" اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (الزمر‏:62)


هذه الآية الكريمة جاءت في مطلع الخمس الأخير من سورة الزمر‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها خمس وسبعون بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم للإشارة فيها إلى سوق المجرمين من الكفار والمشركين في يوم القيامة إلى جهنم زمرا‏ ,‏ وإلى سوق المتقين من المؤمنين الموحدين إلى الجنة زمرا‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة وإن جاءت بها بعض اللمحات عن طبيعة النفس الإنسانية‏ ,‏ وعن مصائر المؤمنين والكافرين في الآخرة‏ ,‏ وعما أصاب المكذبين من الأمم السابقة‏ ,‏ وضربت السورة الكريمة عددا من الأمثال واحتوت على العديد من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق وفي تحقيق البعث‏ .‏

أولا‏:‏ ركائز العقيدة‏ :‏
من ركائز العقيدة التي أوردتها سورة الزمر مايمكن تلخيصه في النقاط التالية ‏:
‏(1)‏ أن القرآن الكريم هو تنزيل من الله العزيز الحكيم على خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلي الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏) ,‏ أنزله ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بالحق ـ قرآنا عربيا غير ذي عوج ـ يطالبه‏ (صلي الله علىه وسلم‏)‏ كما يطالب الناس جميعا بالإيمان به‏ ,‏ وبعبادة الله‏ (تعالى‏)‏ وحده بإخلاص وتجرد تامين‏ ,‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه ولا منازع‏ ,‏ ولا زوجة‏ ,‏ ولا ولد لأن الله‏ (تعالى‏)‏ منزه عن ذلك كله ومنزه عن كل وصف آخر لايليق بجلاله‏ ,‏ ولذلك فهو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لا يقبل من عباده إلا التوحيد الخالص لذاته العلية‏ .‏
‏(2)‏ إن الذين اتخذوا من دون الله أولياء يعبدونهم من دون الله‏ ,‏ بدعوي أنهم يقربونهم إلى الله زلفى‏ ,‏ هم كاذبون في ادعائهم‏ ,‏ وافترائهم على الله‏ ,‏ وسوف يحكم الله‏ (تعالى‏)‏ فيهم يوم القيامة‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه‏)‏ لا يهدي من هو كاذب كفار‏ ,‏ لأنه لا يوجد من هو أظلم لنفسه ممن كذب على الله‏ ,‏ وكذب بالحق إذ جاءه‏ .‏
‏(3)‏ على الذين ادعوا لله ولدا بغير علم ولا هدي ولا سلطان مبين أن يعلموا أن الله‏ (تعالى‏)‏ غني عن الصاحبة والولد‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ لو أراد أن يتخذ ولدا لاصطفي مما يخلق مايشاء لأنه‏ (سبحانه‏)‏ هو الله الواحد القهار‏ .‏
‏(4)‏ إن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يرضي لعباده الكفر‏ ,‏ ولكنهم إن كفروا فالله غني عنهم‏ ,‏ وإن آمنوا وشكروا فالله يرضي عن ذلك منهم‏ ,‏ ولاتزر وازرة وزر أخرى‏ ,‏ والخلق جميعهم راجعون إلى الله فينبئهم بما كانوا يعملون‏ ,‏ وهو علىم بذات الصدور‏ .‏
‏(5)‏ إن الذين يشركون بالله قد يتمتعون قليلا في الدنيا‏ ,‏ ثم هم في الآخرة من أصحاب النار‏ .‏
‏(6)‏ من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه‏ ,‏ وأما الكفار والمشركون من أصحاب القلوب القاسية فهم في ضلال مبين‏ ,‏ والذي يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه يقف في عبادة الله قانتا آناء الليل ساجدا وقائما‏ ,‏ وغيره لاه في الدنيا حتى يفاجئه الموت , " أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ " (الزمر:9) .
‏(7)‏ إن للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة‏ ,‏ وإن تعرضوا لشيء من الابتلاء والإيذاء فعلىهم أن يهاجروا فأرض الله واسعة‏ ,‏ وعلىهم أن يصبروا لأن الصابرين يوفون أجورهم بغير حساب‏ .‏
‏(8)‏ من اهتدي فإنما يهتدي لنفسه‏ ,‏ ومن ضل فإنما يضل علىها‏ ,‏ ومن يهد الله فما له من مضل‏ ,‏ ومن يضلل فما له من هاد‏ ,‏ والرسول الكريم ما علىه إلا البلاغ‏ ,‏ فهو‏ (صلي الله علىه وسلم‏)‏ ليس على الناس بوكيل‏ ,‏ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون‏ .‏
‏(9)‏ أن رسول الله‏ (صلي الله علىه وسلم‏)‏ ـ ومن بعده كل المسلمين‏ ,‏ بل كل الناس ـ مأمورون بعبادة الله‏ (تعالى‏)‏ مخلصين له الدين وأن يكونوا لله‏ (تعالى‏)‏ من الشاكرين‏ .
‏(10)‏ الموت حق على العباد‏ ,‏ وكذلك البعث والنشور‏ .‏
‏(11)‏ أن الرزق من الله‏ ,‏ وهو‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر‏ .‏
‏(12)‏ أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الغفور الرحيم الذي يغفر الذنوب جميعا‏ .‏
‏(13)‏ أن كل بني آدم خطاءون‏ ,‏ وخير الخطاءين التوابون‏ ,‏ ومن هنا كانت المسارعة في التوبة إلى الله والإنابة إليه من أصول الدين‏ .‏
‏(14)‏ أن للآخرة نفختان ‏:‏ نفخة الصعق والتي تنفخ في الصور فيصعق بها من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله‏ ,‏ ونفخة البعث التي إذا نفخت في الصور فإذا هم قيام ينظرون‏ .‏

ثانيا ‏:‏ وصف مصائر كل من المؤمنين والكافرين ‏:‏
في المقابلة بين ذل الأشقياء المعذبين من أهل النار الذين كفروا بالله أو أشركوا به‏ ,‏ وبين تكريم السعداء المكرمين من أهل الجنة الذين آمنوا بالله واتقوه حق تقاته يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي . فَاعْبُدُوا مَا شيءتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ . وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ . الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ . أَفَمَنْ حَقَّ علىهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ . لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ " (الزمر‏:14-‏20).
ويقول‏ (عز من قائل‏) :‏
" أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ " (الزمر:24) .
وقوله‏ (سبحانه وتعالى‏) :‏ " فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ . وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ . لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ . لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ " (‏الزمر‏:32‏-‏35)‏ .

ثالثا ‏:‏ استعراض جانب من مصائر الأمم السابقة‏ :‏
يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ ؛ فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ؛ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " (‏الزمر‏:25‏-‏27)‏ .

رابعا‏ًً :‏ ضرب الأمثال :
في سورة الزمر ضرب الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ المثل على الشرك بالله والتوحيد لذاته العلىا - ولله المثل الأعلى - بعبد مملوك لعدد من الشركاء المتشاجرين المتنازعين‏ ,‏ وعبد مملوك لرجل واحد لا يشاركه فيه أحد‏ ,‏ ولا ينازعه علىه أحد هل يستويان مثلا أي حالا وصفة فيقول‏ (عز من قائل‏) :‏ " ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ " (الزمر‏:29)‏ .

خامسا‏ًً :‏ الآيات الكونية :
جاء في سورة الزمر عدد غير قليل من الآيات الكونية الشاهدة لله‏ (تعالى‏)‏ بطلاقة القدرة في خلق الكون‏ ,‏ وبالقدرة على إفنائه‏ ,‏ وبالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا زوجة‏ ,‏ ولا ولد‏) ,‏ ومن هذه الآيات ما يلي ‏:‏
‏(1)‏
" خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ " (الزمر‏:5)‏ .
‏(2)‏ " خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ " (الزمر‏:6)‏ .
(‏3‏) " أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ " (الزمر‏:21)‏ .
(‏4‏) " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " (الزمر‏:30)‏ .
(‏5‏) " اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عليهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ " (‏الزمر‏:42)‏ .
(‏6‏) " قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ " (الزمر‏46)‏ .
(‏7‏) " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (الزمر‏:62)‏ .
(‏8) " وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " (‏الزمر‏:67)‏ .
(‏9) " وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ " (‏الزمر‏:69)‏ .
وكل آية من هذه الآيات تحتاج إلى معالجة خاصة في عرض جوانب الإعجاز العلمي التي جاءت بها‏ ,‏ ولما كان المقام لا يتسع لعرض هذه الآيات التسع كلها دفعة واحدة فسوف أقصر حديثي هنا على الآية السابعة فقط في القائمة السابقة‏ .‏ وقبل الدخول إلى ذلك أري لزاما على أن أعرض لأقوال عدد من المفسرين في شرح هذه الآية الكريمة‏ .

من أقوال المفسرين :
 على الرغم من ضخامة دلالتها‏ ,‏ فإن المفسرين قد أوجزوا في شرح هذه الآية الكريمة إيجازاً كبيرا‏ .‏ ففي شرح قوله‏ (تعالى‏) :‏ " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (الزمر‏:62)‏ .
ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما نصه‏:‏ أنه خالق الأشياء كلها‏ ,‏ وربها‏ ,‏ ومليكها‏ ,‏ والمتصرف فيها‏ ,‏ وكل تحت تدبيره‏ ,‏ وقهره‏ ,‏ وكلاءته‏ ...‏
وجاء في تفسير الجلالين‏ (رحم الله كاتبيه‏)‏ ما نصه‏ : (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل‏)‏ أي يتصرف فيه كيف يشاء .
وذكر صاحب الظلال‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ مانصه‏:‏ هذا القطاع الأخير في السورة يعرض حقيقة التوحيد من جانب وحدانية الخالق الذي خلق كل شيء‏ ,‏ المالك المتصرف في كل شيء‏ ,‏ فتبدد دعوة المشركين للنبي‏ (صلي الله عليه وسلم‏)‏ إلى مشاركتهم عبادة آلهتهم في مقابل ان يشاركوه عبادة إلهه‏!!‏ تبدو هذه الدعوة مستغربة‏ ,‏ والله هو خالق كل شيء‏ ,‏ وهو المتصرف في ملكوت السماوات والأرض بلا شريك‏ ,‏ فأني يعبد معه غيره‏ ,‏ وله وحده مقاليد السماوات والأرض؟‏!‏ .
وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزى الله كاتبيه خيرا‏)‏ ما نصه‏ :‏ الله خالق كل شيء ـ وهو وحده ـ على كل شيء وكيل‏ ,‏ يتولى أمره بمقتضى حكمته‏ .‏
وجاء في صفوة التفاسير‏ (جزى الله كاتبها خيرا‏)‏ ما نصه ‏: (الله خالق كل شيء‏)‏ أي الله جل وعلا خالق جميع الأشياء وموجد جميع المخلوقات‏ ,‏ والمتصرف فيها كيف يشاء‏ ,‏ لا إله غيره‏ ,‏ ولا رب سواه‏ (وهو على كل شيء وكيل‏)‏ أي‏ :‏ هو القائم على تدبير كل شيء‏ .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
تنص هذه الآية الكريمة على أن كل ما في الوجود بوجيه من عالم الغيب وعالم الشهادة هو من خلق الله الذي خلقه بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ ويرعاه برعايته و رحمته التي لو تخلت عن الوجود طرفة عين أو أقل من ذلك لانهار وانتهى‏ .‏ ومن مخلوقات عالم الغيب أخبرنا القرآن الكريم عن الملائكة والجن‏ ,‏ ومن مخلوقات عالم الشهادة أعلمنا بكل من الانسان والحيوان والنبات‏ (من الأحياء‏) ,‏ وبمختلف صور المادة والطاقة‏ (من الجمادات‏) ,‏ ومن الأماكن والأزمنة وهي من أبعاد الوجود المادي‏ .‏ وعملية الخلق بأبعادها الثلاثة‏:‏ خلق الكون‏ ,‏ خلق الحياة‏ ,‏ وخلق الإنسان عملية غيبية‏ ,‏ لم يشهدها الانسان ولذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في محكم كتابه ‏:‏ " مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ‏" ‏(‏الكهف‏:51)‏ .
على الرغم من ذلك يقول ربنا‏ (عز من قائل‏) :‏ " قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " (‏العنكبوت‏:20)‏ .

وبالجمع بين هاتين الآيتين الكريمتين يتضح لنا أنه على الرغم من أن الانسان لم يشهد عملية الخلق لأنها سابقة لوجوده‏ ,‏ إلا أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد ترك لنا في صخور الأرض‏ ,‏ وفي صفحة السماء من الشواهد الحسية ما يمكن أن يعين الانسان المؤمن بالله على الوصول إلى تصور صحيح عن كيفية الخلق‏ .‏ أما غير المؤمن فيري الشواهد الحسية ويلمسها بيديه ولكنه في محاولة نسبة الخلق إلى غير الله فإنه يتوه في سيل من الفروض والنظريات التي تحيد به عن الحق‏ ,‏ ولا توصله إلى شيء‏ .‏ ولذلك جاء التأكيد في هذه الآية الكريمة ‏:‏ " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ  " (الزمر‏:62)‏ . وفي العديد غيرها من الآيات القرآنية على حقيقة الخلق حتى لا يتوه المؤمنون في متاهات الضالين من الكفار والمشركين الذين ضلوا وأضلوا البشرية حتى في زمن العلوم والتقنية الذي نعيشه‏ .‏ من هنا جاء الفعل خلق بمشتقاته المختلفة ‏252‏ مرة في القرآن الكريم‏ ,‏ مؤكدا أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ .‏ متاهة الكافرين في قضيتي قدم الكون وتدرج عمارة الأرض بالحياة في محاولة لنفي الخلق وإنكار الخالق ادعي الكافرون منذ القدم بأزلية العالم‏ ,‏ وجاءت الكشوف العلمية المثبتة لقدم الكون‏ ,‏ وقدم الحياة على الأرض فتصور الملحدون في ذلك دعما لدعواهم‏ .‏
كذلك جاءت عملية اكتشاف التدرج في الخلق ابتداء من خلق اللبنات الأولية للمادة‏ ,‏ إلى خلق كل من الجمادات والنباتات والحيوانات حتى توجت الحياة بخلق الإنسان ذلك المخلوق المكرم كما وصفه الحق‏ (تبارك وتعالى‏) ,‏ جاءت تلك الكشوف فتخيل فيها الكافرون دعما لدعواهم الباطلة بعشوائية الخلق مما لايقوم عليه دليل واحد‏ .‏ فربنا‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ خلق الخلق كله على مراحل متطاولة - وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون - وذلك لسببين واضحين‏ :‏

أولهما‏ :‏
 أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أراد بذلك أن يتيح للانسان المتدبر في الكون الفرصة الكافية لفهم سنن الله الحاكمة للوجود كله حتى يتمكن من حسن توظيفها في عمارة الأرض‏ ,‏ كما يتمكن من أن يرى من خلالها شيئا من قدرة الخالق العظيم‏ ,‏ وعلمه‏ ,‏ وحكمته‏ ,‏ فيسجد له بالعبادة والطاعة‏ ,‏ ويرى الوحدة في بناء الكون وهي الناطقة بوحدانية الخالق العظيم‏ ,‏ كما يرى الزوجية في جميع المخلوقين من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان شاهدة لله الخالق بكمال الوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏ ,‏ تلك الوحدانية التي لاينازعه فيها منازع‏ ,‏ ولا يشاركه شريك‏ ,‏ فالجميع إبداع خلقه‏ ,‏ وتمام صنعته فكيف يجرؤ أحدهم على أن يتطاول إلى مقام الألوهية؟ "‏ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أليمٌ " ‏(‏المائدة‏:73)‏ .

ثانيهما‏ :‏
 أن الزمن إذا كان حدا من حدود الإنسان‏ ,‏ ومن حدود غيره من المخلوقات‏ ,‏ فهو من خلق الله‏ ,‏ والمخلوق لا يحد الخالق أبدا‏ ,‏ فمهما يتطاول الزمن فهو بين أصبعين من أصابع الله‏ (تعالى‏)‏ يتحكم فيه كيف يشاء‏ .‏ وبدلا من فهم القضية في هذا الإطار اندفع دعاة المادية إلى الافتراض الخاطئ بنفي الخلق‏ ,‏ وإنكار الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بدعوى أزلية الخلق‏ ,‏ أو عشوائيته‏ ,‏ وهما افتراضان يتعارضان مع جميع الملاحظات العلمية الدقيقة في صخور الأرض‏ ,‏ وفي صفحة السماء‏ ,‏ ومن هنا جاءت الآية القرآنية الكريمة التي نحن بصددها‏ ,‏ كما جاء غيرها من مئات الآيات شاهدة بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ مما يتنافى مع الادعاء بأزلية الوجود أو العشوائية في الخلق‏ .‏ قِدَم الكون وانتفاء أزليته وأبديته يؤكدان حقيقة خلق الأجسام الباردة‏ ,‏ ولو كان الكون أزليا كما يدعي المبطلون لتساوت حرارة جميع الأجسام فيه وانتهي وجوده منذ زمن بعيد‏ ,‏ واستمرار الكون في التواجد مع استمرار الانتقال الحراري ينفي أزليته‏ ,‏ كما ينفي أبديته‏ ,‏ ويؤكد أنه مخلوق‏ ,‏ مستحدث‏ ,‏ له في الأصل بداية يقدرها العلماء اليوم بأكثر من عشرة بلايين من السنين‏ (إلى حوالي أربعة عشر بليونا من السنين‏)‏ ولابد وأن ستكون له في يوم من الأيام نهاية لايعلمها إلا الله الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وإن كانت السنن الحاكمة للكون اليوم تشير إلى حتمية وقوعها‏ ,‏ ولا تحدد موعدها‏ ,‏ ومن ذلك أن الشمس تفقد من كتلتها في كل ثانية على هيئة طاقة ما يعادل ‏4 .6‏ مليون طن‏ ,‏ وكما تفقد الشمس من كتلتها تفقد بقية النجوم‏ ,‏ فكوننا حتما إلى زوال في لحظة يحددها الخالق‏ (جلت قدرته‏)‏ الذي أنزل لنا في محكم كتابه قوله الحق ‏:‏ " يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏" ‏(‏الأعراف‏:187) .

الانفجار العظيم يؤكد حقيقة الخلق :
من الحقائق التي وصل إليها علماء الفلك منذ بدايات القرن العشرين حقيقة توسع الكون وقد سبق القرآن الكريم بالاشارة إليها وذلك بقول الحق تبارك وتعالى " وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " (‏الذاريات‏:47)‏ . وقال علماء الفلك إننا إذا عدنا بهذا الاتساع إلى الوراء مع الزمن فلابد من التقاء كل مادة الكون وطاقته مع المكان والزمان في جرم واحد يتضاءل في الحجم إلى حد العدم‏ ,‏ ويتعاظم في كم المادة والطاقة إلى حد لا يكاد العقل البشري أن يتصوره‏ .‏ وأن هذا الجرم الابتدائي انفجر فتحول إلى سحابة من الدخان خلقت منها الأرض والسماوات‏ ,‏ وقد سميت هذه النظرية باسم نظرية الانفجار العظيم‏ ,‏ ومن شواهدها تمدد الكون‏ ,‏ ومن شواهدها أيضا وجود درجة حرارة ثابتة‏ (حوالي ‏3‏ درجات مطلقة‏)‏ على جميع أطراف الجزء المدرك من الكون‏ ,‏ ومن شواهدها كذلك تصوير بقايا الدخان الكوني الأولي على أطراف الجزء المدرك من الكون‏ .‏ وعلى الرغم من معارضة عدد غير قليل من المتخصصين في مجال الفلك والفيزياء الفلكية لنظرية الانفجار العظيم فإننا نحن معشر المسلمين نقبل هذه النظرية‏ ,‏ ونرتقي بها إلى مقام الحقيقة لوجود إشارة لها في كتاب الله من قبل أربعة عشر قرنا يقول فيها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ " (الأنبياء‏:30) .‏

وخلق الكون بعملية انفجار كبري من أعظم الدلائل على الخلق والتدبير‏ ,‏ لأنه من المعروف أن الانفجار بطبيعته يؤدي إلى بعثرة المادة وتناثرها‏ ,‏ مخلفا وراءه الدمار‏ ,‏ أما عملية الانفجار الكوني فقد أدت إلى إبداع نظام له تصميم دقيق‏ ,‏ محكم الكتل‏ ,‏ والأحجام‏ ,‏ والأبعاد‏ ,‏ والمدارات‏ ,‏ والسرعات‏ ,‏ والعلاقات‏ ,‏ وهذا النظام مبني على نسق واحد من أدق دقائقه إلى أعظم وحداته على الرغم من تعاظم أجرامه وأبعاده ووحداته وتجمعاته‏ ,‏ وتعقد علاقاته‏ .‏ وانفجارٌ هذه نتيجته لا يمكن أن يكون قد تم بغير تدبير وتقدير بالغي الإحكام والإتقان والإحاطة والقدرة لا يستطيعهما إلا الخلاق الحكيم العليم‏ .‏ وجود المادة وأضدادها يؤكد على حقيقتي الخلق والتدبير : منذ الربع الأول للقرن العشرين‏ ,‏ وكل من الحسابات الرياضية والاكتشافات في صفحة السماء يؤكد حقيقة الزوجية في الخلق فالضوء يتحرك أحيانا على شكل موجات وأحيانا أخري على شكل جسيمات‏ (فوتونات‏) ,‏ وهذه الزوجية في الخلق تتحقق أيضا للمادة‏ ,‏ فالجزء من المادة ليس نقطة هندسية ولكنه كيان ينتشر أيضا في الفضاء على هيئة موجية‏ .‏ وقد أدت هذه الملاحظة إلى اكتشاف نقيض للإليكترون‏ (أو قرينه‏) ,‏ وأن هذين النقيضين إذا التقيا فإن أحدهما يلغي الآخر أي يفنيه وينهي وجوده إلى العدم‏ .‏ ومعنى ذلك أن أية كمية محدودة من الطاقة يمكن أن تتجسد في جسيمين‏ ,‏ أحدهما نقيض لصاحبه في كل صفاته‏ ,‏ بمعني أنه صورة طبق الأصل له ولكنه معكوس الصفات‏ ,‏ وأن هذين النقيضين إذا التقيا فإنهما يفنيان معا‏ .‏ والغريب في الأمر أن يكتشف في صفحة السماء المادة وأضدادها على مختلف المستويات من
اللبنات الأولية للمادة إلى المادة ذاتها‏ :‏Quarks and (Ant quarks)) Neutrinos and) Antineutrinos) Electrons  Negatrons) and (Positrons)) Protons and) Antiprotons) Neutrons and  Antineutrons)) Matter and) Antimatter .

ويعتقد علماء الفلك والفيزياء الفلكية أن الكون قد بدأ بتركيز من المادة وأضدادها أي بدأ من العدم‏ .‏ والسؤال الذي يفرض نفسه هو :‏ من الذي فصل تلك الأضداد حتى يخلق الكون ؟ ولا يمكن لعاقل أن يتصور ذلك بغير تقدير الخلاق العليم‏ .‏ وحتى بعد فصل الأضداد لكي يخلق الكون‏ ,‏ يري العلماء حتمية إفناء بعض تلك الأضداد للبعض الآخر‏ ,‏ والسؤال الذي يفرض نفسه هو ‏:‏ ما هو الفاصل بين المادة وأضدادها في صفحة السماء الآن حتى يوجد الكون ؟ ومن الذي وضعه؟ ولايزال يحفظه؟
والجواب الذي لا مفر منه هو‏:‏ وضعه الخالق العظيم الذي يقول للشيء كن فيكون‏ .‏ وعلى ذلك فإن مراحل خلق الكون منذ لحظة الانفجار العظيم قد خططت لها العناية الإلهية بدقة فائقة في ضبط درجات الحرارة ومعدلات تخلق الجسيمات الأولية للمادة‏ ,‏ وسرعات الاتساع الكوني وغير ذلك من أمور حتى وصل الكون إلى حالته الراهنة‏ ,‏ ولا يمكن لكل ذلك أن يتم بغير خلق وتدبير من الله الخبير العليم‏ .‏
خلق العناصر في داخل النجوم وفي صفحة السماء من أدلة الخلق والتدبير في دراسة للتركيب الكيميائي للجزء المدرك من الكون اتضح أن غالبيته غاز الإيدروجين الذي يشكل أكثر من ‏74‏% من مادة الكون المنظور‏ ,‏ والإيدروجين هو أخف العناصر وأقلها بناء‏ .‏ ويلي غاز الإيدروجين كثرة في مادة الكون المنظور غاز الهيليوم الذي يكون ‏24‏% من مادة الكون المنظور‏ (وهو العنصر الثاني في الجدول الدوري للعناصر‏) .‏ وقد دفعت هذه الملاحظة إلى الاستنتاج الصحيح أن جميع العناصر المعروفة‏ (وهي أكثر من ‏105‏ عناصر‏)‏ قد خلقت كلها من غاز الإيدروجين‏ .‏ وبدراسة أقرب النجوم إلينا وهي الشمس اتضح أن وقودها هو غاز الإيدروجين الذي تتحد أربع من نوياته‏ (جمع مصغر نواة‏)‏ لتكون نواة عنصر الهيليوم وتنطلق الطاقة بعملية تسمي عملية الاندماج النووي‏ ,‏ وعلى ذلك فالنجوم عبارة عن أفران ذرية كونية تتخلق بداخها العناصر من نوي ذرات الإيدروجين حتى الحديد الذي لا تصله عملية الاندماج النووي إلا في آخرمراحل حياة النجوم العملاقة في لحظات انفجارها المعروفة باسم المستعرات العظمي‏ ,‏ وبانفجار النجم تتناثر مكوناته من الحديد في صفحة السماء لتدخل في مجال جاذبية أجرام تحتاج الحديد‏ ,‏ أو لتصطاد بعض اللبنات الأولية للمادة مكونة العناصر الأعلى في وزنها الذري‏ .‏ وهذه العملية وحدها كافية للتأكيد على حقيقة الخلق‏ .‏

بناء الخلية الحية ينطق بحتمية الخلق والتدبير :
إذا علمنا أن عدد الأنواع الحية المعروفة لنا حتى الآن يتعدي المليون ونصف المليون نوع‏ ,‏ وأن عدد الأنواع المندثرة والموجود لها بقايا على هيئة أحافير في صخور الأرض يتعدي الربع مليون نوع‏ ,‏ وأن عدد الأنواع المتوقعة للحياة الأرضية في ضوء الاكتشافات المعاصرة يصل إلى حوالي الخمسة ملايين نوع‏ .‏ ‏وأن متوسط المدى الزمني للنوع الواحد من أنواع الحياة يتراوح بين نصف مليون سنة إلى خمسة ملايين من السنين‏ ,‏ وقد يصل إلى عشرة ملايين من السنين‏ ,‏ يمثل النوع خلالها ببلايين الأفراد‏ .‏ وأن جسم الإنسان على سبيل المثال يتكون من ملايين ملايين الأنواع المختلفة من الخلايا‏ .‏
وأن الخلية الحية الواحدة على قدر من التعقيد في البناء ـ على الرغم من ضآلة حجمها ـ يفوق كل ماحققه الإنسان من إنجازات تقنية فضلا عن كل الذي فكر في تحقيقه ولم يتمكن من ذلك بعد‏ .
فالخلية الحية تتكون عادة من جدار حي‏ (في كل من الإنسان والحيوان‏)‏ مليء بالسائل الخلوي الهيولي‏ (السيتوبلازم‏) ,‏ وبوسط هذا السائل توجد النواة‏ ,‏ والسائل الخلوي معقد التركيب‏ ,‏ وغير متجانس‏ ,‏ ويتكون بشكل رئيسي من البروتينات والدهون‏ ,‏ والسكريات وبعض العناصر المختلفة‏ ,‏ وهذا السائل توجد به أعداد من الجسيمات المتخصصة‏ (العضيات‏)‏ ويعمل كوسيط تمر من خلاله المواد والمركبات والأوامر من النواة إلى أي من هذه العضيات‏ ,‏ ومن أي منها إلى عضي آخر‏ ,‏ أو إلى خارج الخلية‏ .‏ ويفصل النواة عن السيتوبلازم غشاءان‏ ,‏ والنواة تختزن معظم مادة الشفرة الوراثية للخلية الحية‏ .‏ أما الشبكة الاندوبلازمية فتربط بين الغشاء النووي والغشاء الخلوي‏ ,‏ وهي شبكة معقدة تتصل بها حبيبات صغيرة تدعي الريبوسومات تقوم بتصنيع أكثر من مائتي ألف نوع من البروتينات التي تحتاجها الخلية الحية‏ ,‏ حسب التعليمات التي تتلقاها من نواة الخلية‏ ,‏ ومن العضيات مايحمل الإنزيمات وهي مواد بروتينية تصنعها الريبوسومات وتساعد على هضم المواد الغذائية داخل الخلية‏ ,‏ ومن العضيات مايقوم بتحويل المواد العضوية إلى طاقة تحتاجها الخلية الحية في عدد من نشاطاتها المحددة‏ .‏ وتختلف الخلية النباتية في أن جدارها مكون من مواد غير حية‏ ,‏ وأنها تحتوي على البلاستيدات الخضراء‏ (إلىخضور‏)‏ وهي مادة لازمة لإتمام عملية التمثيل الضوئي‏ .‏
والشفرة الوراثية تحملها جسيمات دقيقة في داخل نواة الخلية تعرف باسم الصبغيات وعددها محدد لكل نوع من أنواع الحياة‏ ,‏ والصبغيات تحمل المورثات‏ (الجينات‏)‏ التي تحمل صفات الفرد من هذا النوع‏ ,‏ والتي تعطي الأوامر للخلية بالانقسام‏ ,‏ والتمييز وتخليق الأنواع المختلفة من البروتينات‏ ,‏ وعلى ذلك فالنواة هي مركز المعلومات للخلية‏ .‏ وتحاط النواة بغشاء يسمي الغلاف النووي‏ ,‏ وتحتوي على مادة حبيبية دقيقة تسمي البلازما النووية التي تحمل كلا من الصبغيات والنوية‏ ,‏ وقد تكون النوية واحدة أو أكثر‏ .‏

وإذا علمنا أن الخلية الحية قد أعطاها الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ القدرة على إنتاج مائتي ألف نوع من البروتينيات التي يوجد منها أكثر من مليون نوع‏ ,‏ وأن الجزيء البروتيني يتكون من سلاسل من جزيئات الأحماض الأمينية‏ ,‏ وأن الأحماض الأمينية المعروفة والقادرة على بناء الجزيئات البروتينية هي عشرين حمضا أمينيا‏ًً .‏ وأن هذه الأحماض مواد جامدة غير حية بذاتها‏ .‏ متبلورة سهلة الذوبان في الماء في أغلب الأحوال‏ .‏ وأن الحمض الأميني يتكون من ستة عناصر أساسية هي الكربون‏ ,‏ الإيدروجين‏ ,‏ والأوكسجين‏ ,‏ النيتروجين‏ ,‏ الكبريت‏ ,‏ والفوسفور‏ .‏ وأن مجرد اختيار هذه العناصر الستة من بين أكثر من‏105‏ عناصر معروفة لنا اليوم بالصدفة هو إحصائيا أمرا مستحيل‏ . وأن الأحماض الأمينية المناسبة لبناء الجزيء البروتيني لابد أن تكون من نوع خاص‏ (ألفا‏) ,‏ وأن تكون الذرات مرتبة فيها حول ذرة الكربون ترتيبا يساريا‏ ,‏ وأن تترتب هي في الجزيء البروتيني ترتيبا يساريا كذلك‏ ,‏ وأن ترتبط برباط خاص يعرف باسم الرباط البيبتيدي‏(Peptide Bond) ,‏ وأن هذه القيود تجعل من تكوين جزيء بروتيني واحد بمحض الصدفة أمرا مستحيلا‏ .‏ وإذا علمنا أن أبسط جزيء بروتيني يتكون من خمسين جزيئا من جزيئات الأحماض الأمينية العشرين المعروفة بكل هذه القيود السابقة‏ ,‏ وأن بعضها مكون من آلاف الجزيئات للأحماض الأمينية المرتبة ترتيبا محددا‏ ,‏ اتضح لنا بجلاء أن مجرد تكون جزيء بروتيني واحد بمحض الصدفة هو إحصائيا من مستحيل المستحيلات‏ ,‏ ولذلك جاءت هذه الآية الكريمة بهذا القرار الإلهي من قبل ألف وأربعمائة سنة لتريح هذه النفوس القلقة والعقول المضطربة بين العديد من النظريات التي طرحت كبدائل للخلق وانتهت كلها بالفشل الذريع‏ .‏

فسبحان القائل ‏:‏ " اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " (الزمر:62) وهو سبق علمي لكل المعارف البشرية‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي تلقى القرآن عن ربه فبلغ الرسالة‏ ,‏ وأدى الأمانة ‏ ,‏ ونصح الأمة ,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين ‏ ,‏ فجزاه الله عنا خير الجزاء والحمد لله أولا وآخراً‏ .‏