" وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ "‏ (النحل81).


الآية الكريمة جاءت في أواخر الثلث الثاني من سورة النحل‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ‏(128)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل‏ ,‏ تلك الحشرة التي وهبها الله ـ تعالى ـ القدرة على امتصاص رحائق الأزهار‏ ,‏ والتقاط حبوب اللقاح منها‏ ,‏ وتحويل ذلك كله إلى كل من غذاء الملكات وشراب العسل المختلف الألوان الذي فيه شفاء للناس‏ ,‏ ووهبها أيضا القدرة على بناء الخلايا الشمعية لتخزين العسل فيه‏ ,‏ وعلى تنظيم مجتمعاتها وتوزيع الأدوار فيها‏ ,‏ وسلوك مختلف السبل والعودة إلى خلاياها بمنتهي السهولة واليسر‏ ,‏ وقد سميت هذه الحشرة الهامة بهذا الاسم لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد نحلها كل هذه الصفات‏ ,‏ وميزها بها عن كثير من الحشرات‏ .‏
وتعرض سورة النحل للركائز الأساسية للعقيدة الإسلامية ومن أولاها الإيمان بالله ـ تعالى ـ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ ورب كل شيء ومليكه‏ ,‏ لا يشاركه في ملكه أحد‏ ,‏ ولا ينازعه في سلطانه أحد‏ ,‏ ولا يشبهه من خلقه أحد‏ ,‏ متفرد بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ وبالقدرة المطلقة التي لا تحدها حدود‏ ,‏ وبالإرادة الغالبة التي لا يقف في طريقها عائق‏ ,‏ وهذه من صفات الألوهية الحقة‏ .‏

ومن ركائز العقيدة الإسلامية التي عرضت لها هذه السورة المباركة‏:‏
الإيمان بملائكة الله‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ وبحقيقة الوحي السماوي الذي أنزله الله ـ تعالى ـ هداية لخلقه على سلسلة طويلة من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ ثم أكمله وأتمه وختمه وحفظه في الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏) .‏
ومن ركائز العقيدة التي أكدتها سورة النحل الإيمان بحقيقة البعث وحتميته‏ ,‏ وقد أنكرها الكفار والملحدون في القديم‏ ,‏ كما ينكرها الكفار والملحدون في عالم اليوم في محاولة فاشلة للهروب من عذاب الله الشديد‏ ,‏ وهو واقع بهم لا محالة‏ .‏
وتؤكد سورة النحل أن الحكم لله وحده‏ ,‏ ومن هنا كان له وحده الحق في التحليل والتحريم‏ ,‏ ولا يجوز ذلك لغيره‏ .‏ كما تؤكد أن مهمة الأنبياء والمرسلين هي تبليغ أوامر الله ـ تعالى ـ لعباده دون إكراه أو إجبار لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد أعطي عباده المكلفين حرية الاختيار بين الإيمان والكفر‏ ,‏ وجعل لهم على ذلك من الثواب والعقاب ما يستحقه كل منهم‏ .‏
وتدعو السورة إلى مكارم الأخلاق‏ ,‏ وضوابط السلوك‏ ,‏ والقواعد الصحيحة للمعاملات‏ ,‏ كما تدعو إلى إقامة عدل الله في الأرض‏ ,‏ وتؤكد جزاء الإحسان إلى الخلق‏ ,‏ والوفاء بالعهد‏ ,‏ والإنفاق في سبيل الله‏ ,‏ والهجرة من أجل إعلاء دينه‏ ,‏ والدعوة إليه‏ ,‏ وتحذر من الوقوع في الفتن‏ ,‏ ومن أخطرها الكفر بعد الإيمان‏ ,‏ وتذكر بأحوال الناس في الضعف والقوة بدءا بمراحل الأجنة في بطون الأمهات إلى مراحل الشباب والفتوة‏ ,‏ ثم إلى الشيخوخة والهرم‏ ,‏ كما تذكر بالتحول من الرخاء والنعمة إلى البلاء والشدة‏ ,‏ وتعظ بمصارع الغابرين كما تعظ بلحظات الاحتضار قبل الموت‏ .‏
وتبدأ سورة النحل بالتحذير من فجائية الآخرة وذلك ردا على الذين يستعجلونها‏ ,‏ إنكارا لإمكانية وقوعها‏ ,‏ وهي واقعة لا محالة‏ ,‏ وعلى الذين يستعجلون العذاب استبعادا له وهو واقع بهم دون أدنى شك‏ ,‏ لا فكاك لهم منه ولا مهرب‏ ,‏ ثم تثني بتسبيح الله ـ تعالى ـ وتنزيهه عن الشريك‏ ,‏ مؤكدة حقيقة إنزال الله الوحي على من يشاء من عباده الذين اصطفاهم من الأنبياء والمرسلين لينذروا الناس بأنه لا إله إلا الله‏ ,‏ وبضرورة طاعته‏ ,‏ وعبادته‏ ,‏ وتقواه‏ .‏
وتعتب هذه السورة المباركة على الذين كفروا كفرهم بالله‏ ,‏ وعلى الذين أشركوا شركهم به ومطالبتهم لرسله إليهم أن يأتوهم بالملائكة أو بإنذار الله ـ سبحانه وتعالى ـ وتهديده لهم‏ ,‏ وذلك انطلاقا من صلفهم وعنتهم وكبرهم‏ ,‏ مذكرة بعاقبة الذين طلبوا ذلك من قبل‏ ,‏ ناعية على المشركين منهم ادعاءهم الكاذب بأن ذلك هو قدر الله عليهم‏ ,‏ مؤكدة أن ما على الرسل إلا البلاغ المبين‏ ,‏ وأن الله ـ تعالى ـ قد بعث في كل أمة من الأمم رسولا يدعوهم إلى عبادة الله وحده‏ ,‏ وإلى اجتناب الطاغوت فكان منهم المصدقون والمكذبون‏ ,‏ وتذكر بعواقب المكذبين فتقول‏ : ‏
" وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ "‏ ‏(‏النحل‏:36)‏ .
وتخاطب سورة النحل خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ـ وهو الحريص على هداية الخلق أجمعين ـ بأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يهدي من يضل‏ ,‏ وأن الضالين لا نصير لهم‏ .‏ وتشير في أكثر من موضع منها ـ إلى إنكار الكافرين للبعث‏ ,‏ وتؤكد أن وعد الله الذي لا يخلف حتى يجازي كلا بعمله‏ ,‏ وأن أمر الله سريع النفاذ‏ ,‏ وأنه بين الكاف والنون‏ ,‏ كما تشير إلى الرسل السابقين وإلى رسالاتهم التي تكاملت كلها في القرآن الكريم الذي أنزله الله‏ (تعالى‏)‏ تبيانا لما اختلفوا‏ ,‏ وتحذر من عقاب الله للذين يمكرون السيئات‏ ,‏ وتؤكد حتمية الحساب والثواب والعقاب‏ .‏
وتلمح هذه السورة الكريمة إلى حقيقة أن كل ما في السموات والأرض من دواب وملائكة خاضعون لله بالطاعة والعبادة‏ .‏ يسجدون لجلاله في غير استكبار‏ ,‏ وتعاود التحذير من الشرك بالله رب السموات والأرض ومن فيهن‏ ,‏ وصاحب النعم على جميع الخلق‏ ,‏ وكاشف الضر عنهم‏ .‏ وتنكر على أهل الجاهليات القديمة كراهيتهم لخلفة البنات‏ ,‏ تلك الكراهية التي كانت تدفع ببعضهم إلى وأد بناتهم أحياء‏ ,‏ وتضرب عددا من الأمثال لتقارن بين غير الفاعلين والفاعلين من البشر‏ ,‏ وبين المتقاعسين عن نصرة المظلوم والذين يأمرون بالعدل وهم على صراط مستقيم‏ .‏
وتؤكد سورة النحل أن الغيب المطلق في السموات والأرض لا يعلمه إلا الله‏ ,‏ ومنه أمر الساعة الذي لا يأتي إلا بغتة‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ على كل شيء قدير‏ .‏ وتستعرض هذه السورة المباركة‏ ,‏ مواقف الظالمين من الكفار والمشركين في يوم القيامة‏ ,‏ وما سوف يتعرضون له من المهانة والعذاب‏ ,‏ مؤكدة أن الأنبياء سوف يشهدون على أممهم‏ ,‏ وعلى رأسهم الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي سوف يشهد على أمته وعلى الذين كذبوا نبوته وجحدوا رسالته منهم ومن الأمم من بعدهم إلى قيام الساعة‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أنزل عليه القرآن العظيم‏ (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين‏) .‏
وتؤكد سورة النحل أن الله‏ (سبحانه‏)‏ يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي‏ . . ,‏ وتطالب المسلمين بالوفاء بعهد الله إذا عاهدوا‏ ,‏ وبعدم نقض الأيمان بعد توكيدها‏ ,‏ وتشير إلى أن الله‏ (تعالى‏)‏ لو شاء لجعل الناس أمة واحدة‏ ,‏ ولكن منهم الضال والمهتدي‏ ,‏ والطالح والصالح‏ ,‏ ويقرر ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ ثواب الصالحين في هذه السورة المباركة بقوله ـ عز من قائل‏ :
"مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " ‏(‏النحل‏:97)‏
وتأمر الآيات بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل البدء في تلاوة القرآن الكريم‏ ,‏ وتؤكد أن ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا‏ ,‏ والذين على ربهم يتوكلون‏ ,‏ وإنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون‏ .‏
وتشير سورة النحل إلى أن القرآن الكريم نزل به جبريل‏ (عليه السلام‏)‏ بالحق من لدن رب العالمين ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين‏ ,‏ كما تشير إلى الادعاء الكاذب من الكافرين بأن الرسول‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ يتلقي ما أفاء الله‏ (تعالى‏)‏ عليه به من علم على يد بشر‏ ,‏ وتستنكر افتراء الكذب على الله‏ ,‏ والكفر به إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏ ,‏ وتقرر أن على الكافرين غضبا من الله‏ ,‏ وأن لهم عذابا عظيما‏ .‏
وتعرض السورة الكريمة لشيء من المحرمات في الطعام من مثل الميتة والدم‏ ,‏ ولحم الخنزير‏ ,‏ وما أهل لغير الله به‏ ,‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد‏ .‏ فإن الله غفور رحيم‏ ,‏ وتؤكد أن التحليل والتحريم من سلطة الله وحده‏ ,‏ ولا يجرؤ عليه من دون الله إلا كاذب‏ ,‏ وتذكر نبي الله‏ (إبراهيم عليه السلام‏)‏ بأنه كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وأتاه في الدنيا حسنة‏ ,‏ وجعله في الآخرة من الصالحين‏ .‏ وتأمر الآيات رسول الله الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن يتبع ملة إبراهيم حنيفا‏ .‏
وتختتم سورة النحل بدعوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏)‏ ومن بعده دعوة كل المؤمنين برسالته إلى أن يحملوا هذا الدين الخاتم المحفوظ بحفظ الله إلى غيرهم من الأمم بالحكمة والموعظة الحسنة‏ ,‏ ومجادلتهم بالتي هي أحسن‏ ,‏ وبالصبر على المتشككين‏ ,‏ والعفو عما يلقونه منهم من أذي في سبيل تبليغ دعوة الله إليهم‏ ,‏ وإن عاقبوا فلا يجوز للعقاب أن يتعدى المثل‏ ,‏ وأن الصبر خير للصابرين‏ ,‏ وتنتهي السورة بالوصية إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بأن يصبر و بألا يكون في ضيق مما يمكر الكافرون لأن الله‏ (تعالى‏)‏ :
" مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " ‏ (النحل‏:128) ,‏ والوصية من بعد رسول الله‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ هي لكل مسلم يحمل راية الإسلام إلى يوم الدين‏ .‏

الآيات الكونية في سورة النحل :
استشهدت سورة النحل على حقيقة الألوهية بالعديد من الآيات الكونية التي تتجلي فيها عظمة الخلق‏ ,‏ وشمول النعم على العباد وتمام العلم‏ ,‏ وعظيم الحكمة‏ ,‏ ودقة التدبير ومن تلك الآيات ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ خلق السموات والأرض بالحق‏ .‏
‏(2)‏ خلق الإنسان من نطفة وعلم الأجنة يؤكد هذه الحقيقة‏ .‏
‏(3)‏ خلق الأنعام وهي مصدر للعديد من المنافع للإنسان‏ .‏
‏(4)‏ خلق الخيل والبغال والحمير وغير ذلك من وسائل الركوب التي لم تكن معروفة في زمن الوحي‏ ,‏ والتي ستظل في تطور مستمر مع تزايد علم الإنسان وقدراته التقنية‏ ,‏ والله يخلق ما لا يعلمه الإنسان‏ .‏
‏(5)‏ تعدد معتقدات الناس بين الضلال والهداية‏ ,‏ وهو ما تثبته قراءة التاريخ‏ .‏
‏(6)‏ إنزال الماء من السماء للشراب وإنبات الشجر والزرع ومن أهمها الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من الثمرات المباركات‏ .‏
‏(7)‏ تسخير الأرض‏ (بتبادل ليلها ونهارها نتيجة لكرويتها ولدورانها حول محورها أمام الشمس‏)‏ وكذلك تسخير كل من الشمس والقمر والنجوم بأمر الله لاستقامة الحياة في هذا الكون‏ .‏
‏(8)‏ نشر مختلف صور الحياة في الأرض‏ ,‏ وتعدد أشكال سطحها وصخورها وعناصرها ومركباتها ومختلف الدورات فيها‏ (دورة الماء‏ ,‏ ودورة الحياة‏ ,‏ ودورة الصخور‏ ..‏الخ‏) .‏
‏(9)‏ تسخير البحر للإنسان بما فيه من أحياء ذات لحم طري‏ ,‏ وهياكل تصلح لصناعة الحلي‏ ,‏ وقدرة على حمل الفلك ذات الأحجام المختلفة جريا بمصالح العباد تشق عباب مائه وما فوق الماء من هواء‏ .‏
‏(10)‏ إلقاء الجبال على الأرض رواسي لها كي لا تميد ولا تضطرب وإلا ما كانت صالحة للعمران‏ ,‏ وارتباط تكونها بنبع الأنهار من قممها‏ ,‏ وبتحرك تلك الأنهار من منابعها إلى مصابها ودور ذلك في تفتيت الصخور‏ ,‏ وتكوين التربة‏ ,‏ وتركيز العديد من المعادن والصخور النافعة والثروات الأرضية الأخرى‏ ,‏ وفي تسوية سطح الأرض وشق الفجاج والسبل فيها‏ .‏
‏(11)‏ جعل تضاريس الأرض المختلفة علامات للاهتداء بها على اليابسة في وضح النهار‏ ,‏ وجعل النجوم علامات للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر‏ .‏
‏(12)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ والمخلوقون لا قدرة لهم على الخلق‏ .‏
‏(13)‏ وصف عقاب بعض الأمم السابقة وصفا ينطبق على ما تحدثه الزلازل في زماننا من قبل أن يدرك أحد من الخلق ميكانيكية حدوث تلك الهزات الأرضية‏ .‏
‏(14)‏ تأكيد أن الله‏ (تعالى‏)‏ خسف الأرض بالذين مكروا السيئات في الماضي وهو‏ (سبحانه‏)‏ قادر على أن يخسفها بهم في الحاضر والمستقبل‏ ,‏ وفي ذلك تأكيد على أن فهمنا لميكانيكية حدوث الكوارث الأرضية لا يخرجها عن كونها من جند الله‏ ,‏ يسلطها على من يشاء من عباده عقابا للعاصين‏ ,‏ وابتلاء للصالحين‏ ,‏ وعبرة للناجين‏ .‏
‏(15)‏ أن مد الظل وقبضه صورة من صور السجود التسخيري لله‏ (تعالى‏)‏ في خضوع وطاعة تامين‏ .‏
‏(16)‏ خلق اللبن في ضروع الأنعام من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين‏ .‏
‏(17)‏ جعل ثمرات النخيل والأعناب مصدرا للرزق الحسن‏ ,‏ كما قد يسيء الإنسان استخدامها بجعلها مصدرا للسكر وفقدان الوعي‏ .‏
‏(18)‏ خلق حشرة النحل‏ ,‏ ومنح إناثها القدرة على بناء بيوتها في الجبال‏ ,‏ وفي الأشجار وفيما يعرش لها الناس‏ ,‏ وعلى جمع كل من الرحيق وحبوب اللقاح من مختلف الزهور والثمار‏ ,‏ وذلك عبر مسافات شاسعة دون أن تضل عن بيوتها‏ ,‏ وعلى تحويل كل ذلك في بطونها إلى هذا الشراب المختلف الألوان والذي تقرر السورة الكريمة أن فيه شفاء للناس‏ .‏
‏(19)‏ الإشارة إلى دورة الحياة بين الخلق والوفاة‏ (الموت‏) ,‏ والموت حق على كل حي‏ ,‏ ومن الأحياء الإنسان الذي منه من يجري عليه القدر فيتوفي صغيرا‏ ,‏ أو يافعا‏ ,‏ ومنه من يرد إلى أرذل العمر‏ ,‏ ومن مظاهره الضعف والوهن وتناقص الذاكرة حتى فقدانها جزئيا أو كليا‏ .‏
(20)‏ تقديم السمع على البصر في هذه السورة الكريمة وفي العديد غيرها من سور القرآن الكريم‏ .‏ والعلوم المكتسبة تثبت تقدم مراكز السمع في مخ الإنسان على مراكز البصر‏ ,‏ حيث توجد مراكز السمع على جانبي المخ‏ ,‏ وتوجد مراكز البصر في مؤخرة المخ‏ .‏
(21)‏ إن الله ـ تعالى ـ هو الذي يمسك الطيور مسخرات في جو السماء‏ .‏
‏(22)‏ الإشارة إلى أن من نعم الله ـ سبحانه وتعالى ـ على عباده أنه جعل لهم مما خلق ظلالا‏ ,‏ وجعل لهم من الجبال أكنانا‏ ,‏ وجعل لهم سرابيل تقيهم الحر وسرابيل تقيهم بأسهم‏ ,‏ وكلها حقائق أثبتتها العلوم المكتسبة مؤخرا‏ ,‏ وعبرت الآية الكريمة رقم‏ (81)‏ من سورة النحل بلفظة الحر عن كل من الحر والبرد لأن كلا منهما يمثل بدرجات حرارة إيجابا أو سلبا‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الأخيرة من القائمة السابقة والتي عبرت عنها السورة الكريمة بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
" والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون"‏ (النحل‏:81) .‏


 



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا ‏:‏ في قوله تعالى‏ : "‏ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلالاً " .
في هذا النص الكريم يمن علينا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بأنه جعل لنا مما خلق ظلالا‏ ,‏ وتثبت العلوم المكتسبة أن الظل يتكون نتيجة لكون الضوء المرئي‏ .[‏ الذي يتراوح طول موجاته بين مائة ميكرون‏ ,0 ,01‏ ميكرون‏ (والميكرون جزء من مليون جزء من المتر‏)‏ عاجزا عن اختراق الأجسام المعتمة‏ ,‏ وانه لا يستطيع التحرك خلال الأوساط المتجانسة إلا في خطوط مستقيمة‏ .‏ وتتكون الظلال نتيجة لحجب الضوء المرئي أو مصدره عن منطقة ما من سطح الأرض بواسطة جسم معتم كالجبال أو الأشجار أو السحب أو غيرها‏ .‏

والضوء المرئي يتكون من عدد غير محدود من الأطياف المتدرجة في أطوالها الموجية وسرعات ترددها‏ ,‏ ولا تستطيع عين الإنسان تمييز أكثر من سبعة منها هي‏:‏ الأحمر‏ ,‏ والبرتقالي ,‏ والأصفر‏ ,‏ والأخضر‏ ,‏ والأزرق‏ ,‏ والنيلي‏ ,‏ والبنفسجي‏ ,‏ وهي الموجات التي تُرى في صفحة السماء بهذه الألوان المعروفة باسم قوس قزح‏ .‏ ويقترب من هذه الأطياف في طول الموجة وسرعة ترددها كل من الأشعة تحت الحمراء والأشعة فوق البنفسجية‏ .‏ والطيف الأحمر يملك أطول موجات الطيف المرئي وأقلها ترددا‏ ,‏ بينما الطيف البنفسجي هو أقصرها طولا وأسرعها ترددا‏ .‏ويتكون الظل بسقوط موجات الضوء المرئي على جسم معتم‏ ,‏ فإذا كان مصدر هذا الضوء المرئي نقطة كان الظل الناشئ هو المسقط الهندسي لهذا الجسم المعتم الذي يعرف باسم العائق أمام الضوء المرئي‏ ,‏ أما إذا كان مصدر الضوء المرئي ممتدا فإن المسقط الهندسي للعائق المعترض لمساره يتكون من منطقة ظل محاطة بمنطقة شبه ظل‏ ,‏ وتتدرج شدة الإعتام من منطقة شبه الظل إلى منطقة الظل‏ .‏ وتكون الظلال يحمي كلا من الإنسان والحيوان والنبات من مخاطر التعرض لكل من حرارة وأشعة الشمس لساعات أطول مما تحتمله قدراتها‏ ,‏ وذلك بسبب بعض الموجات المكونة لأشعة الشمس ومن أخطرها الأشعة فوق البنفسجية‏ ,‏ وهي من الأشعات غير المرئية‏ ,‏ والتي ثبت أن لها آثارا تدميرية على الخلايا الحية إذا تعرضت لتلك الأشعات لساعات طويلة‏ .‏ وتنقسم الأشعة فوق البنفسجية إلى ثلاث موجات أساسية تعرف بالرموز‏(A ,B ,C‏ أو ا‏ ,‏ ب‏ ,‏ جـ‏)‏ والموجة ا تتراوح أطوالها بين‏(3150‏ ـ ‏4000)‏ أنجستروم‏ (وهذه الوحدة تساوي جزءا من عشرة ملايين جزء من المليمتر‏) ,‏ والموجة‏ (ب‏)‏ من الأشعة فوق البنفسجية تتراوح أطوالها بين‏ (3150 ,2800‏ أنجستروم‏) ,‏ والموجة الثالثة‏ (جـ‏)‏ تتراوح أطوالها بين‏ (2800 ,150‏ أنجستروم‏)‏ وهي أخطر الموجات الثلاث على الإطلاق‏ ,‏ وأكثرها قدرة على تدمير الخلايا الحية‏ ,‏ فالتعرض الطويل لأشعة الشمس بطريقة مباشرة ومتكررة خاصة في فترات شدة الحر يسبب سرطان الجلد الذي يبدأ موضعيا في الوجه أو اليدين أو الأذرع أو السيقان‏ ,‏ ثم قد ينتشر إلى بقية الجسم إذا لم يتدارك بسرعة‏ ,‏ وأخطر ما يسبب ذلك هي أقصر موجات الأشعة فوق البنفسجية والمعروفة بالموجة‏ (جـ‏) ,‏ أما الموجات‏ (أ‏) , (ب‏)‏ من تلك الأشعة فتتسبب في أمراض جلدية عديدة منها حروق الشمس‏ (Sunburns) ,‏ والتقرن الشمسي للجلد ‏(Solar Kertoses) ,‏ وسرطان الخلايا الطلائية ‏(Squamous Cell Carcinoma)‏ والأورام القتامينية الخطيرة والمعروفة باسم الميلانوما ‏(Melanoma) ,‏ وأمراض حساسية الضوء ‏(Photosensitivity) ,‏ وإكزيما الشمس‏ (Solar Urticaria) ,‏ وغيرها‏ .‏
كذلك تؤثر الأشعة فوق البنفسجية على العينين فتسبب مرض الساد‏ (السد‏)‏ أو الماء الأبيض‏ (
Cataract) ,‏ وتؤثر على الجهاز المناعي في الجلد وذلك بتدمير الخلايا الأكولة أو الليمفاوية القاتلة الموجودة فيه أو بتثبيطها‏ ,‏ وهي تمثل الدفاع الأول عن الجلد‏ ,‏ لذلك يمن علينا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بأنه جعل لنا مما خلق ظلالا‏ ,‏ ويُروى عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله‏ :‏ " إذا كان أحدكم في الشمس ـ أي في وضح النهار ـ فقلص عنه الظل‏ ,‏ فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل فليقم "‏(أخرجه أبو داود في سننه‏) .‏

ثانيا :‏ في قوله تعالى‏ : " وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الجِبَالِ أَكْنَاناً ‏" :‏
و‏ (الأكنان‏)‏ جمع‏ (كن‏)‏ وهو ما يستكن فيه كالغار والسرب‏ (أي الحفر في الأرض‏) ,‏ هو وقاء كل شيء وستره‏ ,‏ يقال ‏: (كنه‏)‏ و‏ (كننه‏)‏ بمعني ستره‏ ,‏ ويجمع أيضا علي‏ (أكنة‏) .‏
وهنا يمن علينا ربنا ـ وهو صاحب الفضل والمنة ـ بتكوين الكهوف والغيران‏ (جمع غار‏)‏ والمغارات‏ ,‏ والمسارب في الجبال وفي صخور الأرض كي يستتر فيها الإنسان قبل أن يكتشف صنعة الخيام أو بناء البيوت‏ ,‏ فيحمي نفسه وأهله من حرارة وأشعة الشمس في الصيف‏ ,‏ ومن برودة الشتاء وأمطاره وثلوجه وصقيعه‏ ,‏ وعواصفه وأعاصيره ومن هجمات الحيوانات المفترسة‏ ,‏ ومن غير ذلك من المخاطر البيئية‏ .‏
ومن الثابت علميا أن خلق الأرض سابق على خلق الإنسان بعدة بلايين السنين‏ ,‏ فعمر الأرض يقدر بحوالي الخمسة بلايين من السنين‏ ,‏ بينما عمر الإنسان على الأرض لا يتجاوز المائة ألف سنة‏ .‏ وطوال هذه البلايين من السنين السابقة على خلق الإنسان سخر الله ـ تعالى ـ مختلف عوامل التعرية من الرياح‏ ,‏ والمياه الجارية‏ ,‏ والمجالد‏ ,‏ وغيرها في تهيئة الأرض لاستقبال هذا المخلوق المكرم وذلك بتمهيد سطحها‏ ,‏ وتسوية تضاريسها المعقدة‏ ,‏ وشق الفجاج والسبل فيها‏ ,‏ وتكوين تربتها‏ ,‏ وتركيز خاماتها الاقتصادية‏ ,‏ وتخزين الماء في صخور قشرتها‏ ,‏ وترطيب كل من غلافها الغازي وتربتها‏ ,‏ ونشر مختلف صنوف النبات والحيوان على سطحها وفي مياهها‏ ,‏ وانتظام مختلف الدورات فيها ومن حولها‏ (دورة الماء‏ ,‏ دورة الصخور‏ ,‏ دورة الحياة وغيرها‏) ,‏ وانتظام حركاتها الداخلية والخارجية‏ ,‏ واتزان كل أمر من أمورها‏ .‏
ومن صور إعداد الأرض لاستقبال الإنسان تكوين مأوي له قبل أن يعرف كيف يعد لنفسه مأوي‏ ,‏ وكان ذلك بتكوين الكهوف والغيران أو المغارات المختلفة وغيرها من المسارب في الجبال وفي صخور الأرض‏ ,‏ والتي احتمي بها الإنسان الأول حتى تعلم فن صناعة الخيام ثم فن البناء‏ .‏
فعلى الرغم من أن الملائكة كانت قد أمرت ببناء الكعبة المشرفة كأول بيت وضع للناس في الأرض لكي يتعبد فيه أبوانا آدم وحواء ـ عليهما السلام ـ إلا أن الأجيال الأولى من بني آدم ما كان بوسعهم أن يبنوا شيئا من مثله فسكنوا كهوف الجبال‏ .‏
وتتكون الكهوف بعمليات تعرية صخور الأرض عبر نقاط الضعف فيها من مثل مستويات التصدع والتشقق والفواصل المختلفة التي ينزل إليها ماء المطر فيذيب أو يفتت أجزاء منها خاصة إذا كان الماء مذيبا لبعض الغازات المكونة للأحماض بذوبانها في الماء من مثل ثاني أكسيد الكربون أو أكاسيد النيتروجين مما يعينه على إذابة الصخور خاصة الكربوناتية منها مثل الأحجار الجيرية والدولوميتية‏ ,‏ والبخرية‏ (المتبخرات‏)‏ من مثل ملح الطعام والجبس والأنهيدرايت‏ .‏
كذلك تعمل المياه المختزنة في صخور الأرض على إذابة العديد من المسارب المتعددة في تلك الصخور‏ ,‏ خاصة إذا تعددت بها مستويات التصدع والتشقق والفصل والتطبق الضعيفة والتي قد تؤدي إلى حدوث العديد من الانهيارات الأرضية‏ .‏
ويمكن أن تتكون الكهوف بفعل الطفوح البركانية‏ .‏ وقد سكن الإنسان الأول معظم هذه الفجوات في صخور الأرض‏ ,‏ خاصة كهوف الجبال‏ ,‏ وترك آثارا عديدة تشير إلى ذلك‏ .‏
ومن هنا يمن علينا ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بتهيئة تلك المساكن للإنسان قبل أن يتمكن من تهيئة مأوي له يستره ويحميه من التعرض المستمر لأشعات الشمس وأضرارها في الصيف‏ ,‏ ولبرودة الشتاء وأمطاره‏ ,‏ وعواصفه‏ ,‏ وثلوجه‏ ,‏ وصقيعه‏ ,‏ وأعاصيره‏ ,‏ وما يصاحب ذلك من ظواهر الرعد والبرق‏ ,‏ والتقلبات الجوية والبيئية المختلفة‏ .‏

ثالثا‏ :‏ في قوله تعالى : " وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ".
و‏ (السربال‏)‏ في اللغة هو القميص من أي جنس كان‏ (وجمعه قمصان أو قمص‏)‏ يقال ‏: (سربله‏) (فتسربل‏)‏ أي ألبسه القميص فستره به‏ ,‏ ولذلك أجمع المفسرون على أن لفظة‏ (سرابيل‏)‏ في هذه الآية الكريمة تشمل كل ما لبس من الثياب أو الدروع أو غيرها لأن كل ما لبسه الإنسان فهو‏ (سربال‏) ,‏ والدروع وأمثالها من لباس الحرب تقي المقاتلين بأس بعضهم‏ ,‏ والبأس هو شدة الحرب وضراوتها‏ .‏
وواضح الأمر من القرآن الكريم أن الله ـ تعالى ـ قد علم أبوينا أدم وحواء ـ عليهما السلام ـ منذ اللحظة الأولي لخلقهما أن من كرامة الإنسان ستر بدنه باللباس وذلك انطلاقا من قوله الحق ‏:‏
" يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ . يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا " (الأعراف‏:27,26) .‏
و‏(‏اللباس‏)‏ بالكسر هو كل ما يلبس‏ ,‏ وكذا‏ (الملبس‏)‏ و‏(‏اللبس‏) ,‏ يقال‏: (لبس‏)‏ الثوب‏ (يلبسه‏)‏ بالفتح‏ (لبسا‏)‏ بالضم‏ ,‏ و‏(‏اللبوس‏)‏ بفتح اللام ما‏ (يلبس‏) ,‏ و‏(‏لباس‏)‏ التقوى هو الحياء‏ ,‏ وقيل هو كل غليظ‏ ,‏ خشن‏ ,‏ قصير من اللباس‏ .‏
كذلك يقال‏ (لبس‏)‏ عليه الأمر بمعني خلط‏ ,‏ و‏(‏التبس‏)‏ عليه الأمر‏ ,‏ أي‏:‏ اختلط واشتبه‏ ,‏ وفي الأمر‏ (لبسة‏)‏ بالضم أي شبهة أي ليس بواضح‏ ,‏ و‏(‏لابس‏)‏ الأمر خالطه‏ ,‏ و‏(‏لابس‏)‏ فلانا‏ ,‏ أي‏:‏ عرف باطنه‏ ,‏ و‏(‏التلبيس‏)‏ كالتدليس والتخليط شدد للمبالغة‏ ,‏ ويقال‏:‏ رجل‏ (لباس‏)‏ ولا يقال‏ : (ملبس‏)‏ أي شديد التدليس والخلط‏ .‏
وقد أمر الإسلام العظيم بستر البدن‏ ,‏ وعلم الإنسان صنعة اللبوس‏ ,‏ وجعل بدن المرأة كله عورة يجب عليها ستره فيما عدا الوجه والكفين‏ ,‏ وجعل على الرجل أن يستر ما بين السرة والركبتين‏ ,‏ على أقل تقدير‏ ,‏ فالواجب عليه من الثياب ما يستر عورته‏ ,‏ ولذلك قال المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏
" إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه‏ ,‏ فإن الله أحق من يزين له‏ ,‏ فإن لم يكن له ثوبان فليتزر إذا صلى ,‏ ولا يشتمل أحدكم في صلاته اشتمال اليهود ‏" . (الطبراني والبيهقي‏) .‏
ومن شروط حجاب المسلمة البالغة‏ : (استيعاب اللباس لجميع البدن‏ ,‏ إلا الوجه والكفين‏ ,‏ وألا يشف ولا يصف‏ ,‏ وألا يكون لباس شهرة أو زينة في ذاته‏ ,‏ وألا يكون مطيبا أو مبخرا‏ ,‏ وألا يشبه أيا من لباس الرجال أو لباس الكافرات)‏ .‏
وقد يقول قائل إن هذه الشروط واجبة لحماية أبناء وبنات المسلمين من الفتنة وهو صحيح‏ ,‏ ولكن بالإضافة إلى ذلك ثبت لستر البدن بالثياب حماية من مخاطر محدقة بالإنسان إذا بالغ في تعريض جسده للشمس ـ خاصة الإناث اللائي يتمتعن بجلد أكثر رقة وحساسية من جلد الذكور‏ ,‏ وقد ثبت أن الملابس تعكس جزءا كبيرا من الأشعة فوق البنفسجية الضارة وتشتتها وتقي الإنسان من مخاطرها المدمرة‏ .‏ وجزي الله ـ تعالى ـ الأخت الفاضلة الدكتورة سميحة بنت على مراد التي فصلت في العدد الثامن عشر من مجلة الإعجاز العلمي هذا الأمر تفصيلا يثبت سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى أن الوقاية من تلك المخاطر لا تتم إلا بارتداء الملابس الساترة للبدن كله ــ خاصة في حالة الإناث ـ ومن هنا كان التعبير القرآني الكريم‏ :
"‏ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ " تعبيرا معجزا إعجازا تشريعيا وعلميا في آن واحد‏ ,‏ لأنه لم يكن لأحد من الخلق إلمام بمخاطر الأشعة فوق البنفسجية في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ .

فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وعلى تعهد رب العالمين بحفظ رسالته الخاتمة إليه في وقت كانت كل صور الوحي السابقة قد ضاعت‏ ,‏ فنحمد الله ـ تعالى ـ حمدا كثيرا على حفظ هدايته لنا في نفس لغة الوحي الذي نزلت به‏ ,‏ وحفظها حفظا كاملا على مدى الأربعة عشر قرنا الماضية في صفائها الرباني وإشراقاتها النورانية‏ ,‏ وسوف تحفظ إن شاء الله ـ تعالى ـ كذلك إلى قيام الساعة لتبقى شاهدة على الخلق أجمعين أنها كلام الله الخالق‏ ,‏ وشاهدة للرسول الخاتم الذي تلقاها بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏