" مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ " (الأحزاب:4).


هـذا النصُّ الكريم جاء في مطلع سورة الأحزاب‏ ,‏ وهي سورة مدنية‏ ,‏ وآياتها ثلاث وسبعون‏ (73)‏ بعدَ البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى غزوة الأحزاب في الآيات ‏(9‏-‏27)‏ منها‏ ,‏ والأحزاب هنا هم كفَّار قريش الذين جاءوا من الجنوب ومَن تجمَّع معهم من القبائل من مثل قبيلتَيْ غَطفَان وأَشْجَع الذين جاءوا من الشمال‏ ,‏ وقد تَكتَّلوا لمحاربة المسلمين‏ ,‏ وخطَّطوا لحصار المدينة المنورة‏ ,‏ وقد حدث ذلك في السنة الرابعة للهجرة‏ ,‏ فقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفر الخندق حولَ المدينة دفاعاً عنها ضد الحصار الذي دام حواليْ الشهر ثمَّ أرسل الله ـ تعالى ـ على أحزاب الكفَّار ريحاً عاصفةً وجنوداً من الملائكة، فاضطرُّوا إلى فكِّ الحصار والفرار طالبين النجاة، وانصرفوا راجعين بخيبة الأمل ‏"‏ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتَالَ ‏" (الأحزاب:25) .
ويدور المحور الرئيسيُّ لسورة الأحزاب حولَ الوصف التفصيليِّ للغزوة التي سُمِّيَت باسمها‏ ,‏ وما كان فيها من خوْفٍ واضطرابٍ‏ ,‏ وما تمَّ للمسلمين في نهايتها من نصرٍ تحقَّق به وعد الله‏ ,‏ وبالإضافة لذلك فَصَّلت السورة عدداً من التشريعات والتوجيهات والآداب الإسلاميَّة‏ ,‏ وتحدَّثت عن الآخرة وأهوالها‏ ,‏ ونصحت بضرورة الالتزام بتقوى الله‏ ,‏ وخُتِمَت بالحديث عن الأمانة التي حملها الإنسان ولَمْ يَطِقْ حملها كلٌّ من السماوات والأرض والجبال‏ .
وبدأت سورة الأحزاب بنداءٍ على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نصُّه‏ :‏
" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ " وفي ذلك ما فيه من التشريف والتكريم والتنويه بنبوَّته‏ ,‏ وقد كذَّب بها كثيرٌ من الكفَّار والمُشرِكين والعصاة الغافلين‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات ‏: ‏" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليماً حَكِيماً ‏. وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً ‏. وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً " (الأحزاب‏:1‏-‏3) .
والمُراد بالأمر بالتقوى هنا هو الثبات عليها‏ ,‏ والازدياد منها‏ ,‏ وهو‏-‏ صلوات الله وسلامه عليه‏-‏ أَتْقَى المُتَّقين‏ ,‏ ثم أوصاه الله بعدم طاعة الكفار والمُشرِكين والمُنافِقين‏ ,‏ مُؤكِّداً أنَّ علم الله ـ تعالى ـ مُحيطٌ بكلِّ شيء‏ٍ ,‏ وأنَّ حكمته بالغةٌ في كلِّ شيء‏ٍ ,‏ وآمراً إيَّاه باتباع الوحي المُنزَّل عليه من ربِّه‏ ,‏ مٌؤكِّداً بأنَّه ـ سبحانه وتعالى ـ خبيرٌ بدقائق ما يعمل عباده‏ ,‏ وآمراً إيَّاه أيضاً بجميل التوكِّل على الله‏ ,‏ وكفى به حافظاً مُتولِّياً أمورَ عباده ‏ .
ثمَّ ضربت الآيات مَثَلاً للمُظَاهِر من امرأته‏ ,‏ وللمُتبنِّي ولداً غير ابنه فتقول‏ :
‏" مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ " (الأحزاب‏:4)‏ .
أي ‏:‏ كما لم يخلق الله ـ تعالى ـ للرجل قلبين في جوفه‏ ,‏ لم يجعل المرأة الواحدة زوجاً للرجل وأمَّاً له‏ ,‏ ولم يُجعَل المرءُ دعياً لرجلٍ وابناً له في الوقت نفسه‏ .
وتؤكِّد الآيات أمر الله ـ تعالى ـ بالحرص على عدم اختلاط الأنساب فتقول‏ : ‏
" ادْعُوَهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عليكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً "‏ ( الأحزاب‏:5) .‏
ثم تتحدَّث الآيات عن مقام رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومقام زوجاته ـ أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن أجمعين ـ فتقول‏ :
‏" النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفاً كَانَ ذَلِكَ فِي الكِتَابِ مَسْطُوراً "‏ (الأحزاب‏:6) .‏
وتؤكِّد الآيات على وحدة رسالة السماء التي تجمَّعت واكتملت وحُفِظَت في القرآن الكريم‏ ,‏ كما تؤكِّد على الأخوَّة بين الأنبياء تحت لواء خاتمهم أجمعين فتقول‏ :
‏" وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً . لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً أَلِيماً " (الأحزاب‏:8,7) .‏
وفي الآيات من ‏(9)‏ إلى ‏(27)‏ جاء وصف معركة الأحزاب بالتفصيل‏ ,‏ كما وردت الإشارة إلى المعركة مع يهود بني قريظة‏ ,‏ وذلك لأنهم كانوا معاهدين لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ,‏ فنقضوا عهده وانقلبوا عليه وأعانوا المشركين على جيشه .
وبعد ذلك انتقلت الآيات بالخطاب مرةً أخرى إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتقول‏ :‏
" يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتعالىنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ‏. وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ‏. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا العَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً‏ ‏. وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ‏. يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلاَ تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفاً ‏. وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ‏. وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً " (‏الأحزاب‏:28‏ـ‏34) .

ومع خصوصيِّة الخطاب هنا لأمهات المؤمنين من أزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا أن القيم الأخلاقيَّة والسلوكيَّة الواردة فيه تنسحب على جميع المُسلِمَات إلي يوم الدين ‏.
وللتأكيد على المساواة في الحقوق والواجبات بين المسلمين من الرجال والنساء ذكرت الآية التالية عَشْرَ صفاتٍ طيَّبةٍ يشتركون فيها‏ ,‏ وخُتِمَت بأنَّ الله ـ تعالى ـ أعدَّ لهم مغفرةً وأجراً عظيماً .‏
وفي الأمر بطاعة الله ورسوله أردفت السورة بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:
‏" وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِيناً " (الأحزاب‏:36) .‏
ثم شرعت السورة للزواج من مطلقة الابن بالتَّبنِّي بعد أن فصَّلت في مقدمتها أحكام كلٍ من الظِهَار والتبنِّي والإرث‏ ,‏ ثم أفاضت في الأمر بذكر الله كثيراً وتسبيحه بكرةً وأصيلاً وفي الثناء على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى المؤمنين، وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ
: ‏" مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عليماً ‏. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ‏. وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ‏. هُوَ الَّذِي يُصلى عليكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ‏‏. تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ‏‏. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ‏. وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً ‏. وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اللَّهِ فَضْلاً كَبِيراً‏ ‏. وَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ‏" ‏(الأحزاب:‏40‏-‏48) .‏
ثم تحدَّثت الآيات عن حكم طلاق من لم يُدخَل بهنَّ من النساء‏ ,‏ وحكم زواج رسول الله ـ صلَّى الله عليه وسلم ـ وما فرضه الله على المؤمنين في أزواجهم وإمائهم من أحكامٍ‏ .‏ وانتقلت إلى الحديث عن عددٍ من آداب الدخول إلى بيت النبيِّ‏ ,‏ والتعامل مع أزواجه‏ ـ‏ رضي الله عنهن وأرضاهن‏ ـ ,‏ وإلى الضوابط التي وضعها الله ـ تعالى ـ لهنَّ في السلوك آمراً إيَّاهن بتقوى الله الشهيد على كلِّ شيءٍ ‏ .‏ وهذه الآداب كما كانت لأزواج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهي أوامرٌ لكلِّ زوجةٍ مُؤمِنة باستثناء خصوصيات أمهات المؤمنين ‏ .‏
وتعاود الآيات إلي التأكيد على حقيقة أن الله ـ تعالى ـ يرضى عن خاتم أنبيائه ورسله ويغمره برحماته وبركاته‏ ,‏ وملائكة السماء والأرض يدعون له ولذلك جاء الأمر من الله تعالى إلى عباده المؤمنين بمداومة الصلاة والسلام عليه فتقول‏ :‏
" إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عليه وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً "‏ (الأحزاب‏:56) .‏
ثم تؤكد الآيات في سورة الأحزاب أن الله ـ تعالى ـ طَرد من رحمته الذين يكفرون بنعمه ويشركون به‏ ,‏ والذين يصفونه بما لا يليق بجلاله‏ ,‏ ويؤذون خاتم أنبيائه ورسله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهؤلاء الكفار والمشركون لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مُهينا‏ ,‏ وكذلك الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ذنب فعلوها فقد تحملوا وزر إيذائهم لهم‏ ,‏ وكذبهم عليهم‏ ,‏ واقترفوا من الذنوب والآثام البيّنة الواضحة ما يستوجب عقاب الله ـ تعالى ـ لهم ‏.

‏ثم يأتي الأمر بحجاب المسلمات تأسيا بأزواج وبنات رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حتى يُعرَفن فلا يُؤذَين‏ ,‏ وهو أمر من ربنا ـ تبارك وتعالى ـ تحرُم مخالفته وفيه يقول‏ :‏ " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ المُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عليهنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً "‏ ‏(‏الأحزاب‏:59)‏ .
وبعد ذلك هددت الآيات المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمرجفين في المدينة‏ ,‏ ثم انتقلت إلى الحديث عن الساعة وعن مصائر الكافرين فيها موجهة الخطاب إلي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتقول ‏:‏
" يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ‏. إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً ‏. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً ‏. يَوْمَ تُقَلَّبُ وَجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولاْ ‏. وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاْ . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ العَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً "‏ (الأحزاب‏:63‏-68) .
وحذرت الآيات الذين آمنوا من أن يكونوا كَغُلاة اليهود فيتطاولوا على رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كما تطاول اليهود على نبيهم موسى وآذَوْه فبرَّأه الله مما قالوا‏ ,‏ وكان موسى عند الله وجيها أي ذا جاه وقَبُول‏ .
 وخُتمت سورة الأحزاب بوصية من الله ـ تعالى ـ لعباده المؤمنين بطاعته وتقواه وبالحرص على القول السديد‏ ,‏ وبالتأكيد على خطورة الأمانة التي حملها الإنسان فتقول ‏: ‏
" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً ‏. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ‏. إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ‏. لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً ‏" (‏الأحزاب‏:70‏-‏73) .‏
وهذه الخاتمة تصوِّر حجم المسئولية المُلقاة على عاتق المؤمنين للنهوض بأمانة التبليغ عن الله ورسوله‏ ,‏ والاستقامة على الإسلام والدعوة إليه‏ ,‏ والصبر على تكاليف ذلك خاصةً في أزمنة الفتن كالزمن الذي نعيشه في هذه الأيام .

من التشريعات الإسلامية في سورة الأحزاب :
‏(1)‏إلغاء عادة الظِّهار‏ ,‏ والتشريع بأن الأدعياء ليسوا أبناءاً لمن يتبناهم‏ ,‏ ولا يجوز أن يتسَّموا باسمه أو أن يرثوه‏ ,‏ وردُّ الأمر إلى قَرابة النسب في حمل الأسماء‏ ,‏ وفي الإرث‏ ,‏ وفي الدِية وما شابهها ‏ .‏
‏(2)‏ إثبات ما أوجبه الله ـ تعالى ـ لرسوله من المحبة والطاعة‏ ,‏ وما أوجبه لأمهات المؤمنين من أزواجه ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الاحترام والتبجيل والتوقير بما تستوجبه صلة الأمومة الشعورية تجاههن جميعا من قِبَلِ جميع المسلمين بلا استثناء ‏ .‏
‏(3)‏ تأكيد الآداب التي شرعها الله ـ تعالى ـ لنساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجعلُهن قدوة لنساء المؤمنين فيما عدا ما خصَّهن به من أحكام .‏
‏(4)‏ إلغاء ما ساد في الجاهلية من حُرمة التزوُّج بحليلة الدعي على من تبناه بعد طلاقها منه أو وفاته عنها‏ ,‏ مع تحريم التبني حتى لا تختلطَ الأنساب‏ .‏
‏(5)‏ التوصية بالمتعة والسَّراح الجميل لمن طُلَّقَت قبل الدخول ‏ .‏
‏(6)‏ التشريعات الخاصة بتنظيم زواج النبي‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والاستثناءات التي أفرده الله تعالى بها‏ .‏
‏(7)‏ آداب الدخول إلى بيت النبي لتناول الطعام‏ ,‏ والانصراف من بعده وفي سؤال أزواجه من وراء حجاب‏ ,‏ وما في ذلك من نموذج لسلوك المؤمنين .‏
‏(8)‏ التشريع لزِيِّ المرأة المسلمة اقتداء بأزياء نساء النبي وبناته ـ صلى الله عليه وسلم ـ
"‏ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ " ‏(‏الأحزاب‏:59)‏ .‏
‏(9)‏ ضرورة الانصياع لأوامر الله ـ تعالى ـ ولأوامر رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والوفاء بالعهود خاصةً ما قطع لله ـ تعالى ـ منها .‏

من ركائز العقيدة في سورة الأحزاب :
‏(1)‏ الإيمان بالله ـ تعالى ـ رباً واحداً أَحَدَاً‏ ,‏ فرداً صمدا‏ً ,‏ لا شريكَ له في ملكه‏ ,‏ ولا منازعَ في سلطانه‏ ,‏ ولا شبيهَ له من خلقه‏ ,‏ وتنزيهه عن جميع صفات مخلوقيه وعن كل وصف لا يليق بجلاله ‏ .‏
‏(2)‏ ضرورة تقوى الله في السر والعلن‏ ,‏ والتوكل عليه حقَّ التوكل‏ ,‏ والتسليم بكل ما وَصَفَ به ذاته العلية من صفات ومنها أنه ـ تعالى ـ هو العليم‏ ,‏ الحكيم‏ ,‏ اللطيف‏ ,‏ الخبير‏ ,‏ الغفور‏ ,‏ الرحيم‏ ,‏ القوي‏ ,‏ العزيز‏ ,‏ البصير‏‏ بكل ما يفعل عباده وبكل شيء‏ ,‏ والذي يقول الحق ويهدي إلي سواء السبيل ‏ .‏
‏(3)‏ التصديق بنبوَّة الرسول الخاتم وبرسالته ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ وقد ختم الله ببعثته النبوة‏ ,‏ وبرسالته وحي السماء‏ ,‏ وبأنه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم‏ ,‏ وأزواجه أمهاتهم‏ ,‏ وأنه يمثل الكمال البشريِّ كما يرتضيه الله من عباده ولذلك فهو أسوة حسنة للمؤمنين‏ ,‏ وأن ـ الله تعالى ـ أرسله‏
"‏ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ‏.‏ وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً " (الأحزاب:45،46) .
‏(4)‏ التسليم بوحدة رسالة السماء وبالأخوَّة بين الأنبياء‏ ,‏ وبالإيمان بهم جميعا دون تفريق‏ ,‏ وبأخوَّة الإسلام وبصلات الرحم‏ .‏
‏(5)‏ اليقين بتَنَزُّل وحي السماء‏ ,‏ وبأن القرآن الكريم هو ختامه‏ ,‏ والإيمان به وبكل ما جاء فيه من الحق‏ ,‏ والحرص على تبليغ رسالة الله وخشيته دون سواه‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ أعدَّ للمؤمنين به وبكتابه وبخاتم أنبيائه ورسله مغفرة وأجرا عظيما‏ ,‏ وأعدَّ للكافرين بنعمائه‏ ,‏ وللمشركين به وللمتطاولين على رسوله الخاتم وعلى رسالته الخاتمة أعد لهم عذابا أليما‏ :
" ‏جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القَرَارُ " ,‏ وأنه ـ تعالى ـ سيجزي الصادقين بصدقهم‏ ,‏ وسوف يعذبَّ المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم‏ .‏
‏(7)‏ التصديق بأنه لا ملجأَ ولا منجى من الله إلا إليه‏ ,‏ وأنه لا عاصمَ من الله ـ تعالى ـ إلا رحمته‏ ,‏ وأنه ليس من دون الله من وليّ ولا نصير‏ ,‏ وبأن الجهاد في سبيل الله هو ذَروَة سنام الإيمان .‏
‏(8)‏ التسليم بالمساواة بين الرجال والنساء في الحقوق والواجبات مع مراعاة ما خصّ الله ـ تعالى ـ كلاً منهم من فوارق فطرية .‏
‏(9)‏ الإيمان بحقيقة الآخرة وحتميَّتها‏ ,‏ وبكلِّ ما جاء في كتاب الله من أخبارها‏ .

من ركائز العبادات والأخلاق في سورة الأحزاب :
‏(1)‏ إحياء العبادات المفروضة وفي مقدمتها إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة .‏
‏(2)‏ الحرص على تلاوة القرآن الكريم وتدبُّر آياته واتباع أوامره ونواهيه‏ ,‏ وعلى ذكر الله كثيرا والتسبيح بحمده بكرة وأصيلا‏ .‏
‏(3)‏ الجهاد في سبيل الله بالنفس والمال والولد وبالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة والحرص على عدم التولي يوم الزحف‏ .‏
‏(4)‏ تقوى الله وطاعته والتوكل عليه‏ ,‏ وطاعة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏ .‏
‏(5)‏ التأسي برسول ـ الله صلى الله عليه وسلم ـ فهو المثل الأعلى للأنبياء‏ ,‏ والصورة المجسدة للكمال البشري‏ ,‏ والأسوة الحسنة لكل مسلم‏ .‏
‏(6)‏ الزهد في الدنيا الفانية والحرص على الآخرة الباقية ‏.‏
‏(7)‏ الإكثار من الصلاة والسلام على النبي الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ اتباعا لأوامر الله وفعله وفعل ملائكته‏ .‏
‏(8)‏ الحرص على عدم إيذاء الناس عامةً والمؤمنين خاصةً بغير ما اكتسبوا ‏ .‏
‏(9)‏ التأكيد على حجاب المسلمة البالغة كما حدده كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ .



من أقول المفسرين :
في تفسير قوله تعالى" مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ " ‏(‏الأحزاب‏:4)‏ .
‏(1)‏ ذكر ابن كثير ـ‏ رحمه الله‏ ـ‏ ما مُختَصره‏:‏ " يقول تعالى مُوطِّئا قبل المقصود المعنوي‏ ,‏ آمراَ معروفاً حسيَّا‏ ,‏ وهو أنه كما لا يكون للشخص الواحد قلبان في جوفه ولا تصير زوجته التي يظاهر منها بقوله‏: "‏ أنت على كظهر أمي " أما له‏ ,‏ كذلك لا يصير الدعي ولداً للرجل إذا تبناه فدعاه ابنا له‏ ,‏ فقال ـ تعالى ـ ‏:
"‏ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ‏" هذا هو المقصود بالنفي‏ ,‏ فإنها نزلت في شأن‏ (‏زيد بن حارثة‏)‏ ـ رضي الله عنه ـ مولى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ,‏ كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد تبناه قبل النبوة‏ ,‏ فكان يقال له‏ (‏زيد بن محمد‏)‏ فأراد الله ـ تعالى ـ أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة بقوله تعالى ‏: "‏ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ‏ "‏ كما قال تعالى ‏: "‏ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ‏ " ,‏ وقال ههنا‏: "‏ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ‏ " يعني‏ :‏ تبنيكم لهم قول لا يقتضي أن يكون ابناً حقيقياً، فإنه مخلوق من صلب رجل آخر‏ ,‏ فلا يمكن أن يكون له أبوان‏ ,‏ كما لا يمكن أن يكون للبشر الواحد قلبان‏ , "‏ وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ "‏ أي العدل‏ , "‏ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ ‏"‏ أي الصراط المستقيم‏ .  ‏(2)‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه‏ ـ‏ ما نصُّه‏ : "‏ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ " مثل ضربه الله للمُظاهِر من امرأته‏ ,‏ والمُتبَنِّي ولداً غيره تمهيداً لما بعده‏ .‏ أي كما لم يخلق الله للإنسان قلبَيْن في جوفه‏ ,‏ لم يجعل المرأة الواحدة زوجاً للرجل وأمَّا له‏ ,‏ والمرء دعيَّاً لرجل وابناً له‏ . "‏ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللاَّئِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ "‏ بتحريمهن على أنفسكم تحريماً مُؤبَّداً وقد ردَّ الله تعالى عليهم بقوله : " الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القَوْلِ وَزُوراً ‏" . "‏ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ"‏ جمع دعي‏ ,‏ وهو الذي يدعي ابناً لغير أبيه‏ .‏ وكان الرجل يتبنى ولداً غيره‏ ,‏ ويجري عليه أحكام البنوة النسبيَّة‏ ,‏ ومنها حرمة تزوُّجه بمطلقته‏ ,‏ كما تَحرُم زوجة الابن النسبيّ على أبيه‏ ,‏ فأبطل الله بذلك حكم هذا الظِّهار‏ ,‏ وأبطل التبنَّي‏ . "‏ ذلكم‏ "‏ أي ما ذكر منهما ‏"‏ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ‏ "‏ أي مجرَّد قول باللسان لا يحكي الواقع‏ . "‏ وَاللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ " أي القول الثابت المحقَّق‏ " وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ "‏ يرشد إلي سبيل الحق ‏ .‏
‏(3)‏ ويقول صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاءَ ما قدم‏ ـ‏ في استعراض واقعتَيْ الظهار والتبني كلاماً غير مسبوق كنت أتمنى سوقه هنا لولا ضيق المكان‏ ,‏ ولكنه قدَّم لاستعراض هاتين الواقعتين بكلام رائع وغير مسبوق أيضا في تفسير قوله ـ تعالى ‏:
"‏ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ " ‏. جاء فيه‏ : "‏ إنه قلب واحد‏ ,‏ فلابد له من منهج واحد يسير عليه‏ ,‏ ولابد له من تصور كليّ واحد للحياة وللوجود يستمد منه‏ .‏ ولابد له من ميزان واحد يزن به القيم‏ ,‏ ويقوِّم به الأحداث والأشياء‏ .‏ وإلا تمزق وتفرق ونافق والتوى‏ ,‏ ولم يستقم على اتجاه ‏ .‏ ولا يملك الإنسان أن يستمد آدابه وأخلاقه من مَعِينٍ‏ ,‏ ويستمد شرائعه وقوانينه من مَعِينٍ آخر‏ ,‏ ويستمد أوضاعه الاجتماعية أو الاقتصادية من مَعِينٍ ثالث‏ , ‏ويستمد فنونه وتصوراته من مَعِينٍ رابع‏ ...‏ فهذا الخليط لا يكوِّن إنسانا له قلب‏ ,‏ إنما يكون مزقاً وأشلاءاً ليس لها قوام‏!‏ وصاحب العقيدة لا يملك أن تكون له عقيدة حقاً‏ ,‏ ثم يتجرد من مقتضياتها وقيمها الخاصة في موقف واحد من مواقف حياته كلها‏ ,‏ صغيراً كان هذا الموقف أم كبيرا‏ً ,‏ لا يملك أن يقول كلمة‏ ,‏ أو يتحرك حركة‏ ,‏ أو ينوي نية‏ ,‏ أو يتصور تصوراً غير محكوم في هذا كله بعقيدته ـ إن كانت هذه العقيدة حقيقة واقعة في كيانه ـ لأن الله لم يجعل له سوي قلب واحد‏ ,‏ يخضع لناموس واحد‏ ,‏ ويستمد من تصور واحد‏ ,‏ ويزن بميزان واحد‏ .‏ لا يملك صاحب العقيدة أن يقول عن فعل فعله ‏:‏ فعلت كذا بصفتي الشخصية‏ ,‏ وفعلت كذا بصفتي الإسلامية‏!‏ كما يقول رجال السياسة أو رجال الشركات‏ ,‏ أو رجال الجمعيات الاجتماعية أو العلمية وما إليها في هذه الأيام‏ ,‏ إنه شخص واحد له قلب واحد‏ ,‏ تعمِّره عقيدة واحدة‏ ,‏ وله تصور واحد للحياة‏ ,‏ وميزان واحد للقيم‏ .‏ وتصوره المُستمَد من عقيدته مُتلبِس بكل ما يصدر عنه في كل حالة من حالاته على السواء‏ .‏ وبهذا القلب الواحد يعيش فردا‏ ,‏ ويعيش في الأسرة‏ ,‏ ويعيش في الجماعة‏ ,‏ ويعيش في الدولة‏ ,‏ ويعيش في العالم‏ ,‏ ويعيش سرا وعلانية‏ ,‏ ويعيش عاملاً وصاحب عمل‏ ,‏ ويعيش حاكماً ومحكوماً ويعيش في السراء والضراء‏ ...‏ فلا تتبدل موازينه‏ ,‏ ولا تتبدل قيمه ولا تصوراته‏ " مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" .

من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم :
ماهية القلب‏ :
يعتبر القلب مَضخَّة عضلية توفر الضغوط اللازمة لدفع الدم إلي مختلف أجزاء الجسم لتغذيتها بكل من الأكسجين والمواد الغذائية‏ ,‏ ومن أجل ذلك يستمر القلب في التضاغط والانبساط بطريقة دورية منتظمة تستمر طيلة حياة الفرد منا دون توقف كي لا يتوقف تدفق الدم إلى مختلف خلايا الجسم فتموت‏ ,‏ خاصة الخلايا شديدة الحساسية مثل خلايا المخ وهي لا تتحمل توقف وصول الدم إليها للحظة واحدة وذلك لحاجتها الشديدة إلى كلٍ من الجلوكوز والأكسجين‏ ,‏ بينما خلايا أخرى من مثل خلايا العضلات والجلد يمكن أن تتحمل تدفق الدم إليها لفترات أطول دون أن تتهددها أخطار الموت‏ . ويتكون قلب الإنسان من أربع غرف تفصلها أربعة نظم من نظم الصمامات الضابطة لحركة تدفق الدم من القلب وإليه دائما في اتجاه واحد‏ ,‏ وهذه الغرف الأربع هي الأُذَيْنَان الأيمن والأيسر‏ ,‏ والبُطَيْنَان الأيمن والأيسر‏ ,‏ والأذينان يتميزان بصغر الحجم وبجدار رقيق نسبيا‏ ,‏ ويتلقيان الدم من العروق الرئيسية في الجسم ليفرغان في البطيْنَيْن ‏:‏ الأيمن في الأيمن والأيسر في الأيسر‏!‏ أما البطينان فهما أكبر حجماً وأسمك جداراً وأقوى عضلاتٍ ‏.

وعندما ينبسط البطَيْنان ينخفض الضغط بداخل كل منهما، فيشجع ذلك على تدفق الدم من الأذينين إليهما‏ ,‏ كما يساعد انقباض الأذينين على إفراغهما مما قد يتبقي فيهما من الدم .
والبطينان الأيمن والأيسر هما عضلتان فائقتا القوة‏ ,‏ وعندما ينقبضان فإنهما يدفعان الدم متدفقا إلي جميع أجزاء الجسم عبر شبكة الشرايين والأوردة التي يُقَّدَر مجموع أطوالها بآلاف الكيلومترات‏ ,‏ وتكفي في ذلك الإشارة إلى أن طول الأوعية والشعيرات في الدورة الدموية الصغرى يتراوح بين ‏90 . 000‏ كم و ‏110 .000‏كم ، وأن عددها يصل إلى حواليْ الثلاثين بليوناً‏ .‏ والصمامات الفاصلة بين كل أذين وبطينه لا تسمح بتحرك الدم إلا في اتجاه واحد فقط‏ ,‏ ولا تسمح بمروره في عكس هذا الاتجاه ‏ .‏
وبالمثل توجد صمامات ضابطة لاتجاه تدفق الدم في كل من الشريان الأبهر
(‏
Aorta‏ ) والشريان الرئوي ‏Pulmonary Artery‏ تعرف باسم الصمامات الهلالية (‏Semilunar Valves ) .‏ والأبهر هو الشريان الرئيسي الذي يحمل الدم من البطين الأيسر إلى باقي أجزاء الجسم‏ ,‏ بينما الشريان الرئوي يحمل الدم من البطين الأيمن إلي الرئتين‏ ,‏ والصمامات الهلالية تمنع الدم في الحالتين من الرجوع إلى البطينين‏ ,‏ ولكن إذا حدث أدني خلل في عمل هذه الصمامات فإن كفاءة القلب كمضخة للدم تتأثر بذلك‏ ,‏ وقد يصاب القلب في هذه الحالة بعدد من الأمراض التي منها تضخم حجم القلب ‏.
وعطب الصمامات يمكن تشخيصه بسهولة لتغير صوت تدفق الدم عبرها وإحداثه عددا من الأصوات الغريبة التي تعرف باسم لغط القلب
‏ (
Heart murmurs ) ، وبالمثل إذا ضعف البطينان بسبب الجمول ‏Infection )‏ ) أو الأضرار الناتجة عن الأزمات القلبية‏ ,‏ أو عن قلة الحركة فإن قدرة ضخ القلب للدم تتناقص‏ ,‏ ويبدأ المريض في الشعور بآلام في الصدر‏ ,‏ وبصعوبة في التنفس‏ ,‏ والشعور بالإجهاد السريع ‏ .

والسبب في الشعور بآلام الصدر هو نقص كمية الدم الواصلة إلى عضلة القلب عن القدر المطلوب‏ ,‏ وإذا استمر الحال على ذلك فإن أجزاء عضلة القلب التي لا يصلها القدر الكافي من الدم تموت‏ .
‏ أما كرشة النفس‏ ,‏ والشعور بالإجهاد بسرعة فإنهما ينتجان عن عجز القلب عن ضخ كميات الدم بكفاءة إلى كل من الرئتين والعضلات وباقي أجزاء الجسم‏ . ويتلقى النصف الأيمن من القلب الدم من مختلف أجزاء الجسم ويضخه عبر الشرايين الرئوية إلي الرئتين لتبادل ما به من ثاني أكسيد الكربون مع أكسجين الهواء الداخل إلى الرئتين عن طريق التنفس‏ ,‏ وتسمى هذه الدورة باسم الدورة الرئوية
( (Pulmonary circulation بينما الجزء الأيسر من القلب ـ وهو الأكبر والأقوى ـ يتلقى الدم المُؤكسَد من الرئتين ويدفع به إلى باقي الجسم عبر الشريان الأبهر وتعرف هذه الدورة باسم الدورة المجموعية‏ ‏ (Systemic circulation ) .‏ وهذه الدورة للدم مسئولة عن تبادل الغازات والمواد الغذائية والنفايات في كل أجزاء الجسم ماعدا الرئتين ‏.

هل يمكن للفرد الواحد أن يكون له قلبان ؟
جاء في بعض كتب التفسير أن النص الكريم الذي نحن بصدده نزل في رجل من قريش يدعى (جميل بن معمر الفهري‏)‏ كان يدعى أن له قلبين في جوفه وكان من شدة دهائه يدعى ذا القلبين‏ ,‏ وقيل أنها نزلت للرد على بعض المنافقين الذين ادعوا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالباطل أن له قلبين‏ .‏
والعلوم الطبية تثبت أن مع المركزية العظمى للقلب في جسم الإنسان يستحيل أن يوجد لفرد واحد قلبان في جوفه‏ ,‏ وقد ذكر الأخ الكريم الدكتور يحيى إبراهيم محمد‏ (مساعد مدير مستشفى الدكتور سليمان فقيه بجدة‏)‏ أن المراجع الطبية لم تسجل حالة واحدة لإنسان ذي قلبين‏ ,‏ مع وجود العديد من حالات التشوه الخلقي‏ ,‏ وذلك لاستحالة تكون قلبين لجنين واحد حتى في حالات التوائم الملتصقة المعروفة باسم التوائم السيامية‏ ,‏ فقد يكون لكل واحد منهما قلبه‏ ,‏ وقد يشتركان في قلب واحد ‏.


وهذا السبق القرآني بتأكيد هذه الحقيقة العلمية يعتبر ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله وذلك بقول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" (الأحزاب‏:4)‏ وتزداد هذه الومضة القرآنية المعجزة وضاءةً باستخدام هذا النص الكريم للفظة‏ (‏رجل‏)‏ دون سواها للإشارة إلى الإنسان‏ ,‏ وذلك تحاشيا لإشراك المرأة في هذا المثل والتي قد تكون حاملا وتحمل في جوفها بالإضافة إلى قلبها قلب جنين أو قلوب أكثر من جنين واحد‏ ,‏ خاصة وأن علم الأجنة يثبت أن قلوب الأجنة تبدأ في التخلق بصورة أولية مع بداية الأسبوع الثالث من أعمارها‏ ,‏ وتبدأ في الانقباض والانبساط قبل وصولها إلى نهاية الأسبوع السادس‏ .‏
والنص الكريم الذي نحن بصدده جاء في مقام التشبيه وضرب المثل‏ ,‏ ولكن كعادة القرآن الكريم التزام الحق في كل شيء‏ ,‏ تأتي الأمثال كما تأتي آيات القرآن كلها دقيقة دقة علمية فائقة حتى يبقي هذا الكتاب الخالد‏ ,‏ مهيمنا على المعرفة الإنسانية مهما اتسعت دوائرها‏ ,‏ وتبقى هذه الحقائق العلمية التي أنزلت من قبل أربعة عشر قرناً شاهدة لكل ذي بصيرة على أن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية ـ ولم يقطعه لرسالة سابقة أبدا ـ وحفظه في نفس لغة وحيه‏(‏اللغة العربية‏) ,‏ وحفظه حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وتعهد ـ تبارك وتعالى ـ بذلك الحفظ إلى قيام الساعة حتى يبقى القرآن الكريم حجة على الناس كافة ‏.
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ,‏ وسيد الأولين والآخرين‏ ,‏ سيدنا محمد النبي الأمين الذي بلّغ الرسالة‏ ,‏ وأدّى الأمانة ونصح الأمة‏ ,‏ وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين فأسأل الله ـ تعالى ـ أن يجزيه خير ما جازى به نبيا عن أمته‏ ,‏ ورسولا على حسن أداء رسالته‏ ,‏ وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة في الجنة إن ربي لا يخلف الميعاد‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .