" وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " (الذاريات‏:49).


هذه الآية الكريمة جاءت في الخمس الأخير من سورة الذاريات‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ستون آية بعد البسملة‏ . ويدور محورها الرئيسي حول قضية العقيدة الاسلامية، ومن ركائزها التي جاءت بها هذه السورة المباركة مايلي ‏:‏
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ تعالى ـ‏ رب السماء والأرض‏ إلهاً واحداً أحداً ، بغير شريك، ولاشبيه، ولامنازع‏ .‏
‏(2)‏ الإيمان بالبعث بعد الموت‏,‏ وبالجزاء في الآخرة‏,‏ على الرغم من اختلاف الناس بشأنهما‏؛‏ لأنه لا يصرف عن الإيمان بحتميتهما إلا صاحب هوى أو جنون ‏.‏
‏(3)‏ الإيمان بالنار وعذابها‏,‏ وبأنها مآل الكافرين والمشركين‏,‏ والضالين المكذبين بالله، وملائكته‏,‏ وكتبه ورسله‏,‏ المنكرين ليوم الدين‏,‏ والقائلين فيه بالظن والتخمين‏,‏ أو اللاهين عنه والمتشككين في وقوعه‏,‏ حتى يسألوا عنه سؤال المستهزئ به والمستبعد لإمكانية تحقيقه‏ . وهؤلاء تؤكد السورة الكريمة حتمية هلاكهم وورودهم إلى النار التي كانوا بها يستعجلون‏ .
‏(4)‏ الإيمان بالجنة ونعيمها‏,‏ وبأنها مآل المتقين‏‏ الذين يحسنون العمل في الدنيا‏,‏ ومن مظاهر هذا العمل الحسن‏:‏ قلة النوم بالليل‏,‏ وكثرة الاستغفار بالأسحار‏,‏ وإخراج المال للسائل والمحروم ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بملائكة الله المُقسِّمات الأمور المُقدَّرة بين الخلق على ما أُمرت به‏ .‏
‏(6)‏ الإيمان برسل الله وأنبيائه أجمعين الذين أُرسلوا لإنذار الناس من أخطار الشرك بالله ومن عذاب يوم عظيم‏,‏ وطولبوا بمداومة التذكير والوعظ بذلك‏ .
‏(7)‏ الإيمان بكل ما جاء بالقرآن الكريم عن عقاب العاصين من أبناء الأمم السابقة‏ الذين أنكروا رسالات ربهم‏‏ واستهزأوا برسله‏,‏ متهمين إياهم بالسحر أو الجنون‏ ‏.
‏(8)‏ الإيمان العميق بأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ لم يخلق كلاً من الجن والإنس إلا لعبادته بما أمر ‏.‏
‏(9)‏ الإيمان بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو الرزَّاق ذو القوة المتين ‏.
‏(10)‏ الإيمان بأن لكل ظالم حظه من عذاب الله‏,‏ وأن هذا العذاب واقع به حتماً في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ كما نزل بالظالمين والكفار والمشركين من أبناء الأمم السابقة‏ .‏
وتدعو سورة الذاريات إلى التأمل في آيات الله المبثوثة في الأرض وفي الأنفس‏‏ وفي الآفاق‏,‏ وإلى استخلاص ما فيها من دلائل على الإيمان بالله‏,‏ واليقين بوحدانيته‏,‏ كما تدعو إلى استخلاص الدروس والعبر من قصص عدد من أنبياء الله ورسله السابقين على بعثة خاتمهم‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ منهم ‏:‏ أبو الأنبياء إبراهيم‏,‏ وكليم الله موسى‏,‏ وأول أولي العزم من الرسل نوح‏ ـ‏ على نبينا وعليهم من الله السلام ـ‏ وعرضت السورة الكريمة لعدد من الأمم البائدة‏,‏ وإلى ما أصاب تلك الأمم من عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وما لحق بها من هلاك ودمار وخراب‏‏ بسبب انحرافها عن فطرة الله ومنهجه‏,‏ وتكذيبها لأنبيائه ورسله‏,‏ ومن هذه الأمم التي أبيدت أقوام لوط‏,‏ وفرعون‏,‏ وعاد‏,‏ وثمود‏,‏ وقوم نوح‏ .
ثم عاودت سورة الذاريات استعراض عدد آخر من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الكون‏,‏ وعقبت بالدعوة إلى رجوع الخلق إلى الله ـ‏ تعالى ـ‏ وإلى التحذير من الشرك به‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ في مواضع عديدة منها‏,‏ وكررت وصف الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأنه نذير مبين من الله ـ‏ جل ثناؤه‏ ـ إلى الناس كافة‏,‏ وأن عبادة الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وحده هي الغاية من خلق كلٍ من الجن والانس‏,‏ وأنذرت السورة كل من يجرؤ على التكذيب ببعثة رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بمثل ما أصاب الأمم السابقة من عذاب‏ .‏
والسورة في مجملها دعوة إلى الناس جميعاً كي يخلصوا العبادة لله وحده‏,‏ ويطهروا القلوب من درن الشرك‏,‏ ومن كل وصف لا يليق بجلال الله ـ‏ كما يطهروها ومن كل معوقات الحياة ـ‏ وأن يصلوها بخالقها الذي هو رب هذا الكون ومليكه‏,‏ ولذلك أوردت في خواتيمها هذه الدعوة المباركة‏ : " فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ " (الذريات:50-51) . ثم خلصت سورة الذاريات إلى استنكار موقف الكافرين والمشركين من تكذيب رسل الله‏,‏ وأمرت خاتم الأنبياء والمرسلين ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن يشيح بوجهه الشريف عنهم‏,‏ وألا ينشغل بهم عن تذكير الناس "‏ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ المُؤْمِنِينَ " (الذاريات:55) ‏.‏ وأكدت ان كلاً من الجن والإنس ما خُلِقا إلا لعبادة الله ـ‏ تعالى ـ‏ فالله لا يريد من أحد منهم رزقاً ولا إطعاماً؛ لأنه هو‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ الرزَّاق ذو القوة المتين‏ .‏ وختمت هذه السورة المباركة بالتأكيد على أن للذين ظلموا في هذه الدنيا نصيباً وحظاً من العقاب نازلاً بهم لا محالة‏ ـ مثل نصيب من سبقوهم من الكفار والمشركين‏ ـ‏ وتتهددهم بعذاب أشد وأنكى في الآخرة‏,‏ " يَوْمَ لاَ  يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ . إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" (الشعراء:88، 89) ‏.


الآيات الكونية في سورة الذاريات :
استعرضت سورة الذاريات عدداً من الآيات الكونية في مقام الاستدلال على طلاقة القدرة الالهية في إبداع الخلق‏,‏ والشهادة على أن الذي أبدع هذا الخلق قادر على إفنائه وعلى إعادة خلقه من جديد‏ ـ‏ أي بعثه‏ ـ‏ وكانت قضية البعث هي حجة الكفار المكذبين بيوم الدين عبر التاريخ‏,‏ ومن هذه الآيات الكونية التي أوردتها هذه السورة المباركة ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ قَسَمٌ بالرياح التي سخرها ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ لتذرية التراب ذرواً‏,‏ ودور ذلك في بري الصخور‏,‏ وتسوية سطح الأرض‏,‏ وتكوين التربة وتلقيح السحاب‏,‏ وما تحمل الرياح أيضاً من حبوب اللقاح‏,‏ ودور ذلك في إخصاب النبات‏ .
‏(2)‏ وقَسَمٌ آخر بالسحب التي يحملها ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ ثقلاً عظيماً من بخار الماء لينزله بتقديره وعلمه حيث يشاء‏,‏ وبالقدر الذي يشاء‏,‏ وفي الوقت الذي يشاء رحمة منه أو عقاباً وعذابا‏ًً .
‏(3)‏ وقَسَمٌ ثالث بالسفن الجاريات في يسر على سطح الماء‏,‏ ولولا أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد وهب الماء قدراً من الصفات المميزة له‏,‏ لما جرت السفن على سطحه أبداً بهذا اليسر‏‏ وتلك السهولة‏ .
‏(4)‏ وقَسَمٌ رابع بالملائكة التي تقسم الأمور المقدرة في الكون حسب أوامر الله ومشيئته‏,‏ فتحمل الأوامر الإلهية‏,‏ وتوزعها وفق تلك المشيئة بين الخلق‏,‏ وبين مختلف قوى الكون بدقة وانضباط بالغين‏,‏ ولو أن الملائكة من الأمور الغيبية إلا أن أثرها في الكون لايمكن إغفاله ‏.‏
‏(5)‏ وقَسَمٌ خامس بالسماء ذات الحبك ، أي ذات الاحكام في الخلق‏,‏ والترابط المحكم الشديد‏,‏ والكثافات المتباينة بين مختلف أجزائها‏ .‏
‏(6)‏ التأكيد على حقيقة ما في الأرض من آيات دالة على طلاقة قدرة الله انطلاقاً من قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ
: " وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ " (الذريات:20) .
(7)‏ التأكيد على آيات الأنفس بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ "
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ " (الذريات:21) .
(8)‏ التأكيد على حقيقة أن ما يوعد الناس‏,‏ وما يرزقون يقرر في السماء وينزل منها انطلاقاً من قوله ـ‏ تعالى‏ ـ : ‏" وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ " ‏(‏ الذاريات‏:22) .‏
(9)‏ الإشارة إلى حقيقة توسع الكون‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ : " وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " ‏(‏ الذاريات‏:47) .
(10)‏ الإشارة إلى كل عمليات تمهيد وتسوية سطح الأرض‏,‏ وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏ " وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ "   (الذريات:48) .‏
(11)‏ التوكيد على الزوجية المطلقة في كل الخلق انطلاقاً من قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " (‏ الذاريات‏:49) .‏
وكل آية من هذه الآيات تحتاج لفهمها فهماً صحيحاً إلى معالجة خاصة‏,‏ ولما كان المقام لايتسع لذلك‏‏ أجدني مضطراً إلى قصر الحديث هنا على النقطة الأخيرة من قائمة الآيات الكونية السابقة، ألا وهي التوكيد على الزوجية المطلقة في كل الخلق انطلاقاً من قوله‏ ـ تعالى ـ :‏ " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏" وقبل البدء في ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من كبار المفسرين القدامى والمعاصرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .


من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ‏ تعالى ـ :
" وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏"  (‏ الذاريات‏:49) .‏
‏‏ ذكر ابن كثير ـ‏ يرحمه الله ـ‏ ما نصه‏: ...‏ " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ ‏" ‏ أي جميع المخلوقات أزواج‏:‏ سماء وأرض‏,‏ وليل ونهار‏,‏ وشمس وقمر‏,‏ وبر وبحر‏,‏ وضياء‏ ـ‏ نور‏ ـ‏ وظلام‏,‏ وإيمان وكفر‏,‏ وموت وحياة‏,‏ وشقاء وسعادة‏,‏ وجنة ونار‏,‏ حتى الحيوانات والنباتات ، ولهذا قال ـ تعالى‏ ـ : "‏ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " ‏ أي لتعلموا أن الخالق واحد لا شريك له ‏.
(انتهى قول المفسر)
 وجاء في تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحم الله كاتبيه‏ ـ‏ ما نصه : ‏... "‏ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ "‏
يتعلق بقوله خلقنا . ‏" خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ " ‏ صنفين كالذكر والأنثى‏,‏ والسماء والأرض‏,‏ والشمس والقمر‏,‏ والسهل والجبل‏,‏ والصيف والشتاء‏,‏ والحلو والحامض‏,‏ والنور والظلمة‏‏ . " لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ " ‏ بحذف إحدى التاءين من الأصل‏ (‏ تتذكرون‏)‏، فتعلمون أن خالق الأزواج فرد فتعبدونه‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وذكر صاحب الظلال‏ ـ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ‏ ما نصه‏: ....‏ وهذه حقيقة عجيبة تكشف عن قاعدة الخلق في هذه الأرض ـ وربما في هذا الكون‏,‏ إذ ان التعبير لا يخصص الأرض ـ قاعدة الزوجية في الخلق‏,‏ وهي ظاهرة في الأحياء‏,‏ ولكن كلمة‏ " ‏شَيْءٍ "‏
تشمل غير الأحياء أيضاً‏,‏ والتعبير يقرر أن الأشياء ـ كالأحياء مخلوقة ـ على أساس الزوجية‏ .‏
وحين نتذكر أن هذا النص عرفه البشر منذ أربعة عشر قرنا‏ًً,‏ وأن فكرة عموم الزوجية ـ حتى في الأحياء ـ لم تكن معروفة حينذاك‏,‏ فضلاً عن عموم الزوجية في كل شيء،‏ حيث نتذكر هذا نجدنا أمام أمر عجيب عظيم، وهو يطلعنا على الحقائق الكونية في هذه الصورة العجيبة المبكرة كل التبكير‏ .‏
كما أن هذا النص يجعلنا نرجِّح أن البحوث العلمية الحديثة سائرة في طريق الوصول إلى الحقيقة‏,‏ وهي تكاد تقرر أن بناء الكون كله يرجع إلى الذرة‏,‏ وأن الذرة مؤلفة من زوج من الكهرباء‏ :‏ موجب وسالب‏، فقد تكون تلك البحوث إذن على طريق الحقيقة في ضوء هذا النص العجيب‏ .‏
وفي ظل هذه اللمسات القصيرة العبارة الهائلة المدى‏ :‏ في أجواء السماء‏,‏ وفي آماد الأرض‏,‏ وفي أعماق الخلائق‏,‏ يهتف بالبشر ليفروا إلى خالق السماء والأرض والخلائق‏,‏ متجردين من كل ما يثقل أرواحهم ويقيدها‏، موحدين الله الذي خلق هذا الكون وحده بلا شريك‏ .‏
(انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ رحم الله كاتبه ـ ما نصه ‏:‏ ‏..." زَوْجَيْنِ‏ "‏
نوعين متقابلين كالليل والنهار‏,‏ والسماء والأرض‏,‏ والهدى والضلال‏,‏ إلى غير ذلك ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ‏ جزى الله كاتبيه خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه : ‏...‏ ومن كل شيء خلقنا صنفين‏,‏ مزدوجين‏,‏ لعلكم تتذكرون فتؤمنوا بقدرتنا ‏.‏
(انتهى قول المفسر) 
وجاء في صفوة التفاسير ـ‏ جزى الله كاتبها خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ :‏
‏....‏" وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ " ‏ أي ومن كل شيء خلقنا صنفين ونوعين مختلفين ذكرا وأنثى‏,‏ حلواً وحامضاً ونحو ذلك ‏" لعلكم تذكرون‏" ‏ أي كي تتذكروا عظمة الله فتؤمنوا به‏,‏ وتعلموا أن خالق الأزواج واحد أحد ‏.‏ (انتهى قول المفسر)


من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
في قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ : "  وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏"     (‏ الذاريات‏:49) .‏
تأكيد على قاعدة الزوجية المطلقة في خلق كل شيء من الأحياء والجمادات‏,‏ بمعنى أن الله ـ تعالى ـ خلق كل شيء في زوجية حقيقية‏,‏ وأن هذه الزوجية ظاهرة عامة في كل المخلوقات‏,‏ وعلى جميع المستويات ‏:‏ من اللبنات الأولية للمادة إلى الإنسان وإلى ما فوق ذلك من وحدات الكون‏,‏ وأنها سمة من سمات التناسق والتناغم والتوافق في الخلق‏,‏ وشهادة ناطقة بالوحدانية المطلقة للخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ تلك الوحدانية المطلقة التي تؤكد أن الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ فوق جميع خلقه‏,‏ وهو الذي وصف ذاته العلية بقولة الحق‏ :‏
‏...‏ "  فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ "
‏(‏ الشوري‏:11)‏ .
كما وصف هذه الذات العلية بأمره الواضح الصريح إلى خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومن ثم إلى كل مؤمن بالله أن يردد في كل وقت وفي كل حين ‏:‏
"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ " ‏(‏الاخلاص‏:1‏ ـ‏4)‏ .
وهذه الزوجية في الخلق‏,‏ الناطقة بوحدانية الخالق‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ تتجلى لنا في المراحل التالية‏ :
(1)الزوجية في الكائنات الحية من الإنسان إلى الحيوان والنبات ‏.‏
(2)الزوجية في الخلايا التناسلية الذكرية والأنثوية‏ .‏ 
(3) الزوجية في النطفة الذكرية التي قد تحمل صبغي التذكير أو صبغي التأنيث .‏
(4)الزوجية في الصبغيات الموجودة في نواة الخلية الحية .
(5) الزوجية في حاملات الوراثة ـ المورثات أو الجينات‏ ـ الموجودة على كل صبغي من الصبغيات.
(6) الزوجية في بناء الحمض النووي . 
(7) الزوجية في ترابط القواعد النيتروجينية الأربعة البانية لسلميات الحمض النووي
‏(
DNA) .
(8)الزوجية في ترابط جزيء سكر الريبوز ـ‏ وهو جزيء عضوي‏ ـ‏ مع جزيء الفوسفات‏ ـ وهو جزيء غير عضوي‏ ـ‏ لتكوين جدار جزيء الحمض النووي‏
(
DNA)‏
(9) الزوجية في بناء الأحماض الأمينية في صورها اليمينية واليسارية ‏.‏ 
(10) الزوجية في بناء البروتينات وأضداها‏ . 
(11) الزوجية في الجزيء بشقيه‏:‏ الموجب ‏
Cation)‏) والسالب‏(Anion).‏ 
(12) الزوجية في الذرة بنواتها التي تحمل شحنة موجبة وإلكتروناتها التي تحمل شحنة سالبة‏ .‏ 
(13) الزوجية في الجسيمات الأولية للمادة وأضداها ـ أي في الوجود والعدم‏ .‏ 
(14) الزوجية في اللبنات الأولية للمادة وأضداها ـ أي في الوجود والعدم‏ .‏
(15)الزوجية في المادة ونقيض المادة‏ ـ‏ أي في الوجود والعدم‏ .‏
(16)الزوجية في شحنات الطاقة الموجبة والسالبة‏ .‏
(17)الزوجية في كلٍ من المادة والطاقة ، وهما وجهان لعملة واحدة ولجوهر واحد يشير إلى وحدانية الخالق العظيم‏ .‏
ويستطيع المتأمل في الكون أن يستمر في هذا السياق إلى ما لا نهاية‏,‏ ليؤكد على حقيقة الزوجية في كل أمر من أمور هذا الكون‏،‏ دق أم عظم‏,‏ وليكون في ذلك شهادة بأن الوحدانية المطلقة هي لله الخالق وحده‏,‏ لا يشاركه فيها شريك‏,‏ ولا ينازعه عليها منازع‏,‏ فهي من صفات الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد‏,‏ ولم يكن له كفواً احد‏ .‏



وكل صورة من صور الزوجية تلك تحتاج إلى مقال مستقل‏,‏ ولذلك فسوف اختار هنا بعض النماذج منها فقط في السطور التالية ‏:‏
أولاً‏ً :‏ الزوجية في الكائنات الحية‏ :‏
تتكاثر الكائنات الحية من الإنسان والحيوان بالتزاوج بين ذكر وأنثى ويعرف ذلك باسم التكاثر الجنسي‏,‏ وفي معظم الحالات تكون الذكور والإناث منفصلة عن بعضها البعض‏,‏ وفي بعض الحيوانات البسيطة توجد الخلايا الذكرية والأنثوية في جسد الفرد الواحد الذي يقايض خلاياه الذكرية مع فرد آخر ‏.‏
وفي التكاثر الجنسي قد يتم الإخصاب داخلَ الجسم أو في خارجه‏،‏ أما الكائنات الحيوانية الأكثر بساطة فتتكاثر بالانشطار‏,‏ أو بالتبرعم‏,‏ أو التجزؤ‏,‏ أو بالتجدد‏ ـ‏ التراكم‏ ـ أو بالتوالد العذري‏ ـ أي بدون إخصاب‏ ـ ويعرف كل ذلك بالتكاثر اللاجنسي‏,‏ وقد يتبادل الحيوان الواحد كلا النوعين من التكاثر في دورة حياته‏ .‏
ومن معرفتنا بالزوجية في كلٍ من اللبنات والجسيمات الأولية للمادة‏‏ نستطيع أن نجزم بأن صورة من صور الزوجية تتم في حالات التكاثر اللاجنسي‏ .‏
وفي النبات تتضح الزوجية في الأنواع المنتجة للأزهار‏ ـ‏ النباتات المزهرة ـ‏ والتي يزيد عددها على الربع مليون نوع بشكل واضح‏,‏ وأزهارها التي تنتج عن تفتح براعمها تحمل أعضاء التكاثر من الخلايا الذكرية والأنثوية التي قد توجد في زهرة واحدة‏,‏ أو في زهرتين مختلفتين على نبات واحد‏,‏ وقد يكون من النبات الواحد الذكر والأنثى ‏.‏
وتؤدي عملية الإخصاب في النباتات المزهرة إلى إنتاج البذور‏,‏ وتحتوي كل بذرة على جنين النبتة الجديدة‏,‏ ومخزون من الطعام قدَّره الخالق المبدع لها‏,‏ وتحفظ البذور عادة في الثمرة أو قد تكون هي الثمرة ‏.‏
أما النباتات غير المزهرة فتتكاثر بالنوعين الجنسي واللاجنسي على مرحلتين في دورة واحدة تعرف باسم دورة تبادل الأجيال‏‏ في المرحلة الأولى منها ينتج النبات كلاً من الخلايا الجنسية الذكرية والأنثوية‏,‏ وتنفصل الخلايا الذكرية وتتحرك في الأوساط المائية للوصول إلى خلية أنثوية والقيام بتقليحها وإخصابها بالاتحاد معها‏,‏ وفي الدورة الثانية ينتج النبات خلايا تناسلية اسمها الأبواغ‏,‏ تتناثر عن النبات الحامل لها عند نضجها‏,‏ وتنمو في الأوساط المناسبة لها نباتاً جديدا‏ًً .‏

ثانياً ‏:‏ الزوجية في الخلايا التناسلية الذكرية والأنثوية‏ :‏
أعطى الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لجسم الذكر البالغ القدرة على انتاج خلايا جنسية ذكرية تعرف باسم الحيوان المنوي‏,‏ كما أعطى لجسم الأنثى القدرة على إنتاج خلايا جنسية أنثوية تعرف باسم البييضة ـ‏ تصغير بيضة‏ ـ‏ وهذان الزوجان من الخلايا التناسلية إذا اتحدا فإنهما يكونان معاً نطفة مختلطة‏ ـ‏ نطفة أمشاج‏ ـ‏ إذا انغرست في جدار الرحم، فإنها تبدأ في الانقسام المطرد بإذن الله لتخليق مولود جديد ‏.‏

ثالثاً ‏:‏ الزوجية في النطفة الذكرية ذاتها‏ :‏
يوجد في كل حيوان منوي صبغي جنسي واحد إما‏
X‏ ـ ويعني الأنوثة ـ أو‏Y‏ ـ ويعني الذكورة‏ ـ وتحتوي البييضة على الصبغي الأنثوي‏X,‏ بينما الحيوانات المنوية إما أن تحمل الصبغي المذكر أو المؤنث‏,‏ فإذا كان الحيوان المنوي الذي أخصب البييضة مما يحمل صبغي التذكير جاء الجنين ذكراً بإذن الله‏,‏ وإذا كان مما يحمل صبغي التأنيث جاء المولود أنثى بإذن الله‏ .‏
فالزوجية موجودة حتى في نطف الذكر‏,‏ وليست بين نطفة الذكر ونطفة الأنثى فقط ‏.‏

رابعا‏ًً :‏ الزوجية في الصبغيات نفسها‏ :‏
توجد الصبغيات في نواة الخلية الحية على هيئة خيوط متشابكة من مادة تسمى باسم المادة المصبوغة أو كروماتين‏(Chromatin)‏تعطي للنواة مظهراً شبكياً أو حبيبيا‏ًً,‏ وتتكون هذه الصبغيات إلى حد كبير من الحمض النووي المعروف باسم الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسيجيني أو الحامض الرايبوزي اللا أوكسيجيني‏ ( ( Deoxyri  bonucleic Acidor DNA الذي يحمل الشفرة الوراثية للخلية‏,‏ بالإضافة إلى كم من البروتينات بنسب متساوية تقريبا‏ًً .‏
وكل واحد من هذه الصبغيات‏ (‏ التي يعتبر عددها من العوامل المحددة للنوع‏)‏ يتكون من شريطين متصلين ببعضهما بجزء دقيق يعرف باسم اللحمة المركزية ‏
(
Centromere) له مكان محدد على كل صبغي‏,‏ يكون أحياناً قريباً من وسط الصبغيين‏,‏ وغالباً قرب أحد طرفيهما‏,‏ وهذه صورة من صور الزوجية المبهرة في الخلق ‏.‏

خامسا‏:‏ الزوجية في وحدات الوراثة‏ ـ‏ المورثات أو الجينات ـ :‏
تتوزع وحدات الوراثة على طول كل واحد من الصبغيات على هيئة قطع منفصلة من الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسيجين في زوجية واضحة؛ لأن أحد هذه المورثات يأتي إلى الجنين من الأب، والأخرى تأتيه من الأم ‏.

سادساً وسابعاً وثامناً‏ :‏ الزوجية في بناء جزيء الحمض النووي‏,‏ وفي بناء كلٍ من سلمياته وجداريه:‏
ينبني كل جزيء من جزيئات الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسيجين‏
DNA ) ) على هيئة سلم حبلي مفتول ـ أو مايعرف باسم اللولب المزدوج‏ ـ تتضح فيه الزوجية في جانبيه المصنوعين من جزيئات سكر الريبوز المنقوص الأوكسيجين‏,‏ وجزيئات من الفوسفات‏,‏ كما تتضح الزوجية في درجات هذا السلم الحبلي المفتول، والتي تتكون كل درجة من درجاته من زوج من قواعد نيتروجينية أربع هي‏ :‏ الأدينين(Adenine=A), والثيامين‏ (Thyamine=T), والجوانين‏ (Guanine=G), والسيتوسين‏ (Cytosine=c)‏ على أن يرتبط الأولان في زوجية واضحة معا‏ًً,‏ وأن يرتبط الأخيران كذلك معا‏ًً‏ ومعاً فقط في زوجية واضحة كذلك‏,‏ ليشكل كل زوج منهما درجة من سلميات جزيء الحمض النووي الريبي المنقوص الأوكسيجين‏
(
DNA)‏ على شكل نويدتين تتكون كلٌ منهما من قاعدة نيتروجينية مستندة إلى زوج من السكر والفوسفات تأكيداً على الزوجية في الخلق من أدق الدقائق إلى أكبر الوحدات‏ .‏

تاسعاً وعاشرا‏ًً :‏ الزوجية في بناء كلٍ من الأحماض الأمينية والبروتينات‏ :‏
تعد الأحماض الأمينية الوحدة البنائية الأساسية لمختلف جزيئات المواد البروتينية التي تنبني منها أجساد الكائنات الحية‏ .‏
والأحماض الأمينية من الأحماض الدهنية التي تذوب في الماء بسهولة في أغلب الأحيان‏,‏ ولها في حالتها المتبلورة نشاط ضوئي ملحوظ بسبب احتواء جزيئاتها على ذرة كربون محاطة بأربع مجموعات مختلفة هي‏:‏ مجموعة الأمين
‏(
NH2)، ومجموعة الكربوكسيل‏(COOH)، ومجموعة الحمض ‏(R وذرة إيدروجين ‏(H) .ولذلك فالجزيء غير متماثل‏,‏ وتتحرك هذه المجموعات لتتبادل الأوضاع حول ذرة الكربون‏,‏ فقد توجد مجموعة الأمين ‏(NH2)‏ في مواضع مختلفة بالنسبة لمجموعة الكربوكسيل‏ .‏ونظراً لعدم تماثل جزيء الحمض الأميني، فإن كل واحد من الأحماض الأمينية يمكن أن يوجد في شكلين، أحدهما يدير مستوى الضوء المستقطب إلى اليمين ،‏ ويعرف باسم الشكل اليميني‏ (Right-handed isomer) ، ‏والشكل الآخر يديره إلى اليسار،‏‏ ويعرف باسم الشكل اليساري‏(Left-handed isomer) > وقد ثبت أن الأحماض الأمينية في أجساد جميع الكائنات الحية‏ ـ النباتية والحيوانية والإنسية‏ ـ‏ هي من الأشكال المرتبة ترتيباً يساريا‏ًً,‏ فإذا ما مات الكائن الحي فإن الأحماض الأمينية اليسارية الترتيب في بقايا جسده تبدأ بإعادة ترتيب الذرات داخلَ جزيئاتها من الترتيب اليساري إلى الترتيب اليميني بمعدلات ثابتة حتى يتساوى الشكلان‏,‏ ويعـرف هذا الخـليط باسم الخـليط الراسمي ‏(Racemic Mixture) ، وهو خليط لا يمكنه تحريك مستوى الضوء المستقطب‏,‏ ولكنه يمثل صورة من صور الزوجية في أضيق صورها‏ .‏ ويمكن استخدام نسبة الشكلين اليميني واليساري للحمض الأميني الواحد في بقايا أيٍ من النبات أو الحيوان أو الإنسان في تحديد لحظة وفاته بدقة بالغة‏ .‏
ومعروف من الأحماض الأمينية البانية للبروتينات عشرين نوعاً، كلٌ منها ممثل بزوجية واضحة‏,‏ وباتحاد هذه الأحماض الأمينية العشرين يمكن بناء أكثر من مليون نوع من أنواع البروتينات‏,‏ والخلية الحية في جسم الإنسان قد أعطاها الله ـ تعالى ـ القدرة على إنتاج مائتي ألف نوع من أنواع البروتينات‏,‏ وبالمثل فإن كل جزيء من جزيئات البروتينات العديدة يمكن أن يكون له شكل يميني وآخر يساري‏,‏ وهي في أجساد جميع الكائنات الحية من الشكل اليساري ‏.‏ وكذلك النويدات على الصبغيات ـ وهي أصغر وحدات الحمض النووي الريبي والريبي المراسل
(DNA,RNA)ـ منها اليميني واليساري‏,‏ وكلها في أجساد الكائنات الحية من الشكل اليميني ‏.‏
وفوق ذلك فإن كل واحد من البروتينات له ضده‏
Proteins) (And Antiproteins,وكل جسم من الأجسام المكونة من البروتينات له ضده ‏(Bodies And Antibodies) بالإضافة إلى أن من البروتينات بروتينات بانية وأخرى هادمة ‏(Constructive Proteins and Destructiveness) .

حادي عشر إلى السابع عشر‏:‏ الزوجية في المادة وفي مركباتها ‏:‏
تتضح الزوجية في مركبات المادة في شقيها الموجب ‏(Cation) والسالب ‏(Anion)، كما تتضح في تركيب الذرة بنواتها التي تحمل شحنة موجبة وإليكتروناتها التي تدور حول النواة حاملة شحنة سالبة مكافئة‏ .‏
وقد ثبت أن للمادة قرابة الثلاثين نوعاً من أنواع اللبنات الأولية‏,‏ وكل واحدة منها لها نقيضها‏,‏ كما أن الجسيمات الأولية للمادة لها لكل جسيم نقيضه‏,‏ وأن المادة ككل لها نقيض المادة‏,‏ وإذا التقت النقائض فإن كل واحد منها يفني نظيره‏؛‏ لأنهما يتخليان عن طبيعتهما المادية‏,‏ ويتحولان إلى طاقة تعلن عن فناء المادة‏,‏ ومن هنا كان الوجود والعدم‏,‏ وكانت إمكانية الإيجاد من العدم ـ أي الخلق على غير مثال سابق‏ ـ‏ وإمكانية الافناء إلى العدم‏,‏ ولا يقدر على ذلك أحد غير الإله الخالق ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وكذلك الطاقة فإن لكل صورة من صورها ما هو ضدها‏,‏ فالكهرباء فيها الموجب والسالب‏,‏ والمغناطيسية فيها العادي والمقلوب المعكوس‏,‏ حتى الضوء له زوجية واضحة؛ لأنه يتحرك أحياناً على هيئة أمواج‏,‏ وأحياناً أخرى على هيئة جسيمات‏ .‏
كذلك ثبت أن المادة والطاقة وجهان لعملة واحدة ولجوهر واحد يشير إلى وحدانية الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وخلق اللبنات الأولية للمادة على هيئة أزواج‏,‏ وتحويلها إلى طاقة على هيئة زوجية أيضا‏ًً . وإمكانية رد الطاقة إلى حالة مادية تأكيد على حقيقة بدء الخلق من العدم، وعلى إمكانية إفنائه إلى العدم‏ .‏
ونحن نرى الزوجية في كل صورة من صور الخلق‏‏ من أدق دقائقه إلى أكبر وحداته‏,‏ حتى يبقى الخالق ـ سبحانه وتعالى ـ متفرداً بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ ونرى كذلك وحدة البناء في الخلق تجسيداً لوحدانية الخالق  ‏.‏
فلكل جسيم في الذرة جسيم نقيض‏،‏ وهذه الجسيمات ونقائضها تكون المادة والمادة النقيضة‏,‏ وفي النقائض توجد كل الصفات نقائض معكوسة أيضاً من الشحنات الكهربية إلى المجالات المغناطيسية إلى اتجاهات الدوران‏,‏ وعلى ذلك فلا يمكن لمثل تلك النقائض أن تجتمع في مكان واحد وإلا أفنى بعضها بعضا‏ًً .‏
فسبحان الذي خلق الخلق في زوجية واضحة تشهد له بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وسبحانه إذ خلق المادة ونقائضها من الطاقة ونقائضها‏,‏ وسبحانه إذ خلق تلك النقائض في نفس الوقت، وبنفس القدر حتى يثبت لنا الخلق من العدم‏,‏ وإمكانية الافناء إلى العدم ‏.‏
وسبحانه إذ فصل بين المادة ونقائضها حتى يوجد هذا الكون الشاسع الاتساع‏,‏ الدقيق البناء‏,‏ المحكم الحركة‏,‏ المنضبط في كل أمر من أموره‏,‏ والمبني على وتيرة واحدة تشهد للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ بالوحدانية .‏ وسبحانه إذ أبقى المادة النقيضة في مكان ما عنده، حتى إذا شاءت إرادته إفناء الكون جمع المادة ونقائضها بأمره كن فيكون‏,‏ وإذا شاء بعث كل شيء بفصلهما بالأمر كن فيكون‏ .‏
وسبحانه إذ قرر هذه الحقيقة الكونية فقال ـ عز من قائل ـ ‏:‏ " وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏" (‏ الذاريات‏:49) .‏
وهي حقيقة لم يدركها علم الإنسان الكسبي إلا في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وورودها في كتاب الله المنزل على خاتم أنبيائه ورسله من قبل ألف وأربعمائة من السنين لمما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق ويجزم بالنبوة وبالرسالة لسيدنا محمد بن عبدالله صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين‏ .‏