وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (هود 61).


هذا النص القرآني الكريم جاء في منتصف سورة هود‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها مائة وثلاث وعشرون‏ (123)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت باسم نبي الله هود‏ (عليه السلام‏)‏ الذي بعثه الله‏ (تعالى‏)‏ إلى قومه (قبيلة عاد‏) .‏ وقد سكنوا الأحقاف‏ ,‏ في الركن الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية‏ ,‏ وكانوا عربا أشداء‏ ,‏ غلاظا‏ ,‏ جفاة‏ ,‏ متكبرين‏ ,‏ عتاة‏ ,‏ متمردين‏ ,‏ أشركوا بالله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عبادة الأصنام والأوثان بدلا من شكره على ما وهبهم من بسطة في الجسم‏ ,‏ ووفرة في الرزق‏ ,‏ فكانوا أول من عبد الأصنام من الأمم التي جاءت بعد طوفان نوح‏ ,‏ وأفسدوا في الأرض إفسادا عظيما‏ ,‏ فأرسل الله‏ (تعالى‏)‏ إليهم نبيه هودا‏ (عليه السلام‏)‏ الذي اصطفاه بعلمه من بينهم فدعاهم إلى عبادة الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ وحده بما أمرا وإلى إقامة عدل الله في الأرض‏ ,‏ وإلى حسن القيام بواجبات الاستخلاف فيها‏ ,‏ فكذبوه‏ ,‏ وخالفوه‏ ,‏ وحاربوه‏ ,‏ واضطهدوا الذين آمنوا معه‏ ,‏ فسخر الله عليهم ريحا صرصرا عاتية أهلكتهم‏ ,‏ ونجي هودا والذين آمنوا معه فالتجأوا إلى مكة المكرمة يعبدون الله‏ (تعالى‏)‏ بما أمر عند أول بيت وضع للناس في الأرض حتى توفاهم الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏

ويدور المحور الرئيسي لسورة هود حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ ومن ركائزها التوحيد الخالص لله‏ (تعالى‏) ,‏ والخضوع لجلاله وحده بالعبادة والطاعة كما أمر‏ ,‏ وهذه كانت وصية كل نبي من أنبياء الله إلى قومه‏ :‏ ‏" أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ "‏ ‏(‏هود‏:2)‏ .
"‏ أَن لاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ ‏"‏ (هود:‏26)‏ .
" وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِن أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ‏" ‏(‏هود‏:50) .‏"‏ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ "‏ ‏(‏هود‏:61)‏ .
"‏ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ "‏ ‏(‏هود‏:84)‏ .
وبالإضافة إلى التوحيد الخالص لله‏ (تعالى‏)‏ فإن من ركائز العقيدة الإسلامية التي عرضت لها سورة هود اليقين بحتمية الموت‏ ,‏ والبعث والحساب‏ ,‏ والجزاء بالخلود في الجنة أبدا‏ ,‏ أو في النار أبدا‏ ,‏ والتصديق بوحي السماء‏ ,‏ وبجميع أنبياء الله وكتبه ورسله‏ ,‏ وببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وبالقرآن الكريم الذي حفظ الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ فيه الدين بكماله‏ ,‏ وتمامه‏ ,‏ وربانيته بنفس لغة الوحي التي أوحي بها‏ (اللغة العربية‏)‏ وتعهد بحفظه إلى يوم الدين‏ .‏
وقد استهلت سورة هود بالحروف الهجائية المقطعة الثلاثة‏ (الر‏) ,‏ وسبق لنا مناقشة آراء المفسرين في هذه المقطعات الهجائية‏ ,‏ ولا أري ضرورة لإعادة ذلك هنا‏ .‏
وعقب هذا الاستهلال مباشرة جاء التأكيد من الله‏ (تعالى‏)‏ على فضل القرآن الكريم‏ ,‏ ومن هذا الاستفتاح إلى الآية الرابعة والعشرين من سورة هود جاءت الآيات إما على لسان خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في توجيهات صريحة لأهل مكة وللمؤمنين به من بعده‏ ,‏ أو خطابا موجها من الله‏ (تعالى‏)‏ إليه‏ ,‏ وذلك من مثل قوله تعالى‏ :
" الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ .‏ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ .‏‏ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ.‏‏ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏  " (هود‏:1‏-‏4)‏ .
ثم تتحدث الآيات عن شيء من طبائع النفس الإنسانية في كل من حالات السعة والنعماء‏ ,‏ وحالات الضيق والبأساء لتقول ‏:‏
" وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ .‏ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ .‏ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ  " (‏هود‏:9‏-‏11) .‏ وتعاود الآيات التأكيد على حجية القرآن الكريم‏ ,‏ وربانيته والتحدي بعجز الخلق أجمعين على الإتيان بشيء من مثله‏ ,‏ والسخرية من الذين قالوا إن الرسول‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد افتراه فتنطق بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏ : " أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ .‏‏ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ  " (‏هود‏:14,13) .‏
وتؤكد الآيات أنه من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها وعمل لذلك مجتهدا فإن الله‏ (تعالى‏)‏ يؤته ثمار أعماله كاملة غير منقوصة‏ ,‏ ولكن الذين يقصرون همهم على الدنيا فقط وينسون الآخرة‏ (كالغالبية الساحقة من أهل الأرض اليوم‏)‏ فهؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا الخزي والعذاب والندم ساعة لا ينفع الندم لأنهم سوف يرون بأعينهم أن كل مكاسب الدنيا إذا لم تكن قد وظفت في طاعة الله فإنها لا قيمة لها ولا وزن لها في الآخرة على الإطلاق‏ .‏
وتقارن الآيات بين مصائر الضالين من أهل الأرض الذين يعيشون على ظهرها كالسائمة بلا هدف ولا غاية‏ ,‏ وبين مصائر المؤمنين الذين يفهمون حقيقة رسالتهم في هذه الحياة عبادا لله‏ (تعالى‏)‏ يعبدونه بما أمر‏ ,‏ ويحسنون القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏ ,‏ ومحاربة كل صور الظلم والفساد فيها‏ ,‏ والعمل على إقامة عدل الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في أرجائها‏ ,‏ ويسيرون في الحياة الدنيا على بصيرة وهداية من ربهم‏ ,‏ يرجون بكلماتهم وحركاتهم وسكناتهم وجه الله‏ (تعالى‏) ,‏ ولديهم البرهان الجلي من ربهم ــ وهو القرآن الكريم ــ يشهد على حجية الإسلام العظيم كما تكامل في بعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وينطق بالإعجاز في كل أمر من أموره‏ ,‏ ويشهد له ما جاء من قبل في كتاب موسي‏ (عليه السلام‏)‏ وهو التوراة الأصلية‏ .‏
ومن قبيل الدعوة إلى النظر بعين البصيرة فيما يعتقد كل إنسان تخاطب الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ـ والمراد بالخطاب كل مستمع له ـ فتقول‏ :‏ ‏
"‏ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ " ‏(‏هود‏:17)‏ .

وبعد أن بين الله‏ (تعالى‏)‏ حال المؤمنين المتصفين بالتزام أوامر الله‏ ,‏ واجتناب نواهيه‏ ,‏ بين أحوال الكافرين‏ ,‏ وذكر من أوصافهم أربعة عشر وصفا أولها افتراء الكذب على الله‏ ,‏ وآخرها الخسران المبين في الآخرة‏ ,‏ وتحذر الآيات من جريمة الكذب على الله‏ (تعالى‏) ,‏ وتصف هذه الجريمة بأنها من أبشع صور الظلم لأنها تصرف الناس عن دين الله‏ ,‏ وتحرفهم عن طريقه المستقيم إلى طرق على رؤوسها مختلف الشياطين الذين يكفرون بالآخرة وبما فيها من ثواب وعقاب‏ ,‏ ويكرهون الاستماع إلى القرآن الكريم وما فيه من حق مبين‏ ,‏ أو النظر إلى آيات الله في الكون بعين البصيرة‏ ,‏ وهؤلاء الضالون ليسوا بمعجزين في الأرض‏ ,‏ وليس لهم من دون الله أولياء يعصمونهم من عذابه‏ ,‏ والله‏ (تعالى‏)‏ قادر على مضاعفة العذاب لهم في الدنيا بالإضافة إلى عذاب الآخرة الواقع بهم لا محالة‏ ,‏ وهؤلاء ـ كما يصفهم القرآن الكريم ـ " أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ .‏‏ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ  " (‏هود‏:21‏,‏22)‏ .

وفي المقابل تعرض الآيات في سورة هود لموقف المؤمنين فتقول ‏:‏ " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ .‏‏ مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ  " (هود‏:23,‏24)‏ .
وبعد هذه السلسلة من الترغيب في خيري الدنيا والآخرة‏ ,‏ والترهيب من خسرانهما ينتقل السياق إلى استعراض سريع لقصص سبعة من أنبياء الله ولتفاعل أقوامهم معهم وذلك للتأكيد على موقف الخلق من قضيتي الإيمان والكفر عبر التاريخ وعلى حتمية هلاك المكذبين ونجاة المؤمنين بأمر الله‏ (تعالى‏) .‏
    

والأنبياء الذين جاء ذكرهم في هذه السورة المباركة هم ‏:‏
(1)‏ نوح‏ (عليه السلام‏)‏ وقد سردت قصته مع قومه في خمس وعشرين آية‏  (هود‏:25‏-‏49)‏ حتى تم إغراق العاصين منهم بالطوفان‏ ,‏ ونجى الله‏ (تعالى‏)‏ نوحا والذين آمنوا معه‏ .‏
‏(2)‏ هود ‏(‏عليه السلام‏)‏ وقد جاء ذكر قصته مع قومه ‏ (قبيلة عاد وتعرف أيضا باسم عاد الأولى‏)‏ في إحدى عشرة آية‏ (هود‏:50‏-‏60) ,‏ وكان هلاك العاصين منهم بريح صرصر عاتية‏ .‏
‏(3)‏ صالح‏ (عليه السلام‏)‏ وجاءت قصته مع قومه‏ (قبيلة ثمود أو عاد الثانية‏)‏ في ثماني آيات‏ (هود‏:61‏-‏68) ,‏ وقد أهلك الله‏ (تعالى‏)‏ الكافرين منهم بالصيحة‏
"‏ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ " .
‏(4)‏ إبراهيم‏ (عليه السلام‏)‏ وقد جاءت قصته مع قومه في ثماني آيات ‏(‏هود‏:69‏-‏76)‏ .
‏(5)‏ لوط‏ (عليه السلام‏)‏ وجاء ذكر قصته مع قومه في سبع آيات‏ (هود‏:77‏-‏83)‏ وقد عوقب المفسدون من قومه بخسف الأرض بهم‏ ,‏ وإمطارهم بحجارة من سجيل منضود‏ .‏
‏(6)‏ شعيب‏ (عليه السلام‏)‏ وجاءت قصته في اثنتي عشرة آية‏ (هود‏:83‏ ـ‏95)‏ وقد أهلك الظالمون من قومه بالصيحة ‏
"‏ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ "‏ ,‏ ونجى الله‏ (تعالى‏)‏ شعيباً والذين آمنوا معه‏ .‏
‏(7)‏ موسى‏ (عليه السلام‏)‏ وجاءت قصته مع فرعون مصر في خمس آيات (هود‏:96-‏99-‏110) .‏
وبعد هذا الاستعراض المعجز لقصص هذا العدد من أنبياء الله ورسله‏ ,‏ ولحركة الإيمان والكفر عبر حقبة طويلة من تاريخ البشرية امتدت من لدن نبي الله نوح‏ (عليه السلام‏)‏ إلى بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ في زمن لم يكن زمن تدوين‏ ,‏ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين ـ يأتي الخطاب من الله‏ (تعالى‏)‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله بالتثبيت فيقول‏ (عز من قائل‏) :‏
" ذَلِكَ مِنْ أَنبَاءِ القُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ .‏ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوَهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ .‏ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ " ‏(‏هود‏:100‏-‏102)‏
وتنتقل الآيات بعد ذلك للحديث عن اختلاف اليهود في التوراة من بعد موسى‏ (عليه السلام‏)‏ وإلى تعرضها للتأويل حسب أهواء أحبارهم‏ ,‏ مما أدى إلى تفرقهم شيعا‏ ,‏ وإلى انحرافهم عن الحق الذي أنزل على نبيهم‏ ,‏ وإلى خياناتهم للعهد وغدرهم بالخلق‏ ,‏ ولولا وعد سبق من الله‏ (تعالى‏)‏ بتأخير عقابهم إلى يوم القيامة لحل بهم عذاب الله‏ (تعالى‏)‏ في الدنيا قبل الآخرة‏ .‏
ثم تعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلوات الله وسلامه عليه‏)‏ وإلى كل من آمن به فتقول‏ :
" فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .‏‏ وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ .‏ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ .‏ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المُحْسِنِينَ  " (‏هود‏:112‏-‏115)‏ .
وتختتم سورة هود بخطاب إلى سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ كما بدأت بخطاب منه‏ ,‏ وفي ذلك تقول ‏:‏
" وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ .‏ وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ .‏ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ .‏‏ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  ‏" (‏هود‏:120‏-‏123)‏ .

من ركائز العقيدة في سورة هود :
(1)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وأنه كتاب أحكمت آياته تم فصلت من لدن حكيم خبير‏ ,‏ ولذلك يتحدي به الله‏ (تعالى‏)‏ الخلائق أجمعين أن يأتوا بشيء من مثله‏ ,‏ ولن يستطيعوا ذلك أبدا‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان بالله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ (بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏)‏ وتنزيهه‏ (سبحانه‏)‏ عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ واليقين بأنه‏ (تعالى‏)‏ عليم بذات الصدور‏ ,‏ وأنه هو الرزاق‏ ,‏ ذو القوة المتين‏ ,‏ وأنه على كل شيء حفيظ‏ ,‏ وأن من صفاته‏ (سبحانه‏)‏ أنه هو الرحيم الودود العزيز‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ هو المستحق للخضوع لجلاله بالعبادة والطاعة بما أمر‏ ,‏ وبالتوكل عليه‏ ,‏ والإنابة إليه‏ ,‏ والصبر على المكاره طلبا لمرضاته‏ ..‏
‏(3)‏ التسليم بحتمية الموت‏ ,‏ والبعث‏ ,‏ والرجوع إلى الله‏ (تعالى‏)‏ للحساب والجزاء والخلود في الحياة الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ والاستعداد جهد الطاقة لذلك‏ .‏
‏(4)‏ التصديق بأن دور كل من الأنبياء والمرسلين هو الإنذار والتبشير‏ ,‏ دون إكراه أو إلزام‏ ,‏ وأن الحسنات يذهبن السيئات وأن الله‏ (تعالى‏)‏ لا يضيع أجر المحسنين‏ ,‏ وأن من الإحسان إحقاق الحق وإزهاق الباطل‏ ,‏ وإقامة عدل الله في الأرض‏ ,‏ والتواصي بوفاء الكيل والوزن بالقسط‏ ,‏ والإصلاح في الأرض‏ ,‏ والنهي عن الإفساد فيها‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بان الله‏ (تعالى‏)‏ من طلاقة عدله أنه يوفي الناس أجر أعمالهم الصالحة‏ ,‏ في الدنيا‏ ,‏ ولا يبخسن لهم حقا أيا تكن عقائدهم‏ ,‏ فإن كانت عقائدهم فاسدة فليس لهم في الآخرة جزاء كفرهم إلا النار‏ ,‏ وحبط ما صنعوا في الدنيا‏ ,‏ وكان باطلا بطلانا كاملا‏ .‏
‏(6)‏ التصديق بجميع أنبياء الله وكتبه ورسله‏ ,‏ وبالرسالة الخاتمة التي اكتمل بها الدين‏ ,‏ وتمت النعمة‏ ,‏ ولذلك تعهد ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بحفظها في القرآن الكريم وفي سنة الرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ فحفظت في نفس لغة وحيها‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ ,‏ وهذا هو الحق من رب العالمين‏ , (ولكن أكثر الناس لا يعلمون‏) ,‏ ومن يكفر بذلك فالنار موعده‏ .‏ خالدا فيها‏ .‏
‏(7)‏ اليقين بأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة فيها خالدون وأن الذين كفروا بالله أو أشركوا به‏ ,‏ أو كذبوا بأنبيائه ورسله وبالقرآن العظيم وبخاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ أو كذبوا على الله‏ (تعالى‏)‏ وحرفوا دينه‏ ,‏ أو أنكروا الآخرة وما فيها من بعث وحساب وخلود فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون‏ .‏



من الإشارات الكونية في سورة هود :
(1)الإشارة إلى إحاطة علم الله‏ (تعالى‏)‏ بكل شيء يذكر أنه يرزق كل دابة في الأرض‏ ,‏ ويعلم مستقرها‏ (أي مكان وجودها أو موضع قرارها في سلاسل حاملات الوراثة في أصلاب آبائها قبل أن تخلق‏)‏ ومستودعها‏     (أي ما استودع الله سبحانه وتعالى صلب كل واحدة منها من ذريات في شفرتها الوراثية‏) ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ آخذ بناصية كل حي‏ (أي يملكه ويقهره‏) ,‏ وأن ذلك كله مدون عنده في كتاب مبين‏ .‏
‏(2) التأكيد على خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏ (أي ست مراحل‏)‏ وأن عرش الخالق العظيم كان على الماء‏ ,‏ وأن الآخرة حتم لا ريب فيه‏ .‏
(3) وصف جانب من طبائع النفس البشرية التي تصاب بشيء من اليأس والقنوط في حالات الضيق والبأساء‏ ,‏ وبشيء من الفرح والفخر والزهو في حالات السعة والنعماء‏ .‏
(4) ذكر حقيقة تنوع الناس مع توحد أصلهم الذي ينتهي إلى أب واحد وأم واحدة‏ ,‏ مما يشير إلى طلاقة القدرة الإلهية في إبداع الخلق‏ .‏
" وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ "‏ (هود‏:118)‏ .
(5) الإشارة إلى غيوب السماوات والأرض‏ ,‏ وإلى أن الأمر كله يرجع إلى الله‏ (تعالى‏) ,‏ والعلوم المكتسبة تؤكد حقيقة تلك الغيوب‏ .‏
(6) تشبيه الموج الذي خاضته سفينة نبي الله نوح‏ (عليه السلام‏)‏ بأنه كالجبال‏ (هود‏:42) ,‏ ووصف انتهاء الطوفان بغيض الماء‏ (هود‏:44)‏ وهي من الحقائق العلمية المؤكدة‏ .‏
(7) سرد قصص سبعة من أنبياء الله ورسله‏ ,‏ وتحقيق تفاعل أممهم معهم‏ ,‏ وتسجيل ما أصاب تلك الأمم من عقاب أو ثواب بدقة بالغة‏ ,‏ في تغطية رائعة لأغلب تاريخ الإنسان على سطح الأرض‏ ,‏ وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة‏ ,‏ وفي أمة لم تكن أمة علم أو تدوين‏ ,‏ بل كانت في غالبيتها أمة وثنية أمية‏ ,‏ خاصة وأن ما كان قد بقي بأيدي أهل الكتاب من ذكريات لم بسجل شيئا عن اثنين من هؤلاء الأنبياء ولقد أثبتت الكشوف الأثرية صدق ما جاء بالقرآن الكريم عن هذه الأمم وعما أصابها من عقاب الله‏ (تعالى‏)‏ للذين كفروا منهم‏ ,‏ وجحدوا ربهم‏ ,‏ وكذبوا أنبياءه ورسله‏ ,‏ وهذا من أوضح جوانب الإعجاز التاريخي في القرآن الكريم‏ .‏
‏(8)‏ الإشارة إلى قوم ثمود بأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أنشأهم من الأرض واستعمرهم فيها‏ .‏
‏(9)‏ إثبات تحريف اليهود لتوراة موسى‏ (عليه السلام‏)‏ والدراسات العلمية الرصينة تؤكد ذلك وتدعمه‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة الثامنة من القائمة السابقة والتي جاءت في الآية الحادية والستين من سورة هود‏ ,‏ وقبل الوصول إلى ذلك أرى ضرورة المرور السريع بأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏

" وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ " ‏(‏هود‏:61)‏ .
‏ذكر ابن كثير‏ (رحمه الله‏)‏ ما مختصره‏ : (و‏)‏ لقد أرسلنا‏ (إلى ثمود‏)‏ وهم الذين كانوا يسكنون مدائن الحجر بين تبوك والمدينة وكانوا بعد عاد فبعث الله منهم‏ (أخاهم صالحا‏)‏ فأمرهم بعبادة الله وحده‏ ,‏ ولهذا قال :
‏" هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ "‏ أي ابتدأ خلقكم منها إذ خلق منها أباكم آدم‏ , "وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا " أي جعلكم عمارا تعمرونها وتستغلونها‏ , ....‏
وجاء في‏ (الظلال‏) [‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏]‏ ما مختصرة ‏:‏
‏ .....‏ وذكرهم صالح بنشأتهم من الأرض‏ ,‏ نشأة جنسهم‏ ,‏ ونشأة أفرادهم من غذاء الأرض‏ ,‏ أو من عناصرها التي تتألف منها عناصر تكوينهم الجسدي‏ .‏ ومع أنهم من هذه الأرض‏ ,‏ من عناصرها‏ ,‏ فقد استخلفهم الله فيها ليعمروها‏ ,‏ استخلفهم بجنسهم واستخلفهم بأشخاصهم بعد الذاهبين من قبلهم‏ .‏ ثم هم بعد ذلك يشركون معه آلهة أخرى‏
" فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ "‏ واطمئنوا إلى استجابته وقبوله‏ " إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ " ...‏ والإضافة في " رَبِّي "‏ ولفظ‏ " قَرِيبٌ "‏ ولفظ‏ "مُّجِيبٌ " واجتماعها وتجاورها ترسم صورة لحقيقة الألوهية كما تتجلي في قلب من قلوب الصفوة المختارة‏ ,‏ وتخلع على الجو أنسا واتصالا ومودة‏ ,‏ تنتقل من قلب النبي الصالح إلى قلوب مستمعيه لو كانت لهم قلوب ‏!! .‏
‏‏ وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا حاجة إلى تكراره‏ .‏

من الدلالات العلمية للنص الكريم :
أولا ‏:‏ الإثبات التاريخي لنبوة صالح‏ (عليه السلام‏) :‏
الخطاب في هذا النص الكريم موجه إلى قبيلة ثمود من نبيهم صالح‏ (عليه السلام‏) ,‏ والآثار الباقية عند أهل الكتاب لا تذكر شيئا عن هذا النبي الصالح‏ ,‏ ولا عن قومه‏ ,‏ وهنا تسقط الحجة الكاذبة أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قد نقل هذا القصص النبوي عنهم‏ ,‏ وبالذات عما جاء في الأسفار الخمسة الأولى من العهد القديم وهي لا تحوي شيئا عن اثنين من أنبياء الله هما هود‏ (عليه السلام‏)‏ النبي المبعوث إلى قوم عاد‏ ,‏ وصالح‏ (عليه السلام‏)‏ وقد بعث إلى قوم ثمود‏ .‏
والقبيلة سميت باسم جدهم‏ (ثمود‏)‏ وهو الحفيد الثالث لنبي الله نوح‏ (عليه السلام‏)‏ والذي اسمه‏ (ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح‏) ,‏ وقبيلة ثمود هي قبيلة عربية قديمة‏ ,‏ من العرب العاربة التي سكنت الحجر‏ (أو ما يعرف اليوم باسم مدائن صالح‏)‏ الواقعة في وادي القرى‏ ,‏ إلى الشمال الغربي من المدينة المنورة على الطريق القديم بينها وبين مدينة تبوك وبالقرب من مدينة الفلا‏ .‏ وكان أبناء هذه القبيلة من الأشداء الذين نحتوا قصورهم في الجبال المحيطة بوادي القرى‏ ,‏ وجاءوا بكتل كبيرة من الصخر إلى بطن الوادي ونحتوها قصورا‏ .‏
وقد جاء ذكر قبيلة ثمود في نقوش تركها الملك الآشوري سارجون ‏
(
Sargon)‏ يرجع تاريخها إلى سنة ‏715‏ قبل الميلاد‏ ,‏ وكان سارجون قد أخضع تلك القبيلة لنفوذه في فترة من الفترات‏ .‏
والقرآن الكريم كثيرا ما يقرن بين ذكر عاد وثمود‏ (كما جاء في كل من سور التوبة‏ ,‏ إبراهيم‏ ,‏ الفرقان‏ ,‏ ص‏ ,‏ ق‏ ,‏ النجم‏ ,‏ والفجر‏)‏ ربما لتقاربهما الزمني‏ ,‏ أو لكون ثمود ممن نجوا من إهلاك قوم عاد حتى ليطلق عليهم أحيانا اسم عاد الثانية‏ .‏ وبقايا كتب أهل الكتاب لا تذكر شيئا عن هاتين الأمتين‏ ,‏ وإن أثبت القرآن الكريم معرفة موسي‏ (عليه السلام‏)‏ بهما كما جاء في سورة إبراهيم‏(8‏ و‏9) .‏
وقبيلة ثمود ـ في مرحلة من مراحل انحرافهم عن منهج الله تعالى ـ عبدوا الأصنام فبعث الله‏ (تعالى‏)‏ إليهم نبيا منهم هو صالح‏ (عليه السلام‏) ,‏ الذي اصطفاه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ من بينهم فاشتهر عندهم برجاحة العقل‏ ,‏ واستقامة الفكر‏ ,‏ وطهارة السلوك‏ .‏
وهذا النبي الصالح كان الحفيد الرابع لمؤسس قبيلة ثمود وعندما آتاه الله‏ (تعالى‏)‏ النبوة‏ ,‏ وبدأ في الدعوة إلى عبادة الله‏ (تعالى‏)‏ وحده‏ ,‏ وإلى نبذ عبادة الأصنام والأوثان‏ ,‏ وإلى التطهر من دنس الشرك إلى شرف التوحيد‏ ,‏ وإلى حسن القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها وإقامة عدل الله فيها بعد أن كان الظلم والانحراف عن منهج الله والإفساد في الأرض قد شاع بين أبناء قبيلته‏ ,‏ عارضه قومه‏ ,‏ وسخروا من دعوته‏ ,‏ واتهموه بالسحر‏ ,‏وحاربوه‏ ,‏ وحاولوا قتله ولكنهم لم يفلحوا في ذلك‏ ,‏ ثم طالبوه بالمعجزات والخوارق التي تشهد على صدق ما جاءهم به‏ ,‏ وكان من بين ذلك أن طالبوه‏-‏ من قبيل التعجيز‏-‏ أن يخرج لهم من صخرة منعزلة عن الجبل ناقة بمواصفات خاصة وضعوها‏ ,‏ فأخذ عليهم نبيهم العهود والمواثيق إن جاءهم بما طلبوا أن يؤمنوا بما جاءهم به‏ ,‏ وعند استجابتهم لذلك شرع في الصلاة والدعاء لله‏ (تعالى‏)‏ حتى تمخضت الصخرة عن ناقة بالمواصفات التي طلبوها‏ ,‏ ثم وضعت هذه الناقة فصيلا يشبهها ضخامة وهيبة فآمن من آمن‏ ,‏ وكفر من كفر‏ ,‏ وما آمن معه إلا قليل‏ .‏
وقال لهم نبيهم‏:‏ هذه ناقة الله لها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم‏ ,‏ ولكن الكفار لم يصبروا على ذلك فعقروا الناقة بواسطة تسعة رهط من المفسدين‏ ,‏ فأنذرهم نبيهم بعذاب عاجل من الله‏ (تعالى‏)‏ قائلا لهم‏:‏ لكل أمة أجل فتمتعوا في داركم ثلاثة أيام ثم يأتيكم العذاب بعد ذلك وفي ضحي اليوم الرابع أتتهم صيحة من السماء فأهلكتهم وهم في ديارهم جاثمين‏ ,‏ ونجي الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ نبيه صالحا والذين آمنوا معه فلجأوا أولا إلى بلاد الشام ثم إلى مكة المكرمة حيث عبدوا الله‏ (تعالى‏)‏ حتى أتاهم اليقين‏ .‏ وكان من نسل الناجين كل من الأنباط في الشمال وقبيلة ثقيف التي سكنت جبال الطائف‏ .‏
وكان في تسجيل القرآن الكريم لنبوة صالح‏ (عليه السلام‏)‏ ولقصته مع قومه شهادة صدق على ربانية القرآن الكريم وعلى نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ لأن أيا من آثار أهل الكتاب لم يشر إلى هذا النبي ولا إلى قومه‏ ,‏ كما لم يشر إلى أسلافهم عادا الأولى ونبيهم هود‏ (عليه السلام‏) .‏

ثانيا‏ :‏ في قوله تعالى ‏: " هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ "‏
هذا الخطاب من نبي الله صالح‏ (عليه السلام‏)‏ إلى قومه من قبيلة ثمود يمن عليهم فيه أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد أنشأهم من الأرض أي من عناصرها المختلفة‏ ,‏ وهذه الحقيقة تنطبق على كونهم من نسل آدم‏ (عليه السلام‏) ,‏ وكانوا جميعا في صلبه لحظة خلقه وقد خلقه الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ من الأرض‏ .‏ كما تنطبق على كون أجسادهم‏-‏ مثل أجساد كل المخلوقات‏-‏ قد نمت أصلا من عناصر الأرض‏ .‏

والقرآن الكريم يؤكد لنا الخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ فيه على أنه خلق الإنسان على مراحل متتالية كما يلي‏ :‏
‏1-‏ من تراب‏ (آل عمران‏/59 ,‏ الكهف‏/37 ,‏ الحج‏/5 ,‏ الروم‏/20 ,‏ فاطر‏/11 ,‏ غافر‏/67)‏
‏2-‏ ومن طين ‏-‏ وهو التراب المعجون بالماء ‏- (الأنعام‏/2 ,‏ الأعراف‏/12 ,‏ السجدة‏/7 ,‏ص‏/7671 ,‏ الإسراء‏/61)‏
‏3-‏ ومن سلالة من طين‏-‏ أي من خلاصة منتزعة من الطين برفق‏- (المؤمنون‏/12)‏
‏4-‏ومن طين لازب‏-‏ أي لاصق بعضه ببعض‏- (‏الصافات‏/11)‏
‏5-‏ ومن صلصال من حمأ مسنون‏-‏ أي أسود منتن‏ (‏الحجر‏/26‏و‏28‏و‏33) .‏
‏6-‏ ومن صلصال كالفخار ‏(‏الرحمن‏/14)‏
‏7-‏ ومن الأرض‏ (هود‏/61 ,‏ طه‏/55 ,‏ النجم‏/32 ,‏ نوح‏/17‏و‏18)‏
‏8-‏ ومن الماء‏ (‏الفرقان‏/54) .‏
‏9-‏ ومن ماء دافق‏ (الطارق‏/6)‏
‏10-‏ ومن ماء مهين‏ (المرسلات‏/20)‏
‏11-‏ من سلالة من ماء مهين‏ (‏السجدة‏/8)‏
وفي ذلك يقول المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏):‏ إن الله خلق ادم من قبضة قبضها من جميع الأرض‏ ,‏ فجاء بنو ادم على قدر الأرض‏:‏ جاء منهم الأحمر‏ ,‏ والأبيض‏ ,‏ والأسود وبين ذلك‏ ,‏ والخبيث والطيب وبين ذلك‏ (أخرجه كل من الإمام أحمد‏ ,‏ وأبو داود‏ ,‏ والترمذي‏) .‏
ولما كان الإنسان قد خلق أصلا من تراب الأرض‏ ,‏ ويحيا على خلاصة من عناصر الأرض تجهزها له النباتات في ثمارها وحبوبها‏ ,‏ أو المباحات من الحيوانات ومنتجاتها التي تستمد أجسادها من عناصر الأرض عن طريق ما تأكله من نباتات أو تستخلصه من مياه البحار والمحيطات قال ربنا‏ (وقوله الحق‏)‏ ممتنا على العصاة المتجبرين من قوم ثمود‏ :‏ هو أنشأكم من الأرض‏ . . .‏ بمعنى كيف تعصون الله‏ (تعالى‏)‏ رسوله‏ ,‏ وترفضون هدايته وقد خلقكم ونماكم من تراب الأرض؟‏!‏ وهو سؤال تقريري تقريعي توبيخي يدرك كل إنسان حقيقة الإجابة عليه‏ !! .‏

ثالثا ‏:‏ في قوله تعالى ‏: " وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا "
والخطاب هنا موجه إلى كفار ومشركي قوم ثمود‏ ,‏ ويمتن الله‏ (تعالى‏)‏ عليهم فيه بأن نجاهم من العذاب الذي أهلك به كفار ومشركي قوم عاد‏ ,‏ ومكنهم من الهجرة شمالا إلى أرض منطقة الحجر بوادي القرى‏ ,‏ وأعانهم على إعمارها بما هيأ لهم فيها من وفرة في الماء‏ ,‏ وجودة في التربة‏ ,‏ وتباين في التضاريس‏ ,‏ وحماية طبيعية بإحاطة الجبال بهذا الوادي الحصين‏ ,‏ وبما وهب صخور تلك الجبال الرملية من مسامية عالية لخزن الماء تحت سطح الأرض‏ ,‏ وطراوة متوسطة مكنتهم من نحت بيوتهم فيها‏ ,‏ وفواصل طبيعية مكنت عوامل التعرية من تحريك كتل كبيرة من تلك الصخور إلى بطن الوادي لنحتها قصورا فارهة‏ ,‏ ويذكرهم الله‏ (تعالى‏)‏ بتلك النعم فيقول ‏:‏ " وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ
وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ " (الأعراف‏:74)‏ .
ويقول‏ (عز من قائل‏) :" وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ المُرْسَلِينَ .‏‏ وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ .‏ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ .‏‏ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ .‏‏ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ  " ‏(‏الحجر‏:80‏-‏84) .
‏ويقول‏ (سبحانه وتعالى‏)
:" كَذَّبَتْ ثَمُودُ المُرْسَلِينَ .‏ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوَهُمْ صَالِحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ .‏‏ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ .‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ .‏ وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِينَ .‏ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ .‏ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .‏ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ .‏ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجِبَالِ بُيُوتاً فَارِهِينَ .‏ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ‏.‏‏ وَلاَ تُطِيعُوا أَمْرَ المُسْرِفِينَ .‏ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلاَ يُصْلِحُونَ .‏ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ المُسَحَّرِينَ .‏ مَا أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ .‏ قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ .‏ و‏َلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ .‏ فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ .‏ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ .‏ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العَزِيزُ الرَّحِيمُ  " (الشعراء‏:141‏-‏159) .

وهذا النص الكريم الذي جاء في الآية رقم ‏(61)‏ من سورة هود يكفي وحده للشهادة بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ دون أن يضاف إليه حرف واحد أو أن ينتقص منه حرف واحد على مدي أربعة عشر قرنا أو يزيد‏ ,‏ وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها‏ ,‏ حتى يكون شاهدا على الناس أجمعين إلى يوم الدين بأن الله‏ (تبارك وتعالى‏)‏ حق‏ ,‏ وبأن القرآن حق‏ ,‏ وبأن سيدنا محمدا‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ حق‏ ,‏ وأن الآخرة حق وهذا ما نتمنى إيصاله إلى الناس جميعا في زمن الضياع والفتن الذي يعيشه أهل الأرض أجمعون نتيجة لبعدهم عن هذا الدين الحق‏ , " ‏وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (يوسف:21) .