" وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "‏‏‏ (النور:‏45‏).


هذه الآية الكريمة جاءت في بدايات الثلث الأخير من سورة النور‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وآياتها أربع وستون بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو نور السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو الذي يهدي لنوره من يشاء من عباده‏ ,‏ وأن كل مخلوق  في هذا الوجود لا يهتدي بنور الله فإنه لن يهتدي أبدا ‏.‏ ويدور المحور الرئيسي لسورة النور حول عدد من التشريعات الإلهية الضابطة لسلوك المسلم في كل من حياته الخاصة والعامة‏ ,‏ والحاكمة لعلاقاته في داخل أسرته ومع غيره من الخلق صونا لحرمات الناس وكراماتهم‏ ,‏ والله يقول الحق‏ ,‏ وهو يهدي إلى سواء السبيل .‏ وتبدأ سورة النور بالتأكيد على أنها من جوامع سور القرآن الكريم لأن الله‏ (تعالى‏)‏ فرض فيها على عباده فرائض ألزمهم بها‏ ,‏ وفي مقدمة ذلك تحريم الزنا‏ ,‏ وتشريع الحدود الرادعة للواقعين فيه‏ ,‏ ووصفه بأنه من أكبر الجرائم في حقوق الناس‏ ,‏ ولذلك بشعها إلى كل صاحب ضمير حي وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) ‏" الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ " (النور:‏3)‏ .
وكما حرمت سورة النور الزنا بكل مقدماته فإن هذه السورة الكريمة تنهي عن الخوض في أعراض الناس‏ ,‏ مؤكدة أن الخائضين في هذا الأمر بغير دليل قاطع هم من الفاسقين الذين يستحقون العقوبات الرادعة‏ ,‏ وتعتبرهم من الخارجين على دين الله‏ .‏ ‏
" إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ " (النور:‏5)‏ .
وتشرع سورة النور للملاعنة كوسيلة من وسائل درء الشبهات بين الأزواج‏ ,‏ وتشير إلى فرية حديث الإفك‏ ,‏ وتبرئ المظلومين من دنسه‏ ,‏ وتغلظ العقوبة للذين افتروه‏ ,‏ وتحذر من العودة إلى افتراء مثله أبدا‏ ,‏ كما تحذر من اتباع خطوات الشيطان لأنه يأمر بالفحشاء والمنكر‏ ,‏ وتحض على الإنفاق لذي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله‏ ,‏ وتكرر النهي عن رمي المحصنات الغافلات المؤمنات‏ ,‏ وتغلظ العقوبة على ذلك‏ .‏
وتنهي سورة النور عن دخول البيوت دون استئذان وسلام على أهلها‏ ,‏ وتضع الضوابط الشرعية لذلك‏ ,‏ كما تأمر بغض البصر‏ ,‏ وحفظ الفرج‏ ,‏ وستر العورات‏ ,‏ وبالاحتشام في الملبس والمظهر‏ ,‏ كما تنهي عن التبرج بزينة‏ ,‏ وتضع ضوابط حجاب المرأة المسلمة‏ ,‏ وضوابط الزواج الإسلامي‏ ,‏ وتحرم البغاء بكل صوره‏ ,‏ وأشكاله وتعتبره من أبشع الجرائم المهدرة لكرامة الإنسان ‏ .‏ وتؤكد السورة الكريمة أن الله تعالى هو نور السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه يهدي لنوره من يشاء‏ ,‏ وتدعو إلى عتق رقاب الأرقاء‏ ,‏ وإلى بناء المساجد والقيام على عمارتها وتطهيرها طمعا في مرضاة الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وتجنبا لأهوال يوم القيامة ‏ . وتبشر سورة النور أهل المساجد بأن الله تعالى سوف يجزيهم أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله‏ ,‏ وفي المقابل تحذر الكفار بأن أعمالهم الجيدة سوف يجزون عليها في الدنيا‏ ,‏ ولا رصيد لهم عند الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في الآخرة‏ ,‏ وتشبه أعمالهم السيئة بأحلك الظلمات المتراكبة فوق قيعان البحار العميقة‏ ,‏ مؤكدة أن
‏‏ " وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ " (النور:‏40) .‏ وتؤكد السورة الكريمة أن جميع من في السماوات والأرض يسبح لله الذي له ملك كل شيء وإليه المصير‏ ,‏ وتحذر من النفاق والمنافقين‏ ,‏ وتفصح عن شيء من دخائل نفوسهم‏ ,‏ وتقارن بين مواقفهم الكافرة‏ ,‏ ومواقف المؤمنين الصادقين‏ ,‏ وتأمر بطاعة الله ورسوله‏ ,‏ جازمة أن ما على الرسول إلا البلاغ المبين‏ ,‏ مؤكدة أن وعد الله تعالى للذين آمنوا وعملوا الصالحات قائم إلى قيام الساعة ‏ .‏
وتعاود سورة النور الأمر بإقامة الصلاة‏ ,‏ وإيتاء الزكاة‏ ,‏ وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ ,‏ كما تعاود الأمر بمزيد من ضوابط السلوك في البيت المسلم خاصة في حضرة رسول الله عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم ومن بعده في حضرة كل مسئول عن العمل الإسلامي‏ ,‏ وتحذر من مخالفة ذلك درءا للفتن في الدنيا وللعذاب في الآخرة ‏ .‏ وتختتم السورة الكريمة بالتأكيد مرة أخري أن لله ما في السماوات والأرض‏ ,‏ وأنه تعالى عليم بخلقه الذين سوف يرجعون جميعا إليه فينبئهم بما فعلوا ويجازيهم عليه‏ .‏ هذا وقد استعرضت سورة النور العديد من الآيات الكونية للتدليل على صدق كل قضية غيبية جاءت فيها‏ ,‏ وقد تم استعراض ذلك في مقالات سابقة ولا حاجة لإعادتها مرة أخرى هنا .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله تعالى :
" وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (النور:‏45) .‏
(1) ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏‏ يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظيم في خلقه أنواع المخلوقات‏ ,‏ على اختلاف أشكالها وألوانها وحركاتها وسكناتها من ماء واحد‏ , (فمنهم من يمشي على بطنه‏)‏ كالحية وما شاكلها‏ ,‏ ومنهم من يمشي على رجلين كالإنسان والطير‏ ,‏ ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام وسائر الحيوانات‏ ,‏ ولهذا قال‏ (يخلق الله ما يشاء‏)‏ أي بقدرته‏ ,‏ لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن‏ ,‏ ولهذا قال‏‏ إن الله على كل شيء قدير‏ .‏ ‏‏
(2) وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما مختصره‏‏ وهذه الحقيقة الضخمة التي يعرضها القرآن بهذه البساطة‏ ,‏ حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء‏ ,‏ قد تعني وحدة العنصر الأساسي في تركيب الأحياء جميعا‏ ,‏ وهو الماء‏ , فهي ذات أصل واحد‏ .‏ ثم هي كما تري العين متنوعة الأشكال ‏ .‏ منها الزواحف تمشي على بطنها‏ ,‏ ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمين‏ .‏ ومنها الحيوان يدب على أربع‏ .‏ كل أولئك وفق سنة الله ومشيئته‏ ,‏ لا عن فلتة ولا مصادفة‏ (يخلق الله ما يشاء‏)‏ غير مقيد بشكل ولا هيئة‏ .‏ فالنواميس والسنن التي تعمل في الكون قد اقتضتها مشيئته الطليقة وارتضتها‏ (إن الله على كل شيء قدير‏) .‏
(3) وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏‏ الله خالق كل شيء‏ ,‏ وأبدع الأشياء بإرادته‏ ,‏ وخلق كل حي يدب من أصل مشترك هو الماء‏ ,‏ لذلك لا يخلو الحي منه‏ ,‏ ثم خالف بينها في الأنواع والاستعدادات ووجوه الاختلاف الأخرى‏ ,‏ فمن الدواب نوع يزحف على بطنه كالأسماك والزواحف‏ ,‏ ومنها نوع يمشي على رجليه كالإنسان والطير‏ ,‏ ومنها نوع يمشي على أربع كالبهائم‏ ,‏ يخلق الله ما يشاء من خلقه على أية كيفية تكون للدلالة على قدرته وعلمه‏ ,‏ فهو المريد المختار‏ ,‏ وهو القادر على كل شيء‏ .‏
وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما نصه‏ (الماء في الآية الكريمة هو ماء التناسل‏ . ,‏ والآية الكريمة لم تسبق ركب العلم فقط في بيان نشوء الإنسان من النطفة‏بل سبقته كذلك في بيان أن كل دابة تدب على الأرض خلقت كذلك بطريق التناسل . ,‏ ومما تحتمله الآية من معان علمية أن الماء قوام تكوين كل كائن حي‏ ,‏ فمثلا يحتوي جسم الإنسان على نحو ‏70%‏ من وزنه ماء‏ . ولم يكن تكوين الجسم واحتواؤه هذه الكمية الكبيرة من الماء معروفا مطلقا قبل نزول القرآن‏ .‏ والماء أكثر ضرورة للإنسان من الغذاء‏ . . ,‏ فبينما الإنسان يمكنه أن يعيش‏ (60‏ يوما‏)‏ بدون غذاء‏ ,‏ فإنه لا يمكنه أن يعيش بدون الماء إلا لفترة قصيرة تتراوح بين ‏3‏ و‏10‏ أيام على أقصي تقدير‏ .‏ والماء أساس تكوين الدم والسائل اللمفاوي والسائل النخاعي‏ ,‏ وإفرازات الجسم كالبول والعرق والدموع واللعاب والصفراء واللبن والمخاط والسوائل الموجودة في المفاصل‏ ,‏ وهو سبب رخاوة الجسم وليونته‏ ,‏ ولو فقد الجسم ‏20%‏ من مائه فإن الإنسان يكون معرضا للموت‏ .‏ والماء يذيب المواد الغذائية بعد هضمها فيمكن امتصاصها‏ ,‏ وهو كذلك يذيب الفضلات من عضوية ومعدنية في البول والعرق‏ .‏ وهكذا يكون الماء الجزء الأكبر والأهم من الجسم‏ ,‏ وذلك يمكن القول بأن كل كائن حي مخلوق من الماء‏ .‏
(4) وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لما ذكره السابقون من المفسرين ولا حاجة إلى تكراره هنا‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا‏‏ في قوله تعالى :
" وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ " :
‏(‏الدابة‏)‏ في اللغة هي كل ما يدب على الأرض أي يمشي عليها بخفة‏ ,‏ وجمعها‏ (دواب‏) ,‏ وإن كان من اللغويين من يعتبر لفظة‏ (دابة‏)‏ جمعا لكل شيء يدب على الأرض قياسا على خائنة جمع خائن‏ .‏ ولذلك يقال‏ (دب‏) , (يدب‏) (دبا‏)‏ و‏ (دبيبا‏)‏ لكل من مشي بخفة على الأرض‏ .‏
وقد قيل إن الفعل يستعمل للتعبير عن حركة الحيوان أكثر من استعماله للإنسان‏ ,‏ وللحيوان الذي يحيا على اليابسة بالذات دون الحيوان الذي يحيا في الماء‏ ,‏ ولكن الأولى إطلاقه على عموم من مشي على الأرض وذلك لقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) ‏
" وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ " (النحل‏61) .‏

ومن الدلالات العلمية :
لقول الحق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏
" وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ " (النور:‏45)‏ .
ما يلي‏‏ :
(1)‏ أن خلق الماء سابق لخلق جميع الأحياء‏ ,‏ وهو ما أثبتته الدراسات الأرضية‏ .‏
‏(2)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ خلق كل صور الحياة الباكرة في الماء‏ ,‏ والدراسات لبقايا الحياة في صخور قشرة الأرض تشير إلى أن الحياة ظلت مقصورة على الماء لمدة تصل إلى نحو ‏3400‏ مليون سنة‏ (من‏3800‏ مليون سنة مضت إلى نحو ‏400‏ مليون سنة مضت حين خلقت أول نباتات أرضية على اليابسة‏) ,‏ وأن خلق النبات كان سابقا لخلق الحيوان في الوسطين المائي واليابس‏ ,‏ لأن الحياة الحيوانية على اليابسة لم تعرف قبل ‏365‏ مليون سنة مضت‏ (في نهاية العصر الديفوني‏) .‏
‏(3)‏ أن كل صور الحياة‏ (الإنسية‏ ,‏ والحيوانية‏ ,‏ والنباتية‏)‏ لا يمكن لها أن تقوم في غيبة الماء لأنه أعظم مذيب على الأرض‏ ,‏ وبذلك يشكل الوسيط الناقل لعناصر ومركبات الأرض إلى مختلف أجزاء النبات‏ ,‏ ومنها إلى أجساد كل من الإنسان والحيوان‏ ,‏ وذلك بما للماء من صفات طبيعية وكيميائية خاصة من مثل اللزوجة العالية‏ ,‏ والتوتر السطحي الشديد‏ ,‏ والخاصية الشعرية الفائقة .‏
‏(4)‏ أن الماء يشكل العنصر الأساسي في بناء أجساد جميع الأحياء‏ ,‏ فيكون ما بين ‏71%‏ من جسم الإنسان البالغ‏ ,‏ و ‏93%‏ من جسم الجنين ذي الأشهر المعدودة‏ ,‏ ويكون أكثر من ‏80%‏ من تركيب دم الإنسان‏ ,‏ وأكثر من ‏90%‏ من تركيب أجساد العديد من النباتات والحيوانات ‏.‏
‏(5)‏ أن جميع الأنشطة الحياتية وتفاعلاتها المتعددة لا تتم في غيبة الماء‏ ,‏ من التغذية‏ ,‏ إلى الهضم‏ ,‏ والتمثيل الغذائي‏ ,‏ والإخراج والتخلص من سموم الجسم وفضلات الغذاء‏ ,‏ ومن التنفس إلى التعرق والنتح‏ ,‏ إلى التمثيل الضوئي في النباتات الخضراء‏ ,‏ ومن النمو إلى التكاثر‏ ,‏ وإلى غير ذلك من الأنشطة الحياتية ومن أهمها حفظ درجتي حرارة الجسم ورطوبته ‏ .‏
(6)‏ أن وحدة مادة خلق الأحياء وهي هنا الماء تؤكد وحدانية الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ الذي أشرك به كثير من الجهال الضالين في القديم والحديث‏ .‏
‏(7)‏ أن في البناء المعقد لأجساد الكائنات الحية من الماء شهادة لله‏ (تعالى‏)‏ بطلاقة القدرة المبدعة في الخلق‏ ,‏ وشهادة بقدرته‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ على إفناء خلقه وعلى إعادة بعثه‏ .‏




ثانيا‏‏ : في قوله تعالى : " فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ " يوضح هذا النص الكريم أن طرائق تحرك الدواب هي وسيلة من وسائل تصنيفها الجيدة‏ ,‏ وحركة الدابة هي انتقالها من مكان إلى آخر سعيا وراء طلب الطعام والشراب‏ ,‏ أو للهرب من الأعداء‏ ,‏ أو للارتحال عند التغيرات البيئية إلى مكان أنسب‏ .‏ والطريقة الأولى التي حددتها الآية الكريمة في حركة الدواب هي المشي على البطن كما هو شائع في الديدان وهي من اللافقاريات عديمة الأطراف التي تتبع قبائل عدة‏ ,‏ وفي العديد من طائفة الزواحف
(
ClassReptilia),‏ وهذه الطائفة الزاحفة زودها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بجلد سميك‏ ,‏ خال من الغدد‏ ,‏ ومغطي عادة بالعديد من القشور والحراشيف القرنية الجافة والصلبة‏ ,‏ والتي تحمي جسمها من المؤثرات الخارجية‏ ,‏ وتحفظه من الجفاف‏ .‏ وتنتشر هذه الحراشيف على جميع أجزاء جسم الزاحف بما في ذلك الأطراف والذنب‏ .‏ وتختلف هذه الحراشيف والقشور في أشكالها وأحجامها من نوع إلى آخر فقد تكون صغيرة الحجم ومحببة كالدرنات‏ ,‏ أو كبيرة الحجم بيضية الشكل‏ ,‏ أو مربعة‏ ,‏ أو مستطيلة‏ ,‏ أو مثلثة كما هو الحال في السحالي ,‏ أو على هيئة صندوق يحيط بجميع الجسم كما هو الحال في السلاحف‏ .‏ والزواحف عامة من ذوات الدم البارد‏ (أي المتغير في درجة حرارته‏) ,‏ وغالبيتها تبيض بيضا ذا قشور صلبة‏ ,‏ يلقح في بطن الأنثي‏ ,‏ وينمو الجنين في داخل البيضة على اليابسة أو في داخل جسم الأنثى حتى تفقس البيضة ويخرج منها ‏ .‏ والجنين في داخل البيضة يعيش وسط سائل خاص موجود داخل غشاءين‏ ,‏ ويتصل الجنين في منطقته البطنية بكيس محي به الغذاء اللازم له أثناء مراحل نموه الجنيني حتى تكتمل‏ ,‏ كما انه مرتبط بكيس آخر لتخزين المواد الإخراجية‏ .‏ وعلى الرغم من سمك قشرة البيضة إلا انه يسمح بمرور الغازات اللازمة لتنفس الجنين وهو بداخلها‏ ,‏ ولكنه لا يسمح بدخول الماء ‏.‏
وتاريخ الزواحف على الأرض يرجع إلى ثلاثمائة مليون سنة مضت أي إلى نهايات العصر الفحمي او الكربوني (TheLateCarboniferousEpoch) ,‏ وقد سادت حقب الحياة المتوسطة سيادة واضحة‏ (من ‏245‏ مليون سنة مضت إلى ‏65‏ مليون سنة مضت‏)‏ والذي عرف باسم حقب الزواحف العملاقة‏ ,‏ ثم دالت دولة تلك الزواحف العملاقة بانتهاء حقب الحياة المتوسطة‏ ,‏ وإن استمرت الطائفة ممثلة بأفراد أقل عددا وأصغر حجما من مثل السحالي أو‏ (العظاءات‏)‏ ومنها‏ ,‏ الضب‏ ,‏ والبرص والحرباء والورل‏ ,‏ ومنها رتب الثعابين والسلاحف والتماسيح وجنس واحد هو جنس سفينودون‏ (Sphenodon)‏ أو تواتارا‏ (Tuatara)من رتبة مندثرة عرفت باسم‏ (OrderRhynchocephalia) .‏
والزواحف تضم حيوانات بطيئة الحركة بصفة عامة‏ ,‏ لأنها تزحف ببطنها على سطح الأرض‏ ,‏ ويعرف منها قرابة الستة آلاف نوع منتشرة في مختلف أرجاء الأرض‏ .‏
والأرجل في الزواحف إما غائبة تماما أو ذات اثر ضعيف لا يكاد يدرك كما هو الحال في الثعابين بمختلف أنواعها‏ ,‏ وفي بعض أنواع السحالي ,‏ وقد تكون الأرجل موجودة ولكنها ضعيفة لا تكاد تقوى على حمل الجسم بعيدا عن سطح الأرض كما هو الحال في رتبتي السلاحف والتماسيح بصفة عامة‏ ,‏ أو موجودة وقوية كما هو الحال في بعض السحالي .‏ وفي الزواحف عديمة الأطراف يرتكز الحيوان ببطنه على الأرض ارتكازا كاملا‏ ,‏ ويتحرك بالزحف على بطنه فوق مستوى سطح الأرض مستخدما في ذلك عضلات جسمه القوية التي تدفعه إلى الأمام في حركات متعرجة ‏ .‏
ومن الزواحف ما تدفن جسدها في أنفاق تحفرها تحت سطح التربة‏ ,‏ وتعرف باسم الزواحف الحفارة‏ .‏

أما الزواحف ذات الأرجل الأربعة من مثل بعض السحالي (العظاءات‏)‏ فإنها تستطيع أن تدب على سطح الأرض بأقدامها الأربعة‏ ,‏ سيرا أو عدوا‏ ,‏ وقد تتحور هذه الإطراف إلى ما يسمى الأطراف القابضة كما هو الحال في الحرباء كي تساعدها على تسلق الأشجار‏ ,‏ كما قد تتحور إلى زعانف كما هو الحال في السلاحف المائية لتساعدها على السباحة في الماء‏ ,‏ وقد تتحور إلى أجنحة في بعض أنواع الزواحف الطائرة‏ ,‏ وهي قليلة في زماننا الراهن ومنها السحالي (العظاءات‏)‏ المسماة باسم دراكو‏ (Draco) .‏
والزواحف ذات الأرجل الأربعة لها زوج عند مقدمة الجذع‏ ,‏ وآخر عند مؤخرته‏ ,‏ والزوج الأمامي قد يختصر كثيرا على هيئة زوج من الأيدي القصيرة نسبيا ويبقي الزوج الخلفي قويا يحمل الزاحف مهما كان وزنه كما هو الحال في بعض الزواحف العملاقة المنقرضة من رتبة الديناصورات
‏ (
Dinosauria) .‏
والزواحف من الفقاريات التي قد يصل عدد الفقار في عمودها الفقاري إلى أربعمائة فقرة كما هو الحال في بعض الثعابين الطويلة‏ ,‏ وتترتب تلك الفقار من خلف الرأس مباشرة إلى نهاية الذنب في تناسق عجيب باتصالات مفصلية متعددة‏ ,‏ ودقيقة وشديدة المرونة‏ ,‏ وعالية الإتقان تمكن الزاحف من التحرك بسرعة كبيرة وبكفاءة عالية في حركات تموجية عنيفة دون أن تنفصل تلك الفقرات عن بعضها البعض‏ .‏

وحسب طريقة الحركة يمكن تصنيف الزواحف إلى المجموعات التالية‏‏ :
(أ‏)‏ زواحف تمشي على بطنها‏‏ .
(1)‏ رتبة الثعابين
‏ (
OrderOphidia).
‏ ويعرف منها قرابة الثلاثة آلاف نوع‏ ,‏ تنتشر في مختلف بيئات الأرض‏ ,‏ ولبعضها أجسام مفرطة في الطول‏ (إلى حوالي العشرة أمتار‏) ,‏ وهي عديمة الأرجل‏ ,‏ ولذلك تتلوي أجسامها في حركات تموجية متناسقة عند انتقالها ولا تعرف هذه الطريقة في الحركة عند أي حيوان آخر إلا في بعض السحالي (العظاءات‏)‏ الثعبانية الشكل‏ ,‏ وبعض الديدان ‏ .‏ وبالإضافة إلى هذه الحركات البطنية التي تدب بها الثعابين على سطح الأرض فان الله‏ (تعالى‏)‏ قد أعطاها القدرة على تسلق كل من الجدران والأشجار‏ ,‏ وعلى القفز من فوق سطح الأرض ومن المرتفعات وعلى السباحة في الماء‏ ,‏ فللثعبان القدرة على لف جسمه في لفات عديدة متقاربة بعضها فوق بعض‏ ,‏ ثم يندفع بقوة عضلاته الجسدية في قفزة كبيرة يقطع فيها العديد من الأمتار لينقض على فريسته‏ ,‏ أو للهرب من خطر محدق به‏ ,‏ وقد يكرر تلك القفزات في نفس الوقت لمرات عديدة‏ .‏ ولحمايته من شدة الاحتكاك بجسده مع الأرض يغطي جسم الثعبان بقشور قرنية صلبة مرتبة على سطح الجسم بأكمله في صفوف منتظمة‏ ,‏ ناعمة الملمس في معظم الأحوال‏ .‏
(2)‏ السحالي الثعبانية‏‏ من السحالي ما يعيش تحت الأرض بصورة مستديمة وهذه تضعف أرجلها إلى حد الاختفاء الكامل‏ .‏
‏ (ب‏)‏ زواحف تمشي على أربع أرجل‏‏
(1)‏ رتبة السحالي (العظاءات‏)‏
‏ (
OrderLacertilia)‏هذه الرتبة هي أكثر الزواحف المعاصرة انتشارا‏ ,‏ حيث يعرف منها أكثر من‏2500‏ نوع في مختلف بيئات الأرض‏ ,‏ وان كان أغلبها يدب على سطح اليابسة‏ ,‏ ولكل منها أربع أرجل قوية نسبيا‏ ,‏ كاملة التكوين‏ ,‏ وان كان لبعضها القدرة على تسلق الأشجار كالحرابي‏ (جمع حرباية‏)‏ التي هيأ الله‏ (تعالى‏)‏ أرجلها بقدرات قابضة‏ ,‏ والسحالي الطائرة من جنس دراكو‏ (Draco)‏ التي زودها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بثنيتين على جانبي الجسم تشبهان الأجنحة يعينانها على الطيران لمسافات قصيرة‏ .‏ ويوجد في مصر حوالي أربعين نوعا من السحالي (Lizards)‏ أكثرها انتشارا البرص‏ ,‏ والضب‏ ,‏ والحرباء ‏ .‏ وللحرباء زوجان من الأرجل الطويلة خماسية الأصابع في مجموعتين متقابلتين تتكون المجموعة الأولي من ثلاث أصابع يحيط بها غشاء جلدي‏ ,‏ وتتكون المجموعة الثانية من أصبعين يحيط بهما غشاء جلدي آخر مما يجعل من الأطراف الأربعة أعضاء قابضة كالكماشة تمسك بفروع الأشجار‏ ,‏ كما تستخدم ذنبها عضوا قابضا كذلك‏ .‏ وتحتوي فصيلة الحرباء على ما يقرب من ثمانين نوعا‏ ,‏ يوجد منهما نوعان فقط في مصر‏ ,‏ وهي تتغذي على الحشرات الصغيرة‏ .‏ أما البرص فيوجد منه في مصر ما يقرب من ثلاثة عشر نوعا‏ ,‏ ويحمل جسم البرص أربع أرجل‏ ,‏ خماسية الأصابع‏ ,‏ وينتهي كل إصبع بوسادة لاصقة تمكنه من ارتقاء الجدران بسرعة فائقة‏ ,‏ ومن السير على أسقف الحجرات مقلوبا دون أن يقع‏ ,‏ ومعظم الأبراص ليلية في طبائعها الغذائية وقد وهبها الله‏ (تعالى‏)‏ القدرة على البقاء حية دون تناول أي شيء من الطعام لفترات طويلة‏ ,‏ ومعظم الأبراص من آكلات الحشرات‏ .‏
أما الضب
‏ (
Uromastycs)‏ فأرجله الأربع قصيرة وغليظة مما يساعده على سرعة الجري‏ ,‏ ويعرف منه أحد عشر نوعا منها أربعة في مصر‏ ,‏ وهو من آكلي الأعشاب‏ .‏
(2)‏ رتبة السلاحف‏
(
OrderChelonia)‏ .
للسلاحف أرجل ضعيفة لا تكاد تقوي على حملها بعيدا عن سطح الأرض‏ ,‏ ولذلك تمشي بحركة بطيئة يضرب بها المثل في البطء نظرا لثقل جسمها وضعف أقدامها‏ ,‏ وهناك ما يقرب من ‏250‏ نوعا من السلاحف منها السلاحف الأرضية
‏ (
Tortoises) ,‏ والسلاحف البحرية‏ (Turtles) ,‏ وسلاحف الماء العذب‏ (Terrapins) .‏ ومن مميزات السلاحف وجود الصندوق العظمى الذي يحيط بجسمها إحاطة كاملة على هيئة غطاءين ظهري وبطني يتركب كل منهما من عدة ألواح ملتحمة مع بعضها البعض التحاما وثيقا‏ ,‏ ومغلفة من الخارج بعدد من القشور القرنية الكبيرة‏ (صدف السلاحف‏) .‏ ولهذا الصندوق العظمى فتحتان إحداهما أمامية يطل منها كل من الرأس والأرجل الأمامية‏ ,‏ والثانية خلفية يخرج منها الذنب والأرجل الخلفية‏ .‏
(3)‏ التماسيح
‏ (
OrderCrocodilia)‏ .
وتضم أكبر الزواحف المعاصرة‏ ,‏ ويعرف منها واحد وعشرون نوعا تعيش كلها في الماء العذب‏ ,‏ ولا تخرج منه إلى اليابسة إلا نادرا لوضع البيض على الشواطئ الرملية للأنهار في مواسم التكاثر‏ .‏ وللتماسيح أرجل قوية معدة للمشي على اليابسة‏ ,‏ وتجذب هذه الأرجل إلى جوار جسم التمساح أثناء سباحته في الماء بواسطة ضربات ذنبه القوية التي يضرب بها يمنة ويسرة‏ .‏ وتحيط بجسم التمساح درع عظمية قوية‏ ,‏ تغطي بالأصداف القرنية الخارجية‏ ,‏ وهذه الدرع العظمية مكونة من درقة ظهرية وأخري باطنية متصلتين من الجانبين بنسيج لين‏ ,‏ ويغطي ذنب التمساح بحلقات دائرية من الأصداف القشرية‏ .‏
(‏ج‏)‏ زواحف تمشي على رجلين‏‏ من الزواحف العملاقة المندثرة ما مشي على الرجلين الخلفيتين فقط
‏ (
Bipedal)‏ لقصر الطرفين الأماميين قصرا شديدا‏ ,‏ وتحولهما إلى ما يشبه اليدين‏ ,‏ وقد سادت هذه الأجناس حقب الحياة المتوسطة‏ (من‏245‏ مليون سنة مضت إلى ‏65‏ مليون سنة مضت حين اندثرت اندثارا كاملا‏) .‏
أما في غير كل من الديدان والزواحف فإن البرمائيات تميزت بأطراف متطورة أمامية وخلفية بكل منها خمس أصابع‏ ,‏ وتتميز حركة كل من البرمائيات والزواحف ذات الأرجل بأنها على شكل مشي بطئ‏ ,‏ أو جري على الأرجل الخلفية مستخدمة الذيل لحفظ توازن الجسم‏ .‏
أما الطيور‏
Birds)) فكلها ثنائية الأرجل لتحول طرفيها الأماميين إلى جناحين‏ ,‏ وتجمع الطيور في طائفة واحدة‏ (ClassAves)‏ تضم‏27‏ رتبة‏ ,‏ وأكثر من‏8600‏ نوع تنتشر في مختلف بيئات الأرض‏ ,‏ ولها في قدميها ثلاث أصابع فقط‏ .‏ والطيور من الفقاريات ذات الدم الحار‏ ,‏ التي تتغطي أجسادها بالريش وتحولت فيها الفكوك إلى مناقير خالية من الأسنان‏ ,‏ وكلها تبيض‏ ,‏ وتحتضن الأنثى بيضها حتى يفقس‏ (فتبارك الله أحسن الخالقين‏) .‏ وأما الثدييات فلكل منها أربعة أطراف تتدلي تحت الجسم تماما‏ ,‏ ويمكنها أن تتحرك من الأمام إلى الخلف‏ ,‏ لأن مفصل الركبة متجه إلى الأمام‏ ,‏ ومفصل الكتف متجه إلى الخلف مما يجعل معظم طاقة الحركة موظف توظيفا صحيحا‏ ,‏ وتظهر أهمية ذلك في حيوان كالنمر الذي تصل سرعته إلي‏115‏ كيلومترا في الساعة‏ ,‏ ويستطيع أن يصل في سرعته إلي‏75‏ كيلومترا في الساعة خلال ثانيتين فقط من انطلاقه في الجري‏ ,‏ وهو ما يفوق تسارع أية سيارة سباق صنعها الإنسان‏ .‏
ومن الثدييات مجموعة الحافريات التي بلغت الأطراف فيها أحجاما ضخمة لتساعدها على الجري السريع‏ ,‏ وتحولت المخالب إلى حوافر‏ ,‏ ويمشي الحيوان الحافري عادة على عدد مفرد قليل من الأصابع
(
Odd-ToedUngulates) ,‏ فأصبح منها ما هو فردي الأصابع من مثل الخيول‏ ,‏ والفيلة ووحيد القرن‏ ,‏ والتابير‏ (Tapirs)‏ والتي تناقص عدد الأصابع في حافرها إلى إصبع واحد‏ ,‏ ومنها ماهو زوجي الأصابع‏ (مشقوقات الحافر‏)‏ مثل البقر والغزال ‏ .‏ومن الثدييات ما يمشي على رجلين فقط مثل حيوان الكنغر وبعض القردة العليا وذلك لقصر الطرفين الأماميين بشكل ملحوظ‏ ,‏ ولذلك يدب الحيوان على سطح الأرض بواسطة طرفيه الخلفيين القويين والذي يقفز أو يدب عليهما باستمرار‏ .‏ ومنها ما تقلصت فيه الأقدام تقلصا ملحوظا مثل رتبة دقيقة الأقدام‏ (Pinnipedia)‏ ومنها الفقمة‏ (Seal)‏ وحيوان الفظ‏ (Walrus) ,‏ ومنها ما اقتصرت أطرافه على عدد من الزعانف مثل رتبة الحيتان والدلافين‏ (WhalesandDolphihs=OrderCitacea) وذلك لاقتصارها على العيش في مياه البحار ‏ .‏ ومن الثدييات ما يطير في جو السماء مثل الخفافيش التي تحولت أطرافها الأمامية إلى أجنحة جلدية لتساعدها على الطيران‏ .‏
ويأتي الإنسان ذلك المخلوق المكرم في قمة ما خلق الله الذي أكرمه بانتصاب القامة‏ .‏ وبالسير على ساقين وبتناسق أبعاد الجسم‏ ,‏ وأطوال الأطراف‏ .‏ وحجم الجمجمة‏ ,‏ وبمهارة في اليدين‏ ,‏ ونماء في العقل‏ ,‏ وقدرة على الاختيار‏ ,‏ وعلى إدراك الذات‏ ,‏ والانفعال والشعور‏ ,‏ وعلى اكتساب المعارف والمهارات‏ ,‏ وبغير ذلك من الصفات التي ميزه الله‏ (تعالى‏)‏ بها‏ ,‏ وكرمه على بقية خلقه‏ .‏

ثالثا‏‏ في معني قولة تعالى :" يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "
من أكبر مجموعات الحياة الحيوانية ما يجمع تحت شعبة خاصة تعرف باسم شعبة مفصليات الأقدام‏ (PhylumArthropoda)‏ والتي تضم أكبر عدد من أفراد وأنواع الحيوانات البحرية والأرضية حيث يصل عدد أنواع هذه الشعبة إلى أكثر من مليون ونصف المليون نوع‏ .‏ وتتميز الأفراد في شعبة مفصليات الأقدام بأجسامها المقسمة إلى عدد من الحلقات المرتبطة ببعضها البعض بمفاصل تسمح لكل منها بالحركة‏ ,‏ وبهياكلها الكيتينية‏ ,‏ وبأطرافها المقسمة والمفصلية والموجودة في هيئة زوجية على كل حلقة من حلقات الجسم وهنا تتعدد الأرجل إلى العشرات بل إلى المئات حتى الآلاف ولذلك ختمت الآية الكريمة التي نحن بصددها بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير تأكيدا على طلاقة القدرة الإلهية في الخلق‏ ,‏ وقدرته سبحانه وتعالى على البعث‏ ,‏ وتأكيدا على وحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه الذين خلقهم في الأصل جميعا من الماء‏ ,‏ وجعل حياتهم قائمة عليه بعلمه وحكمته وإرادته‏ ,‏ حتى يكون في تنوع الخلق من منشأ واحد وفي زوجية كاملة ما يشهد له‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بالوحدانية الكاملة فوق جميع خلقه بغير شريك ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ وكلها من صفات المخلوقين والله‏
 (تعالى‏)‏ منزه تنزيها كاملا عن جميع صفات خلقه ‏ .‏

ومن شعبة مفصليات الأقدام ما يلي‏‏ :
(1)‏ تحت شعبة الكلابيات‏ (SubphylumChelicerata)‏ وتشمل العقارب‏ (Scorpions) ,‏ والعناكب‏ (Spiders) ,‏ والفاش‏ (Mites) ,‏ والقراد‏ (Ticks)والتي تنطوي تحت مسمي العنكبيات‏ (Arachnids) .‏
(
2)‏ تحت شعبة الفكيات (SubphylumMandibulata)‏ وتشمل كلا من طائفة القشريات (Crustacea)‏ والحشرات‏ (Insecta)‏ ومن القشريات ذات الأقدام العشرة‏ (Decapoda)‏ الجمبري وسرطان البحر‏ ,‏ ومنها طائفة عديدات الأقدام‏ (Myriapoda)‏ وتحتوي كلا من ذوات المائة قدم‏ (Centipedes) ,‏ وذوات الألف قدم‏ (Millipedes) .‏ هذه الحقائق التي مؤداها أن الله تعالى خلق كل دابة من ماء‏ ,‏ وأنه يمكن تقسيم دواب الأرض على أساس من طرائق حركتها ووسائل تلك الحركة لم تكن معروفة في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ ,‏ وورودها في هذه الآية الكريمة التي يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ " وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "‏ (النور‏45)‏ .
هذه الحقائق وحدها كافية للشهادة للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية حفظا كاملا في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ حتى يبقي شاهدا على جميع الخلق إلى قيام الساعة‏ .‏
وهذه الحقائق كافية للشهادة بالنبوة وبالرسالة لسيد الأولين والآخرين‏ ,‏ وإمام الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وخاتمهم أجمعين سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه‏ ,‏ وعلى كل من تبع هداه‏ ,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏)‏ ومؤكدة أنه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كان موصولا بالوحي الرباني‏ ,‏ ومعلما من قبل خالق السماوات والأرض فلا يمكن للكلام الموحي إليه إلا أن يكون حقا كاملا‏ ,‏ لا يأتيه باطل من بين يديه ولا من خلفه‏ ,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على باقي أفضاله ونعمه التي لا يجحدها إلا جاحد أو كافر أو مشرك‏ ,‏ ونحن نبرأ إلى الله‏ (تعالى‏)‏ من أوصافهم أجمعين‏ .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏