" نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ "‏(العلق‏:16).


هذه الآية الكريمة جاءت في خواتيم سورة العلق وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها تسع عشرة ‏19‏ بعد البسملة‏ ,‏ والآيات الخمس الأولى منها هي أول ما نزل من القرآن الكريم‏ .‏ وقد سميت السورة بهذا الاسم للإشارة في مطلعها إلى خلق الإنسان من علق وهي مرحلة من مراحل جنين الإنسان تشبه دودة العلق شكلا ووظيفة‏ ,‏ ووصف القرآن الكريم لتلك المرحلة بهذه الدقة التي أثبتتها دراسات الجنين الإنساني مؤخراً‏ ,‏ في طور على قدر من الضآلة لا يمكن إدراكه بالعين المجردة في زمن لم يتوفر للإنسان أية وسيلة من وسائل التكبير أو الكشف أو التصوير لما يقطع بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ ويجزم بأنه كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية ـ ولم يقطعه لرسالة سابقة أبدا ـ وحفظه في نفس لغة وحيه اللغة العربية‏ ,‏ وحفظه حفظا كاملا‏:‏ كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ليبقى شاهداً على الناس جميعاً بأنه كلام الله الخالق‏ ,‏ وشاهداً للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة وبالرسالة‏ .‏ وتسمى سورة العلق أيضاً باسم مطلعها اقرأ لاستهلالها بالأمر بالقراءة والكتابة وبالتعظيم لأدواتهما كوسيلة من وسائل اكتساب المعرفة في هذه الحياة ‏.‏
ولسورة العلق ثلاثة محاور‏ ,‏ يدور الأول منها حول بدء تنزيل الوحي السماوي على خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ ويدور الثاني حول التنبيه إلى خطر المال على بعض الأفراد حين يغريهم بشيء من الطغيان على الآخرين والبطش بهم‏ ,‏ ويغويهم بالخروج على منهج الله ومخالفة أوامره‏ ,‏ ويدور المحور الثالث حول واقعة لرأس الكفر أبي جهل‏ ,‏ حين تعرض لمنع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصلاة عند الكعبة المشرفة‏ . وتبدأ سورة العلق بأمر من الله ـ تعالى ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين ـ‏ ,‏ بأن يقرأ باسم الله الخالق‏ ,‏ وهو الأمر الذي نزل به جبريل إليه بالوحي الإلهي لأول مرة‏ ,‏ وهو في غار حراء يتعبد الله ـ تعالى ـ على الحنيفية السمحة‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات في مطلع سورة العلق‏ :
" اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ . الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ‏ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " (‏العلق‏:1‏-‏5) ‏.
وتقدير ذلك‏ :‏ اقرأ يا محمد ـ وليقرأ جميع المؤمنين ببعثتك الشريفة ـ ما يوحى إليك من كلام رب العالمين مبتدئا باسمه العظيم‏ ,‏ مفتتحا قراءتك‏ ,‏ وجميع أعمالك بذلك‏ ,‏ ومستعينا بالذي خلقك ، وخلق جميع المخلوقات من حولك‏ ,‏ وخلق الإنسان من مرحلة جنينية تشبه دودة العلق شكلاً ووظيفة ‏ .‏
ثم جاء الأمر بالقراءة مرة أخرى للتأكيد على هذه الدعوة المباركة وتقريرها فقال ـ تعالى‏ ـ :‏
" اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ " وهذه الآية الكريمة جاءت في صياغة مستأنفة بعد انقطاع الآيات السابقة بما اعتذر به ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قوله ‏:‏ " ما أنا بقارئ "، يريد أن القراءة شأن من يستطيع الكتابة‏ ,‏ وهو أمي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال له جبريل‏ ـ عليه السلام‏ ـ :‏ " اقرأ وربك الذي أمرك بالقراءة هو الأكرم "، أي الغامر لعباده بفضله وكرمه‏ ,‏ الحليم عن جهالاتهم‏ ,‏ ومعاصيهم‏ .‏
 ومن صور التفضيل الإلهي على عباده خلق الإنسان‏ ,‏ وتعليمه البيان‏ ,‏ وتعليمه بالقلم‏ ,‏ ما لم يكن يعلم وبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ,‏ وإنزال القرآن الكريم‏ ,‏ وحفظه في نفس لغة وحيه ـ اللغة العربية ـ وحفظه حفظاً كاملاً ‏:‏ حرفاً حرفاً‏ ,‏ وكلمة كلمة‏ ,‏ وآية أية‏ ,‏ وسورة سورة على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏ ,‏ والتعهد بذلك إلى قيام الساعة‏ ,‏ وإلى ما يشاء الله ـ تعالى ـ بعد أن تعرضت كل صور الوحي
السابقة للضياع‏ ,‏ وتعرض ما بقي منها من ذكريات إلى قدر من التحريف الذي أخرجها عن إطارها الرباني‏ ,‏ وجعلها عاجزة عن هداية اتباعها‏ .‏
"‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " أي ‏:‏ أن الله ـ تعالى ـ علم الإنسان بالقلم ما لم يعلم به من قبل‏ ,‏ والقلم نعمة عظيمة من نعم الله ـ سبحانه وتعالى ـ على عباده‏ ,‏ فلولا القلم ما انتقل الناس من ظلمة الجهل إلى نور العلم‏ ,‏ وسُمي القلم قلما لأنه يقلم أي يقطع ظلمة الجهالة بنور العلم‏ ,‏ ومن ثم بنور اليقين المنزل في الهداية الربانية للعباد‏ ،‏ فلولا القلم مادون وحي السماء ما دُونت المعارف والعلوم بمختلف أنواعها ومنها‏ :‏ العلوم الوهبية المستقاة من وحي السماء‏ ,‏ والعلوم المُكتسَبة المستوحاة من اجتهاد العلماء في مختلف الأماكن والأزمان، ولولا القلم ما سُجلت أقوال الأولين ومقالاتهم‏ ,‏ ولا ضُبطت أحكامهم وحكمهم‏ ,‏ ولا علمنا عن تاريخهم شيئا‏ًً .‏
وبعد ذلك تستعرض الآيات في سورة العلق جانباً من طبائع النفس الإنسانية التي كثيراً ما يطغيها المال والجاه والسلطان‏ ,‏ ويغريها بالخروج على منهج الله‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى . أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى "‏ (‏العلق‏:6‏-‏7) .
و‏(‏كلا‏)‏ كلمة ردع وزجر بمعنى ‏:‏ حقاً‏ ,‏ وهي هنا تردع وتزجر كل من كفر بنعم الله عليه‏ ,‏ فقابلها بالتجبر والطغيان على الخلق بدلاً من الإحسان إليهم من قبيل العرفان بفضل الله ـ سبحانه وتعالى ـ عليه .‏
وترد سورة العلق على هذا الموقف الجاحد بتذكير الإنسان بحتمية موته‏ ,‏ ثم بعثه بعد موته‏ ,‏ وحشره‏ ,‏ ورجوعه إلي ربه لمحاسبته‏ " ‏عن عمره فيم أفناه‏ ,‏ وعن شبابه فيم أبلاه‏ ,‏ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه‏ ,‏ وعن علمه فيم أفاد به‏ " ,‏ وفي ذلك تقول الآية الثامنة من هذه السورة المباركة‏ :‏
" إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى ‏" (العلق‏:8)‏ .
وفي ذلك تذكير لكل غني أطغاه ماله‏ ,‏ أو جاهه وسلطانه وتهديد ووعيد بأنه راجع حتما إلى ربه‏ ,‏ فما له بعد هذه الحياة الدنيا إلا الموت ـ مهما طال أجله ـ ثم حياة البرزخ وسط تراب الأرض ـ مهما كان منصبه ـ ثم له حساب القبر وجزاؤه‏ ,‏ ثم البعث والنشور‏ ,‏ والحشر والحساب والميزان والصراط‏ ,‏ ثم الخلود في الآخرة‏ ,‏ إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً .‏
وتنتقل الآيات بعد ذلك إلى واقعة محددة تخص رأس الكفر ـ أبا جهل ـ حين حاول منع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصلاة عند مقام إبراهيم ـ عليه السلام ـ‏ ,‏ وتتوعد الآيات هذا الجاحد للحق بأن الله ـ تعالى ـ مطلع على ما يفعل‏ ,‏ وتتهدده إن لم يرجع عن ذلك الغي فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ سوف يجره من ناصيته جرا في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ وهي ناصية كاذبة خاطئة‏ ,‏ ولن يستطيع دفع هذا الأخذ الإلهي مهما يكن له من أنصار‏ ,‏ وفي يوم القيامة سوف يسلط الله ـ تعالى ـ عليه زبانية جهنم ـ وهم من الملائكة الشداد الغلاظ ـ ليذيقوه أشد ألوان العذاب‏ .‏ وفي ذلك يروى عن ابن عباس‏ ـ رضي الله عنهما‏ ـ‏ قوله إن أبا جهل ـ قاتله الله ـ قال‏ :‏ لئن رأيت محمداً يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه‏ ,‏ فبلغ ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏ :
‏" لو فعل لأخذته الملائكة عيانا "‏ (البخاري وابن جرير‏)‏ .
وعن أبي هريرة‏ ـ‏ رضي الله عنه ـ‏ أنه قال‏:‏ " قال أبو جهل‏:‏ هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟‏ ـ أي هل يصلي ويركع ويسجد أمامكم‏ ـ قالوا‏:‏ نعم‏ ,‏ قال‏:‏ واللات والعزى‏ ,‏ لئن رأيته يصلي كذلك لأطأن علي رقبته‏ ,‏ ولأعفرن وجهه في التراب‏ .‏ فأتى‏ (‏أبو جهل‏)‏ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وهو يصلي ليطأ على رقبته ،‏ فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه‏ ,‏ ويتقي بيديه‏ .‏ فقيل له‏:‏ مالك قال ‏:‏ إن بيني وبينه خندقا من نار وهولا وأجنحة‏ .‏ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
:"‏ لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " (الإمام أحمد‏ ,‏ ومسلم‏ ,‏ والنسائي‏ ,‏ والبيهقي‏ . .‏ وغيرهم‏) .‏
وفي وصف هذه الواقعة تقول الآيات في سورة العلق‏ :
" أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى . عَبْداً إِذَا صَلَّى . أ َرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى . أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى . أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى . أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى . كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ . نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ . فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ . سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ " (العلق:9‏-‏18) .
والذي كان على الهدى‏ ,‏ وأمر بالتقوى هو رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ ,‏ والذي كذب وتولى هو أبو جهل الذي كان غافلاً عن الإيمان بالله ـ تعالى ـ‏ ,‏ وعن إدراك حقيقة أن الله يراه‏ ,‏ والله يعلم خائنة عينه وما يخفي صدره‏ ,‏ وهو ـ تعالى ـ مُطلِع على جميع أحوال عباده ظاهرها وباطنها‏ ,‏ وأنه سوف يجازي كلا بما يعمل .‏
والاستفهام هنا بتعبير ‏(‏أرأيت‏)‏ هو للتقريع والتوبيخ‏ ,‏ وهو بمعني أخبرني‏ .‏ و‏(‏كلا‏)‏ هي كلمة ردع وزجر للناهي عن عبادة الله ـ تعالى ـ‏ ,‏ والتعبير بقول الله العزيز‏:(‏لئن لم ينته‏)‏ توطئة للعقاب الذي فسره قوله ـ عز من قائل ـ :
"لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ " ,‏ و‏(‏السفع‏)‏ هو الجذب بشدة‏ ,‏ و‏(‏الناصية‏)‏ هي الجبهة أي مقدم الرأس أو الشعر الذي يغطي مقدمة الرأس‏ ,‏ وجمع‏(‏الناصية‏) (‏نواصي‏) .‏
وتصف الآية السادسة عشرة من سورة العلق ناصية أبي جهل بأنها
"‏ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ "‏ أي أن صاحبها كاذب‏ ,‏ خاطئ‏ ,‏ فاجر‏ ,‏ يستحق الجذب بشدة من ناصيته إلي ساحة الحساب ثم إلي نار جهنم‏ .‏ و‏(‏الخاطئ‏)‏ هو الذي يعمل الذنب مُتعمِّداً‏ ,‏ والمُخطِئ هو الذي يفعله عن غير قصد‏ .‏
وفي قوله ـ تعالى :‏
" فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ "‏ أي‏ :‏ فليدع أهله وذويه لنصرته إن استطاعوا‏ ,‏ وذلك لأن أبا جهل قال لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتهددني وأنا أكثر الوادي نادياً ؟ وترد عليه الآيات بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏: "‏ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ " أي ‏:‏ خزنة جهنم وهم ملائكة غلاظ شداد‏ ,‏ أولو بطش وقوة‏ ,‏ لأن أصل
‏(‏الزبن‏)‏ الدفع‏ ,‏ وأحدهم‏(‏زابن‏)‏ أو‏(‏زبنية‏)‏ أو‏(‏زباني‏) ,‏ وقيل هو اسم للجمع لا واحد له من لفظه .‏
وتختتم سورة العلق بأمر من الله ـ تعالى ـ إلي خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ألا يخضع لضغوط كافر مشرك مثل أبي جهل‏ ,‏ وأن يسجد لله ـ سبحانه وتعالى ـ ويتقرب إليه بالطاعات‏ ,‏ وفي ذلك الحماية له كل الحماية من أعداء الله‏ ,‏ وفي ذلك تقول‏ :‏
" كلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ "  (العلق‏:19) .

من ركائز العقيدة في سورة العلق :
(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ رباً واحداً أحدا‏ً ,‏ فرداً صمدً‏ ,‏ لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ ولا شبيه له من خلقه‏ ,‏ ولا حاجة له إلي الصاحبة أو الولد‏ ,‏ وهما من حاجات المخلوقين والله ـ سبحانه وتعالى ـ منزه عن جميع صفات خلقه‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن كل عمل لا يبدأ باسم الله ـ تعالى ـ فهو ناقص انطلاقا من قول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏
" كل عمل لا يبدأ باسم الله فهو أبتر"‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو خالق كل شيء‏ ,‏ وأن من بديع صنعه خلق الإنسان في مرحلة من مراحله الجنينية من طور يشبه دودة العلق شكلاً ووظيفة‏ ,‏ فكما تحيا دودة العلق على امتصاص الدم من العائل الذي تتطفل عليه فإن الجنين في طور العلقة يعيش على امتصاص الدم من جدار الرحم وهو في بطن أمه .‏
‏(4)‏ التصديق بأن الله ـ تعالى ـ هو أكرم الأكرمين‏ ,‏ وقد تكرم على الإنسان بخلقه من العدم‏ ,‏ وجعل خلقته في أحسن تقويم‏ ,‏ وبرزقه على غير حول منه ولا قوة‏ ,‏ وبتسخير بقية المخلوقات له‏ ,‏ وبإحكام كل شيء في الوجود في انضباط واتساق مذهلين‏ ,‏ وبحمايته من المخاطر المحيطة بالأرض من كل جانب‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان الراسخ بأن الله ـ تعالى ـ علّم أبانا آدم ـ عليه السلام ـ الأسماء كلها لحظة خلقه‏ ,‏ وأنه ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي ‏"‏ خلق الإنسان ،‏ علمه البيان" ,‏ وأنه ـ تعالي ـ هو
"‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ .عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ "‏ وهذا يناقض كل دراسات علم الإنسان‏ (الأنثروبولوجيا‏)‏ الذي يدّعي واضعوه أن الإنسان بدأ جاهلاً كافرا‏ًً ,‏ والقرآن الكريم يؤكد أنه بدأ عالماً مؤمناً ‏ .‏ وهذا كلام الله الخالق الذي هو أدرى بخلقه من كل من هم سواه‏ .‏
‏(6)‏‏ التسليم بأن المال والجاه والسلطان من مغريات الإنسان بالطغيان إلا من رحم الله ـ تعالى ـ ‏ .‏
‏(7)‏‏ اليقين بحتمية الرجوع إلي الله‏ ـ تعالى‏ ـ بالموت والبعث والحشر والحساب والخلود في الحياة القادمة إما في الجنة أبداً أو في النار أبداً ‏ .‏
‏(8) ‏التصديق بأن النهي عن عبادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ من الجرائم التي يعاقب عليها رب العالمين‏ .‏
‏(9)‏‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء‏ ,‏ وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ‏ .‏
‏(10)‏‏ اليقين بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق‏ ,‏ وأن عبادة الله ـ تعالى ـ بما أمر‏ ,‏ والحرص على التقرب إليه من واجبات الإنسان في هذه الحياة‏ .‏

من الإشارات العلمية في سورة العلق :
(1)تأكيد حقيقة الخلق‏ ,‏ وعلى أن الله ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء ‏.‏
(2) الإشارة إلى أن من مراحل الجنين في الإنسان طوراً يشبه دودة العلق شكلاً ووظيفة .‏
(3)تقرير أن الله ـ تعالى ـ هو‏
"‏ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ . عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ "
(4) الإشارة إلى حقيقة في علم النفس مؤداها أن المال والجاه والسلطان من مغريات الإنسان بالطغيان إلا من رحم الله ـ سبحانه وتعالى ‏ .‏
(5) تأكيد حتمية الرجوع إلى الله ـ تعالى ـ بالموت والبعث والحشر‏ ,‏ والعلوم المكتسبة تشير إلى إمكانية البعث بعد الموت ‏ .‏
(6) إثبات واقعة تاريخية لم ينكرها كفار ومشركو قريش وهي تلك الواقعة المتعلقة برأس من رؤوس الكفر ـ وهو أبو جهل ـ حين حاول منع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصلاة في الحرم المكي ‏ .‏
(7) الإشارة إلى أن ناصية الإنسان هي مركز التحكم في شخصيته وسلوكه‏ ,‏ وتخطيطه وإرادته‏ ,‏ وتنظيمه لأموره‏ ,‏ وحل مشاكله‏ ,‏ وغير ذلك من وظائف معارفه العليا ‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أركز هنا على النقطة السابعة من القائمة السابقة والتي تتحدث عن دور الناصية في تحديد سلوك الإنسان ‏ .‏

 



من الدلالات اللغوية للآية الكريمة :
‏(‏الناصية‏)‏ واحدة النواصي وهي الجبهة أو مقدم الرأس‏ ,‏ أو هي المسافة من فوق العينين إلي منبت الشعر في مقدم الرأس‏ ,‏ وسمي الشعر الذي ينبت من ذلك الموضع ناصية على سبيل المجاز ويقال‏:‏ انتصى الشعر أي طال حتى نزل على الناصية‏ .‏
ويقال‏(‏نصاه‏)‏ أي قبض على ناصيته‏ ,‏ وفعله‏(‏نصا‏) (‏ينصو‏) (‏نصواً‏)‏ من باب‏ (‏عدا‏) (‏يعدو‏) (‏عدواً‏) .‏ وعلى ذلك يقال‏: (‏نصوتُ‏)‏ فلاناً و‏(‏انتصيتُه‏)‏ و‏(‏ناصيتُه‏)‏ أي أخذتُ بناصيته‏ .‏ وفي قوله ـ تعالى ـ‏ :‏
" إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ " (هود‏:56)‏ .
والأخذ بالناصية هنا كناية أو مجاز عن قمة التمكن والتحكم والقهر والغلبة فلا تخرج عن الأمر‏ ,‏ وإن لم يكن هناك أخذ فعلي بالناصية‏ .
‏وفي قوله ـ تعالى ـ‏ :
"‏ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ " (الرحمن:41) ، أي فتأخذ الملائكة بنواصيهم‏ ,‏ مجموعة إلى أقدامهم فتقذف بهم إلى النار‏ .‏
والعرب إذا أرادوا وصف إنسان بالذلة والخضوع والهوان لغيره قالوا ‏:‏ " ما ناصية فلان إلا بيد فلان‏ " ,‏ أي أنه في قبضته يصرفه كيف يشاء ‏ .‏
وجاء في سورة العلق قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:
‏" كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ .ناصيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ " (العلق‏:16,15) . و‏(‏السفع‏)‏ هو الأخذ بشدة‏ ,‏ وهو أيضا السواد الذي يعلو الوجه من شدة الغضب‏ ,‏ وباعتبار السواد‏ :‏ قيل للصقر‏(‏أسفع‏)‏ لما به من لمع السواد وقيل لأنثاه ‏(‏سعفاء‏) .‏
وجاء في أقوال رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ما رواه كلٍ من الإمام أحمد‏ ,‏ والطبراني‏ ,‏ والحاكم وما نصه‏ :‏ "ما أصاب أحداً قط هم ولا حزن فقال ‏:‏ اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك‏ ,‏ ناصيتي بيدك‏ ,‏ ماضٍ فيَّ حكمك‏ ,‏ عدل فيَّ قضاؤك ‏ .‏ أسألك بكل اسم هو لك‏ ,‏ سميت به نفسك‏ ,‏ أو علمته أحداً من خلقك‏ ,‏ أو أنزلتَه في كتابك‏ ,‏ أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك‏ ,‏ أن تجعل القرآن ربيع قلبي‏ ,‏ ونور بصري‏ ,‏ وجلاء حزني‏ ,‏ وذهاب همي‏ ,‏ إلا أذهب الله همه وحزنه‏ ,‏ وأبدله مكانه فرجا‏" .‏
وروي عن أم المؤمنين السيدة عائشة‏ ـ ‏ رضي الله عنها‏ ـ ‏ قولها‏:‏ مالكم تنصون ميتكم؟ أي تمدون ناصيته‏ .‏
ويقال‏:‏ فلان‏(‏ناصية‏)‏ قومه و‏(‏نصيتهم‏)‏ أي رأسهم وعينهم وخيارهم و‏(‏النصي‏)‏ أفضل المراعي ‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
في وصف ناصية كافر مثل أبي جهل بأنها ‏" كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏"‏ تشير الآية السادسة عشرة من سورة العلق إلى حقيقة علمية لم تبدأ في الانكشاف للإنسان إلا من بدايات النصف الثاني للقرن التاسع عشر‏ ,‏ ولم يتم تبلورها إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين .‏
وهذه الحقيقة تتلخص في أن ناصية الإنسان هي مركز التحكم في اتخاذه للقرار‏ ,‏ وفي تصرفاته‏ ,‏ وحكمه علي الأشياء‏ ,‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في حق الطاغية الكافر أبي جهل
‏:‏ " كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ .ناصيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ " (العلق‏:16,15)‏ .
وقد كانت سورة العلق من أوائل ما نزل من القرآن الكريم‏ ,‏ وذلك من قبل ألف وأربعمائة سنة‏ ,‏ في زمن لم يكن لأحد من الخلق إدراك لدور الناصية في حياة الإنسان‏ ,‏ ذلك الدور المهم الذي لم يلاحَظ إلا في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، حين تعرض أحد العمال الأمريكيين‏ (‏في صيف سنة ‏1848‏م‏) ,‏ لحادث أصاب ناصيته ، هذا الشاب الأمريكي كان يحمل اسم فينياس ب‏ .‏جيدج ‏K(hineas P .Gage) وكان يعمل في شق طريق لخط من خطوط السكك الحديدية في الجزء الشمالي الشرقي من الولايات المتحدة الأمريكية‏ ,‏ وفي أثناء تفجير إحدى الوحدات الصخرية تطاير قضيب حديدي يزن نحو ‏13‏ رطلاً ليضربه في جبينه فأزال جزءا من جمجمته وجزءًا من مقدمة مخه تحت الجبهة تماما‏ ,‏ ولقد نجا هذا لشاب من الموت‏ ,‏ ولكنه أصيب بتغير تام في شخصيته‏ ,‏ وتحول إلى إنسان آخر غير الذي كان قبل الحادث الذي تعرض له‏ ,‏ وإن بقي قادراً علي الكلام‏ ,‏ والسمع والبصر‏ ,‏ والشم والتذوق‏ ,‏ واللمس والتحكم في حركة أعضاء بدنه بطريقة طبيعية‏ .‏ و كان من أوضح ملامح التغيير التي طرأت عليه‏ :‏ العدوانية الشديدة‏ ,‏ الكذب‏ ,‏ عدم الشعور بالمسئولية‏ ,‏ عدم القدرة على التعبير‏ ,‏ سرعة الغضب‏ ,‏ فقد القدرة علي الإرادة والتحكم في النفس‏ ,‏ وعلى التخطيط‏ ,‏ وعلى الثبات العاطفي‏ ,‏ وعلى تغيير السلوك‏ ,‏ وعلى اتخاذ القرار المناسب‏ ,‏ وعلى التفاعل السليم مع الآخرين‏ ,‏ وعلى مواجهة المشاكل التي كانت تقابله‏ ,‏ وهو ابن الخامسة والعشرين‏ .‏

وهذه الحادثة ـ على مأساويتها ـ كانت فتحاً لأطباء المخ والأعصاب‏ ,‏ فقد تعلَّموا منها أن لكل جزء من المخ وظائفه الخاصة به‏ ,‏ ومن أجل تحقيق ذلك بدأوا باستثارة أجزاء من المخ كهربيا في سلاسل من التجارب المكررة‏ ,‏ كما بدأوا بتدمير أجزاء مختلفة من المخ في حيوانات التجارب‏ ,‏ وذلك في سلاسل من التجارب المعادة من أجل التوصل إلى معرفة وظائف الأجزاء المختلفة من المخ ‏:
Dr .Renato M .E .Sabbatini : Brain and Mind Magazine ,V0l1 . ,Pt1 , .1997
وبعد مجاهدات استغرقت آلافاً من العلماء ومئات من السنين‏ ,‏ ومن التجارب المعملية والملاحظات السريرية توصل علماء المخ والأعصاب إلى أن مخ الإنسان الذي لا يشكل أكثر من ‏2%‏ من وزنه ‏(‏أي نحو ‏1‏ إلى ‏1.5‏ كيلو جرام في المتوسط‏)‏ يتحكم في جميع أنشطته الذهنية والبدنية ‏ .‏
ويتكون مخ الإنسان من كتلة بالغة التعقيد من الخلايا والأنسجة العصبية الممتدة من الحبل النخاعي الشوكي‏ ,‏ والمحتواه في داخل الجمجمة‏ .‏ وتنقسم هذه الكتلة العصبية بالغة التعقيد إلى وحدات رئيسية ثلاث على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ البصلة المخية‏ ,‏ أو النخاع المستطيل ((edullaoblongata‏ وتصل المخ بالحبل العصبي المركزي المعروف باسم الحبل النخاعي الشوكي ‏(Spinal Cord)‏؛ ليكونا معا الجهاز العصبي المركزي‏ ,‏ النخاع المستطيل ويقوم بتنظيم عدد من وظائف الأعضاء الأساسية والتنسيق بينها‏ ,‏ وذلك من مثل‏:‏ التنفس‏ ,‏ ضغط الدم‏ ,‏ دقات القلب وغيرها‏ ,‏ ويعرف باسم الجزء الأسفل أو الخلفي من المخ ‏The Hindbrain) )
(ب‏)‏ المخيخ‏The Cerebellum) ) ، ويوجد فوق النخاع المستطيل‏ ,‏ ويُعرف أحياناً باسم الجزء الأوسط من المخ‏The Midbrain) ) ، يقوم بالتنسيق بين العمليات العضلية المعقدة من مثل انتصاب القامة‏ ,‏ وحركات الأطراف .‏
ويكون كلٌ من النخاع المستطيل ‏(‏الجزء الخلفي من المخ‏) ،‏ والمخيخ‏(‏الجزء الوسطي من المخ‏)‏ ما يعرف باسم جذع المخ‏ :
The Brain Stem) ) ‏.
(‏جـ‏)‏ المخ ‏
The Cerebrum)) ، ويعرف أحياناً باسم الجزء الأمامي من المخ The  Forebrain)) مثل أكبر الأجزاء الثلاثة حجما‏ًً ,‏ وتتركز فيه عمليات التلقي من جميع مراكز الحس في الجسم‏ ,‏ ومراكز تحليلها‏ ,‏ والتنسيق بينها وتكاملها‏ ،‏ وكذلك تتركز فيه مراكز جميع الأنشطة العقلية والسلوكيات الذكية‏ .‏
ويتغطى المخ بطبقة سميكة نسبياً من الخلايا العصبية تُعرف باسم المادة الرمادية‏
(The Gray Matter)  ويربطها مع بعضها البعض ومع باقي أجزاء الجهاز العصبي المركزي طبقة خيطية دقيقة توجد أسفل منها وتُعرف باسم المادة البيضاء (The White Matter)‏، وتعرف الطبقتان باسم غطاء المخ‏(The Cerebral Cortex) ، ويتعرج سطح المخ بالعديد من الطيات المقعرة والمحدبة المتداخلة في بعضها البعض بشكل فائق التعقيد ‏.‏

ويقسم المخ إلى أربعة فصوص رئيسية‏ (لكل منها وظائفه الخاصة به‏ ,‏ كما يلي ‏:‏
‏(1)‏ الفص الجبهي أو الأمامي‏
(The Frontal Lobe) :‏ ويقع في الجزء الأمامي من المخ مُمثِّلاً أكبر أجزائه‏ ,‏ ويعتبر مركز التحكم في العواطف والمشاعر‏ ,‏ والذاكرة‏ ,‏ واللغة‏ ,‏ وقدرة الحكم على الأشياء‏ ,‏ والتحكم في البواعث‏ ,‏ ومثيرات الاندفاع‏ ,‏ وفي العلاقات الاجتماعية وفي حركة معظم أجزاء الجسم‏ ,‏ وفي القدرة علي حل المشاكل‏ ,‏ وعلي أخذ المبادرة‏ ,‏ وعلي التلقائية‏ ,‏ وعلى غير ذلك من الصفات الشخصية‏ ,‏ وتتركز أغلب هذه الصفات في غطاء مقدمة هذا الفص الأمامي (The pre-Frontal area)‏ الذي يعرف باسم غطاء مقدمة الفص الجبهي للمخ ‏(The Pre-Frontal Cortex)‏، ويقع هذا الغطاء خلف الجبهة تماما في المسافة بين العينين ومنبت شعر الرأس ولذلك فهو المقصود بالتعبير القرآني ‏(‏الناصية‏) .‏
وقد ثبت بالتجربة أن الناصية ‏(‏غطاء مقدمة الفص الجبهي للمخ‏)‏ تتحكم في الإرادة‏ ,‏ والقدرة على التخطيط‏ ,‏ واتخاذ القرارات‏ ,‏ والحكم على الأشياء‏ ,‏ والتمييز بينها‏ ,‏ والتفاعل مع الآخرين‏ ,‏ والتبصر في الأمور‏ ,‏ والتحكم في المشاعر‏ ,‏ والثبات العاطفي‏ ,‏ والقدرة على ضبط السلوك‏ ,‏ وعلى مواجهة المشاكل‏ ,‏ وعلى الشعور بالمسئولية‏ ,‏ وغير ذلك من الوظائف العقلية العليا والصفات المحددة لشخصية الإنسان الفرد‏ .‏
ويأتي خلف تلك المقدمة بقية الفص الأمامي ويقع في غطائه مراكز التحكم في الحركة، ولذا يُعرف باسم غطاء الجزء المخي المرتبط بالحركة
(The Motor Association Cortex) ,‏ وبالإضافة إلى تحكمه في التنسيق بين حركات مختلف أجزاء الجسم‏ ,‏ يقع فيه مركز التخيل‏ ,‏ وفي وسطه مركز التحكم في الكلام وفي الحدس والتوقع‏  (منطقة بروكا‏=Broca's Area) .‏
ولما كان غطاء مقدمة الفص الجبهي للمخ له كل هذه القدرات الحاكمة لشخصية الإنسان‏ ,‏ وكان وضعه خلف الجبهة مباشرة أو ما يُعرف بالناصية كان الوصف القرآني لجبهة كافر مثل أبي جهل بأنها ناصية كاذبة خاطئة سبقاً علمياً مُبهِراً، تقدَّم على العلوم المكتسَبة بأكثر من اثني عشر قرنا‏ًً .‏
(2)‏ الفص الجداري
‏(The Parietal Lobe)‏ : ويقع في قمة المخ‏ ,‏ خلف الفص الجبهي مباشرة‏ ,‏ وبه مراكز التوجيه المكاني‏ ,‏ والتمييز بين الأشكال والأحجام والتضاريس المختلفة‏ ,‏ وبه مراكز الاتجاهات‏ ,‏ ومراكز القدرات الحسابية‏ ,‏ ومراكز التعبير عن العواطف وفهمها ‏ .‏
‏(3)‏ الفص الصدغي
‏ (The Temporal Lobe)‏ : ويوجد أسفل الفص الجداري‏ ,‏ وبه مراكز التحكم في السمع‏ ,‏ وفي كل من ذاكرتي الكلام والأصوات‏ .‏
(4)‏ الفص الخلفي
‏(The Occipital Lobe)‏ : ويقع في خلف المخ‏ ,‏ وفي قاعدته مركز الإبصار‏ ,‏ وفوقه منطقة القراءة والذاكرة البصرية‏ ,‏ والمنطقة المصاحبة للرؤية‏ ,‏ والتي إذا تعرضت للتلف فإن صاحبها يري ولكنه لا يستطيع التمييز بين ما يراه ‏ .‏
من هذا الاستعراض السريع يتضح أن غطاء مقدمة الفص الجبهي من المخ
((The Pre-Frontal Cortex‏ الذي يقع خلف عظام الجبهة تماما‏ ,‏ في المسافة بين العينين ومنبت شعر الرأس هو المقصود بتعبير الناصية في القرآن الكريم‏ ,‏ وقد ثبت علميا‏ ,‏ وبتجارب قابلة للتكرار والإعادة‏ ,‏ وبدراسات سريرية عديدة أن هذا الجزء من مخ الإنسان يحوي مراكز التفكير والتخطيط واتخاذ القرار‏ ,‏ و مراكز الإرادة الإنسانية‏ ,‏ وغير ذلك من الوظائف العقلية العليا‏ ,‏ ومن ثم فإن في صلاحه صلاحاً لصاحبه‏ ,‏ وفي فساده فساداً له ودماراً في الدنيا والآخرة‏ .‏
ومن هنا كان وصف القرآن الكريم لناصية كافر مجرم مثل أبي جهل بأنها
" النَّاصِيَةِ .ناصيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ ‏"‏ سبقاً علمياً لكل المعارف المكتسَبة بأكثر من اثنَيْ عشر قرناً من الزمان‏ ,‏ ولا يمكن لعاقل أن يتخيل مصدراً لهذا العلم غير الله الخالق‏ ,‏ الذي أنزل القرآن الكريم بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ ‏اللغة العربية ـ ,‏ وحفظه حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وإلى قيام الساعة‏ ,‏ حتى يبقى شاهداً على الناس كافة بأنه كلام الله الخالق‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة سيد الأنام‏ :‏ سيدنا محمد بن عبد الله الذي ختم الله ببعثته النبوات‏ ,‏ وبرسالته كل الرسالات‏ ,‏ وأكمل بها الدين‏ ,‏ وأتم النعمة على عباده الصالحين‏ ,‏ والحمد لله رب العالمين الذي لا شبيه له من خلقه‏ ,‏ ولا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ الغني عن الصاحبة والولد لأنهما من صفات المخلوقين‏ ,‏ وهو ـ تعالى ـ منزه عن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .‏