" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " (‏التين‏:4).


هذه الآية الكريمة جاءت في منتصف سورة التين‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ ومن قصار السور في القرآن الكريم ‏ ,‏ إذ يبلغ عدد آياتها ثماني آيات فقط بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود القسم في مطلعها بتلك الثمرة المباركة المعروفة باسم التين‏ ,‏ والتي وصفها المصطفى ‏(صلى الله عليه وسلم‏ )‏ بقوله الشريف‏ : ‏" لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة قلت التين‏ ,‏ لأن فاكهة الجنة بلا عجم‏ ,‏ كلوا منه فإنه يقطع البواسير وينفع النقرس‏ " (وعجم جمع عجمة‏ ,‏ وهي النواة ‏) .‏
وهذه الآية الكريمة هي الوحيدة في كل القرآن الكريم التي جاءت فيها الإشارة إلى التين‏ ,‏ وأتبع القسم بهذه الثمرة المباركة بثلاث صيغ أخري من القسم بالزيتون‏ ,‏ وطور سينين‏ ,‏ وبالبلد الأمين‏ (وهو مكة المكرمة‏)‏ على أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد خلق الإنسان في أحسن تقويم‏ ,‏ والله‏ (تعالى‏)‏ غني عن القسم لعباده‏ .‏

ويدور المحور الرئيسي للسورة الكريمة حول قضايا خمس يمكن إيجازها فيما يلي‏ :‏
(1)‏ أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو خالق الإنسان وخالق كل شيء ,‏ وأن الله الخالق البارئ المصور هو القائل‏ : " لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " (‏التين‏:4)‏ .
بمعنى أن الله‏ (‏تعالى‏)‏ قد كرم الإنسان بخلقه في أجمل تركيب‏ ,‏ وأعدل هيئة‏:‏ في تفاصيل جسده‏ ,‏ واستقامة عوده‏ ,‏ وارتفاع هامته‏ ,‏ وتناسق أبعاده ورجاحة عقله‏ ,‏ وحرية إرادته‏ ,‏ وطلاقة لسانه‏ ,‏ وقوة بيانه‏ ,‏ وقدراته النفسية والروحية الهائلة‏ ,‏ وملكاته العديدة وفطرته السليمة‏ ,‏ وغير ذلك من الصفات التي خصه الخالق العظيم بها‏ ,‏ وفضله بذلك على كثير ممن خلق تفضيلا‏ .‏
‏(2)‏ أن هذا التكريم الإلهي للإنسان يقتضي ترفعه عن الدنايا‏ ,‏ والتزامه بالمحافظة على سلامة الفطرة التي فطره الله‏ (‏تعالى‏)‏ عليها‏ ,‏ والارتقاء بنفسه إلى مناطات التكريم التي كرمه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بها‏ ,‏ وأولها فهم رسالته في هذه الحياة‏ ,‏ وحقيقة عبوديته لله‏ .‏ فيعبده‏ (‏تعالى‏)‏ بما أمر‏ ,‏ وبحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة عدل الله فيها‏ .‏ فإذا انحرف عن هذه الرسالة‏ ,‏ أو تمرد عليها رده الله‏ (‏تعالى‏)‏ إلى أسفل سافلين‏ ,‏ وعاقبه في الآخرة بنار الجحيم وبالذل المهين‏ ,‏ وتصبح المخلوقات غير المكلفة من دونه أرفع منه قدرا عند الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ لاستقامتها على الفطرة‏ ,‏ وقيامها بالسجود والتسبيح وبغير ذلك من أوجه العبادة التسخيرية لله‏ (‏تعالى‏) ,‏ وأداء وظيفتها في هذه الحياة على الوجه الذي سخرها له الله بعلمه وحكمته وقدرته‏ .‏
(3)‏ وتستثني الآيات من هذا الارتكاس إلى أسفل سافلين‏ ,‏ والبقاء عند مناطات التكريم الذي كرم الله‏ (‏تعالى‏)‏ به بني آدم من وصفتهم بالإيمان والعمل الصالح‏ ,‏ الذين يحافظون على فطرتهم السليمة‏ ,‏ ويجودونها بالمواظبة على عبادة الله‏ (تعالى‏)‏ بما أمر‏ ,‏ وبحسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض وبإقامة عدل الله فيها فيرتقون في معراج الله الذي لا تحده حدود حتى يلقوا الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وهو راض عنهم فيجزل لهم المثوبة‏ ,‏ ويضاعف لهم الأجر‏ ,‏ ولذلك أردفت الآية الكريمة بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏):
" فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ " ‏ .‏
(4)‏ أن وسيلة الإنسان لمعرفة ذاته‏ ,‏ وخالقه‏ ,‏ ورسالته في هذه الحياة‏ ,‏ ومصيره من بعدها هو الدين الذي علمه الله‏ (‏جل جلاله‏)‏ لكل من أبينا آدم وأمنا حواء‏ (‏عليهما السلام‏)‏ لحظة خلقهما‏ ,‏ ثم أنزله على فترة من الرسل‏ ,‏ وأكمله وأتمه وحفظه في رسالته الخاتمة التي أنزلها على خاتم أنبيائه ورسله‏ (‏صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ ولذلك تعهد بحفظها في نفس لغة وحيها‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية وإلى أن يرث الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ .‏ والدين هو بيان من الله‏ (‏جل شأنه‏)‏ للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه فيها أية ضوابط صحيحة‏ ,‏ وذلك من مثل قضايا العقيدة ‏ (‏وكلها غيب مطلق‏) ,‏ والعبادة‏[‏ وكلها أوامر مطلقة من الله سبحانه وتعالى أو من رسوله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)] ,‏ والأخلاق والمعاملات‏ (‏وكلاهما من ضوابط السلوك‏ ,‏ والتاريخ يؤكد لنا عجز الإنسان دوما عن أن يضع لنفسه بنفسه ضوابط للسلوك‏)‏ ومن هنا كانت ضرورة الدين‏ ,‏ وضرورة أن يكون الدين ربانيا خالصا لا يداخله أدني قدر من المداخلات البشرية‏ ,‏ لأن الإنسان لا يستطيع أن يحيا حياة سوية على هذه الأرض بغير دين‏ ,‏ وأن الدين لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ وانطلاقا من ذلك يتضح لنا بجلاء أن الدين الوحيد الذي تعهد ربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ بحفظه هو الدين الخاتم الذي بعث به النبي الخاتم‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ والذي قال فيه ‏(‏عز من قائل‏) :‏
" إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ العِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ " (‏آل عمران‏:19)‏ .
وقال‏ (‏جل شأنه‏) : ‏
" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "‏ ‏ (‏الحجر‏:9) .‏
ولذلك يأتي الخطاب في الآية السابعة من سورة التين بقول الحق‏ (‏تبارك وتعالى‏) :‏
" فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ "
والخطاب هنا موجه للإنسان الكافر‏ ,‏ المكذب بالدين‏ ,‏ ولذلك جاء بصيغة التوبيخ والتقريع‏ ,‏ والاستفهام الإنكاري‏ ,‏ بمعني‏:‏ أي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذبا بسبب تكذيبك بالدين‏ ,‏ والدين حق‏ ,‏ وكل مكذب للحق فهو كاذب‏ .‏
(5)‏ تقرير أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو أحكم الحاكمين‏ ,‏ وتورد الآية الثامنة في ختام سورة التين هذه الحقيقة في صيغة الاستفهام التقريري المنفي للتأكيد على صحة ما جاء بعد النص فيقول الحق‏ (‏تبارك وتعالى‏) :‏
" أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ "؟
أي ‏:‏ أليس الله بأعدل العادلين‏ ,‏ وأليست حكمته في قضائه بين عباده تدل على أنه أبلغ القضاء وأحكمه‏ ,‏ وأحقه وأعدله؟ ولذلك يروي عن أبي هريرة‏ (‏رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله‏ (‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال
": . .‏ فإذا قرأ أحدكم " والتين والزيتون " ‏فأتى آخرها ‏:‏ " أليس الله بأحكم الحاكمين‏" فليقل‏ :‏ بلى وأنا على ذلك من الشاهدين "‏ .‏
وقد يشير هذا الاستفهام التقريري في ختام سورة التين أيضا إلى إتقان الصنعة وحسن التدبير في خلق الإنسان في أحسن هيئة‏ ,‏ وأعدل قامة‏ ,‏ مزودا بالعقل والإرادة الحرة‏ ,‏ وبالقدرة على السمع والبصر والنطق والتعبير عن الذات‏ ,‏ وعلى كسب المعارف والمهارات‏ ,‏ وبغير ذلك من الملكات التي خصه بها الله‏ (‏تعالى‏) .‏
وتبدأ السورة الكريمة بقسم من الله تعالى بكل من التين والزيتون‏ ,‏ وربنا‏ (‏تبارك وتعالى‏)‏ غني عن القسم لعباده‏ ,‏ ولكن إذا جاءت الآية القرآنية الكريمة بصيغة القسم كان هذا من قبيل التنبيه إلى أهمية الأمر المقسم عليه‏ ,‏ فما هي الأهمية لهاتين الثمرتين المباركتين‏ (التين والزيتون‏) ,‏ وما هي أهمية منابتهما الأصلية؟
روي عن ابن عباس‏ (‏رضي الله عنهما‏)‏ قوله‏: (هو تينكم الذي تأكلون‏ ,‏ وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت‏) ,‏ ولكن نظرا للعطف على هذا القسم بقسم آخر بمكانين مباركين هما طور سينين‏ (سيناء‏) ,‏ والبلد الأمين‏ (‏وهو مكة المكرمة‏)‏ لجأ بعض المفسرين إلى استنتاج الدلالة بالتين والزيتون على منابتهما الأصلية من الأرض‏ ,‏ فطور سينين هو الجبل الذي نودي موسى‏ (‏عليه السلام‏)‏ من جانبه‏ ,‏ وهو جبل في شبه جزيرة سيناء أو سينا ومعناها‏ : (المباركة الحسنة‏) ,‏ والجبل معروف اليوم باسم طور سيناء‏ (أو جبل موسى أو جبل المناجاة‏) .‏ والبلد الأمين هو مكة المكرمة‏ ,‏ وحرمها الآمن‏ ,‏ وبه الكعبة المشرفة‏ (أول بيت وضع للناس‏) ,‏ وعلاقة هذين المكانين المباركين بوحي السماء لا ينكرها إلا جاحد‏ .‏
وعطف القسم بهذين المكانين المباركين على القسم بكل من التين والزيتون حدا بأعداد من المفسرين إلى الاستنتاج بأن القسم بهاتين الثمرتين قد يتضمن من أحد جوانبه الإشارة إلى كرامة منابتهما الأصلية من الأرض‏ ,‏ وذلك من مثل كل من بيت المقدس‏ (‏وبجواره طور زيتا‏)‏ وبه المسجد الأقصى المبارك الذي ندعو الله تعالى أن يطهره من دنس الصهاينة المجرمين‏ ,‏ وأن يعيننا على تحريره‏ ,‏ وتحرير كامل أرض فلسطين من احتلالهم الجائر البغيض‏ ,‏ وتحرير كامل أراضي المسلمين المحتلة والمغصوبة من مثل أراضي العراق وأفغانستان‏ ,‏ وكشمير والشيشان من ربقة المحتلين الغاصبين‏ ,‏ أعداء الله‏ ,‏ والإنسانية والدين‏ ,‏ اللهم آمين آمين آمين يا رب العالمين‏ .‏
ومن أشهر منابت كل من التين والزيتون‏ (‏بأنواعهما المتميزة‏)‏ كل من بلاد الشام‏ ,‏ وجنوب شرقي تركيا‏ ,‏ والأولى بها طور تينا بجوار دمشق‏ ,‏ وهي أرض المحشر‏ ,‏ والثانية بها مرسى سفينة نوح‏ (‏عليه السلام‏)‏ وبقايا مسجده على جبل الجودي‏ .‏
وعلى الجانب الآخر فإن كلا من طور سيناء‏ ,‏ وبيت المقدس‏ ,‏ ومكة المكرمة قد بعث الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ فيه نبيا من أنبيائه ورسولا من أولي العزم‏ ,‏ فبيت المقدس بعث الله‏ (تعالى‏)‏ فيه عبده ورسوله عيسى ابن مريم‏ (عليهما السلام‏) ,‏ وعلى الجانب الأيمن من طور سينين ناجى الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عبده ورسوله موسى بن عمران‏ (عليه السلام‏)‏ ومكة المكرمة بعث فيها خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وزارها معظم أنبياء الله ورسله‏ ,‏ ومدفون بها عدد كبير منهم‏ (عليهم السلام‏) .‏
وبعد هذا القسم المركب الذي استغرق الآيات الثلاث الأولى من سورة التين يأتي جواب القسم بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ . ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ . إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ " (‏التين‏:4‏-‏6)‏ .
ثم ختمت السورة الكريمة بهذا الاستفهام الاستنكاري‏ ,‏ التوبيخي‏ ,‏ التقريعي لكل كافر‏ ,‏ ومشرك‏ ,‏ وضال عن الحق يقول له فيه ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ . َلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحَاكِمِينَ  "‏ (التين‏:7،8)‏ .

من الإشارات الكونية في سورة التين :
(1)‏ القسم بكل من التين والزيتون تأكيدا على ما فيهما من قيمة غذائية وصحية كبيرة‏ ,‏ وتكامل في المحتوي كغذاء للإنسان‏ .‏
(2)‏ القسم بطور سينين‏ ,‏ والطور هو الجبل المكسو بالخضرة‏ ,‏ وطور سينين هو الجبل الذي ناجى الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عبده ورسوله موسى بن عمران من جانبه‏ ,‏ والجبل قائم بشبه جزيرة سيناء‏ .‏
(3)‏ القسم بمكة المكرمة‏ (البلد الأمين‏) ,‏ والدراسات العلمية تؤكد توسطها لليابسة إشارة إلى كرامتها وخصوصيتها‏ .‏
(4)‏ الإشارة إلى خلق الإنسان في أحسن تقويم‏ .‏
(5)‏ الإشارة إلى إمكانية ارتداد الإنسان من مقامات التكريم إلى أسفل سافلين في الدنيا والآخرة‏ ,‏ فهو أشرف مخلوقات الله إذا كان مؤمنا صالحا‏ ,‏ وهو أحقر هذه المخلوقات وأبغضها إلى الله‏ (تعالى‏)‏ إذا كان العبد كافرا أو مشركا‏ ,‏ أو ظالما متجبرا‏ ,‏ أو فاسقا فاجرا‏ ,‏ والملاحظات على سلوك الناس من مثل ما تقترفه العصابات المجرمة على أرض فلسطين‏ ,‏ وعلى أرض كل من العراق وأفغانستان من جرائم يندى لها الجبين تعطي صورا حية لارتداد الإنسان إلى أسفل سافلين‏ ,‏ ولانتكاسه عن مستوى الآدمية الذي كرمه به رب العالمين‏ .‏
(6)‏ التأكيد على حقيقة الدين الذي أنزله الله‏ (تعالى‏)‏ على فترة من الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وأكمله‏ ,‏ وأتمه‏ ,‏ وختمه‏ ,‏ وحفظه في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏) .‏
(7)‏ التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو أحكم الأحكمين‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة مستقلة‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على الآية الرابعة من سورة التين والتي تؤكد خلق الإنسان في أحسن تقويم‏ ,‏ والدلالات العلمية على تلك الحقيقة‏ ,‏ ولكن قبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين :
تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏ " لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ " :
(‏التين‏:4)‏ .
-‏ ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏: ..‏ هذا هو المقسم عليه‏ ,‏ وهو أنه تعالى خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل‏ ,‏ منتصب القامة‏ ,‏ سوى الأعضاء حسنها‏ ..‏
-‏ وذكر أصحاب الجلالين‏ (رحمهما الله‏)‏ ما مختصره‏
"‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ ‏" الجنس‏ "‏ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ‏" ‏ تعديل لصورته‏ .‏
-‏ وذكر صاحب الظلال‏ (رحمه الله رحمة واسعة‏)‏ ما مختصره‏: ..‏ فتخصيص الإنسان هنا وفي مواضع قرآنية أخرى بحسن التركيب‏ ,‏ وحسن التقويم وحسن التعديل‏ ..‏ فيه فضل عناية بهذا المخلوق‏ .‏ وإن عناية الله بأمر هذا المخلوق ـ على ما به من ضعف‏ ,‏ وعلى ما يقع منه من انحراف عن الفطرة وفساد ـ لتشير إلى أن له شأنا عند الله‏ ,‏ ووزنا في نظام هذا الوجود‏ .‏ وتتجلى هذه العناية في خلقه وتركيبه على هذا النحو الفائق‏ ,‏ سواء في تكوينه الجثماني البالغ الدقة والتعقيد‏ ,‏ أم في تكوينه العقلي الفريد‏ ,‏ أم في تكوينه الروحي العجيب‏ ...‏
-‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ (رحم الله كاتبها‏)‏ ما نصه ‏: "‏ لقد خلقنا‏ ...." ‏ جواب القسم‏ ,‏ أي لقد خلقنا جنس الإنسان في أعدل قامة‏ ,‏ وأحسن صورة‏ ,‏ مكملا بالعقل والمعرفة‏ ,‏ ومتصفا بالحياء والعلم‏ ,‏ والإرادة والقدرة‏ ,‏ والسمع والبصر والكلام‏ ,‏ والتدبير والحكمة‏ .‏ والتقويم‏ :‏ التثقيف والتعديل‏ .‏
-‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ (جزاهم الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ لقد خلقنا جنس الإنسان مقوما في أحسن ما يكون من التعديل‏ ,‏ متصفا بأجمل ما يكون من الصفات‏ .‏
-‏ وذكر صاحب صفوة التفاسير‏ (جزاه الله خيرا‏)‏ ما نصه‏:‏ أي لقد خلقنا جنس الإنسان في أحسن شكل‏ ,‏ متصفا بأجمل وأكمل الصفات‏ ,‏ من حسن الصورة‏ ,‏ وانتصاب القامة‏ ,‏ وتناسب الأعضاء‏ ,‏ مزينا بالعلم والفهم‏ ,‏ والعقل والتمييز والنطق والأدب‏ ,‏ قال مجاهد‏: (أحسن تقويم‏)‏ أحسن صورة‏ ,‏ وأبدع خلق‏ . . . .



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
إن المقارنة بين بناء جسم الإنسان‏ ,‏ وبناء جسم أي مخلوق آخر من المخلوقات المدركة يؤكد بوضوح أن الله ‏ (تعالى‏)‏ قد خلق الإنسان في أحسن تقويم‏ ,‏ أي في أحسن صورة وشكل‏ ,‏ ومن مميزات ذلك ما يلي ‏:

أولا ‏:‏ انتصاب القامة ‏:‏
يتميز الإنسان في بناء جسده بانتصاب القامة‏ ,‏ وهي ميزة يتفرد بها الإنسان بين جميع المخلوقات الحية المتحركة وقد خطط الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ لهذه الهيئة المميزة بانتصاب القامة والإنسان جنين في بطن أمه‏ ,‏ حيث يبدأ نمو أعضائه في مرحلة مبكرة جدا على مراحل مميزة بمواضع الفصل والوصل تبنى عليها الأعضاء شيئا فشيئا‏ .‏ فيظهر الحبل الظهري في مرحلة العلقة‏ ,‏ وهو المحور الهيكلي الذي يبني حوله كل أجهزة الجسم ويسبق ظهور العمود الفقري الذي يمر بمراحل ثلاث كما يلي‏ :‏
(1)‏ المرحلة الغشائية‏ (مرحلة النسيج السابق لتكون العظام‏) :‏ وتظهر في الأسبوعين الخامس والسادس من عمر الجنين‏ .‏
‏(2)‏ المرحلة الغضروفية ‏:‏ وتبدأ في أواخر الأسبوع السادس من عمر الجنين‏ .‏
‏(3)‏ المرحلة العظمية‏:‏ وتبدأ في الأسبوع السابع من عمر الجنين بظهور مراكز التعظم في جسم الغضاريف‏ ,‏ ثم في الأسبوع الثامن تظهر مراكز التعظم في أقواس الفقرات وتبدأ الأضلاع عندئذ في الظهور‏ ,‏ ثم تتكون العضلات حول العظام وتكسوها باللحم‏ .‏
وتنقسم عظام جسم الإنسان إلى عظام من أصل غضروفي أي تبدأ على هيئة الغضاريف ثم تتكلس وتتحول إلى العظام وتشمل معظم عظام جسم الإنسان‏ ,‏ وعظام من أصل غشائي تبدأ على هيئة الأنسجة الغشائية التي تتكلس بالتدريج متحولة إلى العظام‏ ,‏ ومن أمثلتها أغلب عظام الجمجمة‏ ,‏ ماعدا عظام قاعها‏ .‏
ومن مقومات انتصاب القامة عند الإنسان اتساع الحوض‏ (خاصة عند الإناث‏)‏ وكبر عظمة الفخذ ونتوءات الفقرة القطنية الخامسة‏ ,‏ ومرونة العمود الفقري‏ ,‏ وانحناءات الفقرات‏ ,‏ وارتكاز الفتحة القفوية الكبرى أفقيا على المحور الرأسي لعظام فقرات العنق حتى يستقر عليها الرأس عموديا‏ .‏
ويتكون الهيكل العظمي للإنسان في المرحلة الجنينية من‏ (144)‏ عظمة محددة بأنسجة غضروفية على أطرافها تسمح لها بالنمو التدريجي وتعرف باسم مراكز التعظم الثانوية‏ ,‏ ويتم تعظم هذه المراكز وفق نظام محدد يتماشى زمنيا مع متطلبات النمو حتى سن العشرين تقريبا‏ .‏
وعند تحول تلك الغضاريف بالتدريج إلى عظام فإنها تلتحم مع بقية الأنسجة العظمية المتاخمة لها مكونة عظما واحدا‏ ,‏ حتى يتم تكوين الهيكل العظمي للإنسان البالغ والذي يتركب من ‏216‏ عظمة على النحو التالي‏ :‏
(33)‏ فقرة في العمود الفقاري‏ (7‏ فقرات عنقية‏ , 12‏ فقرة ظهرية‏ , 5‏ فقرات قطنية‏ , 5‏ فقرات عجزية‏ , 4‏ فقرات عصعصية‏) .‏
(28)‏ عظمة متراكبة في الجمجمة‏ .‏
(24)‏ ضلعا مرتبطا بالعمود الفقري لتكون القفص الصدري‏ .‏
(3)‏ عظمات للقص‏ .‏
(2)‏ عظمتان تكونان لوحي الكتفين‏ .‏
(2)‏ عظمتان تكونان الترقوة‏ .‏
(2)‏ عظمتان للعضدين‏ .‏
(4)‏ أربعة عظام للزند والكعبرة في كل من اليدين‏ .‏
(16)‏ عظمة للرسغين‏ .‏
(10)‏ عظام للكفين‏ .‏
(28)‏ عظمة لسلميات اليدين‏ .‏
(6)‏ ستة عظام للحوض‏ .‏
(2)‏ عظمتان للفخذين‏ .‏
(4)‏ قصبتان وشظيتان بالساقين‏ .‏
(14)‏ عظمة بالقدمين‏ .‏
(28)‏ سلاميات أصابع القدمين‏ .‏
(10)‏ عظمات وتريه‏ (عظمتان وتريتان بكل من الإبهامين‏ ,‏ وثلاثة بكل من الإصبعين الكبيرين‏) .‏
(216)‏ المجموع مائتان وست عشرة عظمة
وهذا الهيكل العظمي المعقد البناء هو الذي يعطي لجسم الإنسان ميزته البنائية المنتصبة‏ ,‏ والتي ميزه الله ‏ (تعالى‏)‏ بها عن بقية مخلوقاته المعروفة لنا من الكائنات الحية المتحركة‏ .‏ وهذا البناء العظمي الهائل المكون من‏ (216)‏ عظمة كبيرة ودقيقة‏ ,‏ صمم كذلك لكي يعين الإنسان على الحركة بحرية كبيرة ولذلك فقد جعل الله تعالى بين تلك العظام مفاصل تسمح للإنسان بالوقوف مستقيما‏ ,‏ وبالجلوس‏ ,‏ والاضطجاع‏ ,‏ والانحناء‏ ,‏ والتثني‏ ,‏ والبسط والقبض‏ ,‏ وغير ذلك من الحركات التي مكنت الإنسان من العديد من المهارات‏ ,‏ وبدون ذلك ما كان ممكنا للإنسان أن يستمتع بوجوده في هذه الحياة الدنيا‏ .‏
وتنتظم عظام جسم الإنسان في المجموعات الثلاث التالية ‏:
‏ (1)‏ الهيكل المحوري ‏:‏ ويشمل العمود الفقري ومعظم الجمجمة‏ .‏
‏ (2)‏ الهيكل الأحشائي ‏:‏ ويشمل القفص الصدري والفك السفلي‏ ,‏ وبعض أجزاء الفك العلوي‏ .‏
‏ (3)‏ الهيكل الطرفي ‏:‏ ويشمل عظام الحوض‏ ,‏ وأحزمة الأكتاف وعظام وغضاريف الأطراف‏ .‏
ويفصل هذا العدد الهائل من العظام‏ (360)‏ مفصلا على النحو التالي ‏:‏
‏ (147)‏ مفصلا بالعمود الفقري‏ (25‏ منها بين الفقرات‏ , 73‏ بين الفقرات والأضلاع‏ , 50‏ بين الفقرات عن طريق اللقيمات الجانبية‏) .‏
‏ (24)‏ مفصلا بالصدر‏ (18‏ منها بين القص والضلوع‏ , 2‏ بين الترقوة ولوحي الكتف‏ , 2‏ بين لوحي الكتف والصدر‏) .‏
(86)‏ مفصلا بالأطراف العلوية‏ (2‏ منها بين عظام الكتفين‏ , 6‏ بين عظام الكوعين‏ , 8‏ بين عظام الرسغين‏ , 70‏ بين عظام اليدين‏) .‏
‏ (88)‏ مفصلا بالأطراف السفلية‏ (2‏ منها بين الفخذين‏ , 6‏ بين عظام الركبتين‏ , 6‏ بين عظام الكاحلين‏ , 74‏ بين عظام القدمين‏) .‏
‏ (15)‏ مفصلا بالحوض‏ (6‏ منها بين عظام الفخذ‏ ,1‏ مفصل الارتفاق العاني‏ , 4‏ بين فقرات العصعص‏ , 4‏ بين عظام الركبتين‏) .‏
وهذه هي المفاصل المتحركة في جسم الإنسان‏ ,‏ والتي تعطي لهيكله العظمي استقامته وانتصابه‏ ,‏ والقدرة على الحركة بمرونة عالية‏ ,‏ وهي المقصودة بتعبير السلامى الذي ذكره المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في حديثه الشريف الذي رواه الإمام مسلم عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏ (رضي الله عنها‏)‏ حيث قالت‏ :‏ قال رسول الله ‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏
" إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل‏ ,‏ فمن كبر الله‏ ,‏ وحمد الله‏ ,‏ وسبح الله‏ ,‏ واستغفر الله‏ ,‏ وعزل حجرا من طريق الناس‏ ,‏ أو شوكة أو عظما عن طريق الناس‏ ,‏ وأمر بمعروف‏ ,‏ ونهي عن منكر‏ ,‏ عدد تلك الستين والثلاثمائة سلامى فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار ‏" .‏
وروى البخاري عن أبي هريرة‏ (رضي الله عنه‏)‏ أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال ‏: ‏" كل سلامى من الناس عليه صدقة‏ ,‏ كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين الاثنين صدقة‏ ,‏ وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها‏ ,‏ أو ترفع له عليها متاعه صدقة‏ ,‏ والكلمة الطيبة صدقة‏ ,‏ وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة‏ ,‏ وتميط الأذى عن الطريق صدقة‏ " .‏
وهناك فواصل ثابتة كتلك الموجودة بين عظام الجمجمة فلا تدخل في عداد السلامى‏ .‏
ومن مقومات انتصاب القامة عند الإنسان اتساع الحوض‏ ,‏ وكبر عظمتي الفخذين‏ ,‏ وتحدب الفقرات الظهرية إلى الخلف‏ ,‏ مع تحدب باطن القدم ليتكيف تماما مع المشي على الرجلين وعلى نقاط التقائهما بالأرض‏ ,‏ واتزان الرأس على استقامة الجسم عند الوقوف وذلك بدقة الوضع الأفقي للفتحة التي تصل بين عظام الرأس وفقرات العنق‏ .‏

ثانيا‏ :‏ تناسق أطوال الأطراف مع طول العمود الفقري‏ :‏
تظهر براعم أطراف الجنين البشري في بداية الأسبوع الخامس من عمره‏ ,‏ وتسبق الأطراف العلوية الأطراف السفلية في الظهور ببضعة أيام‏ ,‏ ويحتوي البرعم الطرفي في أول الأمر على خلايا غير متميزة‏ ,‏ تتحول في الأسبوع السادس إلى خلايا غضروفية‏ ,‏ ثم تبدأ هذه الخلايا الغضروفية في التكلس التدريجي متحولة إلى العظام‏ .‏ ولكل عظمة في الهيكل العظمي للجنين منطقة مركزية يتم تعظمها‏ ,‏ وتنتهي أطرافها بنسيج غضروفي قابل للتحول إلى عظام فيما بعد حتى يسمح ذلك بالنمو الطولي للجنين ولأطرافه التي تنمو بمعدلات متناسبة وبدقة بالغة‏ ,‏ وتسمي الأنسجة الغضروفية على أطراف العظام باسم مراكز التعظم الثانوية‏ ,‏ ويبلغ عددها عند بدء ظهور العظام‏ (144)‏ مركزا‏ ,‏ يتم تعظمها بالتدريج وفق برامج زمنية تتماشي مع متطلبات النمو حتى سن العشرين‏ ,‏ وبتحول أجزاء من هذه الغضاريف إلى عظام فإنها تلتحم مع العظام المتاخمة لها لتصبح عظما واحدا‏ ,‏ ويصل عددها في الإنسان البالغ إلى ‏216‏ عظمة بما فيها من العظمات العشرة الوترية‏ .‏ ويكتمل نمو عظام الحوض عن الإناث قبل الذكور بسنتين على الأقل‏ ,‏ وتتشكل عظام الحوض عندهن بما يلائم مستقبلهن كأمهات‏ ,‏ فالحوض في الأنثى أعرض منه في الذكر‏ .‏
ويتناسق طول الهيكل العظمي مع حجم الجسم‏ ,‏ ومراحل النمو المتتالية حتى البلوغ كما يتناسق طول الأطراف مع كل ذلك تناسقا واضحا‏ .‏

ثالثا‏:‏ كبر حجم المخ ‏:‏
من الواضح أن الإنسان البالغ يتمتع بحجم للمخ يتراوح بين ‏1200‏ إلى ‏2000‏ ملليلتر‏ (بمتوسط ‏1500‏ ملليمتر‏)‏ وبجهاز عصبي في غاية التعقيد‏ ,‏ مما يميزه عن غيره من المخلوقات‏ (الحية المتحركة‏)‏ بالذكاء‏ ,‏ والقدرة على التفكير‏ ,‏ والتخيل‏ ,‏ وعلى التعلم واكتساب مختلف المهارات ثم تعليمها وعلى الانفعال‏ ,‏ والتعبير عن انفعالاته‏ ,‏ وعلى استيعاب كل من الذات والغير‏ ,‏ وعلى الفضول وحب الاستفسار عن الغامض من الأشياء‏ ,‏ وعلى إدراك الفوارق بين المستويات المختلفة من البشر‏ ,‏ وتميز بعضهم عن بعض‏ ,‏ والقدرة على المحافظة على توازن في الحالة الصحية بدنيا‏ ,‏ ونفسيا‏ ,‏ وعقليا‏ ,‏ وعلى المشاركات الاجتماعية المختلفة وبغير ذلك من الصفات المميزة للإنسان‏ .‏

رابعا ‏:‏ تناسق تفاصيل الرأس والوجه ‏:‏
من الميزات التي ميز بها الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ الإنسان عن غيره من المخلوقات الحية المتحركة‏:‏ ارتفاع الرأس واستدارته‏ ,‏ وتفلطح الوجه‏ ,‏ واستقامة الجبهة‏ ,‏ ووضوح الذقن‏ ,‏ واستقامة الكتفين‏ ,‏ وتسطح الصدر‏ ,‏ والوضع الزاوي لتجويفي العينين مما يساعد على الرؤية المجسمة بالعينين (Binocular vision) ,‏ ودقة ترابط عظام وغضاريف وأعصاب الأطراف خاصة اليدين مما أعطاهما القدرة على التحكم بهما في كثير من الأمور مثل الكتابة‏ ,‏ والرسم‏ ,‏ والعزف وتناول الأشياء برعاية ودقة‏ ,‏ ومن تلك الميزات الأسنان الصغيرة المرتبة ترتيبا يتناسب مع نظامه في تناول الطعام‏ ,‏ وبالجلد الذي يغطي جسده وتنتهي إليه الأطراف العصبية‏ ,‏ ويمتلئ بالخلايا العرقية‏ ,‏ ويتغطى بالقليل من الشعر‏ .‏

خامسا‏:‏ ميزة النطق بالكلام المرتب المتناسق‏:‏
يدعي كثير من الدهريين أن اتساع حنجرة الإنسان‏ ,‏ وقدرتها على إصدار العديد من الأصوات‏ ,‏ وتقليد أصوات الحيوانات‏ ,‏ وأصوات الطبيعة ربما أعان الإنسان على الكلام‏ .‏ ولكن علماء اللغة يؤكدون أن مصدرها هو الإلهام من الله‏ (تعالى‏)‏ والقرآن الكريم يؤكد لنا أن بيان الإنسان نعمة من الله‏ (تعالى‏)‏ بها عليه فيقول‏ (عز من قائل‏) :‏
" الرَّحْمَنُ . عَلَّمَ القُرْآنَ . خَلَقَ الإِنسَانَ ‏. عَلَّمَهُ البَيَانَ "
(الرحمن‏:1‏-‏4)‏ .
فاللغة والبيان من نعم الله‏ (تعالى‏)‏ التي أنعم بها على الإنسان‏ ,‏ كما أنعم عليه بالعديد من النعم ومنها خلقه في أحسن تقويم‏ ,‏ فالحمد لله على عظيم نعمه والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ‏ ,‏ وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين‏ .