" قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " (عبس‏:19-17).


هذه الآيات الثلاث جاءت في نهاية النصف الأول من سورة عبس وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها اثنتان وأربعون بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لإعراض رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ عن صحابي كفيف هو عبد الله عمرو بن قيس المعروف باسم ابن أم مكتوم‏ (رضي الله عنه‏)‏ حين جاء يسأل في أمر من أمور الدين ورسول الله منهمك في دعوة نفر من زعماء قريش‏ ,‏ وألح الصحابي الكريم في سؤاله كثيرا مما دفع برسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ـ وهو أحلم الناس ـ إلى العبوس‏ ,‏ وعلى الرغم من أن الصحابي الكريم لم يدرك ذلك إلا أن الله‏ (تعالى‏)‏ أنزل هذه السورة الكريمة عتابا لخاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ ولأحب خلقه إليه‏ ,‏ وتأكيدا على قيمة إسلامية عليا يرضاها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ من عباده مؤداها ألا يكون التفاضل بين الناس إلا على أساس من تقواهم لله‏ ,‏ وخشيتهم لجلاله‏ ,‏ ومراقبتهم لأوامره ونواهيه‏ ,‏ ويقينهم بلقائه‏ ,‏ وانتظارهم لحسابه‏ ,‏ لا على أساس حسب كل واحد منهم ونسبه‏ ,‏ أو جاهه وسلطانه‏ ,‏ أو جنسه ولونه‏ ,‏ أو غير ذلك من معايير الأرض الفاسدة التي نهانا ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ عنها بقوله العزيز‏ :‏ " إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ " (الحجرات‏:13)‏ .
ومن أجل إقرار هذه القيمة الإسلامية التي لا يمكن للمجتمعات الإنسانية أن تنصلح بغيرها أنزل ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هذا العتاب لأحب خلقه إليه‏ ,‏ وأقربهم من رضوانه‏ ,‏ وذلك من فوق سبع سماوات لتبقى هذه القيمة حاكمة للمجتمعات الإسلامية في كل زمان ومكان إذا أرادت أن تحيا على هذه الأرض حسب منهج الله‏ ,‏ وأن تحقق رسالتها بنجاح في هذه الحياة‏ ,‏ وأن تفوز بمرضاة الله‏ .‏ والمجتمعات الإسلامية لم تتخلف إلا حينما تخلت عن هذا المعيار الرباني الصحيح فقدمت الرعاع المتسلقين أصحاب الشهوات‏ ,‏ وحاربت أهل التقوى والورع والثبات على دين الله‏ ,‏ فوصلت إلى ما وصلت إليه من تشرذم وتفرق وهوان وإذلال لأن هذه سنة من سنن الله التي لا تتخلف ولا تتبدل‏ ,‏ ولا تتوقف‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" عَبَسَ وَتَوَلَّى . أَن جَاءَهُ الأَعْمَى . وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى .أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى . أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى . فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى . وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّى .وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَى . وَهُوَ يَخْشَى .فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى . كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ . فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ . فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ . مَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ . بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرَامٍ بَرَرَةٍ ‏ " ‏(‏عبس‏:1‏-‏16)‏ .
وبعد نزول هذه الآيات حرص رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ على إكرام هذا الصحابي الجليل‏ (ابن أم مكتوم‏)‏ كلما رآه‏ ,‏ لأنه كان من أوائل من بادر بالإسلام في مكة المكرمة‏ ,‏ ومن أوائل من هاجر إلى المدينة المنورة‏ ,‏ وهو الذي نزل القرآن الكريم بعتاب فيه من الله‏ (تعالى‏)‏ لخاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .‏ وكان من ذلك الإكرام استخلافه على المدينة المنورة مرتين‏ ,‏ ثم كان إكرام الله‏ (تعالى‏)‏ له بالشهادة في معركة القادسية‏ ,‏ فرضي الله‏ (تعالى‏)‏ عنه وأرضاه‏ .‏
كذلك يُروى عن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أنه ما عبس في وجه فقير قط بعد هذه الواقعة‏ ,‏ ولا تصدي لغني قط‏ .‏ ويروي لنا سفيان الثوري‏ (رضي الله عنه‏)‏ أن الفقراء كانوا أمراء في مجلسه‏ .‏
ولقد كان في إعلان رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لهذا العتاب الإلهي الموجه لشخصه الكريم أبلغ شهادة على صدق نبوته‏ ,‏ وكمال عبوديته لله‏ (تعالى‏) ,‏ وعلى نبل خلقه‏ ,‏ فلا يقوي على إبراز مثل هذا العتاب إلا نبي كريم‏ ,‏ يدرك معني الألوهية فيخضع لله الخالق بالطاعة والعبادة‏ ,‏ ويعرف قدسية الوحي الذي يتنزل إليه بكلمات الله التامات المنزهة عن كل نقص‏ ,‏ أو إضافة أو حذف‏ ,‏ والملزمة بالتبليغ‏ .‏
كذلك كان في إعلان هذا القرار الإلهي في وجه زعامات قريش ـ والمسلمون في بدء الدعوة قلة مستضعفة وسط محيط جاهلي تسوده العصبيات العرقية العمياء‏ ,‏ والأعراف الظالمة الجائرة‏ ,‏ والاستعلاء على الحق‏ ,‏ وعبادة الأصنام والأوثان‏ ,‏ والغرق في الخرافات والأساطير ـ كان في ذلك أعظم شهادة على أن هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم كان موصولا بالوحي‏ ,‏ ومؤيدا من قبل خالق السماوات والأرض‏ .‏
وتستمر الآيات في تأييد هذا القرار الإلهي تذكرة من الله‏ (تعالى‏)‏ لمن شاء أن يتذكر من خلق الله‏ ,‏ خاصة وأن التذكرة مدونة في صحائف القرآن الكريم‏ ,‏ وهي صحف مكرمة‏ ,‏ مرفوعة مطهرة بتطهير الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لها‏ ,‏ وحفظه إياها‏ ,‏ وتكريمها بأمر منه‏ ,‏ فهي مطهرة من أية مداخلات بشرية‏ ,‏ أو تحريفات وضعية‏ ,‏ أو محاولات للتزييف‏ ,‏ لأنها محفوظة بأيدي الملائكة المكرمين‏
" بِأَيْدِي سَفَرَةٍ . كِرَامٍ بَرَرَةٍ " (عبس‏:15‏-16)‏ وتتابع الآيات بعد ذلك في تعجب من موقف الإنسان الذي يكفر بالله‏ ,‏ ويرفض الإيمان به‏ ,‏ ويعرض عن هدايته‏ ,‏ ويستعلى على الخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة‏ ,‏ فتذكره بأصله ومنشئه‏ ,‏ وضعفه في وجوده‏ ,‏ وحاجته إلى رعاية ربه في مختلف مراحل هذا الوجود‏ ,‏ خاصة في المراحل الأولي منه‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ " قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ .مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ . ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ . ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ . ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ . كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ  " (عبس‏:17‏-‏23)‏ .
أي أن الإنسان ـ على ضعفه ـ أعطاه الله‏ (تعالى‏)‏ عددا من المواهب والقدرات‏ ,‏ ويسر له سبل الحياة‏ ,‏ وطرق الهداية‏ ,‏ والإنسان غافل عن ذلك كل الغفلة فلا يؤدي ما عليه لله تعالى من حقوق‏ ,‏ ولا يقوم بواجبات الاستخلاف في الأرض من عمارتها إلى إقامة عدل الله فيها‏ ,‏ حتى إذا جاءه الموت وجد الله عنده فوفاه حسابه في القبر قبل البعث والعرض الأكبر أمام الله‏ (تعالى‏)‏ وحساب الآخرة‏ ,‏ والخلود فيها إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ فما أكفره بنعم الله‏ ,‏ وما أجحده بأفضال خالقه عليه‏ ,‏ وما أغفله عن حقيقة رسالته في هذه الحياة‏ ...!!‏
ولفظ‏ "
قُتِلَ‏"‏ هو دعاء على الكافر‏ ,‏ ولعن له‏ ,‏ وغضب من الله‏ (تعالى‏)‏ عليه‏ ,‏ وتوعد له بالعذاب والمهانة في الآخرة‏ ,‏ فمهما يطل عمره في الدنيا فهو حتما ميت‏ ,‏ ومآله القبر تحت الأرض في ظلمة‏ ,‏ ووحدة‏ ,‏ ووحشة‏ ,‏ والقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران‏ .‏
لذلك صاغ ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ هذه الآية السابعة عشرة من سورة عبس بصيغة الاستفهام الاستنكاري‏ ,‏ التوبيخي‏ ,‏ التقريعي للإنسان الكافر استنكارا لكفره بالله مع كثرة إحسان الله‏ (تعالى‏)‏ إليه‏ ,‏ وسؤالا عن أسباب كفره وسبل الإيمان ميسرة لديه‏ ,‏ وتعجبا من شدة كفر الكافرين‏ ,‏ وتأكيدا على استحقاقهم العذاب بأشد ألوانه‏ . . .!!‏ ولذلك ختمت هذه الآيات السبع بقول الحق‏ (تبارك اسمه‏) :‏
" كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ " (عبس‏:23)‏ ولفظة‏ "كَلاَّ"‏ هنا بمعني‏  (حقا‏)‏ إن الإنسان الكافر لم يفعل ما أمره به الله‏ (تعالى‏)‏ فاستحق العذاب الذي حذره منه عن طريق ما جاء به الأنبياء والمرسلون‏ .‏

وبعد ذلك تنتقل السورة الكريمة إلى استعراض واحدة من آيات الله الكبرى ألا وهي إعداد الطعام المناسب‏ ,‏ والكافي‏ ,‏ واللازم للأحياء ومنهم الإنسان وأنعامه‏ ,‏ ولذلك تلفت الآيات الأنظار إلى هذه الحقيقة وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ . أَنَّا صَبَبْنَا المَاءَ صَباًّ . ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقاًّ . فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَباًّ .وَعِنَباً وَقَضْباً . وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً .وَحَدَائِقَ غُلْباً . وَفَاكِهَةً وَأَباًّ .مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ  " ‏(‏عبس‏:24‏-‏32)‏ .
والأمر بالنظر هنا ليس لمجرد النظر للإبصار ولكنه النظر للاعتبار‏ ,‏ لأن الطعام ضرورة من ضرورات الحياة‏ ,‏ ولازمة من لوازمها‏ ,‏ ولا يملك عاقل الادعاء بأن له يدا في دورة الماء حول الأرض‏ ,‏ ولا في إنبات البذور‏ ,‏ ولا في شق الأرض لإخراج البادرات النباتية من داخلها‏ ,‏ ولا في عمليات التمثيل الضوئي التي يهيئ الله‏ (تعالى‏)‏ لنا بها مختلف أنواع الثمار والبذور والمحاصيل التي يحيا عليها كل من الإنسان والحيوان‏ .‏
ولا يستطيع عاقل كذلك الادعاء بأن له يدا في إخراج نوع واحد من أنواع النبات والتي يقدر المعروف لنا منها بأكثر من ثلاثمائة ألف نوع‏ .‏ يمثل كل نوع منها ببلايين الأفراد التي يتميز كل منها بصفاته الشكلية والتشريحية وتتميز ثماره بألوانها وأشكالها وطعومها المختلفة‏ .‏
وقد ضرب الله‏ (تعالى‏)‏ لنا في هذه السورة المباركة من نماذج النباتات ومحاصيلها وثمارها الحبوب‏ ,‏ والأعناب‏ ,‏ والعلف الرطب للبهائم‏ ,‏ والتين الجاف‏ ,‏ والزيتون‏ ,‏ والنخل‏ ,‏ والحدائق الغلب أي الغليظة الأشجار العظيمة الملتفة‏ ,‏ وأشجار الفاكهة‏ ,‏ والكلأ‏ ,‏ والمرعى‏ .‏

 وهذه النماذج تكاد تغطي كل ما يحتاجه الإنسان وأنعامه ودوابه من مجموعات النبات الرئيسية‏ .‏ وخاتمة رحلة الإنسان في هذه الحياة الدنيا ـ مهما تطل ـ وخاتمة تمتعه بمباهجها وزخرفها ـ إن طال شيئا من ذلك ـ هي الموت‏ ,‏ والقبر‏ ,‏ ثم البعث‏ ,‏ والحشر‏ ,‏ والعرض الأكبر أمام الله‏ (تعالى‏)‏ للحساب والجزاء‏ ,‏ وما يصاحب ذلك من أهوال وفزع أو رحمة وسكينة ثم الخلود إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ وفي ذلك تختتم هذه السورة المباركة بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ . يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِنْ أَخِيهِ . وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ . وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ . لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ . وَجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ . ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ . وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ . تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ .أَوْلَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ  " (عبس‏:33‏-‏42)‏ .
والصآخة هي النفخة الثانية في الصور‏ ,‏ وسميت بذلك لأنها تصخ الآذان من شدتها‏ ,‏ وقد استخدمت هذه اللفظة كاسم من أسماء يوم القيامة‏ ,‏ الذي يجبر الإنسان على الفرار من أقرب الناس إليه‏ ,‏ وألصقهم به من شدة أهواله‏ ,‏ وتعاظم الأحداث فيه‏ . .!!‏
وبعد انتهاء الحساب ينقسم الناس إلى أصحاب الوجوه المسفرة‏ ,‏ المشرقة‏ ,‏ المضيئة‏ ,‏ المستبشرة بتكريم الله‏ (تعالى‏)‏ لها بالجنة وقد بشروا بها‏;‏ وهي وجوه المؤمنين بالله الذين عبدوه في الدنيا بما أمر وجاهدوا من أجل عمارة الأرض وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ ووجوه أخري للكفرة الفجرة الذين كفروا بالله وبأنبيائه ورسله وبخاتمهم أجمعين‏ ,‏ وبالرسالة الخاتمة‏ ,‏ فخرجوا على أوامر الله‏ ,‏ وتجاوزوا حدوده‏ ,‏ وانتهكوا حرماته‏ ,‏ وملأوا الأرض ظلما وجورا وفسادا واستعلاء على الخلق‏ ,‏ فعلا وجوههم الندم والحزن‏ ,‏ وارتسمت على قسماتها بوادر الحيرة والحسرة واليأس‏ ,‏ وغشيتها ملامح الفزع والهلع والذل والعار وقد علم أصحابها أن مصيرهم إلى النار‏ ..!!‏
ومصائر العباد ترتسم على وجوه أصحابها في الآخرة فيعرف أصحاب الجنة من أصحاب السعير‏ ,‏ وبذلك يلتقي أول سورة عبس بخواتيمها في تزاوج عجيب يجمع بين معيار من معايير الحق في الدنيا استهلت به هذه السورة الكريمة‏ ,‏ وبين الجزاء في الآخرة‏ ,‏ إما في الجنة وإما في النار مما يشهد للقرآن الكريم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ فحفظ على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ حفظا كاملا‏:‏ كلمة كلمة وحرفا حرفا‏ ,‏ وسيبقي محفوظا بحفظ الله إلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ .‏

من ركائز العقيدة في سورة عبس :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا‏ ,‏ وبالإسلام دينا‏ ,‏ وبسيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ نبيا ورسولا
‏(2)‏ التسليم بالأخوة الإنسانية‏ ,‏ ومن ثم عدم جواز المفاضلة بين الناس إلا على أساس من تقوي الله‏ (تعالى‏)‏ وخشيته‏ ,‏ وترك كل المعايير المادية حانبا‏ ,‏ من مال وجاه وسلطان‏ ,‏ وغير ذلك من المعايير الاجتماعية الخاطئة التي فرقت الناس شيعا بدون أدني حق‏ .‏
‏(3)‏ اليقين بوحي السماء‏ ,‏ وبوحدة رسالة الأنبياء والمرسلين التي تكاملت في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ولذلك تعهد الله‏ (تعالى‏)‏ بحفظها فحفظت في نفس لغة وحيها إلى يوم الدين‏ .‏
‏(4)‏ الإيمان الكامل بأن الله‏ (تعالى‏)‏ يخلق الإنسان من نطفة فيقدر له صفاته‏ ,‏ وجنسه‏ ,‏ وأجله ورزقه‏ ,‏ وشقاوته أم سعادته‏ ,‏ وييسر له سبل الخروج إلى الحياة‏ ,‏ وأساليب الهداية والنجاح فيها‏ .‏
‏(5)‏ التسليم بأن الموت حق على العباد‏ ,‏ وأن البعث والنشور حتمي عليهم كذلك‏ .‏
‏(6)‏ اليقين بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو الذي يرزق كل حي‏ ,‏ ويهيئ له طعامه‏ .‏ ومن الأحياء الإنسان وأنعامه‏ ,‏ والنباتات التي أنبتها لهم من الأرض بمختلف أنواعها‏ ,‏ وأشكالها‏ ,‏ وأحجامها‏ ,‏ وألوانها‏ ,‏ وطعومها بقدرة تشهد له‏ (سبحانه‏)‏ بالألوهية‏ ,‏ والربوبية‏ ,‏ والخالقية والوحدانية‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان بحتمية الآخرة وبضرورتها‏ ,‏ وأهوالها التي تجعل المرء يفر من أقرب الناس إليه وألصقهم به‏ ,‏ وبانقسام الناس فيها بين مؤمن مستبشر سعيد‏ ,‏ وكافر شقي تعيس‏ ,‏ وشتان بين المصيرين‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة عبس :
‏(1)‏ التأكيد على خلق الإنسان من نطفة تحمل جميع صفاته‏ ,‏ وكل المقدر له‏ .‏
‏(2)‏ الإشارة إلى انتهاء فترة الحضانة الرحمية بولادة الجنين‏ ,‏ وإلى تذليل طريق خروجه من بطن أمه بيسر إلى الحياة من حولهما‏ .‏
‏(3)‏ الجزم بحتمية الموت‏ ,‏ وضرورة القبر‏ ,‏ وحتمية البعث والحساب والجزاء‏ .‏
‏(4)‏ الإشارة إلى حقيقة أن كثيرا من الناس تمضي بهم الحياة دون أن يعرفوا الغاية من وجودهم فيها‏ ,‏ أو أن يحققوا شيئا من واجباتهم فتنتهي آجالهم وكل واحد منهم صفر اليدين من الحسنات‏ ,‏ مثقل الكاهل بالذنوب‏ ,‏ ولذلك قال‏ (تعالى‏) :
" كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ " (عبس‏:23)‏ .
‏(5)‏ لفت أنظار الناس إلى معجزة توفير الطعام لجميع الكائنات الحية وفي مقدمتها الإنسان وأنعامه‏ .‏
‏(6)‏ الإشارة إلى دورة الماء حول الأرض بوصف إنزاله من السماء‏ .‏
‏(7)‏ وصف شق الأرض بواسطة إنزال الماء عليها أو ريها من أجل استزراعها‏ ,‏ أو شقها بواسطة البادرات النباتية الخارجة منها‏ ,‏ وكله صحيح‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى خلق مختلف أنواع النباتات‏ ,‏ وإعطاء النماذج الأساسية منها التي تشكل الغذاء الرئيسي لكل من الإنسان وأنعامه من مثل الحبوب‏ ,‏ والأعناب‏ ,‏ والبقول والخضراوات وعلف الدواب الرطب كالبرسيم‏ (القضب‏) ,‏ والزيتون‏ ,‏ والنخل‏ ,‏ والحدائق ذات الأشجار المتشابكة‏ ,‏ وأشجار الفاكهة‏ ,‏ والكلأ والمرعى‏ (الأب‏) .‏
‏(9)‏ تشبيه إحياء الأجسام بعد تحللها وتحولها إلى تراب بإحياء النبات من الأرض الهامدة بعد إنزال الماء عليها‏ ,‏ ووصف ما يصيب الناس من هلع في يوم القيامة بفرار المرء من أقرب الناس إليه وألصقهم به‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الأولي من القائمة السابقة والتي تتعلق بخلق الإنسان من نطفة مقدرة‏ ,‏ يقدرها الله‏ (تعالى‏)‏ بعلمه وحكمته وقدرته كما جاء في الآيات ‏(17‏-‏19)‏ من سورة عبس‏ ,‏ وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض أقوال عدد من المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح دلائل هذه الآيات المباركات‏ .‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏ " قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " (عبس‏:17‏-‏19)‏ .
‏‏ ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏:‏ يقول تعالى ذَامًّا لمن أنكر البعث والنشور من بني آدم‏ :
" قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ " ,‏ قال ابن عباس‏ :‏ لعن الإنسان‏ ,‏ وهذا لجنس الإنسان المكذب لكثرة تكذيبه‏ " مَا أَكْفَرَهُ " أي ما أشد كفره‏ ,‏ وقال ابن جرير‏:‏ ويحتمل أن يكون المراد‏:‏ أي شيء جعله كافرا أي ما حمله على التكذيب بالمعاد؟ وقال قتادة‏ : " مَا أَكْفَرَهُ " ما ألعنه‏ ,‏ ثم بين تعالى له كيف خلقه من الشيء الحقير‏ ,‏ وأنه قادر على إعادته كما بدأه فقال تعالى‏ : " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ  " أي قدر أجله ورزقه وعمله وشقيا أم سعيدا‏ ..‏
‏‏ وجاء في تفسير الجلالين‏ (رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏ :
" قُتِلَ الإِنسَانُ "‏ لعن الكافر‏ " مَا أَكْفَرَهُ " استفهام توبيخ أي‏:‏ ما حمله على الكفر ‏[‏ أو ما أشد كفره‏] " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ " استفهام تقريري ثم بينه فقال‏: " مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " علقة ثم مضغة‏ ,‏ إلى آخر خلقه‏ .‏
‏ وذكر صاحب الظلال‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ ما نصه ‏:
" قُتِلَ الإِنسَانُ " ...‏ فإنه ليستحق القتل على عجيب تصرفه‏ ..‏ فهي صيغة تفظيع وتقبيح وتشنيع لأمره‏ ..‏ وإفادة أنه يرتكب ما يستوجب القتل لشناعته وبشاعته‏ .. " مَا أَكْفَرَهُ " ! ..‏ ما أشد كفره وجحوده ونكرانه لمقتضيات نشأته وخلقته‏ .‏ ولو رعى هذه المقتضيات لشكر خالقه‏ ,‏ ولتواضع في دنياه‏ ,‏ ولذكر آخرته‏ .‏ وإلا فعلام يتكبر ويستغني ويعرض؟ وما هو أصله وما هو مبدؤه؟‏ .. " مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ؟ " ..‏ إنه أصل متواضع زهيد‏ ,‏ يستمد كل قيمته من فضل الله ونعمته‏ ,‏ ومن تقديره وتدبيره‏ "مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ". .‏ من هذا الشيء الذي لا قيمة له‏ ,‏ ومن هذا الأصل الذي لا قوام له‏ ..‏ ولكن خالقه هو الذي قدره‏ .‏ قدره ‏:‏ من تقدير الصنع وإحكامه‏ .‏ وقدره‏ :‏ من منحه قدرا وقيمة فجعله خلقا سويا‏ ,‏ وجعله خلقا كريما‏ ,‏ وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع‏ ,‏ إلى المقام الرفيع الذي تسخر له فيه الأرض وما عليها‏ .‏
‏‏ وجاء في بقية التفاسير المتاحة لنا كلام مشابه لا أري حاجة إلى تكراره‏ .‏

من الدلالات العلمية للآيات الكريمة :
خلق الإنسان من النطفة (الأمشاج‏) :‏
‏(‏النطفة‏)‏ في اللغة العربية هي القليل من الماء الذي يعدل قطرة أو بضع قطرات‏ .‏ يقال ‏: (نطف‏)‏ الرجل‏ (ينطف‏)‏ و‏ (ينطف‏) (نطفا‏)‏ و‏ (نطفانا‏)‏ بمعنى تقاطر منه الماء بعد وضوئه أو غسله‏ .‏ ويقال ‏: (نطفت‏)‏ القربة إذا قطرت من‏ (النطف‏)‏ بمعنى تقاطر الماء قطرة قطرة‏ :‏ و‏(‏النطفة‏)‏ أيضا هي الماء الصافي القليل من مثل قليل الماء الذي يبقي في الدلو أو في القربة ويعرف باسم‏ (النطافة‏)‏ وجمعها‏ (نطف‏)‏ و‏ (نطاف‏) .‏ و‏ (النطف‏)‏ أيضا الدلو‏ ,‏ والواحدة منه‏ (نطفة‏) .‏ ويقال‏ :‏ ليلة‏ (نطوف‏)‏ أي ممطرة باتت تمطر حتى الصباح‏ .‏
وتسمي صغار اللؤلؤ باسم‏ (النطف‏)‏ تشبيها لها بقطرات الماء‏ .‏
ويستعار‏ (النطف‏)‏ للتعبير عن الكرم وفعل الخيرات فيقال‏:‏ فلان‏ (منطف‏)‏ المعروف أي يتقاطر المعروف منه بمعني أنه دائم المعروف‏ ,‏ و‏ (ينطف‏)‏ بالخير أي يندي به إشارة إلى ديمومة ذلك منه‏ .‏
وقد استخدم القرآن الكريم لفظة‏ (النطفة‏)‏ للتعبير عن خلية التكاثر‏
(Gamete)‏ سواء كانت مؤنثه أي بييضة‏ (Ovum)‏ أو مذكرة أي حيمن‏(Sperm)‏ وذلك في اثنتي عشرة آية على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏
" خَلَقَ الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ " (النحل‏:4)‏ .
‏(2)‏
" قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً " (الكهف‏:37)‏ .
‏(3)‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقة " (الحج‏:5)‏ .
‏(4)‏
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ  " (المؤمنون‏:12‏-‏14)‏ .
‏(5)‏
" وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ " (فاطر‏:11) .‏
‏(6)‏
" أَوَ لَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ " (يس‏:77) .‏
‏(7)‏
" هَوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ " (غافر‏:67)‏ .
‏(8)‏
" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى. مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى  " (النجم‏:46,45) .‏
‏(9)‏
" أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى . أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى . ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى . فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ المَوْتَى  " ‏(‏القيامة‏:36‏-‏40)‏ .
‏(10)‏
" إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً " (الإنسان‏:2) .‏
‏(11)‏
" قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ  " (عبس‏:17‏-‏19) .‏

ومن الآية الثانية في سورة الإنسان يتضح أن القرآن الكريم يسمي اتحاد نطفتي التكاثر الذكرية والأنثوية باسم النطفة الأمشاج وتعرف باسم اللقيحة المخصبة‏ (Zygote)‏ إشارة إلى إتمام عمليتي التلقيح والإخصاب‏ .‏
وتعتبر الإشارات القرآنية الكريمة من مثل‏ (النجم‏:46 ,45)‏ و‏(‏الإنسان‏:2)‏ أول تعبير علمي دقيق عن تخلق الجنين باتحاد النطفتين الذكرية والأنثوية‏ ,‏ وهي حقيقة لم يتوصل إليها العلم المكتسب إلا في نهاية القرن الثاني عشر الهجري أي الثامن عشر الميلادي ‏(1186‏هـ‏/1775‏م‏) .‏
فمنذ عهد أرسطو‏(384‏-‏322‏ قبل الميلاد‏)‏ إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي ساد الاعتقاد في أوروبا كلها بأن الجنين الإنساني يتكون من ماء الرجل فقط‏ ,‏ وأن رحم المرأة ليس سوي محضن له‏ ,‏ أو يتكون من دم الحيض فقط‏ .‏
وأن ماء الرجل ليس سوي عامل مساعد‏ (عاقد‏)‏ له‏ .‏ وبعد تصنيع المجهر في سنة ‏1677‏م
(Hook&Hamm) تم اكتشاف الحيوان المنوي‏ (الحيمن‏) ,‏ وانتشرت خرافة أن الجنين يخلق كاملا في هيئة مصغرة جدا عند رأس الحيمن‏ ,‏ ثم تزداد أبعاده بمرور فترة الحمل‏ (Hartsoeker ,1694) ,‏ وعلى الرغم من التعرف على حويصلة البييضة في أواخر القرن السابع عشر الميلادي‏ (RegnierdeGraaf ,1672)‏ إلا أن البييضة لم تكتشف إلا في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‏ ,‏ ولم يعرف أن كلا من الحيمن والبييضة من خلايا الجسم إلا في سنة‏1859‏ م‏ ,‏ وفي أواخر القرن التاسع عشر الميلادي تمت ملاحظة عملية إخصاب البييضة بواسطة الحيمن‏ (Hertwig ,1875 VanBeneden ,1883) ,‏ وهذه الحقيقة قررها رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من قبل اثني عشر قرنا‏ .
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده 
أن يهوديا مر برسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو يحدث أصحابه‏ ,‏ فقالت قريش ‏:‏ يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏ ,‏ فقال‏:‏ لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي‏ ,‏ فقال‏ :‏ يا محمد‏!‏ مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : "يا يهودي‏ :‏ من كل يخلق‏ ,‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة".‏
وعلى ذلك فإن النطفة المقصودة في آيات سورة عبس‏(17‏-‏19)‏ هي النطفة الأمشاج أي المختلطة وهي الناتجة عن التقاء النطفتين الأنثوية والذكرية‏ ,‏ والمعروفة علميا باسم اللقيحة المخصبة‏ (Zygote) .‏

وقد يكون المقصود هو نطفة المرأة وحدها‏ (البييضة‏)‏ التي خلق منها الله‏ (تعالى‏)‏ عبده ونبيه عيسي ابن مريم من أم بلا أب بمعجزة لا يقدر عليها إلا رب العالمين‏ .‏ وإن كان الإنسان قد حاول منذ أكثر من نصف قرن استنساخ الضفادع والفئران‏ ,‏ والقردة‏ ,‏ وفي سنة ‏1998‏م تمكن الاسكتلندي ويلموت وفريقه من استنساخ النعجة دوللي بالطريقة اللاجنسية بعد فشل أكثر من ‏280‏ محاولة على مدي عدد طويل من السنين‏ ,‏ مما يشير إلى أن الأصل في عملية التكاثر هي النطفة المؤنثة‏ ,وأن النطفة المذكرة يمكن الاستغناء عنها بأية خلية جسدية كاملة عدد الصبغيات تقوم بإخصاب البييضة المنزوعة النواة بوضعهما معا تحت مجال كهرومغناطيسي شديد لتحفيز اندماجهما معا‏ ,‏ كما حدث في إنتاج النعجة دوللي التي ما لبثت أن ظهرت عليها علامات الشيخوخة المبكرة ثم نفقت‏ .
التقدير في داخل النطفة‏ :‏ ‏(‏القدر‏)‏ و‏(‏التقدير‏)‏ تبيين كمية الشيء‏ ,‏ يقال‏ (قدرته‏)‏ و‏(‏قدرته‏)‏ أي أعطيته قدره‏ ,‏ و‏(‏قدر‏)‏ الشيء مبلغه‏ ,‏ و‏(‏قدر‏)‏ غيره أي أعطاه قدره أو‏ (القدرة‏) ,‏ و‏(‏المقدرة‏)‏ بكسر الدال وفتحها هي‏ (القدرة‏)‏ المادية والمعنوية ومنها اليسار‏ ,‏ و‏(‏القدر‏)‏ و‏(‏القدر‏)‏ ما يقدره الله من القضاء‏ .‏
و‏(‏تقدير‏)‏ الله الأشياء على وجهين أحدهما ‏:‏ أن يجعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص حسبما اقتضت حكمته‏ ,‏ بصورة لا يتأتى منها غير ما قدره لها‏ ,‏ وثانيهما ‏:‏ إعطاؤها القدرة على القيام بما هيأها الله‏ (تعالى‏)‏ لها‏ .‏
ومن ذلك قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ " ‏‏(‏القمر‏:49) .‏
ومنه الآيات التي نحن بصددها والتي يقول فيها ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏) :‏ " مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " (عبس‏:19) .‏
أي أوجده فيه بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ ومن ذلك تحديد كل من الصفات السائدة التي سوف تظهر على الجنين‏ ,‏ والمتنحية التي يورثها لأجياله اللاحقة‏ ,‏ ومن ذلك أيضا تحديد الجنس‏ (ذكرا كان أم أنثى‏) .‏ فبالتقاء النطفتين الذكرية‏ (وتحمل‏23‏ صبغي‏)‏ والأنثوية‏ (وتحمل‏23‏ صبغي‏)‏ تتكون النطفة الأمشاج التي يتكامل فيها عدد الصبغيات إلى ‏(46)‏ صبغي مرتبة في‏ (23)‏ زوجا‏ ,‏ منها ‏(22)‏ تحمل الصفات الجسدية‏ ,‏ وزوج واحد يحمل الصفات الجنسية وهما ‏(+)‏ في الأنثى‏ , (Y+)‏ في الذكر‏ .‏ ويتم إخصاب النطفة المؤنثة‏ (البييضة‏)‏ بنطفة ذكرية واحدة‏ ,‏ وفي ذلك يقول المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :
" ما من كل الماء يكون الولد‏ " (أخرجه مسلم‏) .‏
وفي ذلك روي ابن مسعود‏ (رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏ :‏
" النطفة إذا استقرت في الرحم أخذها ملك الأرحام بكفه فقال ‏:‏ يا رب‏!‏ مخلقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل‏ :‏ غير مخلقة لم تكن نسمة‏ .‏ وقذفها الرحم دما‏ ,‏ وإن قيل ‏:‏ مخلقة‏ ,‏ قال يا رب‏!‏ ذكر أم أنثي؟ شقي أم سعيد؟ وما الأجل؟ وما الأثر؟ وما الرزق؟ وبأي أرض تموت؟ " والمقصود بالنطفة هنا النطفة الأمشاج المختلطة بالتلقيح والإخصاب‏ .‏
وروي حذيفة بن أسيد‏ (رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال ‏:‏
" إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وعظامها ولحمها وجلدها ثم قال ‏:‏ يا رب‏!‏ أذكر أم أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك " (صحيح مسلم‏/‏ كتاب القدر‏) .‏
وروي ابن مسعود كذلك أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏ :
" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة‏ ,‏ ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح‏ ,‏ ويؤمر بأربع كلمات‏ :‏ يكتب رزقه‏ ,‏ وأجله‏ ,‏ وعمله‏ ,‏ وشقي أو سعيد " (صحيح مسلم‏/‏ كتاب القدر‏) .‏

وتأتي دراسات علم الأجنة بعد أربعة عشر قرنا من كلام رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ لتثبت أن وجه الجنين لا تبدو عليه الملامح البشرية إلا في اليوم الثاني والأربعين من عمره‏ ,‏ وأن الخطوات الرئيسية التي تعطي المضغة بدايات الشكل الإنساني تكتمل بين اليوم الأربعين والخامس والأربعين من عمر الجنين حين يتم تكون الأعضاء‏ ,‏ وانتشار الهيكل العظمي بصورة واضحة‏ ,‏ مع استمرار النمو بانقسام الخلايا‏ ,‏ وتمايز لأعضاء والأجهزة‏ . ‏وقد أثبتت دراسة الصبغيات أنها مكونة من جزيئات الحمض النووي الريبي منقوص الأكسجين أو الدنا ‏(DeoxyribonucleicAcidorDNA)‏ الذي تكتب بمكوناته الشفرة الوراثية لكل كائن حي‏ .‏‏(JamesWatson&FrancisCrick ,1955)‏ وهذا الحمض النووي هو مركب كيميائي شديد التعقيد‏ ,‏ وإذا تكسر كيميائيا ينتهي إلى حمض الفوسفوريك‏ ,‏ وإلى عدد من السكريات والقواعد النيتروجينية‏ .‏ ويتكون من شريط مزدوج الجدار بسلميات فاصلة بين الجدارين‏ ,‏ وهذا الشريط لاف على ذاته على هيئة الحلزون المزدوج الجدار ‏(DoubleHelixDNAMolecule)وتقاس أبعاد هذا الحلزون بالأجزاء من الميكرون‏(والميكرون يساوي جزءا من ألف من الملليمتر‏)‏ ولكن إذا تم فرده فإن طوله يصل إلى حوالي الأربعة سنتيمترات‏ .
ويقسم كل صبغي على طوله بعدد من العلامات المميزة إلى وحدات طولية يحمل كل منها عددا من المورثات أو الناسلات
‏(Genes),‏ يكتب كل منها بعدد من الشفيرات‏ (Codons)‏ وتتكون كل شفيرة من عدد من ثلاث نويدات‏ (Nucleotides) ,‏ وتتكون النويدة من زوج من القواعد النيتروجينية ‏(APairofNitrogenousBases)‏ المرتبطين برباط وسطي دقيق‏ ,‏ وتستند كل قاعدة نيتروجينية في جهتها الخارجية إلى جزئ من السكر‏ ,‏ وآخر من الفوسفات في ترتيب محكم دقيق تكون فيه جزيئات السكر والفوسفات الجدارين المتقابلين لحلزون الحمض النووي‏ ,‏ وتنتشر بينهما القواعد النيتروجينية في علاقات تبادلية شديدة الإحكام تحدد الصفات الوراثية للكائن الحي‏ .‏
وهذه القواعد النيتروجينية هي أربع قواعد فقط تكتب بتبادلاتها الشفرات الوراثية لجميع بني آدم فتعطي لكل فرد بصمته الوراثية التي تميزه عن غيره‏ ,‏ وتجعله فريدا في صفاته المنظورة والخفية‏ .‏ وعدد كل من القواعد النيتروجينية وجزيئات السكر وجزيئات الفوسفات في الجزيء الواحد من جزيئات الحمض النووي ‏= 6,2‏ بليون جزيء ‏* 3=18,6‏ بليون جزئ‏ .‏ ولو اختل وضع جزئ من هذه البلايين من الجزيئات عن مكانه فإما أن يؤدي إلى تشويه الجنين أو إلى القضاء عليه قضاء تاما‏ .‏
وتعتبر النويدات
(Nucleotides)‏ هي الحروف التي تكتب بها كلمات الشفيرة الوراثية ‏(DNACodon) .‏وتعتبر الأخيرة هي الكلمات التي تكتب بها جمل المورثات‏ (حاملات الوراثة أو الناسلات المعروفة باسم الجينات (‏Genes)‏ والتي يطلق عليها أحيانا اسم الوحدة الوظيفية الوراثية ‏(Cistron) .‏
وهنا تتضح طلاقة القدرة الإلهية في روعة تقدير الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لصفات كل جنين لحظة التقاء الخليتين التكاثريتين أي النطفتين الذكرية والأنثوية‏ (الحيمن والبييضة‏)‏ ليكونا معا النطفة الأمشاج فيتكامل عدد الصبغيات‏ ,‏ وتتكون بذرة الجنين‏ ,‏ حيث تتحد كل الصفات الموروثة السائدة منها والمتنحية عن خطي الأب والأم في تكامل عجيب لعله المقصود من لفظة التقدير في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :
" مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ  " (عبس آية:19) .

وهذه حقائق لم تدرك إلا خلال القرن العشرين‏ ,‏ وتسبق كل من القرآن الكريم وأحاديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بها مما يقطع بأن القرآن العظيم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏ ,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على الدوام وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏