الجنين أنثى بإذن الله‏ ,‏ ولذلك قال ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى .‏ مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " (النجم‏:46,45) .
ويأتي بعد تحديد الصفات والجنس تحديد كلٍ من الأجل‏ ,‏ والرزق‏ ,‏ والعمل‏ ,‏ والشقاء أو السعادة‏ ,‏ بأمر من الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ .
‏ومن أروع صور الاصطفاء للجنين البشري وهو في بطن أمه هو ذلك الاصطفاء من مخزون الصفات الوراثية لكلٍ من الأب وأسلافه‏ ,‏ والأم وأسلافها‏ ,‏ حتى يأتي الجنين حسب تقدير الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ في عالم الذر في صلب أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ .‏ وذلك لأن عدد المورثات البنائية في الشفرة الوراثية للإنسان يتراوح بين ثلاثين ألفاً وخمسة وثلاثين ألفاً مورثة‏ ,‏ وقد عُرف من هذه المورثات ما يتحكم في تشكل الجنين ولذلك سميت باسم مورثات التكوين والبناء
‏(formationandstructureGenes) ,‏ ومنها ما يتحكم في تسوية أعضاء الجنين حتى يصل إلى شكله الكامل ولذلك سميت باسم مورثات التنظيم التسوية (RegulationandfashioningGenes) ، وما يتحكم في الشكل والصورة Formandimagegene)‏ ) وما يتحكم في لون كلٍ من البشرة‏ ,‏ والشعر‏ ,‏ والعينين‏ ,‏ وفي طول القامة وقصرها‏ ,‏ وفي غير ذلك من الصفات‏ ,‏ وهذه المورثات وغيرها وهي من خلق واختيار الله‏ ـ تعالى ـ،‏ هي التي تتحكم في تحديد كل صفات الجنين التي تميزه عن غيره من المخلوقين‏ ,‏ ولذلك قال‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ " (آل عمران‏:6)‏ . وبالإضافة إلي هذه العمليات التصويرية لأجنة الناس في أرحام أمهاتهم فان هذه الآية الكريمة تشير كذلك إلى طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في أن النطفة الأمشاج‏ (البييضة المخصبة‏)‏ وهي كيان لا يتعدي قطره خمس‏(5/1)‏ الملليمتر‏(200‏ ميكرون‏)‏ تتحول إلي الحميل الكامل في فترة تتراوح بين‏(180)‏ يوما‏ًً (وهي أقل مدة للحمل‏) , (266)‏ يوما‏ًً (‏وهي أطول مدة للحمل‏)‏ ليصل طوله إلى نصف متر تقريباً‏ ,‏ وليحوي جسده ملايين الخلايا المتخصصة التي تنتظمها أنسجة متخصصة‏‏ في أعضاء وأجهزة محددة تعمل في توافق تام من أجل هذا المخلوق الجديد‏ ,‏ وذلك عبر مراحل محددة وصفها القرآن الكريم في عشرات الآيات‏ :‏ من العلقة إلى المضغة‏ (المخلقة وغير المخلقة‏)‏ إلى خلق العظام‏ ,‏ ثم كسوتها باللحم‏ (العضلات والجلد‏) ,‏ ثم إنشائه خلقا آخر ‏.‏
فسبحان الله الخالق البارئ المصور الذي أنزل في محكم كتابه من قبل ألف وأربعمائة سنة حقيقة أنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو الذي يصور الخلق في الأرحام كيف يشاء‏ ,‏ وهي حقيقة لم تدركها العلوم المُكتسَبة إلا بعد تطور علوم الوراثة‏ ,‏ وقراءة الشيفرة الوراثية للإنسان‏ ,‏ وإدراك الضوابط العديدة التي تتحكم في تخلق الأجنة في أرحام الأمهات مما يشير إلى أنها لا يمكن أن تتخلق بعفوية أو صدفة‏ ,‏ بل لابد لها من خالق عليم حكيم له من صفات الإلوهية والربوبية والوحدانية ما يمكنه من تحقيق ذلك‏ .‏

وسبْق القرآن الكريم بالتأكيد على هذه الحقيقة‏ ,‏ وبوصف تلك المراحل وصفاً يفوق ما حققته العلوم المُكتسَبة ـ في عصر تفجُّر المعرفة العلمية الذي نعيشه ـ دقةً وشمولاً وكمالاً لما يقطع بأن هذا الكتاب الخالد لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏ ,‏ وتعهد بهذا الحفظ الكامل لكتابه الخاتم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏ ,‏ حتى يبقي شاهداً على الناس كافة إلى يوم الدين‏ ,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.