" وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ " (النحل‏:66‏).


هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في بداية النصف الثاني من سورة النحل وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها‏ (128)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل‏ ,‏ ذلك التجمع لنوع خاص من الحشرات التي تحيا حياة تكافلية رائعة في مستعمرات منظمة تنظيما دقيقا‏ ,‏ وقد وهب الله‏ (تعالى‏)‏ الشغالات من إناثها القدرة علي إنتاج عسل النحل وما يصاحبه من منتجات أخرى جعل فيها شفاء للناس‏ .‏
ويدور المحور الرئيسي لسورة النحل حول العقيدة الإسلامية ومن ركائزها ‏:‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ منزها عن الشريك‏ ,‏ والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة‏ ,‏ والولد وعن غير ذلك من صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله ـ والإيمان بملائكة الله‏ ,‏ وبكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ وبحقيقة الوحي الذي أنزله علي فترة من أنبيائه ورسله الذين اصطفاهم بعلمه من بين خلقه‏ ,‏ وبعثهم إلى مختلف الأمم في مختلف الأماكن والأزمنة‏ ,‏ ثم أكمله‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏ وحفظه في بعثة خاتم أنبيائه ورسله سيد الأولين والآخرين‏ ,‏ سيدنا محمد بن عبد الله‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ,‏ وعلى من تبعه وتبعهم بإحسان إلى يوم الدين‏) .‏
والله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ يقول ‏:‏
" وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً " ‏(‏الإسراء‏:15)‏ .
ولما كان سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ هو خاتم أنبياء الله ورسله‏ ,‏ تعهد الحق‏ (سبحانه‏)‏ بحفظ رسالته الخاتمة إلى يوم الدين‏ ,‏ في نفس لغة وحيها‏ (اللغة العربية‏)‏ وحفظها من التبديل والتحريف والتغيير حتى تبقي حجة قائمة علي جميع خلقه إلى قيام الساعة ولذلك قال‏ (عز من قائل‏) :‏
" إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ " ( الحجر‏:9) .
ومن ركائز العقيدة الإسلامية ‏:‏ الإيمان بأن الله‏ (تعالى‏)‏ يعلم السر والنجوى‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه‏)‏ رءوف بعباده‏ ,‏ وأنه علي كل شيء قدير‏ ,‏ وأن أمره بكن فيكون وأنه لا يحب المتكبرين‏ ,‏ وأنه صاحب الأمر والنهي‏ ,‏ والفعل والترك في السماوات والأرض‏ ,‏ ومن هنا كانت الحاكمية له وحده‏ ,‏ ومن ثم الحق في التحليل والتحريم الذي لا يجوز أن ينازعه فيه منازع‏ .‏
ومن أصول العقيدة الإسلامية كذلك الإيمان بأن مهمة الأنبياء‏ ,‏ والمرسلين مقصورة علي التبليغ عن الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ وترك حرية الاختيار كاملة لكل إنسان‏ ,‏ ليلقى جزاءه‏ ,‏ في الآخرة علي أساس من هذا الاختيار لأن من أصول الإسلام العظيم أنه لا إكراه في الدين‏ .‏
ومن ركائز العقيدة الإسلامية أيضا الإيمان بحقيقة البعث‏ ,‏ وبضرورته وحتميته‏ ,‏ والإيمان بحقيقة الحساب والجزاء‏ ,‏ والجنة والنار‏ ,‏ والميزان والصراط‏ ,‏ والعرض الأكبر أمام الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
ومن هذه العقيدة الخالدة‏:‏ الإيمان بأن الله‏ (جلت قدرته‏)‏ قد وهب الناس عقولا تفهم وتدرك‏ ,‏ وإرادة حرة تختار وتوجه‏ ,‏ وبين لهم طريق الاستقامة المفضي إلى كل خير‏ ,‏ وطرق الانحراف المفضية إلى كل شر‏ ,‏ وترك الخيار كاملا لكل فرد‏ .‏
ومن هذه العقيدة الإسلامية ‏:‏ الإيمان بأن جميع ما ومن في السماوات والأرض خاضع لله‏ (تعالى‏)‏ بالعبودية الكاملة ساجد لجلاله‏ ,‏ مسبح بحمده‏ ,‏ وأن الدين كله لله وحده لا يشاركه في هذا مشارك‏ ,‏ ولا ينازعه منازع‏ ,‏ وقد استشهدت السورة الكريمة بعدد من الحقائق العلمية الكائنة في الخلق علي صدق ذلك كله‏ .‏ هذا وقد سبق لنا استعراض الإشارات الكونية في سورة النحل ولا أرى داعيا لتكرار ذلك هنا‏ .‏

عرض موجز لسورة النحل :
تبدأ سورة النحل بالتحذير من كل من فجائية الآخرة والوقوع في جريمة الشرك بالله‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " (النحل‏:1)‏ .
ثم تتابع الآيات بتأكيد حقيقة الوحي الذي أنزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ علي من اصطفي من أنبيائه ورسله لينذروا بالحقيقة الأزلية‏:‏ أنه لا إله إلا الله‏ ,‏ وأن علي الخلق أجمعين أن يتقوا الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وأن ينزهوه عن جميع صور الشرك لأنه‏ (تعالى‏)‏ هو خالق السماوات والأرض بالحق ومسخر كل شيء فيهما‏ ,‏ وخالق الإنسان‏ ,‏ والأنعام والخيل والبغال والحمير وخالق كل شيء‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه‏)‏ منزل الماء من السماء‏ ,‏ ومنبت كل أنواع الزروع والأشجار والثمار‏ ,‏ ومسخر البحر للإنسان بكل ما فيه لعله أن يكون من الشاكرين لله‏ ,‏ وأنه هو الذي ألقي في الأرض رواسي كي لا تميد وتضطرب بمن عليها من الخلق‏ ,‏ وشق الأنهار والفجاج والسبل‏ ,‏ وجعل من تضاريس الأرض‏ ,‏ ونجوم السماء علامات للمهتدين بها في كل من وضح النهار وظلمة الليل‏ .‏

وتقرر الآيات اقتصار ذلك كله علي الله الخالق فتخاطب الخلق جميعا بقوله‏ (تعالى‏) :‏ " وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ . أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ  . وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ  . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ  . وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ  . أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ  . إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ  . لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ  . وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ  . لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ  " ‏(النحل‏:16‏ ـ‏25) .‏
وتستشهد الآيات علي عقاب الماكرين من الأمم السابقة بوصف ينطبق على ما تحدثه الزلازل في زماننا‏ ,‏ وتهددهم بعقاب أخزى في نار جهنم يوم القيامة جزاء شركهم بالله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ بينما يكرم المتقون في جنات عدن التي لهم فيها ما يشاءون‏ .‏
وتعتب الآيات علي المشركين بعد أن جاءهم الحق المبين في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فتقول ‏:‏
" هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ  " (النحل‏:34,33) .‏
وردت الآيات على دعاوى المشركين في محاولاتهم التنصل من جريمة الشرك في يوم القيامة‏ ,‏ مؤكدة أن ما علي الرسل إلا البلاغ المبين‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد بعث في كل أمة رسولا يدعوهم إلى التوحيد الخالص لذاته العلية وإلى عبادته وحده‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بغير شريك ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ واجتناب الطواغيت من كل شكل ولون‏ ,‏ وطالبت بالسير في الأرض للاعتبار بعواقب المكذبين من الأمم السابقة‏ .‏
وتخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ "‏ (النحل‏:37)‏ .
والخطاب موصول لأتباع هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إلى يوم القيامة‏:‏ ألا يحزنوا علي شرك المشركين‏ ,‏ وعلى ضلال المضلين بعد أن يبلغوهم كلمة الله‏ ,‏ وألا يألموا لتكالب أهل الباطل على أهل الحق‏ ,‏ أو لتطاول بعض الجبناء منهم وتسترهم خلف شاشات شبكة المعلومات الدولية ليبثوا سمومهم وأحقادهم‏ ,‏ وضلالاتهم ضد الإسلام وكتابه ورسوله‏ ,‏ فالحق يعلو ولا يعلى عليه‏ " والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏ " .‏
وترد الآيات على المكذبين بالبعث بأنه من ضرورات تبيان الحق من الباطل‏ ,‏ وتوفية الجزاء لأهل كل فريق‏ ,‏ مؤكدة أن أمر الله‏ (تعالى‏)‏ إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون‏ .‏
ثم تمدح الآيات المهاجرين في سبيل الله من بعد ما ظلموا مؤكدة وفاء الله‏ (تعالى‏)‏ أجورهم لهم في الدنيا قبل الآخرة وفي ذلك تقول ‏:
" لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ " (النحل‏41) .‏
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ  . بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "‏ (النحل‏:44,43) .‏
وتتهدد الآيات الذين مكروا السيئات من الكفار والمشركين بعقاب الله السريع‏ ,‏ مؤكدة أن كل ما في السماوات والأرض من دابة والملائكة يسجدون لله‏ (تعالى‏)‏ في خضوع وانصياع تامين ويفعلون ما يؤمرون‏ ,‏ ناهية عن الشرك بالله‏ ,‏ جازمة أنه إله واحد‏ (لا اثنين‏) ,‏ مطالبة بخشية الله ورهبته وتقواه‏ ,‏ ومؤكدة أن ما بالخلق من نعم فهي من الله الذي يجأر إليه كل صاحب ضر‏ ,‏ ثم إذا كشف الضر عنهم إذا فريق منهم بربهم يشركون وتتهدد الآيات هؤلاء المشركين بعقاب الله لهم علي شركهم كما تتهدد كل متطاول علي الذات الإلهية بوصف لا يليق بجلاله‏ .‏ مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏
" وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ " (النحل‏:61) .‏
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ له ‏:‏
" تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  . وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ  " (النحل‏:64,63) .‏
ثم استعرضت السورة الكريمة عددا من آيات الله في الكون الدالة علي طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏ ,‏ مستهجنة عبادة غير الله‏ (تعالى‏) ,‏ ضاربة الأمثال لذلك الشرك البغيض الذي لا مبرر له‏ ,‏ مؤكدة أن :
" لِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (النحل‏:77)‏ .
وعاودت السورة الكريمة استعراض عدد آخر من آيات الله في الكون‏ ,‏ وتوجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" فَإِنَّ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ " (النحل‏:82) .‏
ثم عرضت سورة النحل لموقف الكفار والمشركين في يوم القيامة‏ ,‏ ولجانب من ذلهم وعذابهم‏ ,‏ وعاودت توجيه الخطاب إلى الرسول الخاتم‏ (عليه من الله السلام‏)‏ وذلك بقول الله‏ (تعالى‏)‏ له ‏:‏
" ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم‏ ,‏ وجئنا بك شهيدا على هؤلاء‏ ,‏ ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدي ورحمة وبشرى للمسلمين‏ " (النحل‏:89) .‏
وبعد ذلك تعرض السورة الكريمة لعدد من القيم الأخلاقية العليا التي يدعو القرآن الكريم إليها‏ ,‏ وتوجه الحديث مرة سادسة إلى سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك بقول الله‏ (تعالى‏)‏ له ‏:‏
" فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ  . إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  . إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ  " (النحل‏:98‏-‏100) .‏
وأشارت السورة الكريمة إلى قضية نسخ بعض الأحكام لحكمة يعلمها الله‏ (تعالى‏)‏ بعلمه المحيط فتقول مخاطبة رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏
" وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ  . قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ  . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ  . إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  " (النحل‏:101‏-‏104) .‏
وتعاود الآيات استهجان الكفر بالله‏ ,‏ وامتداح موقف الذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا‏ .‏ مؤكدة أن الله‏ (تعالى‏)‏ سوف يغفر لهم ويرحمهم في يوم الفزع الأكبر " يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون " (النحل‏:111)‏ .
وضربت السورة الكريمة مثلا آخر علي عقاب الكفر بأنعم الله‏ ,‏ وذكرت بعض المحرمات من الطعام‏ ,‏ وأكدت أن الحاكمية والتشريع لله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ وأشارت إلى ما حرم الله‏ (تعالى‏)‏ على اليهود الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله‏ ,‏ وامتدحت السورة الكريمة إبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ ثم وجهت الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين مؤكدة على حقيقة وحدانية الله‏ ,‏ ووحدة الرسالة السماوية‏ ,‏ وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏

" ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ " (النحل‏:123) .‏
وأشارت السورة الكريمة إلى اختلاف اليهود في أمر يوم السبت الذي لم يكن تعظيمه من شرائع الله المفروضة عليهم‏ ,‏ وإنما فرض عليهم ترك العمل فيه عقابا لهم لعصيانهم أمر الله‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ سوف يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون‏ ,‏ وتختتم السورة الكريمة بمجموعة من الوصايا النبيلة من الله(تعالى‏)‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ولكل من تبعه علي الحق إلى يوم الدين يقول له فيها‏ :‏
" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ  . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ  . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ  " (النحل‏:125‏-‏128) .

من آيات الدعوة إلى مكارم الأخلاق في سورة النحل ‏:‏
‏(1)‏ الدعوة إلى التواضع لأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يحب المستكبرين‏ .‏
‏(2)‏ النهي عن ظلم النفس بالكفر بالله‏ (تعالى‏)‏ أو الشرك به‏ .‏
‏(3)‏ الدعوة إلى إحسان العمل في الدنيا ليلقى جزاء ذلك في الدنيا والآخرة‏ .‏
‏(4)‏ مطالبة الخلق بتقوى الله‏ (تعالى)‏ في السر والعلن‏ ,‏ وبتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
‏(5)‏ نصح الناس بالصبر علي المكاره‏ ,‏ وبالتوكل على الله‏ (تعالى‏)‏ حق التوكل‏ .‏
‏(6)‏ عدم الجحود بنعمة الله أو الكفر بها‏ ,‏ والاستقامة علي طريقه‏ ,‏ وطاعته في كل أمر‏ .‏
‏(7)‏ الأمر بالعدل بين الناس‏ ,‏ والإحسان إليهم‏ ,‏ وإيتاء ذي القربى‏ ,‏ والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي‏ .‏
‏(8)‏ الأمر بالوفاء بالعهود‏ ,‏ وبعدم نقض الأيمان بعد توكيدها‏ .‏
‏(9)‏ الإيمان بالتعددية العرقية‏ ,‏ والعقدية‏ ,‏ والفكرية في ظل الأخوة الإنسانية العامة‏ ,‏ وبالصبر علي الناس طلبا لمرضاة الله‏ (تعالى‏) , .‏
‏(10)‏ النصيحة بعدم تولي الشيطان‏ ,‏ والبعد عنه والاستعاذة بالله منه‏ .‏
‏(11)‏ النهي عن الكذب على الله‏ (تعالى‏)‏ وعلى رسوله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وعلي خلقه أجمعين‏ .‏
‏(12)‏ النصيحة بعدم استحباب الحياة الدنيا على الآخرة‏ ,‏ والنهي عن الغفلة عن حقيقة رسالة الإنسان في هذه الحياة‏ .‏
‏(13)‏ الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله‏ (تعالى‏)‏ وإلى الاصطبار على ذلك‏ ,‏ والهجرة إذا تعرض المسلم إلى الابتلاء والفتن‏ .‏
‏(14)‏ التوجيه بأكل الحلال الطيب‏ ,‏ وباجتناب المحرمات‏ (من مثل الميتة‏ ,‏ والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله تعالى به‏) .‏
‏(15)‏ الإيمان بأن الحاكمية لله‏ (تعالى)‏ وحده ومن ثم فإن له وحده الحق في التحليل والتحريم‏ .‏
‏(16)‏ التحذير من الوقوع في الفتن ومن أخطرها فتنة الكفر بعد الإيمان‏ ,‏ والوصية بالتوبة إلى الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وإصلاح النفس بعد كل سوء يعمل بجهالة‏ ,‏ أو خطأ يرتكب في غفلة‏ .‏
‏(17)‏ التوصية بأن تكون الدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يكون الجدل مع الآخرين بالتي هي أحسن‏ ,‏ وأن يكون العقاب بالمثل في حالات التكافؤ‏ ,‏ والعفو والصبر عند الله‏ (تعالى‏)‏ أفضل لأن الله تعالى هو دوما مع الذين اتقوا والذين هم محسنون‏ .‏



من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏ " وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِّلشَّارِبِينَ " (النحل‏:66)‏ .
ذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ وإن لكم أيها الناس في الإبل والبقر والغنم لموعظة تعتبرون بها‏ ,‏ وتنتقلون في هداها من الجهل إلى العلم بالصانع المبدع الحكيم‏ ,‏ ونسقيكم من بعض ما في بطونها من بين فضلات الطعام والدم لبنا صافيا لذيذا سهل التناول للشاربين‏ .‏
وبقية المفسرين ذكروا كلاما مشابها لا أرى ضرورة لتكراره هنا‏ .‏ إلا أن تعليق الخبراء بالهامش جاء فيه النص التالي‏:‏ توجد في ضروع الماشية غدد خاصة لإفراز اللبن تمدها الأوعية الشريانية بخلاصة مكونة من الدم‏ ,‏ والكيلوز‏ ,‏ وهو خلاصة الغذاء المهضوم‏ ,‏ وكلاهما غير مستساغ طعما‏ ,‏ ثم تقوم الغدد اللبنية باستخلاص العناصر اللازمة لتكوين اللبن من هذين السائلين ‏:‏ الدم والكيلوز‏ ,‏ وتفرز عليهما عصارات خاصة تحيلهما إلى لبن يختلف في لونه ومذاقه اختلافا تاما عن كل منهما‏ .

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا ‏:‏ ماهية الأنعام‏ :‏
يطلق العرب لفظة‏ (الأنعام‏)‏ أساسا على الإبل‏ ,‏ وإن شملت بالإضافة إلى الإبل كلا من البقر‏ ,‏ والغنم‏ ,‏ والماعز‏ ,‏ ولذا تعرف بالمال الراعية‏ ,‏ وواحد‏ (الأنعام‏) (النعم‏)‏ قال الفراء هو ذكر لا يؤنث لأنهم يقولون هذا نعم وارد‏ ,‏ وجمعه‏ (نعمان‏)‏ كحمل وحملان‏ ,‏ وجمع الجمع‏ (أنعام‏)‏ و‏(‏أناعيم‏) .‏
واسم‏ (الأنعام‏)‏ مستمد من‏ (النعمة‏)‏ وهي اليد والصنيعة والمنة لأنها من أجل ما‏ (أنعم‏)‏ الله به على الإنسان من خلائق‏ .‏ و‏(‏النعمي‏)‏ و‏(‏النعماء‏)‏ و‏(‏النعيم‏)‏ مستمدة كذلك من‏ (النعمة‏) .‏ يقال‏ :‏ فلان واسع النعمة أي واسع الرزق ومنه المال‏  . ‏
والأنعام من الحيوانات الثديية‏ (اللبونة‏) ,‏ والثدييات هي طائفة من طوائف الحيوانات اختصها الله‏ (تعالى‏)‏ بالقدرة على إفراز اللبن من بين فرث ودم لإرضاع صغارها حتى تكبر‏ ,‏ ولذلك ميزها الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بعدد من الغدد الخارجية القادرة على إفراز اللبن تعرف باسم الأثداء أو الضروع‏  .‏ وعلى الرغم من قلة عدد أنواع الثدييات‏ (حوالي الأربعة آلاف نوع‏)‏ إلا أنها تتوزع توزعا فاعلا في جميع بيئات الأرض‏ ,‏ وتلعب دورا مهما في تبادل المادة والطاقة بينها وبين تربة الأرض قل أن تشاركها فيه مجموعة أخري من مجموعات الحياة الأكثر عددا مثل الحشرات والطيور‏  .‏ فمن الثدييات ما يعيش على اليابسة مثل الجمال‏ ,‏ والأبقار‏ ,‏ والغنم‏ ,‏ والماعز‏ ,‏ والزراف‏ ,‏ والغزلان‏ ,‏ والأحصنة‏ ,‏ والبغال‏ ,‏ والحمير‏ ,‏ والفيلة‏ ,‏ والكلاب‏ ,‏ والقطط‏ ,‏ والنمور‏ ,‏ والأسود‏ ,‏ وغيرها‏ .‏ ومنها ما يعيش في الماء كالحيتان والدلافين‏ ,‏ ومنها ما يطير في الهواء كالخفافيش ‏.‏ وطائفة الثدييات من ذوات الدم الحار التي تتميز بوجود غطاء من الشعر أوالصوف يغطي أجسادها في أغلب الأحوال‏ ,‏ وبأعداد من الغدد العرقية التي تعمل علي حفظ درجة حرارة الجسم في حدود مناسبة‏ ,‏ وبأجهزة عصبية معقدة‏ ,‏ وبوجود الضلوع في الجزء الصدري فقط حتى تتلاءم مع أجهزتها التنفسية‏ ,‏ حيث توجد الرئتان في فراغ خاص بهما مفصول عن فراغ كل من القلب والبطن ‏.‏ ومعظم الثدييات من الحيوانات الولودة‏ ,‏ التي تلد صغارها كاملة النمو‏ ,‏ وترضعها الأم من لبنها حتى تفطم‏ .‏

ويمتد تاريخ الثدييات علي الأرض إلى حوالي ‏(185)‏ مليون سنة مضت‏ (من العهد الجوري المبكر‏)‏ وإن كانت أغلب الأنواع المعروفة لنا اليوم لا يتعدي وجودها على الأرض‏ (90)‏ مليون سنة‏ (منذ بدايات العهد الطباشيري المتأخر‏) ,‏ ولم يزدهر انتشارها علي الأرض إلا منذ حوالي (50)‏ مليون سنة فقط‏ (في عهد الإيوسين أو فجر الحياة الحديثة‏) .‏ ومن الثدييات ما يأكل الأعشاب‏ ,‏ ومنها ما يأكل الحشرات‏ ,‏ ومنها أكلات اللحوم‏ ,‏ ومنها آكلات اللحوم والأعشاب‏ ,‏ ولذلك تتمايز أسنانها إلى قواطع وأنياب وضروس ‏ .‏ والأنعام من الثدييات آكلات الأعشاب ذات الحافر مزدوج الأصابع‏ ,‏ والتي ميزها الله‏ (تعالى‏)‏ بالاجترار‏ ,‏ وهيأ لها جهازا هضميا خاصا قادرا علي هضم كل من الأعشاب‏ ,‏ وأوراق الأشجار‏ ,‏ وغير ذلك من الأعلاف الخشنة‏ ,‏ وزودها بقدر من الميكروبات التي تتعايش معها لتعينها علي هضم المواد السيليولوزية المعقدة في معدة الاجترار‏ ,‏ وتزيد من القيمة الغذائية لها بتحويل النيتروجين العضوي الناتج عن عملية تخمر الطعام إلى عدد من الأحماض الأمينية‏ ,‏ وتجهيز أعداد من الفيتامينات المهمة‏  .‏ أما الثدييات ذات الحافر أحادي الأصابع فتشمل الأحصنة وأشباهها‏ ,‏ والفيلة وأشباهها‏ ,‏ ولذلك كان في فصل كل من الخيل والبغال والحمير عن الأنعام في مطلع سورة النحل إشارة ضمنية لتلك الفوارق‏ ,‏ وإلى التشابه التشريحي والوظيفي بينها حيث إن كلها من الثدييات اللبونة‏  .‏

ثانيا‏ :‏ تكون اللبن من بين فرث ودم في ضروع الأنعام :‏
يتكون اللبن أساسا من البروتينات‏ ,‏ والكربوهيدرات‏ ,‏ والدهون‏ ,‏ والعديد من العناصر‏ ,‏ والفيتامينات‏ ,‏ والماء‏ .‏ وكل ذلك يستمد من غذاء الحيوان وشرابه ومن دمه والذي وصفته هذه الآية الكريمة بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ من بين فرث ودم‏ ,‏ والفرث هو الأشياء المأكولة والمنهضمة بعض الانهضام في الكرش‏ ,‏ ولذا يطلق عليه أحيانا ثقل الكرش‏ ,‏ فإذا خرجت من الكرش سميت روثا ‏ .‏
ولقد صمم الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ضروع الأنعام وضروع غيرها من الحيوانات الثديية‏ (اللبونة‏)‏ بحكمة بالغة كي يمكنها من إنتاج اللبن لإرضاع صغارها‏ ,‏ واستفادة الإنسان منه‏ .‏ فضروع الأنعام رباعية التركيب‏ ,‏ وتتدلي بأربطة خاصة من الحوض لرفعها عن الأرض‏ ,‏ ولامتصاص ما قد تتعرض له من صدمات خاصة عندما تمتلئ باللبن‏ ,‏ ويثقل وزنها ‏ .‏
وكل ربع من الضرع يعمل مستقلا في إنتاج وتخزين اللبن‏ ,‏ وهو يتكون من العديد من الغدد اللبنية المبطنة لجداره والمتصلة مع بعضها البعض بالشعيرات الدموية المغذية لها‏ ,‏ وينتهي الضرع بالحلمة التي تمثل نهاية قناة اللبن ويحكم شكلها‏ ,‏ ووضعها‏ ,‏ وطولها‏ ,‏ وزاوية ميلها‏ ,‏ والعضلات المتحكمة فيها ضوابط وراثية في غاية من الدقة تحكم تدفق اللبن فيها‏ ,‏ وتمنع تسربه منها إلا عند الضرورة‏ ,‏ كما تضبط إحكام غلقها حتى لا تتسرب إليه البكتيريا وغيرها من الملوثات الحيوية وغير الحية ‏.‏

والغدد اللبنية المبطنة لضروع الأنعام هي غدد ذات فراغات كبيرة‏ (أسناخ‏)‏ يتكون فيها اللبن باستخلاصه من الشرايين الحاملة للدم المؤكسد‏ ,‏ والأوعية اللمفاوية الحاملة لسوائلها العديمة اللون‏ (الليمف‏)‏ وما بها من مواد غذائية مستمدة من الفرث المهضوم هضما جزئيا في معدة الحيوان‏  .‏ وفي اللبن العديد من المركبات التي تنتج عن تخمر العلف في معدة الاجترار لتكوين عدد من الأحماض الدهنية المتطايرة التي تذهب إلى الكبد لإنتاج سكر العنب‏ (الجلوكوز‏)‏ الذي يحمله الدم إلى الخلايا المفرزة للبن في الضروع فينتج منه سكر اللبن اللاكتوز ‏ .‏ أما المواد البروتينية فتنتج في الخلايا المفرزة للبن من الأحماض الأمينية التي يحملها إليها الدم من معدة الاجترار‏ (الفرث‏) ,‏ هذا باستثناء كل من المواد الزلالية‏ ,‏ والجلوبينات المناعية ‏(Immunoglobulins)‏ التي ينقلها الدم مباشرة إلى الخلايا المفرزة للبن وكذلك اللبأ ‏colostrum))‏ الذي يتكون في الفترات المتأخرة من الحمل في أماكن أخري من جسم الحيوان وينقله الدم مباشرة إلى ضروعة‏ ,‏ وغالبية الدهون في اللبن تنتج أصلا من الزيوت والدهون النباتية المستمدة من العلف والمهضومة هضما جزئيا في معدة الاجترار‏ (الفرث‏)‏ حيث تجهز تلك الدهون ثم ينقلها الدم إلى الغدد المفرزة للبن في الضرع وهنا تتكسر إلى رقائق صغيرة حتى تتمكن من اختراق جدر خلايا تلك الغدد‏ .‏ وعلي ذلك فإن تمام عملية اجترار الأعلاف التي يتناولها الواحد من الأنعام بكفاءة‏ ,‏ وعملية تخمرها في معدة الاجترار بكفاءة كذلك مسئولان عن زيادة أو نقص الدهون في اللبن ‏ .‏ وفي اللبن العديد من أثار العناصر التي من أهمها‏ :‏ الكالسيوم‏ ,‏ والفوسفور‏ ,‏ والبوتاسيوم‏ ,‏ والمغنيسيوم‏ ,‏ ويليها في الأهمية كل من الصوديوم‏ ,‏ والكلور وكلها مستخلصة من غذاء الحيوان‏ (العلف‏)‏ بعد تخمره في معدة الاجترار‏ (الفرث‏) ,‏ وتوجد هذه العناصر مرتبطة بالأحماض الأمينية المتولدة من تخمر الطعام‏ ,‏ وتنتقل إلى اللبن في المادة المسببة لعمليات تجبن اللبن والمعروفة باسم الجبنين أو الكازين ‏(Casein) .‏ وعند تنشيط خلايا إفراز اللبن فإنه يتدفق منها إلى فراغات الأنساخ التي تتضاغط بواسطة طبقة عضلية محيطة بها فتدفع اللبن إلى عدد من القنوات الرئيسية التي تنتهي إلى قناة الحلمة ومنها إلى الخارج أثناء أي من عمليتي الرضاع أو الحلب ‏ .‏
وحركة الدم بين معدة الاجترار بصفة خاصة وبين باقي أجزاء جسم الحيوان بصفة عامة وبين ضرع الحيوان من جهة أخري هي عملية أساسية في إنتاج اللبن فيها حيث يتم ضخ حوالي خمسمائة لتر من الدم إلى الغدد اللبنية في ضرع الحيوان من الأنعام الكبيرة كالإبل والبقر لتوفير المواد اللازمة من البروتينات‏ ,‏ والكربوهيدرات‏ ,‏ والدهون‏ ,‏ والعناصر والفيتامينات والهرمونات اللازمة لرضعة أو حلبة واحدة بقدر كاف‏ .‏
ويستمر تدفق اللبن إلى ضرع الحيوان مادامت الظروف الصحية له‏ ,‏ والبيئية المحيطة به ملائمة من حيث توافر التغذية المناسبة‏ ,‏ والماء العذب‏ ,‏ والهدوء النسبي‏ ,‏ ومادامت عمليتا الحلب والرضاع تتمان بانتظام‏ ,‏ وفي غيبة ذلك فإن الغدد المفرزة للبن تبدأ في الانكماش والالتفاف على ذاتها‏ ,‏ وتجف تدريجيا حتى يتوقف تدفق اللبن منها‏  .‏
وهذه الغدد المفرزة للبن والتي تبطن فراغات أسناخ الضرع تتكون من خلايا متخصصة علي أعلي درجات التخصص حيث إنها تتحكم بمشيئة الله في كمية اللبن المفرز وتركيبه‏ ,‏ وهي في نفس الوقت محكومة بسنن وراثية منضبطة‏  .‏ وبالنسبة لأنثى الأنعام الحامل فإنه عند اقتراب وقت المخاض فإن جسمها يفرز عددا من الهرمونات الخاصة التي تضعف من ارتباط الجنين بجسم الأم عن طريق المشيمة بالتدريج‏ ,‏ وتثير في الجسم كله تحرك المركبات اللازمة لإنتاج اللبن‏ ,‏ وتصل الإشارة الهرمونية من جسم الجنين إلى الغدة النخامية للأم‏ ,‏ وعلي الفور يبدأ في جسدها سلسلة من التغيرات الهرمونية التي تعين في إتمام عملية المخاض والولادة‏ ,‏ وتنبه الضرع لإنتاج اللبن ‏ .‏ وكمية اللبن المتدفق في الحالين‏ (الرضاعة أو الحلب‏)‏ تتأثر بالعديد من التفاعلات العصبية والهرمونية التي يثيرها في جسم الحيوان عدد من حواسه كالنظر‏ ,‏ والسمع‏ ,‏ واللمس‏ ,‏ وهذه تصل إلى الغدة النخامية فتطلق هرمونا خاصا يعرف باسم هرمون الأكسيتوسين ‏
(
Oxytocin)‏ في الدم الذي يحمله بدوره إلى الخلايا العضلية المبطنة لجدر أسناخ الضرع فتنقبض حتى يفيض اللبن إلى فراغ كل واحد من أثداء الضرع‏ ,‏ وعلي النقيض من ذلك فإن المؤثرات السلبية علي الحيوان مثل الضجيج المزعج‏ ,‏ واضطراب الظروف البيئية المحيطة‏ ,‏ والآلام التي يعانيها قد تشجع علي إفراز هرمون الأدرينالين الذي ينقص نزول اللبن بشكل ملحوظ أو يوقفه تماما‏ .‏

ثالثا‏ : ‏الإشارة إلى الأنعام بالتذكير والتأنيث ‏:‏
والإشارة القرآنية بالتذكير في لفظة‏ (بطونه‏)‏ في الآية الكريمة التي نحن بصددها‏ ,‏ والإشارة إلى نفس اللفظة بالتأنيث في سورة المؤمنون‏ (مما في بطونها‏)‏ جاءت باعتبار أن الأنعام يذكر ويؤنث‏ .‏
وذكر بعض المتأخرين أن الضمير في الآية التي نحن بصددها جاء مذكرا ومفردا للإشارة إلى أن اللبن يتكون بأمر من هرمونات الذكورة‏ ,‏ وذلك لأن الأنثى لا تفرز اللبن إلا إذا تسببت نطفة الذكر في إخصاب البويضة‏ ,‏ وتكون الجنين‏ ,‏ وما يصاحب ذلك من إفراز هرمونات خاصة تعمل علي تنشيط الغدد اللبنية حتى تكتمل قدرتها علي إفراز اللبن بمجرد الولادة‏ ,‏ ومن هنا جاءت الإشارة في التعبير القرآني الكريم هنا بالإفراد والتذكير‏ (مما في بطونه‏)‏ لتأكيد تلك الحقيقة‏ ,‏ وبالجمع والتأنيث في سورة المؤمنون‏ (مما في بطونها‏)‏ للإشارة إلى الإنعام بصفة عامة‏ ,‏ وإلى إناثها بصفة خاصة ‏ .‏

وهذه الحقائق العلمية عن إخراج اللبن في ضروع الأنعام من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين‏ ,‏ لم تكن معروفة في زمن الوحي‏ ,‏ ولا لقرون متطاولة من بعده‏ ,‏ وورودها بهذه الإشارات البالغة الدقة والكمال والشمول والإيجاز في كتاب أنزل على نبي أمي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ من قبل أربعة عشر قرنا‏ ,‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين لما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه علي خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه حتى يكون حجة على جميع خلقه إلى قيام الساعة‏ ,‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله في كل وقت وآن‏ .‏ والصلاة والسلام على خاتم أنبياء الله وخاتم رسله أجمعين الذي تلقى هذا القرآن العظيم فبلغ الرسالة‏ ,‏ وأدى الأمانة‏ ,‏ ونصح الأمة‏ ,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏ ,‏ فنسأل الله‏ (تعالى‏)‏ أن يجزيه خير ما جازى به نبيا عن أمته‏ ,‏ ورسولا على حسن تبليغ رسالته‏ ,‏ وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة إن ربي لا يخلف الميعاد وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .