" أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ "‏ (النمل‏:64).


هذا النص القرآني الكريم جاء في بداية الثلث الأخير من سورة النمل‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ثلاث وتسعون ‏(93)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى وادي النمل الذي مر به نبي الله سليمان عليه السلام وجنوده‏ ,‏ فنطقت نملة بلغتها الخاصة آمرة بقية أفراد مستعمرتها من النمل بالدخول إلى مساكنهم ومحذرة إياهم من إمكانية أن يطأهم سليمان وجنوده بأقدامهم أو بحوافر خيلهم فيحطمونهم وهم لا يشعرون‏ .‏ وفي هذه الواقعة من الدلالات القاطعة على تملك النمل كغيره من مخلوقات الله لقدر من الوعي والإدراك‏ ,‏ وقدرة على الفهم والتخاطب‏ ,‏ والعلوم المكتسبة قد بدأت بالفعل في التوصل إلى إثبات شيء من ذلك‏ .‏
وسورة النمل كغيرها من العديد من سور القرآن الكريم من مثل سورة الشعراء السابقة عليها في المصحف الشريف‏ ,‏ وسورة القصص اللاحقة بها تستعرض قصص عدد من الأمم الهالكة لاستخلاص العبرة‏ ,‏ والاستفادة بالتجربة‏ ,‏ وتعلم الدروس‏ ,‏ ومقارنة مواقف أبناء تلك الأمم البائدة بمواقف أمثالهم في مواجهة الرسالة الخاتمة في زمن الوحي وإلى زماننا الراهن حتى يوم الدين‏ . ويدور المحور الرئيسي لسورة النمل حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ شأنها في ذلك شأن القرآن المكي كله‏ .‏

وتبدأ سورة النمل بالحرفين المقطعين‏ (طس‏)‏ وهما من الفواتح الهجائية التي بدأت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ ,‏ وقد سبق الحديث عنها في أكثر من مقال‏ .‏ وبعد هذا الاستهلال تستمر الآيات في امتداح القرآن ووصف رسالته‏ ,‏ وامتداح النبي الخاتم الذي تلقاه صلى الله عليه وسلم‏ ,‏ وفي مدح المؤمنين به‏ ,‏ والتمييز بينهم وبين غير المؤمنين إلى يوم الدين فتقول ‏: ‏" طس‌ تِلْكَ آيَاتُ القُرآنِ وَكِتَابٍ مُّبِينٍ . هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ . إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ . أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ العَذَابِ وَهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ . وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ " (النمل‏:1‏-‏6) ‏. ثم استعرضت السورة الكريمة لمحات من قصص عدد من الأنبياء‏ ,‏ مؤكدة وحدة رسالة السماء التي تكاملت كلها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم ‏ ,‏ ومن ذلك لمحة خاطفة من قصة نبي الله موسى‏ (على نبينا وعليه من الله السلام‏)‏ في الآيات من‏(7)‏ إلى‏ (14)‏ حين ناجاه ربه سبحانه وتعالى بالبقعة المباركة من أرض سيناء‏ ,‏ وكلفه بإبلاغ رسالته إلى فرعون وقومه‏ ,‏ وأعطاه تسع آيات تشهد له بالنبوة وبالرسالة‏ ,‏ ثم كيف كذب بها فرعون وملؤه‏ ,‏ واعتبروها ضربا من السحر ـ على الرغم من تيقنهم صدقها ـ وفي ذلك يقول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏ " فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ . وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُواًّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ " ‏(النمل‏:14 ,13) .‏ ثم جاءت الآيات على ذكر طرف من قصة نبي الله داود وولده النبي الملك سليمان على نبينا وعليهما من الله السلام وذلك في الآيات ‏(15)‏ إلى ‏(44)‏ والتي جاء في مطلعها قول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏ " وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ . وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الفَضْلُ المُبِينُ " ‏(‏النمل‏:16,15) . وبعد ذلك انتقلت سورة النمل في الآيات من‏ (45)‏ إلى‏ (53)‏ إلى استعراض جانب من قصة نبي الله صالح‏ (عليه السلام‏) ,‏ وكان قومه من قبيلة ثمود في غالبيتهم من المفسدين في الأرض فدعاهم إلى الاستقامة على منهج الله‏ ,‏ وإلى عبادته سبحانه وتعالى وحده ولكن كفار قومه عارضوه‏ ,‏ ورفضوا دعوته‏ ,‏ وسخروا منه‏ ,‏ ومكروا به‏ ,‏ وتآمروا عليه‏ ,‏ على الرغم مما أيده الله تعالى به من معجزات شهدت بصدق نبوته‏ ,‏ ولذلك دمرهم رب العالمين‏ ,‏ ونجى نبيه صالحا والذين آمنوا معه‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى ‏: ‏" وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ . فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ . وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ " (النمل‏:50‏-‏53) .‏ ثم عرجت هذه السورة المباركة إلى طرف من قصة نبي الله لوط‏ (عليه السلام‏)‏ في الآيات ‏(54)‏ إلى ‏(58)‏ ووصفت صدود الكافرين‏ ,‏ الشواذ‏ ,‏ المفسدين في الأرض من قومه عن دعوته‏ ,‏ وتآمرهم عليه من أجل إخراجه ومن آمن معه من قراهم النجسة بدعوي أنهم أناس يتطهرون‏ ,‏ فأنزل الله العزيز الحكيم عقابه الصارم بهم ونجي نبيه لوطا والذين آمنوا معه وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ . فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الغَابِرِينَ . وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَاءَ مَطَرُ المُنذَرِينَ "  ‏(‏النمل‏:54‏-‏58) .‏
وتتوجه الآيات بعد ذلك بالخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم الذي فحواه‏ : " قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ " ‏‏(‏النمل‏:59) .‏
وبعد ذلك مباشرة استعرضت الآيات من‏ (60)‏ إلى‏ (65)‏ عدداً من حقائق الكون لتدلل بها على وحدانية الله ـ سبحانه وتعالى ـ‏ ,‏ وكررت بعد كل آية من هذه الآيات هذا الاستفسار التقريري‏ ,‏ التقريعي‏ ,‏ التوبيخي لكل مشرك في الوجود من زمن الوحي إلى قيام الساعة يقول فيه ربنا تبارك وتعالى ‏: "أ إله مع الله‏ . . .‏؟‏",‏ ويأتي الجواب في كل مرة صادعا‏ ,‏ صادقا‏ ,‏ قويا مؤثرا بقول الحق ـ جل جلاله‏): "بل هم قوم يعدلون‏"‏ أي يميلون عمدا عن الحق الواضح البين‏ ,‏ وهو التوحيد الخالص لله‏ ,‏ أو يصفهم بالجهل الفاضح كما في قوله ـ عز من قائل ‏"‏ بل أكثرهم لا يعلمون ‏" ‏(‏النمل‏:61) ,‏ أو بعدم الاعتبار بما حدث للأمم من قبلهم كما قال لهم سبحانه وتعالى ‏: "‏ قليلا ما تذكرون " ‏(‏النمل‏:62) ,‏ أو دحضا لافتراءاتهم فيقول عز سلطانه ‏: " تعالى الله عما يشكرون‏ " ‏(‏النمل‏:63) ,‏ أو استنكارا لفقدانهم الدليل في كل ما يدعونه من باطل فيقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطلب منهم الدليل بقوله‏: "‏ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ‏" ‏(‏النمل‏:64) .‏

وتعاود الآيات في سورة النمل إلى انتقاد موقف المنكرين للآخرة‏ ,‏ والمتشككين في إمكان البعث‏ ,‏ وتصفهم بالعمى لأنهم لا يرون الحق الأبلج الظاهر أمام أعينهم‏ ,‏ وتطالب خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين بتذكيرهم بعواقب المكذبين من الأمم السابقة فتقول ‏:‏ " قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ . بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمُونَ . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُراباً وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ . لَقَدْ وَعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ . قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُجْرِمِينَ "‏ (النمل‏:65‏-‏69) .‏ وتواسي الآيات رسول الله صلى الله عليه وسلم آمرة إياه بالتوكل على الله‏ ,‏ ومؤكدة له أنه على الحق المبين‏ ,‏ ومصبرة إياه في مواجهة المنكرين‏ ,‏ مؤكدة له أنهم قد حرفوا دينهم‏ ,‏ واشتروا به ثمنا قليلا‏ ,‏ وأن على الذين يبحثون عن الحق منهم إن بقي بينهم طالب حق أن يرجعوا إلى القرآن الكريم ليعلموا هذا‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُن فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ . وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ . وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ . إِنَّ هَذَا القُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ . إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ . فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ . إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ المَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . وَمَا أَنْتَ بِهَادِي العُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ " (النمل‏:70‏-‏81) .‏ وتصف الآيات في سورة النمل بعد ذلك عددا من أحداث الآخرة‏ ,‏ مؤكدة جحود أغلب الناس بآيات الله المقروءة في القرآن الكريم‏ ,‏ والمخبوءة في ذوات أنفسهم‏ ,‏ والمنظورة في الآفاق الرحبة من حولهم‏ ,‏ وفي ذلك تقول‏ : " وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ . وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِّمَّن يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْماً أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وَوَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنطِقُونَ " (النمل‏:82‏-‏85) .‏وتنتقل الآيات إلى عرض عدد آخر من آيات الله في الكون وتعاود التذكير بيوم البعث وأهواله‏ ,‏ وبعدد من الأحداث المصاحبة له‏ ,‏ وتصف تمايز الناس في هذا اليوم العصيب إلى آمنين مطمئنين‏ ,‏ وفزعين هالكين‏ ,‏ وتحدد جزاء كل منهم فتقول‏ : ‏" يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ . وَتَرَى الجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ . مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ . وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وَجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " (النمل‏:87‏-‏90) .‏ وتختتم سورة النمل بآيات على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم وبتأكيد من الله سبحانه وتعالى على أن كنوز المعرفة الكونية في القرآن الكريم سوف تكتشف بعد زمن الوحي‏ ,‏ مع اتساع دائرة المعرفة الإنسانية جيلا بعد جيل‏ ,‏ وأمة بعد أمة‏ ,‏ حتى يشهد كل عاقل في هذا الوجود بصدق الوحي بالقرآن الكريم‏ ,‏ مؤكدا مراقبة رب العالمين لعباده وفي ذلك تقول ‏: ‏" نَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ . وَأَنْ أَتْلُوَ القُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ المُنذِرِينَ . وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (‏النمل‏:91‏-‏93) .‏

من ركائز العقيدة في سورة النمل :
‏(1)‏ الإيمان بالله تعالى ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ ,‏ لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا شبيه له من خلقه‏ ,‏ ولا حاجة به إلى الصاحبة أو الولد‏ ,‏ لأنه رب هذا الكون ومليكه‏ ,‏ وصاحب الحول والطول والقوة المطلقة فيه‏ ,‏ ولا حول ولا طول ولا قوة إلا به‏ (سبحانه وتعالي‏) ,‏ ولأنه هو الخلاق‏ ,‏ الرزاق‏ ,‏ الفتاح‏ ,‏ العليم‏ ,‏ الغفور الرحيم‏ ,‏ العزيز‏ ,‏ الحكيم‏ ,‏ رب العرش العظيم‏ ,‏ واهب النعم ومجري الخيرات‏ .‏ لذلك كان توحيد الله تعالى هو الركيزة الأساسية لكل رسالة سماوية‏ ,‏ والقاعدة الكبرى لكل دين صحيح‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن الله تعالى منزه عن جميع صفات خلقه‏:‏ في ذاته‏ ,‏ وصفاته‏ ,‏ وأسمائه‏ ,‏ فلا يجوز دعاؤه بغير ما سمي به ذاته العلية‏ ,‏ ولا يجوز وصفه إلا بما نعت به تلك الذات العلية‏ ,‏ ولا يجوز إطلاق صفاته المطلقة على شيء من خلقه لأن الخالق مغاير للمخلوقين مغايرة تامة‏ ,‏ ولا يجوز حده بمكان أو زمان لأنه تعالى خالق كل من المكان والزمان‏ ,‏ ولا يجوز تجسيده في شكل مادة أو طاقة لأنه هو مبدعهما‏ ,‏ والمخلوق لا يحد خالقه أبدا‏ ,‏ ومن هنا كان ادعاء الشريك‏ ,‏ أو الشبيه‏ ,‏ أو المنازع‏ ,‏ أو الصاحبة أو الولد من أبشع صور الكفر بالله سبحانه وتعالى ,‏ لأن هذه كلها من صفات المخلوقين‏ ,‏ والخالق جل جلاله منزه عن جميع صفات خلقه‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بوحي السماء‏ ,‏ وبالأخوة بين الأنبياء‏ ,‏ وبوحدة الرسالة السماوية التي أنزلت على ثلاثمائة وبضعة عشر رسولا‏ ,‏ ثم جمعها الله سبحانه وتعالى وأتمها وأكملها وحفظها في الرسالة الخاتمة التي بعث بها الرسول الخاتم سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم‏ .‏
‏(4)‏ التصديق بحقيقة الآخرة‏ ,‏ وبحتميتها‏ ,‏ وضرورتها‏ ,‏ وبالعلامات التي أوردها الله تعالى عنها في القرآن الكريم والتي وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ لنا في أحاديثه الشريفة جانبا منها‏ ,‏ والتي أوردت سورة النمل شيئا من أحداثها‏ .‏
(5)‏ التسليم بالغيوب المطلقة التي جاء ذكرها في كتاب الله أو في سنة خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ لأن مثل هذه الغيوب لا يمكن الوصول إليها بواسطة الإنسان مهما كانت قدراته‏ ,‏ ومهما تطورت أدواته وتقنياته‏ .‏
‏(6)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله الحكيم العليم الموحي به إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ والمحفوظ بين دفتي المصحف الشريف بنفس اللغة التي أوحي بها‏ (اللغة العربية‏) ,‏ وهو الصورة الوحيدة من كلام رب العالمين المحفوظ بين أيدي الناس اليوم بنفس لغة وحيه دون أدني زيادة أو نقصان‏ ,‏ وعلى ذلك فهو‏ (كتاب مبين‏)‏ وهو‏ (هدي وبشري للمؤمنين‏)‏ ويقص على أهل الكتاب‏ (أكثر الذي هم فيه يختلفون‏) ,‏ وإنه‏ (لهدي ورحمة للمؤمنين‏) .‏
‏(7)‏ التصديق بجميع ما جاء بالقرآن الكريم من قصص الأولين‏ ,‏ وبالمعجزات التي أجراها الله تعالى على أيدي أنبيائه تأييدا لهم وتأكيدا على صدق رسالاتهم‏ .‏
‏(8)‏ التسليم بأن الله جلت قدرته هو خالق السماوات والأرض‏ ,‏ ومنزل الماء من السماء‏ ,‏ وهو الذي ينبت نبات الأرض وأشجارها بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ وهو الذي‏ " جعل الأرض قرارا‏ وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي‏ وجعل بين البحرين حاجزا‏ " ‏‏(‏النمل‏:61) .‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى هو الذي‏ " يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء‏ " ‏‏(‏النمل‏:62) ويجعل الناس خلفاء الأرض‏ ,‏ وأنه تعالى يهدي خلقه‏ (في ظلمات البر والبحر‏)‏ و‏ (يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته‏) ,‏ وأنه جل جلاله هو الذي‏ (يبدأ الخلق ثم يعيده‏)‏ وهو الذي يرزق عباده من السماء والأرض‏ ,‏ ويعلم وحده الغيب وهو سبحانه صاحب الفضل والمنة على خلقه أجمعين‏ ,‏ ويعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون‏ ,‏ ويقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم‏ ,‏ ولذا فهو المستحق للحمد والشكر والتوكل عليه‏ .‏
‏(10)‏ اليقين بأن الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض حرم مكة المكرمة‏ ,‏ وجعل حرمها حرما آمنا إلى يوم القيامة‏ ,‏ وأنه سبحانه وتعالى هو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏ ,‏ وهو قيوم السماوات والأرض ومن فيهن فله كل شيء بغير شريك ولا شبيه ولا منازع ولا صاحبة ولا ولد‏ ,‏ ومن هنا كانت ضرورة الخضوع لجلاله بالعبادة والطاعة‏ .‏
‏(11)‏ التصديق بأن الله تعالى سوف يري خلقه عظيم آياته التي أنزلها في محكم كتابه‏ ,‏ والتي أبرأها في الأنفس والآفاق وذلك باتساع دوائر المعرفة الإنسانية حتى يشهد كل ذي بصيرة أن القرآن الكريم هو كلام الله الحق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية في نفس لغة وحيه (اللغة العربية‏)‏ وحفظه في صفائه الرباني‏ ,‏ وإشراقاته النورانية‏ ,‏ فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه‏ ,‏ وبذلك يبقي شاهدا على الخلق أجمعين إلى يوم الدين‏ ,‏ وحجة الله البالغة بعد انقطاع الوحي وختم نبوة الأنبياء ورسالات المرسلين‏ .‏



من التشريعات الإسلامية في سورة النمل :
‏(1)‏ الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وبتحريم السجود لغير الله‏ .‏
‏(2)‏ تحريم كل صور الخروج على فطرة الله تعالى تحريما قاطعا‏ ,‏ وفي مقدمتها مختلف صور الشذوذ الجنسي الذي ابتدعه المنحرفون من قوم لوط وانتشر في عالم اليوم انتشار النار في الهشيم إلى الحد الذي دفع العديد من الحكومات الغربية إلى التشريع له وبه في دساتيرها وقوانينها التي وصل بها الانحطاط إلى حد التشريع بزواج الأمثال من الشواذ‏ ,‏ والسماح لهم بالتبني والتوارث مما أصبح يهدد مؤسسة الأسرة بالزوال في مجتمعاتهم‏ ,‏ ويهدد الجنس البشري كله بالفناء‏ .‏
‏(3)‏ النهي عن الظلم لأنه من أخطر صور الإفساد في الأرض‏ ,‏ ولأن الله تعالى قد حرمه على ذاته العلية وجعله على عباده محرما‏ ,‏ وأنذر بأن عواقبه وخيمة‏ .‏
‏(4)‏ الأمر بالحرص على صحبة الصالحين‏ ,‏ وعلى مداومة الشكر لرب العالمين‏ ,‏ وعلى استغفاره وطلب رحمته‏ ,‏ وعلى جميل التوكل عليه طلبا لعونه‏ .‏
‏(5)‏ الحث على مداومة تلاوة القرآن الكريم‏ ,‏ وعلى تدبر معاني آياته‏ ,‏ والحرص على إلزام النفس بهدايته لأنه هو الكتاب المبين الذي أنزله الله تعالى بعلمه هدىً ورحمة وبشرى للمؤمنين‏ .

من الإشارات الكونية في سورة النمل :
‏(1)‏ التأكيد على حقيقة الآخرة‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد حتمية وقوعها‏ .‏
‏(2)‏ ذكر عالمي الغيب والشهادة‏ ,‏ وثابت علميا اليوم أن الغيوب في الجانب المادي للكون تفوق المشاهد المدرك بتسعة أضعاف على أقل تقدير‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى أن كل مخلوق مهما تضاءلت صورته له قدر من الوعي والإدراك‏ ,‏ والإحساس والشعور‏ ,‏ والذاكرة‏ ,‏ وقدرة الحكم على الأشياء والمواقف بمنهجية صحيحة‏ ,‏ والتعبير عن ذاته‏ ,‏ وانطباعاته‏ ,‏ وأفكاره ومشاعره‏ ,‏ وعلى مشاركة غيره في ذلك‏ .‏ وله قدر من الإيمان الفطري بالله‏ ,‏ والتسبيح غير الإرادي‏ ,‏ والعبادة التسخيرية‏ ,‏ وأن الله تعالى يهب لمن يشاء من عباده القدرة على استيعاب ذلك وفهمه والتفاعل معه‏ .‏ والدراسات المستحدثة في علم سلوك الحيوان تشير إلى شيء من ذلك‏ .‏
‏(4)‏ الإشارة إلى سرعات فائقة تقترب من سرعة الضوء‏ ,‏ وذلك من مثل السرعة التي تم بها نقل عرش الملكة بلقيس من أرض سبأ إلى بيت المقدس في أقل من طرفة عين‏ ,‏ ومثل هذه السرعات الفائقة لم يعرف إلا في القرن العشرين‏ .‏
‏(5)‏ وصف بيوت قوم ثمود بأنها اليوم خاوية‏ ,‏ وهي حقيقة أثرية قائمة‏ .‏
‏(6)‏ التأكيد على خلق السماوات والأرض بالحق‏ ,‏ وإلى العديد من صفات الأرض‏ ,‏ ومنها أن الله ـ تعالى ـ قد جعلها قرارا‏ ,‏ وجعل خلالها أنهارا‏ ,‏ وجعل لها رواسي‏ ,‏ وجعل بين البحرين حاجزا‏ ,‏ وكلها من الحقائق التي لم تتوصل إليها المعارف المكتسبة إلا مؤخرا‏ .‏
‏(7)‏ التلميح إلى هداية الله سبحانه وتعالى لعباده في ظلمات البر والبحر بواسطة أضواء نجوم السماء ونور القمر‏ ,‏ والإشارة إلى تصريف الرياح‏ ,‏ وإلى دورة الماء حول الأرض‏ ,‏ وإلى إنبات الأرض بمجرد نزول الماء عليها‏ .‏
‏(8)‏ التأكيد على أن الله تعالى يبدأ الخلق ثم يعيده‏ ,‏ ويرزق عباده من السماء والأرض‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تدعم ذلك وتؤيده‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلى جعل الليل للسكن والراحة ولذا كان مظلما‏ ,‏ وجعل النهار للكدح والعمل ولذلك كان مبصرا‏ ,‏ والتلميح إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بتبادل كل من الليل والنهار‏ ,‏ وبمرور الجبال مر السحاب وهي تبدو للناظر إليها وكأنها جامدة راسخة في أماكنها‏ .‏
‏(10)‏ الإنباء بأن البشرية في تطورها العلمي والتقني المطرد سوف تتأكد من صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به من حقائق علمية وتاريخية ودينية‏ ,‏ وهذا ما بدأ تحققه في أيامنا هذه‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الثامنة من القائمة السابقة والتي يقول فيها الحق تبارك وتعالى : ‏
" أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ‏" (النمل‏:64) .‏

من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم :
في قوله تعالى‏ :
" أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ " ‏(‏النمل‏:64)
أجمع المفسرون على أن هذا النص الكريم يشير إلى الخلق الأول للكون والحياة والإنسان ثم إلى إعادة بعث ذلك كله بعد إفنائه الحتمي قبل يوم القيامة‏ ,‏ ولكن الفعل المضارع في قوله تعالى ‏: " أَمَّن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ " ‏‏(‏النمل‏:64) يشير إلى أنها عملية متكررة في حياتنا الدنيا‏ ,‏ كما قد تشمل الخلق الأول والبعث بعد الإفناء‏ .‏ ونحن نري عملية الخلق وإعادته جلية في دورة الحياة والموت والتي تقطعها عملية تكاثر الأحياء من أجل استمرارية الحياة إلى أن يشاء الله فتأتي الموتة الكبرى التي يموت على إثرها كل حي ثم العودة الكبرى للحياة التي يبعث عندها كل ما كان قد مات‏ .

(1)‏ دورة الخلق والإعادة في الأحياء‏ :‏
تعتبر القدرة التي وهبها الخالق سبحانه وتعالى للأحياء على التكاثر بمعني إعطاء نسل قادر على الاستمرار بالحياة ضرورة لبقاء الأنواع الحية إلى أن يشاء الله تعالى .‏
تتكاثر الخلايا الحية بالانقسام حيث تنقسم الخلية الواحدة إلى خليتين‏ ,‏ ولما كانت الخلية الحية على ضآلتها في الحجم بناء يفوق في تعقيده أكبر المصانع التي أنشأها الإنسان بل التي فكر في إنشائها ولم يتمكن بعد من تحقيق ذلك‏ ,‏ فإن عملية انقسام الخلية الحية لتكوين خليتين متماثلتين هي عملية بالغة التعقيد ولا يستطيعها إلا الخالق سبحانه وتعالى ,‏ وتعرف باسم استنساخ أو مضاعفة الخلايا ‏(Cell Replication) .‏ فالخلية الحية لها عقل يعرف باسم النواة‏ ,‏ وتحتوي النواة على عدد من الجسيمات الصبغية الدقيقة التي يتحكم عددها في نوع الحياة‏ ,‏ وتحمل الجسيمات الصبغية أعدادا هائلة من المورثات التي تتحكم في كل صفات الخلية وأنشطتها المختلفة‏ .‏ وهذه المورثات‏ (التي يقدر عددها في الخلايا البشرية بحوالي الأربعين ألف مورث‏)‏ عبارة عن وحدات محددة من الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسيجين‏Deoxyribonucleic AcidDNA)‏) الذي تنبني به الجسيمات الصبغية‏ (الصبغيات‏) .‏
ويسمي مجموع جزيئات الحمض النووي الريبي منزوع الأكسيجين في نواة الخلية الحية باسم المجين الوراثي‏Genome) )‏ وتسمي القائمة المرتبة لجميع القواعد النيتروجينية الموجودة في مجين أي كائن حي باسم الخريطة الوراثية (Genetic Map)ويحتوي المجين البشري على ‏(302)‏ بليون زوج من القواعد النيتروجينية ‏(Nitrogenous Basesor Base Pairs)‏ المرتبة ترتيبا دقيقا يعطي لكل فرد من بني آدم بصمة وراثية خاصة به تميزه عن البلايين التي تملأ جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ والبلايين التي عاشت وماتت والذين سوف يعمرون الأرض من بعدنا إلى قيام الساعة‏ .‏ولما كانت كل قاعدة من هذه القواعد النيتروجينية تستند إلى جزيئين أحدهما من السكر والآخر من الفوسفور فإن المجين البشري في الخلية الواحدة من خلايا جسم الإنسان والتي لا يتعدى طول قطرها في المتوسط‏ (0 .03مم)‏ يحتوي على (18 .6)‏ بليون من الجزيئات الكيميائية التي تمثل حروف الشيفرة الوراثية للإنسان‏ ,‏ والميراث الذي يعاد بواسطته الخلق حتى يرث الله الأرض ومن عليها‏ .‏ ولعل التباديل والتوافيق بين هذا الكم الهائل من الحروف هو الذي يعطي لكل فرد من بني آدم شيفرته الوراثية المميزة له مهما بلغ عدد أبناء وبنات آدم عليه السلام ‏ .‏ وانطلاقا من ذلك فإن عملية تكاثر الأحياء تعتمد على إعادة توزيع الصفات الوراثية المنحدرة من أبينا آدم عليه السلام إلى الأبوين بحيث يستلم كل فرد من بني آدم نصيبه من المخزون الوراثي الذي خلقه الله ـ تعالى في صلب أبي البشرية‏ ,‏ وبذلك يعاد الخلق‏ ,‏ وتتم المحافظة على استمرارية الحياة من جيل إلى آخر إلى نهاية كل موجود في الحياة الدنيا‏ .‏

وجوهر عملية الانقسام الخلوي هو التسلسل المنتظم لعدد من الأحداث المعقدة التي تؤمن التوزيع المحدد للشيفرة الوراثية للخلايا الناتجة من أجل إيجاد كائن له صفات وراثية محددة مستمدة من الأصل الذي خلقه الله ـ سبحانه وتعالى ـ في صلب أبينا آدم ـ عليه السلام‏ .‏ وعملية انقسام الخلايا إما أن تتم بطريقة مباشرة تؤدي إلى إنتاج خليتين متطابقتين من الخلية الأم‏ ,‏ وتعرف هذه الطريقة باسم الانقسام التفتلي للخلية ‏(Mitotic Cell Division or Mitosis)‏ وفيه ينقسم كل جسيم صبغي طوليا ليعطي نظيرا له وذلك في عمليات النمو وعمليات ترميم المعطوب من الخلايا وإما أن تتم عملية انقسام الخلية انقساما اختزاليا‏ (منصفا‏)(Meiotic Cell Division or Meiosis)‏ من أجل إنتاج خلايا التكاثر‏ (النطفي‏)‏ التي تحمل كل خلية منها نصف عدد الأجسام الصبغية المحدد للنوع‏ .‏ وذلك لكي يتكامل هذا العدد بالتزاوج الذي جعله الله الخالق سنة فطرية من سنن الحياة‏ ,‏ وينتج عن التزاوج عملية إخصاب النطف وتكون النطف الأمشاج التي تتخلق عنها الأجنة ويعاد الخلق‏ ,‏ مع إتاحة الفرصة للتنوع المبهر عن أصل واحد‏ ,‏ والتوزيع الحكيم للصفات المتوارثة الذي يعطي لكل فرد بصمته الوراثية المميزة له عن غيره‏ .‏ وحتى في التكاثر غير الجنسي والذي يتم في كثير من النباتات وفي بعض الكائنات الحيوانية البسيطة‏ ,‏ والذي يتم إما بالانشطار‏ (Fission)‏ الذي يوزع صبغياتها الهائمة في سائل الخلية بالتساوي‏ ,‏ أو بالتبرعم ‏(Budding) ,‏ أو بالتجرثم‏ (Sporulation) ,‏ أو بالتكاثر الخضري ‏(Vegetative Reproduction)‏ مثل أشطاء القمح والشعير والذرة‏ ,‏ ودرن البطاطا وغيرها‏ .‏ وفي هذه الصورة البسيطة للتكاثر قد تكون هناك عوامل كامنة للزوجية لم تدرك بعد كي تحقق توزيع الشيفرة الوراثية من الآباء للأبناء انطلاقا من قول ربنا تبارك وتعالى ‏:‏ " وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ "‏ (الذاريات‏:49) .‏ وحتى في حالة الخنثى من الحيوانات التي تحمل الخلايا الذكرية والأنثوية في جسد واحد فإن عملية الإخصاب تتم بتبادل خلايا التكاثر الذكرية مع غيرها من أفراد نوعها وبذلك تتنوع الصفات الوراثية من فرد إلى آخر‏ .‏ ومن الكائنات الحية ما يمكن أن يتبادل طرائق التكاثر الجنسي وغير الجنسي بطريقة دورية أو شبه دورية ليعاد الخلق من جيل إلى آخر‏ .‏

 (2)‏ دورة الخلق والإعادة في الجمادات ‏:‏
نرى اليوم تخلق النجوم في صفحة السماء من دخان السدم‏ ,‏ كما نري انفجارها وتحولها إلى دخان السماء ليخلق منه نجم جديد .‏ نري الكواكب والكويكبات‏ ,‏ والأقمار والمذنبات‏ ,‏ والنيازك والشهب تتخلق عن نجوم السماء ثم تبتلعها الثقوب السوداء التي تظل تبتلع من مختلف صور المادة والطاقة حتى تصل إلى كتلة حرجة فتنفجر إلى دخان السماء‏ .‏ ونرى العناصر تتخلق في داخل النجوم من غاز الإيدروجين بعملية الاندماج النووي حتى تصل إلى تحول قلب النجم بالكامل إلى الحديد‏ ,‏ فينفجر النجم وتتناثر أشلاؤه في صفحة السماء لتصل إلى أجرام تحتاج إلى هذا الحديد ليدخل في دورة أخري من دورات نشاطه الكيميائي‏ ,‏ أو تبقي نوى ذرات الحديد معلقة في السماء تصطاد من اللبنات الأولية للمادة ما يرتقي بها إلى العناصر الأعلى في وزنها الذري‏ ,‏ ومنها العناصر المشعة التي وهبها الله ـ تعالى ـ القدرة على التحلل التلقائي بمعدلات ثابتة حتى تصل إلى نظير ثابت أي غير متحلل إشعاعيا‏ .‏ وهذه كلها صور من دورات الخلق والإعادة‏ ,‏ وأمثالها على الأرض وفي السماء عديد من مثل دورة ثاني أكسيد الكربون‏ ,‏ ودورة الماء‏ ,‏ ودورة الصخور وغيرها‏ .‏

هذه الدورات التي تشهد للخالق سبحانه وتعالى بطلاقة القدرة وببديع الصنعة وإحكام الخلق هي من صور بدء الخلق وإعادته‏ ,‏ وإشارة القرآن الكريم لها من قبل أن تصل العلوم المكتسبة إليها بألف وأربعمائة سنة لما يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية وحفظه كلمة كلمة وحرفا حرفا في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ حتى يبقى حجة الله على العباد إلى يوم الدين وشهادة صدق النبي والرسول الخاتم صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين ـ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .