" ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون " (السجدة:9).


هذه الآية الكريمة جاءت في أواخر الثلث الأول من‏ سورة السجدة ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ثلاثون ‏(30)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى سجود المؤمنين لله‏ (تعالى‏)‏ طاعة لأمره‏ ,‏ وتعبدا لجلاله‏ ,‏ وقد جاء ذلك في منتصف هذه السورة المباركة حيث توجد سجدة تلاوة بعد الآية الخامسة عشرة منها‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  " (السجدة‏:15-17) .‏ ويدور المحور الرئيسي‏'‏ لسورة السجدة‏'‏ حول العقيدة الإسلامية‏ ,‏ ومن ركائزها‏:‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ ربا واحدا أحدا‏ ,‏ فردا صمدا‏ ,‏ بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع‏ ,‏ ولا صاحبة‏ ,‏ ولا ولد‏ ,‏ وتنزيهه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏ ومن ركائز العقيدة الإسلامية الإيمان بملائكة الله‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ (دون أدني تفريق‏) ,‏ وباليوم الآخر وما فيه من بعث وحساب وجزاء‏ ,‏ وخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ ,‏ والإيمان بالقدر خيره وشره‏ .‏
ومن أهم ركائز العقيدة الإسلامية الإيمان ببعثة النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وبالرسالة الخاتمة التي أوحاها الله‏ (تعالى‏)‏ إليه‏ ,‏ والتي تعهد ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بحفظها فحفظت في القرآن الكريم وفي سنة هذا النبي والرسول الخاتم‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏)‏ على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية وسوف تبقي كذلك إلى قيام الساعة حتى تكون حجة على الناس كافة‏ .‏
وقد استهلت سورة السجدة بالحروف المقطعة الثلاثة‏
(أ ل م‏)‏ والتي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ .‏ وهذه المقطعات من الفواتح الهجائية جاءت في مطلع تسع وعشرين سورة من سور القرآن الكريم‏ ,‏ وتعتبر سرا من أسراره التي وكلها أغلب المفسرين إلى علم الله‏ (تعالى‏) ,‏ وحاول البعض الآخر تفسيرها‏ ,‏ فقيل فيها أنها قد تكون رموزا إلى كلمات أو معان أو أعداد محددة متعلقة بالسورة التي استفتحت بها‏ ,‏ أو أنها قد تكون أسماء لتلك السور‏ ,‏ أو صورة من صور تحدي العرب بالقرآن الكريم‏ ,‏ وإثبات إعجازه لهم‏ ,‏ لأنه لا يجاوز حروف لغتهم العربية‏ ,‏ التي على الرغم من تميزهم فيها فإنهم عجزوا عن الإتيان بشيء من مثل القرآن العظيم‏ .‏
كذلك سبق القول في المقطعات الهجائية أنها قد تكون وسيلة من وسائل قرع الأسماع وتحريك القلوب والأفهام كي تستعد لتلقي كلام رب العالمين‏ .‏ وقيل فيها إنها من الشهادات المثبتة لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك لنطقه بأسماء الحروف‏-‏ وهو الأمي‏-‏ والأمي ينطق بأصوات الحروف دون أسمائها‏ ,‏ وقيل في هذه المقطعات الهجائية أنها قد تجمع بين ذلك كله‏ ,‏ وقد يكون لها من الدلالات ما لم يكتشف بعد من أسرار هذا الكتاب العزيز الذي أنزله الله‏ (تعالى‏)‏ بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ وحفظه حفظا كاملا على مدي الأربعة عشر قرنا الماضية‏ ,‏ وتعهد‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بذلك الحفظ إلى قيام الساعة حتى يبقى القرآن الكريم شاهدا على الناس كافة إلى يوم الدين‏ .‏ وبعد هذا الاستهلال يأتي التأكيد القاطع من رب العالمين بأن القرآن الكريم هو تنزيل منه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ دون أدني شك أو شبهة أو ريبة‏ ,‏ وذلك دفعا لادعاءات كفار ومشركي قريش‏-‏ ولادعاءات كل كافر ومشرك وظالم أو جاهل من بعدهم إلى يوم الدين‏-‏ بأن القرآن الكريم هو من كتابات سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي شاءت إرادة الله‏ (تعالى‏)‏ أن يجعله أميا لا يقرأ ولا يكتب حتى ينفي عنه هذه التهمة الباطلة‏ .‏ وفي ذلك جاءت الآيات في مطلع سورة السجدة
بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " الـم . تَنزِيلُ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالَمِينَ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ  " (السجدة‏:1-4) .‏
ثم أشارت الآيات إلى السرعة الفائقة التي يدبر الله‏ (تعالى‏)‏ بها أمور الكون كله‏ ,‏ والزمن هو أحد أبعاده‏ ,‏ والكون بزمانه‏ ,‏ ومكانه‏ ,‏ ومادته ومختلف صور الطاقة فيه من خلق الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ الذي يتحكم في كل ذلك كيف يشاء‏ ,‏ يخلقه ويفنيه‏ ,‏ ويقصره ويطويه‏ ,‏ ويمده كيف يشاء إلى نهاية لا يعلمها إلا هو‏ (جل شأنه‏) ,‏
وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إليهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ " (السجدة‏:5) .‏
وتضيف الآيات عددا من صفات الخالق العظيم تشهد له‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بالألوهية‏ ,‏ والربوبية‏ ,‏ والخالقية‏ ,‏ والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه فتقول‏ :‏
" ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ  " (السجدة‏:6-9) .‏
وتندد الآيات بعد ذلك بالمكذبين بالبعث‏ ,‏ المستهزئين بإمكانية وقوعه‏ ,‏ وتصف لجاجتهم في أمره‏ ,‏ وأقوالهم الساذجة التي تنم عن جهلهم بطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود فيقولون‏:‏ أئذا متنا‏ ,‏ وتحللت أجسادنا إلى تراب يختلط بتراب الأرض حتى يغيب فيه‏ ,‏ ولا يتميز عنه‏ ,‏ هل يمكن أن يعاد خلقنا من جديد؟ وهذا من أخطاء الكفار الذين يقيسون قدرة الله‏ (تعالى‏)‏ غير المحدودة بقدرات البشر المحدودة‏ ,‏ وترد عليهم الآيات مؤكدة حتمية الموت والرجوع إلى الله‏ ,‏ ومبكتة هؤلاء المكذبين بذلهم وانكسارهم وهوانهم حين يفاجأون بالبعث وذلك بقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ . قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ . وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ . وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ  " ‏(‏السجدة‏:10-14) .

وفي المقابل تستعرض الآيات حال المؤمنين بالله‏ ,‏ الذين فهموا رسالتهم في هذه الحياة‏:‏ عبادا لله‏ (تعالى‏)‏ يعبدونه بما أمر‏ ,‏ ويحسنون القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض بعمارتها‏ ,‏ وإقامة عدل الله فيها‏ ,‏ وهم ساجدون لجلال الله‏ ,‏ مسبحون بحمده‏ ,‏ خاشعون لعظمته‏ ,‏ موقنون من عودتهم إليه‏ ,‏ متطلعون إلى رحمته‏ ,‏ وراجون حسن ثوابه في الآخرة بالفوز بالجنة والنجاة من النار‏ ,‏ وتقابلهم الآيات بأحوال الجاحدين من الكفار والمشركين‏ ,‏ والفاسقين الظالمين‏ ,‏ المفسدين في الأرض والمتجبرين على الخلق وهم في ذل وهوان في الآخرة‏ ,‏ يصلون نار الجحيم‏ ,‏ وحذرهم من ذلك في الدنيا قبل الآخرة وهم لا يسمعون‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ . أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ المَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ . وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ  " (السجدة‏:18-22) .‏ ثم تنتقل الآيات بعد ذلك بالإشارة إلى كتاب موسى‏ (التوراة‏)‏ الذي جعله الله‏ (تعالى‏)‏ هدي لبني إسرائيل‏ ,‏ وجعل منهم أئمة يهدون بأمر الله لما صبروا وكانوا بآيات الله يهتدون‏ ,‏ ثم تصف الآيات كيف ارتدت غالبيتهم بعد ذلك‏ ,‏ وقتلوا أنبياءهم‏ ,‏ والصالحين من بينهم كما يفعلون اليوم على أرض فلسطين‏ ,‏ وعلى غيرها من أراضي المسلمين‏ .‏وبالقرب من ختام هذه السورة المباركة توجه الآيات الخطاب إلى كفار ومشركي قريش‏ (وإلى كل كافر ومشرك وظالم من بعدهم إلى يوم الدين‏)‏ مذكرة إياهم بمصارع الغابرين‏ ,‏ ومستشهدة على حتمية البعث بإعادة إنبات الأرض الجرز التي قضي على نباتها إما بالرعي الجائر‏ ,‏ أو بالجفاف والتصحر‏ ,‏ فإذا ساق الله‏ (تعالى‏)‏ إليها الماء اخضرت وازدهرت بمختلف أنواع النباتات التي يأكل منها الناس وأنعامهم‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ القُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ . أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ " (السجدة:‏27,26) .‏‏‏
وتختتم‏ سورة السجدة‏ بتهديد من الله‏ (تعالى‏)‏ لكفار ومشركي قريش‏ (ولكل مشرك وكافر من بعدهم إلى يوم الدين‏)‏ بأهوال يوم القيامة الذي لا ينفع الذين كفروا أو أشركوا وماتوا على الكفر أو الشرك بالله أن يعلنوا إيمانهم فيه‏ ,‏ وهم كانوا قد أنكروه في الدنيا‏ ,‏ وتقطع الآيات بأنهم لن يمهلوا من العذاب شيئا  .
وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ " (السجدة:‏28-30) .‏
أي أعرض يا محمد عن الكفار والمشركين‏ ,‏ وأعرضوا عنهم يا أتباع محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إلى يوم الدين‏ ,‏ ولا تبالوا بهم‏ ,‏ وانتظروا ما سوف يحل بهم من عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ لأنهم دوما متربصون بكم‏ ,‏ وكائدون لكم‏ ,‏ ومتآمرون عليكم‏ ,‏ وهم من جهلهم وغطرستهم‏ ,‏ وكبرهم لا يعلمون .
قول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ " (يوسف‏:21) .‏
ولا يعلمون قوله‏ (عز من قائل‏) :‏
" وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " (النساء‏:141) .‏

من ركائز العقيدة في سورة السجدة :
‏(1)‏ الإيمان بالله الواحد الأحد‏ ,‏ الفرد الصمد‏ ,‏ الذي لم يلد ولم يولد‏ ,‏ ولم يكن له كفوا أحد‏ ,‏ وبملائكته‏ ,‏ وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ (بما فيه من بعث‏ ,‏ وحساب‏ ,‏ وخلود إما في الجنة أبدا‏ ,‏ أو في النار أبدا‏) .‏
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله‏ ,‏ الموحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ والمحفوظ بنفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ حفظا كاملا إلى يوم الدين‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق السموات والأرض وما بينهما‏ ,‏ عالم الغيب والشهادة‏ ,‏ العزيز الرحيم الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ،‏ ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين‏ ،‏ ثم سواه ونفخ فيه من روحه‏ ....‏
‏(4)‏ التسليم ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وبالقرآن الكريم الذي أوحاه الله‏ (تعالى‏)‏ إليه هداية للخلق أجمعين‏ ,‏ وبسنته المطهرة التي هي من صميم الدين‏ .‏
‏(5)‏ اليقين بأن المؤمنين بالله‏ ,‏ القائمين على عبادته‏ ,‏ والذين يصلحون في الأرض‏ ,‏ ويعملون الطيبات‏ ,‏ ويقيمون عدل الله‏ (تعالى‏)‏ فيها لا يستوون أبدا مع الكفار والمشركين‏ ,‏ والفاسقين المفسدين‏ ,‏ والطغاة المتجبرين على الخلق‏ .‏
‏(6)‏ التسليم بحتمية البعث وضرورته ليكافأ أهل الخير والصلاح ويجازي أهل الكفر والشرك والضلال كل بعمله‏ .‏
‏(7)‏ الإيمان بطلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏ ,‏ ولا يقف أمامها عائق‏ ,‏ وبأن الله‏ (تعالى‏)‏ قادر على كل شيء‏ ,‏ وأن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له‏: '‏ كن ‏'‏ فيكون‏ .‏

من ركائز العبادة في سورة السجدة :
‏(1)‏ ضرورة الشكر لله‏ (تعالى‏)‏ على كل نعمة أنعم بها على الإنسان‏ .‏
‏(2)‏ مداومة السجود لله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ والتسبيح بحمده كلما ذكرت آياته المنزلة في محكم كتابه أو المبثوثة في النفس الإنسانية‏ ,‏ أو في الآفاق‏ ,‏ خاصة إذا كان فيها أو في مضمونها أمر واضح بالسجود لله‏ (تعالى‏) .‏
‏(3)‏ الحرص على قيام الليل‏ ,‏ وتجافي الجنوب عن المضاجع‏ ,‏ عبادة لله‏ (تعالى‏)‏ طمعا في جزيل ثوابه‏ ,‏ وخوفا من شديد عقابه‏ .‏
‏(4)‏ محاربة شح النفس بالحرص على الإنفاق مما رزق الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
‏(5)‏ النهي عن كل صور الإفساد في الأرض من الكفر والشرك والفسوق والعصيان‏ ,‏ والظلم والطغيان‏ ,‏ ومحاربته بكل ما في الطاقة من إمكان‏ .‏
‏(6)‏ الإعراض عن الكفار والمشركين إذا دعوا للإيمان ولم يستجيبوا والحرص من كيدهم‏ .‏
‏(7)‏ ضرورة الاعتبار بهلاك العاصين من الأمم السابقة‏ .‏

من الإشارات الكونية في‏ سورة السجدة :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏ (أي ست مراحل متتالية‏)‏ يحاول العلم المكتسب اليوم تفسيرها‏ .‏
‏(2)‏ الإيحاء بمركزية الأرض للسماوات بالإشارة إلى البينية الفاصلة لهما‏ ,‏ وهي من الأمور التي لا طاقة للإنسان على الوصول إليها‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة إلى سرعات كونية فائقة يدبر الله‏ (تعالى‏)‏ بها الأمر بين السماء والأرض قبل أن يصل إلى علم الإنسان شيء من ذلك بأكثر من اثني عشر قرنا‏ .‏
‏(4)‏ التأكيد على خلق الإنسان من طين‏ ,‏ وعلى جعل نسله سلالة من ماء مهين‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة إلى تسوية خلق الإنسان في مراحل جنينية محددة‏ ,‏ ثم نفخ الروح فيه‏ ,‏ وخلق السمع والأبصار والأفئدة في زمرة مجموعة من الحواس لا تستقيم حياة الإنسان على الأرض بفقدها‏ .‏ وتقديم السمع على بقية الحواس في هذه السورة الكريمة وفي العديد غيرها من آيات القرآن الحكيم هو من أبلغ دلالات الإعجاز العلمي للقرآن الكريم‏ .‏
‏(6)‏ وصف الذات الإلهية بتعبير‏‏ (رب العالمين)‏ مما يشمل عالمي الغيب والشهادة‏ ,‏ و عالمي الدنيا والآخرة‏ ,‏ وعالمي الإنسان والجن‏ ,‏ وغير ذلك من العوالم التي نجهلها‏ .‏
‏(7)‏ الدقة العلمية الفائقة في اختيار وصف‏'‏ الأرض الجرز‏' ,‏ وهي الأرض التي اندثر نباتها إما بالرعي الجائر‏ ,‏ أو الحش الجائر‏ ,‏ أو بانقطاع الماء عنها لفترات طويلة‏ ,‏ فيجف نباتها‏ ,‏ وييبس حتى يندثر‏ ,‏ وتبقي هذه الأرض صالحة للزراعة بتربتها وبمخزونها من بقايا الحياة النباتية والحيوانية المدفونة فيها‏ ,‏ وذلك لأن‏ (الجرز‏)‏ في اللغة هو القطع‏ ,‏ أما باقي أنواع الأراضي التي لا ينبت فيها نبات أبدا من مثل الأرض السبخة فلا تسمي باسم ‏'‏ الأرض الجرز ‏'‏ لأنه لا يمكن أن يكون قد نما فيها غطاء خضري ثم اجتث بالقطع‏ ,‏ أو يبس واندثر بسبب ندرة المطر‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الخامسة من القائمة السابقة والتي تتحدث عن تسوية خلق الإنسان في مراحل جنينية محددة‏ ,‏ ثم نفخ الروح فيه‏ ,‏ وخلق السمع والأبصار والأفئدة‏ .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا‏ :‏ في قول‏ (ربنا تبارك وتعالى‏) : " ثُمَّ سَوَّاهُ " :‏
تشمل التسوية هنا مراحل خلق الجنين من لحظة الإخصاب‏ (طور النطفة الأمشاج‏)‏ إلى مرحلة نفخ الروح‏ (طور المضغة‏)‏ والتي حددها رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بحديثه الشريف الذي قال فيه ‏: "‏
إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة‏ ,‏ ثم يكون بعد ذلك علقة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يكون مضغة مثل ذلك‏ ,‏ ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح‏ " ‏(‏رواه الشيخان عن ابن مسعود‏) .‏
وأكد هذا النبي الخاتم‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏)‏ تلك الحقيقة في حديث آخر قال فيه‏ :
" إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها‏ ,‏ وخلق سمعها‏ ,‏ وبصرها وجلدها ولحمها‏ ,‏ وعظامها‏ ,‏ ثم قال‏:‏ يا رب أذكر أم أنثي‏ ,‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك " ‏(‏صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد‏) .

وفترة تسوية الجنين البشري يمكن تلخيصها في الأطوار التالية ‏:‏
‏(1)‏طور النطفة الأمشاج‏ :‏ ويبدأ هذا الطور بمجرد إخصاب نطفة الرجل‏ (الحيمن‏)‏ لنطفة المرأة‏ (البييضة‏)‏ عند التقاء مائيهما المهينين‏ (التناسليين‏) ,‏ فقد جعل الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ التناسل بهذه الطريقة وسيلة لبقاء النوع‏ ,‏ وبالتقاء الشفرتين الوراثيتين لكل من الحيمن والبييضة في النطفة الأمشاج تتكون الصفات السائدة التي تظهر على الجنين والتي تميزه عن غيره من بني الإنسان‏ ,‏ كما تتكون الصفات المستترة‏ (المتنحية‏)‏ والتي تختزن فيه للظهور في نسله من بعده إلى يوم الدين‏ ,‏ وتسمي العلوم المكتسبة هذه العملية باسم التنوع في الوحدة‏
(DIVERSITY IN UNITY)‏ مما يشير إلى خلق البشرية كلها من أب واحد وأم واحدة هما أبوانا آدم وحواء‏ (عليهما من الله السلام‏)‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " (الأعراف‏:172) .‏
ويقول‏ (عز من قائل‏) :‏‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً " (النساء‏:1) .‏
وجاءت هذه الحقيقة في عدد آخر من آي القرآن الكريم من مثل‏ : (الأعراف‏:189,الزمر‏:6,الروم‏:21,فاطر‏:11) .‏
ويقول سبحانه وتعالى كذلك ‏:‏
" وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى . مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى " (النجم‏:46,45) .‏
ولذلك يسمي القرآن الكريم عملية الإخصاب بما فيها من تحديد للصفات الوراثية للجنين باسم‏ (التقدير‏)‏ فقال ربنا‏ (تبارك اسمه‏) :‏
"قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ . مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " (عبس‏:17:19) .‏
ويقول المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)
" إن النطفة إذا استقرت في الرحم أحضرها الله تعالى كل نسب بينها وبين آدم " (‏أخرجه كل من ابن جرير وابن أبي حاتم‏) .‏
وهو تقدير حقيقي لأن الخالق العظيم قد قدر لكل فرد من أفراد خلقه صفاتا وراثية محددة حتى لا يتشابه اثنان من المخلوقات تشابها كاملا أبدا‏ ,‏ ولا حتى التوائم‏ ,‏ ولذلك تسمي العلوم المكتسبة عمليه الإخصاب باسم البرمجة الجينية
‏ (Genetic Coding) .

وهي برمجة حقيقية تتم حسب علم الله المحيط بكل شيء والذي أقر صفات كل فرد من خلقه في شيفرة وراثية وزعها بين الخلايا التناسلية لكل من الأب والأم‏ ,‏ ثم جمع بينهما بالزواج لتلتقي خلية تناسلية محددة من بلايين الخلايا التي وهبها الله‏ (تعالى‏)‏ للزوج مع بييضة محددة من بين ما وهب الله للزوجة من البييضات حتى يخلق منهما الجنين المقدرة صفاته الوراثية في علم الله وبعلمه بحكمة بالغة‏ ,‏ وتقدير دقيق ‏.‏

وبمجرد تكون النطفة الأمشاج‏ (Zygote)‏ تبدأ في الانقسام المتكرر حتى تتحول إلى ما يعرف باسم التويتة‏ (Morula)‏ التي تبدأ بعد حوالي الستة أيام في الانغراس في بطانة الرحم وتستغرق هذه العملية قرابة الأسبوع حتى تتعلق بالمشيمة البدائية بواسطة ساق تصبح فيما بعد الحبل السري‏ ,‏ وتظل تنمو بالانقسام إلى اليوم الرابع عشر من تاريخ الإخصاب وبذلك يكتمل طور النطفة الأمشاج فتعرف حينئذ باسم الكيسة الأرومية‏ (الأرومة المتكيسة أو الكرة الجثومية‏)‏ التي يتراوح طول قطرها بين ‏0 .55‏ من الملليمتر إلى ‏0 .68‏ من الملليمتر‏ .‏

‏(2)‏ طور العلقة‏:‏ تستمر الكيسة الأرومية أو الكرة الجرثومية‏(Blastula)‏ في النمو وانقسام الخلايا حتى تأخذ شكل دودة العلق‏-‏ هيأة ووظيفة‏-‏ في الفترة من اليوم الخامس والعشرين‏ (أي من بدايات الأسبوع الثالث إلى بدايات الأسبوع الرابع‏)‏ من عمر الجنين الذي يتعلق بطرفيه بجدار الرحم ليتغذي بدم الأم‏ ,‏ وتسمي هذه المرحلة باسم مرحلة العلوق أو الانغراس ‏(Implantation) ,‏ وفي خلالها تتمايز طبقات اللوح الجنيني إلى ثلاث طبقات و يبدأ تخلق الخلايا المتخصصة من الطبقة الوسطي لهذا اللوح الجنيني عبر الشريط الأولي‏ (المنظم‏)‏ الذي يبدأ في الظهور على سطح الكيسة الأرومية مع بداءة هذا الطور‏ ,‏ ولا يكاد طول العلقة يتعدي ربع الملليمتر عند انغراسها في جدار الرحم‏ ,‏ ومع استمرار النمو يتزايد طولها إلى ما بين‏0 .7‏ من الملليمتر‏ ,‏ و‏3‏ ملليمتر في المتوسط عند نهاية هذا الطور حين يبدأ ظهور كل من الشق العصبي‏(Neural groove)‏ والفلقات‏ (الكتل‏)‏ البدنية أو الجسدية‏(Somites) ,‏ وثنية الرأس‏ ,‏ ثم الأنبوب العصبي‏(Neural tube) ,‏ ويأخذ الجنين شكلا منحنيا يشبه دودة العلق‏ ,‏ وتعطي الدماء في الأوعية الدموية للعلقة هيئة كتلة من الدم المتخثر‏ .‏
‏(3)‏ طور المضغة‏:‏ منذ أواخر الأسبوع الرابع من عمر الجنين‏ (أي في حدود اليوم السادس والعشرين‏)‏ من نهاية الإخصاب‏)‏ إلى نهاية الأسبوع السادس‏ (حوالي اليوم الثاني والأربعين من عمر الجنين‏)‏ تأخذ الكتل البدنية(Somites)‏ في توالي الظهور بالتدريج من قمة الجنين إلى مؤخرته‏ ,‏ ويكون طول الجنين قد وصل إلى حولي‏(13)‏ ملليمترا‏ ,‏ وتعطيه انبعاجات الكتل البدنية والمنخفضات الفاصلة بينها شكل قطعة اللحم الممضوغة‏ ,‏ ومن هنا كانت دقة التسمية القرآنية بتعبير‏ (المضغة‏) .وفي هذا الطور تظهر براعم الطرفين العلويين ثم الطرفين السفليين‏ ,‏ كما تظهر بالتدريج أزواج من الأقواس الخيشومية‏ ,‏ القلب‏ ,‏ فتحتا الأذنين‏ ,‏ وحويصلة كل منهما‏ ,‏ وعدستا العينين وقرصاهما‏ ,‏ وفتحتا الأنف‏ ,‏ وتكون صفحتي اليدين‏ ,‏ ثم صفحتي القدمين‏ ,‏ وظهور أطراف الأصابع‏ ,‏ ويبدأ جذع الجنين في الاستقامة‏ ,‏ وتبدأ الحويصلات المخية في البروز‏ ,‏ ويتكون جذع الدماغ الذي يتحكم في جميع المراكز الحيوية بجسم الجنين‏ ,‏ ويبدأ صوانا الأذن في أخذ شكليهما‏ ,‏ كما تبدأ الأعضاء الداخلية الأساسية في التمايز إلا أن الجنين حتى نهاية هذا الطور يبقي بدون الملامح البشرية‏ .‏
وهذه بإيجاز هي مراحل تسوية الجنين البشري التي عبر عنها القرآن بقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ . ثُمَّ سَوَّاهُ " (السجدة‏:6-9) .‏
وهذه التسوية في ذرية آدم تختلف عن التسوية في خلقه الأول التي وصفها ربنا‏ (سبحانه وتعالى‏) ‏بقوله العزيز‏ :‏
" فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ " (الحجر‏:29) .‏
ثانيا‏ :-
‏في قوله‏ (تعالى‏) : " وَنَفَخَت فِيهِ مِن رُّوحِى " :‏
يفرق القرآن الكريم بين الحياة والروح‏ ,‏ فالحياة بمعني القدرة على النمو والتكاثر موجودة في كل من النبات والحيوان‏ ,‏ أما الروح فهي من مبررات التكريم الذي اختص الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ به أبانا آدم وبنيه من بعده‏ ,‏ وهي غيب من الغيوب التي استأثر الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بعلمها‏ ,‏ فقال‏ (عز من قائل‏) :‏
" وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ العِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً " (الإسراء‏:85) .‏
وكل ما نعلمه عن الروح أنها سر من أسرار رب العالمين‏ ,‏ كرم به أبانا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ ومن ثم أمنا حواء‏  (عليها رضوان الله‏)‏ ثم ذريتهما إلى يوم الدين‏ .‏ فبعد أن سواه من طين‏ ,‏ نفخ فيه من روحه‏ ,‏ وعلمه الأسماء كلها‏ ,‏ وأمر الملائكة بالسجود له‏ ,‏ ثم خلق زوجته منه وأكرمها بنفخة الروح‏ ,‏ وخلق ذرياتهما بالتناسل‏ ,‏ وأبدع ذلك بعلمه وحكمته وقدرته بالتقاء نطفتي الرجل المعين والمرأة المعينة فتتكون منهما النطفة الأمشاج المحددة التي تنقسم انقسامات عديدة على هيئة الكيسة الجرثومية‏ (الأرومية‏)‏ التي تنغرس في جدار الرحم‏ ,‏ وفي خلال الأسابيع الستة الأولي من تاريخ الإخصاب تمر هذه الكيسة الأرومية بمرحلتي العلقة ثم المضغة‏ ,‏ ثم يرسل الله‏ (تعالى‏)‏ الملك إلى هذا الجنين لينفخ فيه الروح‏ ,‏ ومن ثم يأخذ الهيأة الآدمية بالتدريج‏ ,‏ ويكمل مراحل نموه بخلق العظام وكسوتها لحما ثم ينشئه الله‏ (تعالى‏)‏ خلقا آخر حتى اكتمال نموه‏ ,‏ ثم ميلاده‏ .‏ وتأخذ هذه الأطوار حوالي الثمانية والثلاثين أسبوعا‏ (أو‏266‏ يوما‏)‏ في المتوسط‏ .‏
وجاء ذكر تكريم أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ بنفخة الروح من الله‏ (تعالى‏)‏ في العديد من آيات القرآن الكريم‏ (الحجر‏:28-31 ,‏ ص‏:71-78 ,‏ السجدة‏:7-9)‏ وانطلاقا من هذه الحقيقة تخيل بعض الناس أن الروح التي نفخها الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ في أبينا
آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وهو منجدل في طينته فأحياه‏ ,‏ وتلك التي نفخها في عيسي‏ (عليه السلام‏)‏ فولد من أم بغير أب‏ ,‏ والروح التي يحملها الملك إلى كل جنين بشري وهو في بطن أمه مع تمام الأسبوع السادس من عمره‏ .‏ كل ذلك جعل عددا من الجاهلين بحقيقة الدين يتخيل الروح جزءا من الذات الإلهية‏ ,‏ والذات الإلهية لا تتجزأ‏ ,‏ ومن هنا كان هذا التخيل محض افتراء على الله‏ (تعالى‏)‏ الذي هو مغاير في ذاته وصفاته لجميع خلقه‏ .‏ وذلك لأن المعلوم من كتاب الله‏ (سبحانه وتعالى‏) ,‏ ومن سنة خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن نسبة الروح إلى الله‏ (تعالى‏)‏ هي من قبيل التشريف والتعظيم لا من قبيل التبعيض والتقسيم‏ ,‏ لأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ رب كل شيء ومليكه‏ ,‏ فإذا قيل‏ (بيت الله‏)‏ أو‏ (كعبة الله‏)‏ أو‏ (ناقة الله‏)‏ فالمقصود به التشريف والتعظيم بنسبة الشيء إلى رب العالمين‏ .‏
وتحديد وقت نفخ الروح من الأمور الشرعية الهامة حيث ينبني عليه العديد من الأحكام مثل تحريم قتل الجنين بعده‏ ,‏ لأن ذلك يساوي بقتله بعد الولادة‏ ,‏ وفيه القصاص لا الدية‏ .‏

وهذا الوقت حددته أحاديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ ومنها قوله الشريف‏:‏
‏"‏ إذا مر بالنطفة اثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكا فصورها‏ ,‏ وخلق سمعها‏ ,‏ وبصرها وجلدها ولحمها‏ ,‏ وعظامها‏ ,‏ ثم قال ‏:‏ يا رب أذكر أم أنثي‏ ,‏ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك " . ‏(‏صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد‏) .‏

ثالثا ‏:‏- في قوله تعالى ‏: " وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ " .‏
‏(1)‏ تخلق حاسة السمع‏ :‏ في هذه الآية القرآنية الكريمة وفي العديد غيرها من آيات هذا الكتاب العزيز قدمت حاسة السمع على غيرها من الحواس لأهميتها أولا‏ ,‏ ولسبق تكونها في أطوار الجنين ثانيا‏ ,‏ فالأذن الداخلية يبدأ تخلقها مع نهايات طور العلقة وبدايات طور المضغة‏ (في حدود اليوم الثاني والعشرين من عمر الجنين على هيئة تخانة على جانبي نصف المخ الخلفي‏ ,‏ وفي الأسبوع الرابع تتحول هذه التخانة إلى حفرة ثم إلى حويصلة سمعية وتبدأ الأذن الوسطي في التكون بدءا من الأسبوع الرابع‏ ,‏ وفي الأسبوع الخامس تنقسم الحويصلة السمعية إلى قسمين‏:‏ أمامي وخلفي على هيأة غشائية ثم عظمية‏ .‏ ويبدأ تكوين كل من الأذن الخارجية وصوان الأذن في الأسبوع السادس من عمر الجنين‏ .‏ وفي الفترة من الأسبوع السادس إلى الثامن يكتمل تكون قوقعة الأذن‏ ,‏ وتتكون عقدتا السمع والتوازن في الأسبوع السابع وتتكون الشعيرات السمعية وما يتصل بها من أعصاب في الأسبوع العاشر كامتداد من مؤخر المخ‏ .‏ ويستطيع الجنين الاستماع إلى ما يدور حوله في حدود الشهر الرابع‏ .‏
‏(2)‏ تخلق حاسة البصر ‏:‏ تبدأ حاسة البصر في التخلق في أواخر الأسبوع الرابع وأوائل الخامس من عمر الجنين على هيأة عدد من خلايا تنفصل من مقدمة المخ وتعرف باسم خلايا حويصلة الإبصار‏ ,‏ وفي الأسبوع الخامس تترتب هذه الخلايا في طبقتين تتصل الداخلية منهما بعصب العين‏ ,‏ وتغطي الخارجية شبكية العين بعد تخلقها مكونة كلا من القزحية والجسم الهدبي‏ ,‏ ومن الشهر الثالث إلى السابع من عمر الجنين يتم خلق باقي أجزاء العينين في مقدمة الرأس‏ ,‏ وكذلك كل من العصب البصري والتصالب البصري الذي يربط العينين بمؤخرة المخ‏ ,‏ وتشق الجفون عن العينين في الشهر السابع من عمر الجنين‏ .‏ لذلك جاء ذكر حاسة الإبصار بعد ذكر حاسة السمع في هذه الآية القرآنية الكريمة وفي غيرها من آيات القرآن الكريم‏ .‏
(3)‏ تخلق حاسة الفؤاد‏ :‏ ليس المقصود بالفؤاد مجرد عضلة القلب وحدها‏ ,‏ ولكن يعبر بالفؤاد عن العلاقة الربانية المحكمة الدقيقة بين العقل والقلب‏ ,‏ تلك العلاقة التي تؤثر في مضغة لحمية صغيرة نابضة بشكل متصل‏ ,‏ لا تتوقف عن النبض على طول الحياة‏ ,‏ وهذه المضغة عبارة عن عضلة في حجم قبضة اليد مودعة في الصدر‏ ,‏ تضخ الدم المؤكسد إلى مختلف أجزاء الجسم‏ ,‏ وغير المؤكسد إلى الرئتين لأكسدته‏ ,‏ ولكنها في نفس الوقت هي مركز الإحساس في جسم الإنسان الذي يجعله يخفق بشدة عند الفرح ويتثاقل بالهموم عند الحزن‏ ,‏ وينفعل بكل حادثة بحسب حجمها دون أن يتمكن الإنسان من فهم هذه العلاقة فهما دقيقا‏ ,‏ أو وضع تصور كامل لها‏ .‏
ويمكن تمييز بروز القلب مع نهاية الأسبوع الرابع من عمر الجنين‏ ,‏ وكذلك تمييز الأوعية الدموية في كل من الجنين والغشاء المشيمي والمعلاق‏ ,‏ ويتصل الأورطيان الظهريان ليكونا شريانا واحدا هو الأورطي الظهري في جهة صفيحة القلب الأولية التي تتحول إلى أنبوب ملتو على هيئة الحرف الإنجليزي‏ (S)‏
ثم بعد ذلك تبدأ غرف القلب في الظهور مكونة أذينين متصلين وبطينين متصلين في بادئ الأمر‏ ,‏ وتتم الدورة الدموية بين الجنين والأم عبر المشيمة‏ ,‏ ويتم تخلق الجهاز الدوري بالتدريج حتى يتم اكتمال نمو الجنين‏ .‏
ويتكون جذع الدماغ الذي يتحكم في أغلب العمليات الحيوية في الجسم‏ (من مثل التنفس والدورة الدموية‏)‏ في اليوم الثاني والأربعين من عمر الجنين‏ .‏ أما الاتصال بين المناطق المخية العليا الموجودة في قشرة الدماغ والمناطق السفلي فلا يتم إلا في نهاية الشهر الرابع من عمر الجنين‏ (بعد‏120‏ يوما من لحظة الإخصاب‏ ,‏ ولذلك جاء ذكر الفؤاد متأخرا بعد كل من حاستي السمع والإبصار‏ .‏

هذه الحقائق العلمية عن تسوية الجنين لم تعرف بواسطة العلوم المكتسبة إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين‏ ,‏ وورودها في كتاب أنزل على نبي أمي‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ في أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين من قبل أربعة عشر قرنا أو يزيد لما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على هذا المدى الطويل‏ ,‏ وتعهد بذلك الحفظ إلى قيام الساعة‏ ,‏ وشاهدا بالنبوة والرسالة للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه‏ .‏ فالحمد لله الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه‏ ,‏ وتعهد بحفظه فحفظ حفظا كاملا حتى يكون حجة لله‏ (تعالى‏)‏ على عباده من بعد الرسل‏ ,‏ وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى من تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .