" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً " (الفرقان:48).


هذا النص القرآني المعجز جاء في مطلع الثلث الأخير من سورة الفرقان‏ ،‏ وهي سورة مكية‏ ،‏ وآياتها سبع وسبعون‏ ،‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بتعظيم الله وتمجيده‏ ،‏ الذي أنزل القرآن الكريم على خاتم أنبيائه ورسله‏ ،‏ ليكون للعالمين نذيراً‏ ،‏ وفارقاً بين الحق والباطل في أمور الدين بركائزه الأساسية‏ :‏ العقيدة‏ ،‏ والعبادة‏ ،‏ والأخلاق‏ ،‏ والمعاملات‏ ،‏ وهي من القضايا التي لا يمكن للإنسان ـ مهما أوتي من أسباب الذكاء والفطنة ـ أن يضع لنفسه فيها ضوابط صحيحة ‏.‏
وبما أن القران الكريم هو آخر الرسالات السماوية‏ ،‏ وأتمها‏ ،‏ وأكملها‏ ،‏ فقد تعهد ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ بحفظه حفظاً كاملاً ‏:‏ كلمة كلمة‏ ،‏ وحرفاً حرفاً‏ ،‏ بنفس لغة الوحي‏‏ في صفائه الرباني‏ ،‏ وإشراقاته النورانية‏ ،‏ وصدق أنبائه في كل ما جاء به‏ ،‏ ليبقي إلى قيام الساعة فارقاً بين الحق والباطل‏ ،‏ وبين الإيمان والكفر‏ ،‏ ومن هنا كانت تسمية هذه السورة الكريمة ‏.
ويدور المحور الرئيسي لسورة الفرقان حول قضية العقيدة‏ ،‏ ومن ركائزها التوحيد الخالص لله الخالق‏ ،‏ والإيمان به‏ ،‏ وبملائكته‏ ،‏ وكتبه ورسله‏ ،‏ وباليوم الآخر‏ .‏
وتؤكد السورة الكريمة أن لله ملك السماوات والأرض‏ ،‏ وأنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لم يتخذ ولدا‏ًً ،‏ ولم يكن له شريك في الملك‏ ،‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ خلق كل شيء فقدره تقديرا‏ًً‏ بحكمته‏ ،‏ ووفق إرادته‏، وعلى الرغم من وضوح تلك الحقيقة‏ ،‏ فإن كثيراً من الخلق المُكلَّف قد اتخذ من دونه آلهة‏‏
" لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَراًّ وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً " ، وتنعي سورة الفرقان على هؤلاء الكافرين ـ قدامى ومعاصرين ـ تشككهم في نبوة رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ،‏ وفي الكتاب الذي أُنزل إليه‏ ،‏ وتكذيبهم بالآخرة‏ ،‏ وتطاولهم على الله ورسوله‏ ،‏ بطلب الخوارق من المُعجِزات حتى يؤمنوا‏ ،‏ مثل طلب إنزال الملائكة‏ ،‏ أو رؤية الله جهرة‏ ،‏ أو إلقاء كنز من السماء لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ،‏ أو أن تكون له جنة يأكل منها‏ ،‏ وعلى الرغم من أنه لم يحقق لهم شيئاً من ذلك فقد اتهموه‏ ـ شرَّفه الله‏ ـ‏ بالسحر‏ ،‏ وبترديد أساطير الأولين‏ ،‏ وتأمره السورة الكريمة بمقابلة تلك الدعاوى الباطلة بترديد قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : " قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً " (‏الفرقان‏:6) ، وتعرض سورة الفرقان لبعض مشاهد الآخرة من صور العذاب الذي يلقاه الكافرون المُكذَّبون بالدين‏ ،‏ وصور النعيم الذي يلقاه عباد الله المتقون‏ ،‏ وشتان مابين الحالَيْن ‏.
ومن قبيل التخفيف على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ تقرر السورة الكريمة أن جميع من سبقوه من الأنبياء والمرسلين كان لهم أعداء من المجرمين الكافرين بالله ورسالاته‏ ،‏ وتكرر استنكار تطاول الكافرين على الله ورسوله باعتراضهم على تنزل القرآن الكريم مُنجَّماً‏ ،‏ وكان كلٌ من الكتب السابقة قد أُنزل جملة واحدة‏ .‏
وعرضت سورة الفرقان لقصص عدد من الأمم السابقة‏ ،‏ ولتفاعل كلٍ من تلك الأمم مع من أُرسلوا إليهم من أنبياء الله‏ ،‏ وعما كان لذلك التفاعل من عقاب أو ثواب‏ ،‏ وذلك أمثال قوم موسى وهارون‏ ،‏ وقوم نوح‏ ،‏ وأقوام عاد وثمود‏ ،‏ وأصحاب الرس‏ ،‏ وقوم لوط‏ ـ على نبينا وعليه السلام‏ ـ ،‏ وأقوام بين هؤلاء جميعا على مر القرون الكثيرة‏ ،‏ وتؤكد سورة الفرقان اتخاذ الكافرين لأهوائهم أرباباً من دون الله لعدم استماعهم إلى كلمة الحق‏ ،‏ أو محاولة تدبرها بعقولهم‏ ،‏ وبذلك ينحطون بأنفسهم إلى مادون مستويات الأنعام‏ ،فيتطاولون على الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بإنكار وجوده‏ ،‏ وتأمر السورة رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ،‏ وبالتالي تأمر كل من تبعه من المؤمنين إلى يوم الدين ـ بضرورة مخالفة الكافرين‏ ،‏ وجهادهم بالقرآن الكريم جهاداً كبيراً‏،‏ وتؤكد له أنه ما أُرسل إلا مُبشِّراً ونذيراً للناس كافة‏ ،‏ كما تأمره بضرورة التوكل على الله ‏(‏الحي الذي لا يموت‏) ‏، والتسبيح بحمده لأنه؛‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو الخبير بذنوب عباده‏ .‏
وتنتهي سورة الفرقان إلى استعراض عدد من صفات عباد الرحمن في مقابلة رائعة بين صفات أهل الحق وصفات أهل الباطل‏ ،‏ ودعوة من الله لعباده بضرورة التحلي بمكارم الأخلاق حتى يستحق العبد التكريم بنسبته إلى الله فيكون من عباد الرحمن‏ .‏
وتؤكد السورة الكريمة جزاء هذه الطائفة من خلق الله الصالحين بالخلود في جنات النعيم‏ ،‏ في حفاوة وتكريم بالغَيْن من الله وملائكته‏،‏ وتنتهي سورة الفرقان بتأكيد هوان البشرية على الله‏ ،‏ لولا وجود تلك الطائفة من عباده الصالحين الذين يعرفون مدلول الألوهية الحقة فيجأرون إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بالدعاء مُخبِتين‏ .‏
أما المُكذِّبون‏ ،‏ الكافرون‏ ،‏ المُتطاوِلون على الله ورسوله‏ ،‏ فكان لزاماً على الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ أن يجزيهم بسوء أعمالهم ما يستحقون . ‏هذا‏ وقد استشهدت سورة الفرقان على صدق ما جاء بها من بيان بعدد كبير من الآيات الكونية التي منها ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ أن ملك السماوات والأرض لله الواحد الأحد‏ ،‏ الذي لم يتخذ ولدا‏ًً ،‏ ولم يكن له شريك في الملك ‏.‏
‏(2)‏ أن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خلق كل شيء فقدره تقديرا‏ًً .‏
‏(3)‏ أن تشقق السماء بالغمام من علامات انهيار النظام الكوني في الآخرة‏ .‏
(4)‏ أن مد الظل وقبضه من الأدلة العلمية علي دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏،‏ وأتبعت الآيات ذلك بتخصيص الليل للراحة والنوم والسكن‏ ،‏ وتخصيص النهار لليقظة والجري وراء المعايش ‏.‏
‏(5)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته‏ ،‏ وأنه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ هو الذي ينزل من السماء‏ ـ السحاب ـ‏ ماءاً طهوراً ،‏ ليحييَ به أرضاًَ ميتة‏ ،‏ ويسقيه مما خلق أنعاماَ وأناسي كثيرا‏ًَ .‏
‏(6)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو الذي‏ مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجراً محجوراً ‏.‏
(7)‏ أن الله‏‏ ـ تعالى ـ هو الذي‏‏ خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهرا‏ًً .‏
‏(8)‏ أن الله ـ تعالى ـ هو الذي‏‏ خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏ .
‏(9)‏ أن الله ـ تعالى ـ هو الذي‏ جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيرا‏ًً،‏ وفي ذلك تفريق علمي دقيق بين الضوء المُنبثِق من مصدره‏ ،‏ والنور الناتج عن انعكاسه من فوق سطح مظلم ‏.‏
(10)‏ أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ هو الذي‏‏ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا‏ًً،‏ وفي ذلك إشارة ضمنية رقيقة إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى مناقشة موضوعية خاصة بها‏ ،‏ ولذلك فسوف يقتصر الحديث هنا على النقطة الخامسة فقط من هذه النقاط العشر‏ ،‏ وهي قضية إرسال الرياح مبشرات بين يدي رحمة الله‏ ،‏ وإنزاله الماء الطهور من السماء‏،‏ وقد سبق لنا مناقشة قضية إرسال وتصريف السحاب بإرادة الله وعلمه وحكمته‏ ،‏ولا أري داعياً لإعادة ذلك هنا‏ ،‏ وعليه فسوف أقصر الحديث في هذا المقال على إنزال الماء الطهور من السماء‏ ،‏ وقبل الولوج في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين السابقين في شرح هذه الآية الكريمة قبل التعرض لشرح دلالاتها العلمية‏ .‏

من أقوال المفسرين في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : " وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً " (‏الفرقان‏:48)‏ .
ذكر ابن كثير‏ـ‏ يرحمه الله‏ ـ ‏ما نصه ‏: " ...‏ وهذا أيضاً من قدرته التامة وسلطانه العظيم‏ ،‏ وهو أنه‏ ـ‏ تعالى ‏ـ‏ يرسل الرياح مُبشِّرات‏ ،‏ أي‏:‏ بمجيء السحاب بعدها‏ ،‏ والرياح أنواع‏ :‏ فمنها ما يثير السحاب‏ ،‏ ومنها ما يحمله‏ ،‏ ومنها ما يسوقه‏ ،‏ ومنها ما يكون بين يدي السحاب مُبشِّراً‏ ،‏ ومنها ما يلقح السحاب فيمطر‏ ،‏ ولهذا قال‏ ـ تعالى‏ ـ :‏
" رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ‏" ‏.
وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحمهما الله‏ ـ‏ ما نصه‏ :
"‏ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ " (‏ نشرا بين يدي رحمته‏)‏ متفرقة قدام المطر‏ ،‏ وفي قراءة بسكون الشين تخفيفا‏ ،‏ وفي أخري بسكونها وفتح النون مصدر‏ ،‏ وفي أخرى بشرا بسكونها وضم الموحدة بدل النون أي‏:‏ مبشرات‏ ،‏ ومفرد الأولي‏ (‏نشور‏)‏ كـ‏(‏رسول‏) ،‏ والأخيرة ‏(‏بشير‏)‏ كـ‏(‏قدير‏) ،‏ و ‏"‏ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً " مطهرا‏.‏
وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه ‏: "‏ والحياة علي هذه الأرض كلها تعيش علي ماء المطر‏ ،‏ إما مباشرة‏ ،‏ وإما بما ينشئه من جداول وأنهار على سطح الأرض‏ ،‏ ومن ينابيع وعيون وآبار من المياه الجوفية المُتسرِّبة إلى باطن الأرض منه‏ ،‏ ولكن الذين يعيشون مباشرة على المطر هم الذين يدركون رحمة الله المُمثَّلة فيه إدراكاً صحيحاً كاملاً‏ ،‏ وهم يتطلعون إليه شاعرين بأن حياتهم كلها مُتوقِّفة عليه‏ ،‏ وهم يترقبون الرياح التي يعرفونها تسوق السحب‏ ،‏ ويستبشرون بها‏ ،‏ ويحسون فيها رحمة الله ـ إن كانوا ممن شرح الله صدورهم للإيمان .
والتعبير يبرز معنى الطهارة والتطهير‏ :
"‏ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً ‏" ،‏ وهو بصدد ما بالماء من حياة ‏.‏
وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ رحمه الله‏ ـ‏ ما نصه‏ : " (‏بُشْراً‏)
‏ مُبشِّرات بالغيث ‏."‏
وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ما نصه‏ :‏ " وهو الذي سخر الرياح فتسوق السحب، وتبشر الناس بالمطر الذي هو رحمة منه لهم‏ ،‏ ولقد أنزلنا من السماء ماء طاهرا مُطهِّراً مُزيلاً للأنجاس والأوساخ ‏. "
وجاء في تعليق الخبراء العلميين بالهامش ما يلي ‏:‏
" وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً " :‏ في هذه الآية الكريمة يمن الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على البشر بإنزال الماء طاهراً إليهم من السماء‏ ،‏ وتتضمن الآية الإشارة إلى أن ماء المطر عند بدء تكونه يكون في أعلى درجات النقاء‏ ،‏ وعلى الرغم من أن حمله بعد ذلك مما في الجو من أجسام وذرات فإنه يكون في أعلى درجات الطهارة‏ .‏
وذكر صاحب صفوة التفاسير ‏ـ‏ جزاه الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه ‏: ‏
" وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ" أي‏:‏ أرسل الرياح مُبشِّرة بنزول الغيث والمطر‏ ،‏ " وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً " ،‏ أي‏ :‏ أنزلنا من السحاب الذي ساقته الرياح ماءاً طاهراً مطهراً تشربون وتتطهرون به‏ ،‏ قال القرطبي‏ :‏ وصيغة‏ (‏طهور‏)‏ بناء مبالغة في ‏(‏طاهر‏)‏ فاقتضى أن يكون طاهراً مُطهَّراً‏ .‏

مدلول الآية الكريمة في ضوء العلوم المُكتسَبة :
أولا‏ًً:‏ سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى أصل ماء الأرض‏ :‏
في الوقت الذي تضاربت فيه آراء العلماء حول أصل ماء الأرض جاء القرآن الكريم مُؤكِّداً أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ قد أخرج كل ماء الأرض من داخلها‏ ،‏ ودوَّره بين الأرض والسماء في عملية مُستمِرة دائمة من أجل تطهيره، وإنزاله ماءاً طهوراً على هيئة المطر، والبَرَد ليجري على سطح الأرض في أشكال وهيئات مُتعدِّدة‏ ،‏ تلعب أدواراً مهمة في تشكيل سطح الأرض‏ ،‏ وشق الفجاج والسبل فيه‏ ،‏ وتفتيت صخوره‏ ،‏ وتكوين تربته‏ ،‏ وتركيز ثرواته‏ ،‏ وتوفير قدر من الرطوبة في كلٍ من التربة والأجزاء السفلي من الغلاف الغازي للأرض‏ .‏ وفي ذلك يقول الحق ‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
‏(1)
" وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا " (‏النازعات‏:30،31) .
(2)
" أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ . أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ .‏ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ‏ " (‏ الواقعة‏:68‏-‏70)‏ .
‏(3)
"وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ المَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " (‏الأعراف‏:57) .
(4)
" وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ " (‏الحجر‏:22) .
(5)
 " اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " (‏ الروم‏:48) .
(6)
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ"    (النور:43) .
(7)
"وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ " (فاطر‏:9) .
(8)
"إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الغَيْثَ " (‏ لقمان‏:34)‏ .
‏(9)
"وَأَنزَلْنَا مِنَ المُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً " (‏النبأ‏:14) .
(10)
"وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ " (لمؤمنون:18) .
(11) " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ" (‏ الزمر‏:21) .



ثانياً ‏:‏ تضارب آراء العلماء حول أصل ماء الأرض‏ :‏
تضاربت آراء العلماء حول أصل الماء على سطح الأرض تضارباً كبيرا‏ًً ،‏ ولم يحاول أحدهم ربط ذلك بماء المطر على الرغم من وضوح ذلك‏ .‏ ففي الحضارة اليونانية القديمة اقترح أفلاطون‏ (428‏ ـ ‏348‏ ق‏.‏م‏.)‏ وجود خزانات جوفية هائلة على هيئة عدد من الممرات والقنوات تحت سطح الأرض تقوم بتغذية جميع أشكال الماء على سطح الأرض من جداول وأنهار‏ ،‏ وبحيرات وبحار ومحيطات وغيرها‏ ،‏ وتخيل أن هذا الخزان المائي الهائل ليس له قاع إذ يتخلل الأرض كلها‏ ،‏ وأن الماء يمور فيه بصفة مُستمِرة ‏.‏ أما أرسطو‏ (385‏ ـ‏322‏ ق‏.‏م‏)‏ فقد رفض هذه الفكرة على أساس أن مثل هذا الخزان لابد أن يكون أكبر من حجم الأرض لكي يتمكن من الإبقاء على جميع الأنهار مُتدفِّقة‏ ،‏ ونادى بأن هواءً بارداً في داخل الأرض يتحول إلى الماء كما يتحول الهواء البارد حول الأرض‏ ،‏ واقترح أن تضاريس الأرض العالية تعمل عمل قطع الإسفنج الهائلة حيث تتشبع بهذا الماء المُتكوِّن في داخل الأرض من تكثف الهواء الجوفي البارد‏ ،‏ وأنها تقطر هذا الماء فتغذي به الأنهار والجداول والينابيع‏ .‏ كذلك نادي فيزوفيوس في القرن الأول الميلادي ‏ـ وهو من مفكري الحضارة الرومانية‏ ـ‏ بأن الأودية بين الجبال أكثر حظاً من الجبال في غزارة ماء المطر‏ ،‏ وأن الثلج يبقي فوق الأرض لفترة أطول في المناطق المكسوة بالغابات الكثيفة‏ ،‏ وأنه عند انصهاره يتحول إلى ماء فيتخلل فتحات الأرض‏ ،‏ ويصل في النهاية إلى أسافل الجبال التي تسيل منها الجداول وتتدفق‏ .‏ وظل العديد من العلماء حتى أواخر القرن السابع عشر الميلادي مُقتنِعين بفكرة الكهوف الكبيرة في داخل الأرض كمصدر رئيسي لماء الأنهار‏ ،‏ أو أن الماء المُتجمِّع تحت سطح الأرض يأتي من البحر‏ ،‏ وقد لخص هذه الآراء الخاطئة عالم أوروبي باسم أثناسيوس كيرثر ‏(1602-1680‏ م‏)‏ مُفترِضاً أن البحر مُرتبِط بجبال جوفاء تتدفق منها الأنهار والجداول‏ .‏ ولم يستطع أحد من علماء الغرب ومُفكِّريه تصور إمكانية أن تكون زخات المطر المُتفرِّقة على مدار السنة كافية لإبقاء الأنهار وغيرها من مجاري الماء مُتدفِّقة به على مرور الزمن‏ .‏ على الرغم من أن فرنسياً باسم برنارد باليسي ‏(1510‏ م‏-1590‏م‏)‏ كان قد أعلن أن الأنهار والينابيع لايمكن أن يكون لها مصدر غير ماء المطر‏ ،‏ وأشار إلي أن الماء تبخره حرارة الشمس‏ ،‏ وتحمل الرياح الجافة التي تضرب الأرض هذا البخار، فتتشكل السحب التي تتحرك في كل الاتجاهات كالبشائر التي يرسلها الله‏ ،‏ وعندما تدفع الرياح تلك الأبخرة يسقط الماء فوق أجزاء من الأرض‏ ،‏ وعندما يشاء الله تذوب تلك السحب التي ليست سوى كتلة من الماء‏ ،‏ وتتحول إلى مطر يسقط على الأرض‏ ،‏ وعندما يواصل هذا الماء نزوله من خلال شقوق الأرض ، ويستمر في النزول حتى يجد منطقة مُغلَّفة بالصخور الكثيفة، فيستقر عندها على هيئة مخزون فوق هذا القاع الذي يتدفق منه الماء عندما يجد فتحة توصله إلى سطح الأرض على هيئة ينابيع أو جداول أو أنهار ‏.‏ وواضح أن باليسي هذا قد نقل هذا الكلام عن ترجمات معاني القرآن الكريم التي كانت قد توافرت للأوروبيين في زمانه‏ ،‏ أو عن بعض كتابات المسلمين التي قام الأوروبيون بترجمتها في بدء عصر النهضة الأوروبية إلى كلٍ من اللاتينية واليونانية بعد نهبها من المكتبات الإسلامية في كلٍ من الأندلس وإيطاليا وصقلية‏ ،‏ أو خلال الحروب الصليبية‏ ،‏ وذلك لوضوح النبرة الإسلامية في كتابته‏ .‏

ثالثاً ‏:‏ أهمية الماء للحياة علي الأرض‏ :‏
كوكب الأرض هو أغنى كواكب المجموعة الشمسية بالماء الذي تقدر كميته على سطح ذلك الكوكب بنحو ‏1 ،4‏ بليون كيلومتر مكعب‏ ،‏ ويتوزع أغلب هذا الماء ‏(97.22%)‏ في البحار والمحيطات‏ ،‏ ويتجمد أغلب الباقي ‏(‏ في حدود‏2.15%)‏ على هيئة سُمْك هائل من الجليد فوق قطبي الأرض‏ ،‏ وعلى قمم الجبال‏ ،‏ وما بقي بعد ذلك ونسبته لا تكاد تتعدى ‏(0.63%)‏ من مجموع ماء الأرض يتوزع بين الماء المُختَزن تحت سطح الأرض‏،‏ وتبلغ نسبته ‏(0.613%) ،‏ والمخزون في البحيرات الداخلية‏ ،‏ والجاري في الأنهار والجداول‏ ،‏ والمُتمثِّل في رطوبة كلٍ من التربة والجو‏ـ‏ ونسبته في حدود‏0.027% .‏ ويغطي ماء الأرض حالياً نحو ‏(71%)‏ من مساحة سطحها المُقدَّرة بنحو‏ (510‏ ملايين كيلومتر مربع‏) ،‏ بينما تشغل اليابسة حوالي ‏(29%)‏ من تلك المساحة فقط‏ ،‏ والصراع بين اليابسة والماء كان‏ ـ ولا يزال‏ ـ‏ من سنن الله في الأرض ‏.‏ والماء سائل شفاف‏ ،‏ وهو في نقائه لا لون له‏ ،‏ ولا رائحة‏ ،‏ ولا طعم‏ ،‏ ويتركب جزيء الماء من ذرتين من ذرات غاز الهيدروجين‏ ،‏ وذرة واحدة من ذرات غاز الأوكسجين‏ ،‏ وترتبط هذه الذرات الثلاث مع بعضها البعض برابطتَيْن تساهميتَيْن تشكلان فيما بينهما زاوية قدرها ‏(105‏ من الدرجات‏) ،‏ وقد جعل ذلك لجزيء الماء قطبين كهربيَّيْن يحمل أحدهما شحنتين موجبتَيْن‏ ،‏ ويحمل الآخر شحنة سالبة مُكافِئة‏ ،‏ وهذه الخاصية وفرت للماء ـ‏ بإرادة خالقه‏ ـ‏ من الصفات الطبيعية والكيميائية ما جعل منه أقوى مُذيب معروف‏ ،‏ وبالتالي جعله من أهم ضرورات الحياة‏ ،‏ فأجساد الكائنات الحية يغلب على تركيبها الماء الذي تتراوح نسبته في جسم الإنسان بين‏(71%)‏ في الإنسان البالغ و‏(93%)‏ في الجنين ذي الأشهر المعدودة‏ .‏ هذا بالإضافة إلى أن جميع الأنشطة الحيوية مثل الأيض والتمثيل الضوئي لا يمكن أن تتم في غيبة الماء في أجساد كل من النبات والحيوان والإنسان‏ .‏ فالنبات على سبيل المثال يأخذ غذاءه من التربة عن طريق ما بها من عناصر ومُركَّبات ذائبة في الماء‏ ،‏ وهذه العصارة الغذائية يمتصها النبات بواسطة شعيراته الجذرية‏ ،‏ فترتفع في الأوعية الخشبية للنبات بقدرة خاصة أعطاها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ للماء تُعرف باسم الخاصية الشعرية‏ ،‏ تعين العصارة الغذائية على الارتفاع إلى أعلى في داخل النبتة حتى تصل إلى قمتها مهما كان ارتفاعها‏ ،‏ وخاصية ثانية تُعرف باسم التوتر السطحي تعين الماء على التماسك في أسطح أفقية، فلا ينهار منها بسهولة‏ .‏ وبعد الاستفادة بالقدر اللازم من الماء‏ ،‏ يطلق النبات الزائد عن حاجته إلي الجو بالبخر بعدد من العمليات الحيوية التي أهمها النتج ‏.‏ وبالمثل فإن كلاً من الإنسان والحيوان يأخذ القدر اللازم له من الماء عن طريق الطعام والشراب‏ ،‏ ويطرد الزائد عن حاجته بواسطة عدد من العمليات الحيوية التي أهمها التنفس‏ ،‏ العرق‏ ،‏ الدموع‏ ،‏ الإخراج‏ ،‏ وغيرها ‏.‏

رابعاً ‏:‏ دورة الماء حول الأرض‏ :‏
تُبخِّر أشعة الشمس كماً هائلاً من ماء الأرض، فيرتفع على هيئة بخار يُعلق بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض‏ ،‏ ثم يتكثف في أجزاء منها على هيئة قطيرات دقيقة من الماء مُكوِّناً السحب بإذن الله ‏.‏ ويُقدَّر ما يرتفع من الأرض إلى غلافها الغازي سنوياً بنحو ‏(380.000‏ كيلومترا مكعبا‏ًً)‏ من الماء‏ ،‏ يتبخر أغلبه من أسطح البحار والمحيطات ‏(320.000‏ كيلومترا مكعبا‏) ،‏ ويرتفع الباقي من اليابسة ‏(60.000‏ كيلومترا مكعباً‏) .‏ ويعود كل ما يتبخر من ماء الأرض إليها ثانية‏ (380.000‏ كيلومترا مكعباً في السنة‏)‏ ينزل منه بتقدير الله‏ (284.000‏ كم‏3)‏ فوق البحار والمحيطات‏ ،(000..96‏ كم‏3)‏ فوق اليابسة‏ ،‏ وفي عودته إلى الأرض يصرفه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ حسب مشيئته وعلمه‏ ،‏ ومن نماذج هذا التصريف الإلهي البديع أن الفرق بين البخر من أسطح البحار والمحيطات والمطر فوقها‏ (‏ناقص‏36.000‏ كم‏3)‏ هو نفسه الفرق بين الإمطار على اليابسة والبخر الصاعد منها ‏(‏زائد‏36.000‏ كم‏3)‏ والزائد على اليابسة يفيض إلى البحار والمحيطات للمحافظة على مستوى منسوب الماء فيها في كل فترة زمنية مُحدَّدة‏ .‏ هذه الدورة المائية المُعجِزة حول الأرض استمرت منذ أن أخرج الله‏ ـ تعالى ـ ماء الأرض من داخلها إلى اليوم الراهن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‏ ،‏ وبهذه الدورة يتحرك الماء من الغلاف المائي للأرض إلى غلافها الهوائي ليتطهر مما يتجمع فيه من ملوثات ومواد ذائبة فيه وعالقة به‏ ،‏ وتمتد هذه الدورة من نحو الكيلومتر تحت سطح الأرض إلى ارتفاع يُقدَّر بنحو خمسة عشر كيلومتراً فوق مستوى سطح البحر ‏.‏ وبخار الماء عادة لا يكاد يُرى إلا إذا تعرض لعمليات التكثف على هيئة قطيرات دقيقة من الماء تظل عالقة بأجزاء من الغلاف الغازي للأرض على هيئة الندى أو الضباب بالقرب من سطح الأرض‏ ،‏ وعلى هيئة السحب المُختلفة في نطاق التغيرات المناخية المحيطة بالأرض‏ ،‏ وقد تصل تلك السحب إلى الأجزاء السفلى من نطاق التطبق الذي يعلوه‏ .‏ وقد تتحول قطرات الماء في هذه المستويات العليا إلى كلٍ من البرد والثلج‏ ،‏ أو تنمو إلى أحجام تمكنها من النزول إلى الأرض مطرا حسب مشيئة الله وتقديره ‏.‏ وعند نزول المطر إلى الأرض قد يتدفق فوق سطحها على هيئة السيول الجارفة التي قد تؤدي إلى دمار شامل في المناطق الصحراوية‏ ،‏ وإلى فيضانات مُغرِقة بالأنهار والجداول ‏.‏ كذلك يتسلل قدر من ماء المطر إلى التربة‏ ،‏ أو يصل إلى طبقات صخرية عالية المسامية والنفاذية ، فيتحرك رأسياً بالجاذبية الأرضية إلى أسفل حتى يصل إلى مخزون الماء تحت سطح الأرض، فيعمل على تجديد عذوبته‏ ،‏ وتعويض ما يفيض أو يضخ منه ‏.‏ وهذه الدورة المائية المُعجِزة يتم بواسطتها تطهير الماء‏ ،‏ وتلطيف جو الأرض‏ ،‏ وتوفير نسبة معينة من الرطوبة‏ ،‏ في كلٍ من غلافها الغازي وتربتها، فتسمح للكائنات الحية بما تحتاجه منها‏ .‏ وبواسطة هذه الدورة المائية تتم تسوية سطح الأرض‏ ،‏ وشق الفجاج والسبل فيه‏ ،‏ ويتم تفتيت الصخور‏ ،‏ وتكوين كلٍ من التربة والصخور الرسوبية‏ ،‏ وخزن قدر من ماء المطر فيها وفي غيرها من صخور قشرة الأرض‏ ،‏ وتركيز عدد من الخامات الاقتصادية ‏.

ماء السماء ماء طهور :
إن دورة الماء حول الأرض لها فوائد كثيرة، من أبرزها تطهير هذا الماء من عوالقه وشوائبه المُختلِفة‏ ،‏ فحينما ينزل ماء المطر على الأرض، ويجري على سطحها فانه يحمل معه من نفاياتها كمَّاً كبيراً إلى أحواض البحار والمحيطات في عملية تنظيف وتطهير مُستمِرة لسطح الأرض‏ ،‏ وغسل لأدرانها المُختلِفة‏ ،‏ والماء في جريانه علي سطح الأرض يذيب كل ما يمكن إذابته من مكوناتها من مختلف العناصر والمركبات‏ ،‏ كما يحمل ملايين الأطنان من العوالق غير المذابة، والتي تترسب على طول مجاري الأنهار والأودية ودالاتها وفوق قيعان البحار والمحيطات والبحيرات وغيرها من التجمعات المائية‏ ،‏ وفي هذه الأوساط المائية يحيا ويموت بلايين الكائنات الحية، ولذلك يتعفن الماء غير الجاري في التجمعات المائية المحدودة بسرعة كبيرة وبدرجات أقل في البحار الواسعة والمحيطات‏ ،‏ ويزيد من تلوث هذه الأوساط المائية ما يُدفع إليها من مخلفات المصانع والمنازل‏ .‏ وحينما تُبخِّر أشعة الشمس هذا الماء فإنه يتطهر مما فيه من الملوثات‏ ،‏ ويصعد إلى الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي على هيئة بخار ماء نقي طاهر من كل ما كان فيه من أدران وأوساخ وأملاح ‏.‏ وهذه هي عملية التطهير الرئيسية لماء الأرض‏ ،‏ ولذلك فان أنقى صورة للماء الطبيعي هي ماء المطر‏ ،‏ على الرغم من أنه عند نزوله من السماء قد يذيب نسبة ضئيلة من مكونات الغلاف الغازي للأرض، كما قد يحمل معه نسبة لا تكاد تدرك من ذرات بعض الأملاح اللازمة لصحة الإنسان وغيره من الكائنات الحية‏ ،‏ وذلك لأن الماء الصافي تماماً قد يكون ضاراً بجسم الإنسان‏ ،‏ ولا يفسد ماء السماء إلا المُلوِّثات التي قد يطلقها الإنسان‏ ،‏ وذلك من مثل أكاسيد الكبريت التي تسبب نزول ما يسمى بالأمطار الحمضية، أو إطلاق بعض الغبار المُشِع كالذي ينتج من التجارب النووية، أو من التسرب من المُنشِئات القائمة على مثل هذا النشاط كالمفاعلات النووية مثل ما حدث في كلٍ من مفاعل تشرنوبل النووي في الاتحاد السوفيتي السابق‏ (‏أبريل‏1986‏ م‏)،‏ والذي أدي إلى سقوط أمطار مليئة بالإشعاع عبر كلٍ من أوروبا ، والمشرق العربي، وأثر على كلٍ من الإنسان والحيوان والنبات في المنطقة‏ ،‏ ومفاعل جزيرة الأميال الثلاثة‏
(Three Miles Island) ،‏ ومفاعلات شمال اسكتلندا قبل وبعد ذلك التاريخ ‏.‏
والرسوبيات الملحية التي تُقدَّر بملايين الأطنان بين مختلف التتابعات الصخرية المُكوِّنة لقشرة الأرض هي من بقايا عملية تطهير ماء الأرض بتبخيره ثم تكثيفه في الغلاف الغازي للأرض بطريقة مُستمِرة‏ ،‏ ونسب الملوحة المُتبايِنة في كل مياه الأرض المالحة والمُتزايِدة بمرور الزمن هي من نواتج عملية التبخير تلك، وهي مُستمِرة ما بقيت الأرض حتى لا يفسد ماؤها بتراكم الأملاح والنفايات وإفرازات الكائنات الحية المختلفة وتكدس بقاياها بعد موتها‏ ،‏ وتحلل تلك البقايا وتعفنها ‏.‏ وعلى ذلك فالمصدر الرئيسي للماء النقي على سطح الأرض هو ماء المطر‏ .‏ وحتى الماء المخزون تحت سطح الأرض، فإن ملوحته تزداد باستمرار مع الزمن لإذابته من أملاح الصخور المُختَزن فيها أو لتبخره‏ ،‏ وتركيز نسبة ما به من أملاح مذابة‏ ،‏ ولا تتجدد عذوبة هذا الماء ونسبة الأوكسجين فيه إلا بما يصل إليه من ماء المطر ‏.‏ من هذا الاستعراض يتضح بجلاء أن القرآن الكريم قد وصف في عدد من آياته حقيقة إخراج كل ماء الأرض‏ ـ‏ على كثرته‏ ـ‏ من داخل الأرض‏ ،‏ وهي حقيقة لم يدركها الإنسان إلا في العقود المُتأخِّرة من القرن العشرين‏ ،‏ كما وصف دورة الماء حول الأرض بدقة علمية فائقة، وأثبت أن مختلف صور الماء على سطح الأرض ناتج من هذه الدورة المائية التي يطهر بها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ هذا السائل المهم، والذي يُعتبر ضرورة من ضرورات الحياة بطريقة مُستمِرة عن طريق تبخيره إلى الغلاف الغازي المحيط بالأرض، ثم تكثيفه منه وإنزاله ماءاً طهوراً بتقدير من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وحسب مشيئته وإرادته‏ .‏

وهذه حقائق لم يصل إليها علم الإنسان إلا بعد نزول القرآن الكريم بأكثر من عشرة قرون على الأقل‏ ،‏ ولم تثبت علمياً إلا في خلال القرون الثلاثة الماضية‏ ،‏ وحتى وصولها في هذا التاريخ إلى علم الإنسان يُعتقد أن مصدره كان القرآن الكريم‏ ،‏ وأحاديث خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي نُقلت إلى الحضارة الغربية عبر عمليات الترجمة من التراث الإسلامي في كلٍ من بلاد الأندلس‏ ،‏ وصقلية‏ ،‏ وإيطاليا‏ ،‏ وبلاد الشام في أثناء الحروب الصليبية ‏.‏
وفي ذلك من الإثباتات المادية القاطعة بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق وأن سيدنا محمد‏اً ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كان موصولاً بالوحي‏ ،‏ ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض‏ ،‏ على الرغم من كفر الكافرين‏ ،‏ ومحاجة المُعانِدين‏ ،‏ وادعاءات المُبطِلين‏ ،‏ فالحمد لله الذي أنزل القرآن‏ ـ‏ أنزله بعلمه ـ ،‏ وتعهد بحفظه فحفظه بنصه ومعناه ومعجزاته‏ ،‏ وبلغة وحيه في صفائه الرباني وإشراقاته النورانية التي لا ينكرها إلا جاحد‏ ،‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ، ومن تبع هداه ، ودعا بدعوته إل يوم الدين . والحمد لله رب العالمين أولاً وآخراً وقبل وبعد كل شيء‏ .‏