" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً " (الفرقان‏:54).


هــذه الآية الكريمة جاءت في الثلث الأخير من سورة الفرقان‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها ‏(77)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم‏ (الفرقان‏)‏ وهو اسم من أسماء القرآن الكريم لكونه فارقا بين الحق والباطل‏ ,‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏ ,‏ ومن ركائزها تنزيه الله‏ (تعالى‏)‏ عن الشريك‏ ,‏ والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة‏ ,‏ والولد‏ ,‏ وعن غير ذلك من صفات المخلوقين لأن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ منزه عن جميع صفات خلقه وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏
وتبدأ سورة الفرقان بتمجيد الله‏ (تعالى‏)‏ وتعظيمه‏ ,‏ وبتأكيد أنه‏ (سبحانه‏)‏ هو الذي أنزل القرآن الكريم علي خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وجعله فارقا بين الحق والباطل‏ ,‏ ونذيرا للعالمين إلي يوم الدين‏ ,‏ وتنعي الآيات علي الكفار والمشركين إنكارهم لهذه الحقيقة القائمة‏ ,‏ وتطاولهم الكاذب علي كتاب الله الخاتم‏ ,‏ وعلي خاتم أنبياء الله ورسله‏ (صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏)‏ كما تنعي عليهم إنكارهم للدين الحق‏ ,‏ وترد عليهم الآيات في مطلع هذه السورة المباركة بقول ربنا‏ (وقوله الحق‏) :‏
" تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً . الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِير . وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَراًّ وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً . وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْماً وَزُوراً . وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً . قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً  " (الفرقان‏:1‏ـ‏6)‏ .
كذلك تنعي الآيات في سورة الفرقان علي الكفار والمشركين اعتراضهم علي بشرية خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وتكذيبهم بالآخرة وقد أعد الله‏ (تعالى‏)‏ للمكذبين بها نار جهنم سعيرا‏ ,‏ وتقارن الآيات بين تعذيب هؤلاء المكذبين في النار‏ ,‏ ونعيم الصالحين المتقين في جنات الخلد‏ ,‏ وتحاور المشركين والذين أشركوا بهم‏ ,‏ مؤكدة بشرية جميع أنبياء الله ورسله‏ ,‏ وتعرض السورة لتطاول الكفار والمشركين بطلب الرسالة السماوية من الملائكة مباشرة‏ ,‏ أو طلب رؤية الله‏ (تعالى‏)‏ جهرة حتى يؤمنوا به‏ ,‏ وكلها صور من صلف الكافرين الذين عموا عن فهم مدلولات الألوهية الحقة والنبوة الصادقة والرسالة السماوية الصحيحة‏ .‏
وتنتقل الآيات للرد علي هذا التطاول بعرض شيء من مشاهد الآخرة‏ ,‏ وأهوالها‏ ,‏ وأصحاب الجنة مكرمون منعمون‏ ,‏ وأصحاب النار أذلاء‏ ,‏ فزعون‏ ,‏ مهانون‏ ,‏ يعضون أصابع الندم علي ما فرطوا في حياتهم الدنيا وهم يحشرون علي وجوههم إلى نار جهنم صاغرين‏ .‏
ويشكو رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إلي ربه هجر قومه للقرآن الكريم‏ (كما يهجرونه في هذه الأيام‏) ,‏ وتؤكد الآيات أن كل نبي من أنبياء الله كان له من يعاديه من المجرمين‏ ,‏ وأن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الهادي وهو النصير‏ .‏
ومن تطاول الكفار والمشركين علي القرآن الكريم كان اعتراضهم علي تنزله منجما مفرقا مفصلا‏ (سورة سورة‏ ,‏ أو آية آية‏ ,‏ أو بضع آيات بضع آيات‏)‏ بينما كان كل من الكتب السماوية السابقة قد أنزل دفعة واحدة‏ ,‏ وتؤكد الآيات أن من مبررات ذلك تثبيت رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بسماعه لجبريل‏ (عليه السلام‏)‏ يرتل له القرآن ترتيلا طيلة بعثته الشريفة‏ .‏
وتصور السورة الكريمة جانبا من مصارع المكذبين في عدد من الأمم السابقة من أمثال قوم لوط وقوم فرعون‏ ,‏ وقوم نوح‏ ,‏ وعاد وثمود‏ ,‏ وأصحاب الرس وقرون بين ذلك كثيرة‏ ,‏ وتشير إلي شيء من مصائرهم يوم القيامة‏ ,‏ وندمهم علي ما فرطوا فيه من حقوق الله وحقوق عباده‏ ,‏ وعلي انصرافهم عن إتباع الرسول الخاتم وهديه‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ وتوليهم لأهل الكفر والشرك والضلال انطلاقا وراء غواية الشيطان‏ ,‏ وغواية الغاوين من بني الإنسان‏ ,‏ وانسياقا وراء هوي النفس الذي يعمي ويصم عن رؤية الحق‏ ,‏ وعن الاستماع إلي حجيته ومنطقه‏ ,‏ فيهوي ذلك بالإنسان إلى مادون مستوي البهائم‏ .‏
وتذكر سورة الفرقان لسيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ أن جميع من سبقوه من الأنبياء والمرسلين قد جوبهوا بعداوة شديدة من أهل الكفر والشرك والضلال‏ ,‏ وتوصيه بالصبر والمصابرة وبمجاهدة الكفار والمشركين بما في القرآن الكريم من حق واضح‏ .‏ كما توصيه‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ بالتوكل علي الحي الذي لا يموت‏ ,‏ وبالتسبيح بحمده وتؤكد له أن دوره هو دور البشير النذير للناس جميعا‏ .‏
وتقرر هذه السورة الكريمة أن من صلف الكفار والمشركين وضلالهم ـ في القديم والحديث ـ أنهم يعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم‏ ,‏ تطاولا علي الذات الإلهية‏ ,‏ وإنكارا لوحدانية الخالق العظيم‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُوراً " ‏(الفرقان‏:60)‏ .
وفي مقارنة بينة تنتقل الآيات في الخمس الأخير من سورة الفرقان إلى استعراض عدد من صفات عباد الرحمن ليستبين الفارق بين صفات المؤمنين وصفات الكفار والمشركين‏ ,‏ مؤكدة جزاء الصالحين بالخلود في جنات النعيم في حفاوة وتكريم من رب العالمين ومن ملائكته المطهرين‏ ,‏ وتنتهي بتأكيد هوان البشرية علي الله‏ (تعالى‏)‏ لولا تلك الطائفة القليلة من عباد الله الصالحين الذين يعرفون حق الله علي العباد فيؤدونه‏ ,‏ ومنه الخضوع لجلاله بالطاعة والعبادة والدعاء طلبا لرحمته ورضوانه‏ ,‏ وتنزيهه‏ (تعالى‏)‏ عن كل وصف لا يليق بجلاله‏ .‏ أما الغالبية الكافرة أو المشركة أو الظالمة المتجبرة فسوف يلقون غيا لأن الله‏ (تعالى‏)‏ قد تعهد ـ وعهده نافذ ـ أن يجزيهم بسوء أعمالهم جزاء عادلا ملزما‏ .‏

من ركائز العقيدة في سورة الفرقان :
‏(2)‏ اليقين بوحدانية الله‏ (تعالى‏)‏ الذي له ملك السماوات والأرض والذي يعلم السر في كل منهما‏ ,‏ وتنزيهه‏  (سبحانه‏)‏ عن الصاحبة والولد‏ ,‏ وعن الشريك والشبيه والمنازع‏ ,‏ والإيمان بأنه خلق كل شيء وقدره تقديرا‏ ,‏ وأنه‏ (تعالى‏)‏ هو الغفور الرحيم‏ ,‏ البصير‏ ,‏ الهادي‏ ,‏ النصير‏ ,‏ وأن الإنسان طالما عاش محبوسا في قوالب الطين الأرضية لا يمكنه رؤية الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
‏(3)‏ التصديق بالآخرة وأهوالها‏ ,‏ وبكل ما روي القرآن الكريم من أحداثها‏ ,‏ وبالجنة ونعيمها‏ ,‏ وبالنار وجحيمها‏ (حمانا الله تعالى‏)‏ منها‏ .‏
‏(4)‏ التسليم بأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏ .‏
‏(5)‏ الإيمان بأنبياء الله جميعا‏ ,‏ وبكل ما رواه القرآن الكريم من قصصهم‏ .‏

من التوجيهات التعبدية في سورة الفرقان :
(1)‏ النصح بقيام الليل وبتدبر القرآن الكريم بالإضافة إلي عبادة الله‏ (تعالى‏)‏ بما أمر‏ .‏
‏(2)‏ تحريم جميع الكبائر ومنها الشرك بالله‏ (تعالى‏) ,‏ وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق‏ ,‏ والزنا‏ .‏
‏(3)‏ النهي عن شهادة الزور‏ .‏
‏(4)‏ عدم الخوض في اللغو‏ .‏
‏(5)‏ الأمر بالتوبة عن المعاصي‏ ,‏ وبالحرص علي الأعمال الصالحة‏ ,‏ وبالتوسط بين التقتير والإسراف‏ ,‏ وبالتواضع والتسامح‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة الفرقان :
‏(1)‏ إثبات أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو خالق كل شيء‏ ,‏ ومقدره وفق علمه وحكمته وقدرته‏ .‏
‏(2)‏ التأكيد علي أن تشقق السماء بالغمام هو من بدايات تهدم النظام الكوني في اليوم الآخر‏ .‏
‏(3)‏ الإشارة بظاهرتي مد الظل وقبضه واختلاف الليل والنهار إلي حقيقة دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏ .‏
‏(4)‏ تأكيد تخصيص الليل للنوم والراحة‏ ,‏ والاسترخاء والعبادة‏ ,‏ واسترجاع النشاط‏ ,‏ وتخصيص النهار لعمارة الأرض وإقامة العدل والجري وراء المعايش‏ .‏
‏(5)‏ الإشارة إلي أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ هو الذي ينزل من السماء ماء طهورا ليحيي به أرضا ميتة‏ ,‏ ويسقيه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا‏ .‏
‏(6)‏ التأكيد علي أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو‏ ..‏ الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا‏ .‏
‏(7)‏ الإشارة إلي أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو‏ ..‏ الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا‏ ..‏
‏(8)‏ ذكر أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ خلق السماوات والأرض في ستة أيام‏ (أي ست مراحل متتالية‏)‏ يحاول العلم المكتسب اليوم استجلاءها‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلي أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو‏ . .‏ الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلي مناقشة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا علي النقطة السابعة من القائمة السابقة والتي جاءت في الآية الرابعة والخمسين من سورة الفرقان‏ ,‏ وقبل الدخول إلي ذلك أري ضرورة الاستعراض السريع لأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة هذه الآية الكريمة‏ .‏

من أقوال المفسرين:
في تفسير قوله‏ (تعالى‏) :‏ " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ‏" (‏الفرقان‏:54)‏ .
-‏ ذكر ابن كثير‏ (يرحمه الله‏)‏ ما مختصره ‏: . .‏ أي خلق الإنسان من نطفة ضعيفة فسواه وعدله‏ ,‏ وجعله كامل الخلقة ذكرا وأنثي كما يشاء‏ ,"‏ فجعله نسبا وصهرا‏" ‏ فهو في ابتداء أمره ولد نسيب‏ ,‏ ثم يتزوج فيصير صهرا‏ ,‏ ثم يصير له أصهار‏ . . .‏ وقرابات‏ ,‏ وكل ذلك من ماء مهين‏ ,‏ ولهذا قال تعالى‏ :
"‏ وكان ربك قديرا " (‏الفرقان‏:54) .‏
- ‏وجاء في الظلال‏ (رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏)‏ ما مختصره ‏: . .‏ فمن هذا الماء يتخلق الجنين‏ :‏ ذكرا فهو نسب‏ ,‏ وأنثي فهو صهر‏ ,‏ بما أنه موضع للصهر‏ .‏ وهذه الحياة البشرية الناشئة من هذا الماء أعجب وأضخم من تلك الحياة الناشئة من ماء السماء‏ .‏ فمن خلية واحدة‏ (من عشرات الألوف الكامنة في نقطة واحدة من ماء الرجل‏)‏ تتحد ببويضة المرأة في الرحم‏ ,‏ ينشأ ذلك الخلق المعقد المركب‏ . .‏ الإنسان‏ . .‏ أعجب الكائنات الحية علي الإطلاق‏ . .
"‏ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ‏" (‏الفرقان‏:54) . .‏ وها هي ذي القدرة تكشف عن طرف منها في هذا العجب العجاب‏!‏
- ‏وجاء في بقية التفاسير كلام مشابه لا أري حاجة إلي تكراره‏ .‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ‏" ‏(‏الفرقان‏:54)‏ .
- يتضح أن المقصود بلفظة الماء هنا هو ماء التناسل من كل من الزوج والزوجة‏ ,‏ كما جاء في عدد آخر من آيات القرآن الكريم من مثل قول ربنا‏ (عز وجل‏) :‏
‏(1)
" ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ‏" (السجدة‏:7‏ـ‏9)‏ .
‏(2)" أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ ‏" (المرسلات‏:20‏ ـ‏23)‏ .
‏(3)
‏ " فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ ‏" (‏الطارق‏:5‏ـ‏10)‏ .
- وإن كان هذا التحديد لا ينفي صلة ماء التناسل بالماء عامة الذي هو أصل كل حي‏ ,‏ وذلك لقول ربنا (عز من قائل‏) :‏
‏(1)
" وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ "‏ (الأنبياء‏30)‏ .
(2)" وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "‏ (‏النور‏:45)‏ .
-‏ وروى الأئمة أحمد‏ ,‏ والبيهقي‏ ,‏ والحاكم وغيرهم من رواة الحديث عن أبي هريرة‏ (رضي الله عنه‏)‏أن رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏ :
‏ " كل شيء خلق من الماء‏ ".
- ‏وروي الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود‏ (رضي الله عنه‏)‏ أنه قال‏:‏ مر يهودي برسول الله   ‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو يحدث أصحابه‏ ,‏ فقالت قريش‏:‏ يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي‏ ,‏ فقال ‏:‏ لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي‏ ,‏ قال‏:‏ فجاء حتى جلس ثم قال‏:‏ يا محمد مم يخلق الإنسان؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ " يا يهودي من كل يخلق‏ :‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة "‏ .‏

أنواع النطاف‏ :‏
يقال في العربية‏: (نطف‏) (ينطف‏)‏ بضم الطاء وكسرها‏ , (نطفانا‏)‏ بمعني سال‏ ,‏ يسيل‏ ,‏ سيلانا‏ ,‏ و‏(‏نطفان‏)‏ الماء سيلانه‏ ,‏ و‏ (النطفة‏)‏ الماء الصافي قل أو كثر‏ ,‏ والجمع‏ (نطاف‏)‏ و‏ (نطف‏) ,‏ و‏(‏الناطف‏)‏ السائل من المائعات وهو أيضا نوع من الحلواء يعرف أيضا باسم القبيطي‏ ,‏ ويكني عن صغار اللؤلؤ بـ‏ (النطفة‏) ,‏ و‏(‏النطفة‏)‏ أيضا الدلو وجمعها‏ (نطف‏) ,‏ ويقال‏:‏ فلان‏ (منطف‏)‏ المعروف و‏ (ينطف‏)‏ به أي يندي به‏ .‏
ويغلب استخدام لفظة‏ (نطفة‏)‏ للقليل من الماء الذي يعدل قطره‏ ,‏ يقال‏: (نطفت‏)‏ آذان الماشية و‏ (تنطفت‏)‏ إذا ابتلت بالماء فقطرت‏ .‏
-‏ وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك‏ (رضي الله عنه‏)‏
قال ‏:‏ كنا جلوسا مع رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) ,‏ فقال‏ :‏ " يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة‏ ,‏ فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه "‏ .‏

وفي علم الأجنة يطلق مصطلح‏ (النطفة‏)‏ علي كل من الخلايا التناسلية الذكرية‏[‏ الحيوان المنوي‏ (الحيمن‏)]‏ والأنثوية‏[‏ البويضة‏ (البييضة‏)] ,‏ وباتحادهما تنتج النطفة المختلطة‏ (النطفة الأمشاج كما سماها القرآن الكريم‏) ,‏ وعلي ذلك فهناك نطفة ذكرية(Sperm)ونطفة أنثوية‏(Ovum) ,‏ ونطفة أمشاج أو لاقحة (‏Zygote) ,‏ وينتهي طور النطفة بانغراس اللاقحة في جدار الرحم‏ ,‏ وتحولها إلي طور العلقة‏ .‏
الماء الدافق‏ (ماء التكاثر‏):‏ يعتبر ماء التكاثر من أكثر مخلوقات الله إبهارا لتناهي مكوناته في الصغر‏ ,‏ وتعاظمها في دقة البناء‏ ,‏ وحسن الأداء مما يشهد للخالق‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ بطلاقة القدرة‏ ,‏ وبديع الصنعة وإحكام الخلق‏ .‏

فماء التكاثر عند الرجل هو سائل أبيض‏ ,‏ لزج‏ ,‏ مليء بالنطاف الذكرية التي يتراوح عددها بين المائتي مليون والثلاثمائة مليون نطفة في الدفقة الواحدة التي يتراوح حجمها بين الثلاثين والستين من الملليمترات المكعبة‏ ,‏ وهذه النطاف المقدرة بمئات الملايين تسبح في محاليل من المواد المذابة التي تشكل الغذاء لتلك النطاف‏ ,‏ ومن المركبات المعادلة للوسط الحامضي في الرحم حماية للنطاف الواصلة إليه‏ ,‏ ومن الوسائط المساعدة علي إتمام عملية الإخصاب من مثل مركبات البروستاجلاندين‏ (Prostaglandin)‏ التي تلعب دورا هاما في إحداث تقلصات الرحم التي تساعد علي نقل النطاف المذكرة إلي مواقع الإخصاب في قناة الرحم‏ .‏
والنطفة الذكرية‏ (الحيمن‏)‏ كائن متناه في ضآلة الحجم يتكون من رأس مدبب صغير يتراوح طوله بين‏0 ,003‏ من الملليمتر و‏0 ,005‏ من الملليمتر‏ ,‏ وعنق دقيق لا يكاد أن يدرك‏ ,‏ وذيل في حدود‏0 ,1‏ من الملليمتر في الطول‏ .‏ علي هيئة السوط الذي يتحرك الحيمن بواسطته بالضرب به يمنة ويسرة كالمجداف في ماء التكاثر‏ .‏
ويحتوي رأس النطفة الذكرية علي نواتها وبها نصف عدد الصبغيات المحددة للبشر إذ تحتوي علي‏23‏ صبغيا فقط‏ (والعدد المحدد للبشر من الصبغيات هو‏46) .‏ ويتغطي رأس الحيمن بقلنسوة واقية تحميه من المخاطر التي يمكن أن يمر بها في رحلته إلي قناة الرحم حيث يمكن له الالتقاء بالنطفة المؤنثة‏ (البويضة أو البييضة‏)‏ وإخصابها بإذن الله‏ (تعالى‏) .‏
والصبغيات في رأس الحيمن تشغل حيزا لا يزيد علي واحد من نصف المليون من الملليمتر المكعب‏ ,‏ ولكنها إذا فردت فإن طولها يصل إلي المتر‏ ,‏ ويحتوي‏9 ,3‏ بليون قاعدة كيميائية مرتبة ترتيبا في غاية الدقة والإحكام ليكون لفائف من حلزونات الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسجين والمعروف بالـ د‏ .‏ ن‏ .‏ أ‏ .
(
D .N .A)‏ والتي تحمل نصف صفات الجنين‏ .‏

أما العنق الدقيق للحيمن فيختزن مصادر الطاقة للنطفة الذكرية في عضيات‏ (جسيمات عضوية شديدة الدقة‏)‏ تعرف باسم المتقـدرات‏ (Mitochondria)‏ أعطاها الله‏ (تعالى‏)‏ القدرة علي تحويل السكريات إلي الطاقة التي تحتاجها النطفة في أثناء رحلتها الطويلة‏ ,‏ ويبقي الذيل‏ (السوط‏)‏ بحركاته المختلفة وسيلة توجيه جيدة لها في سباحتها بسرعات تقدر بحوالي الملليمترين في الثانية الواحدة عبر بحر من سوائل التكاثر الذكرية والأنثوية المختلطة في الرحم وقناته‏ ,‏ حتى يصل إلي النطفة الأنثوية في قناة الرحم‏ ,‏ فيخترقها إذا قدر له ذلك‏ ,‏ وحينئذ تحدث تغيرات سريعة في غشاء البويضة تمنع دخول حيمن‏ (حوين منوي‏)‏ آخر‏ ,‏ وبذلك تتكون النطفة الأمشاج‏ (اللاقحة‏)‏ من جزء من ماء التكاثر الذكري وجزء من ماء التكاثر الأنثوي‏ ,‏ وفي ذلكقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :‏ " ما من كل الماء يكون الولد "(صحيح مسلم‏) .‏

تطور النطفة الأمشاج‏ :
‏ بمجرد تكون النطفة المختلطة‏ (النطقة الأمشاج‏)‏ يستكمل عدد الصبغيات إلي‏(46)‏ وهو العدد المحدد للنوع الإنساني‏ ,‏ وتبدأ النطفة الأمشاج في الانقسام إلي خلايا أصغر فأصغر‏ (إلي خليتين فأربع فثماني‏)‏ تعرف باسم القسيمات الأرومية ‏(Blastomeres) ,‏ وبعد أربعة أيام من الإخصاب تتحول هذه القسيمات الأرومية إلي كتلة كروية من الخلايا تعــرف باسم التويتة (تصغير التوتة‏)‏ أو وفي اليوم الخامس تنشطر التويتة إلي نصفين مكونة الكيسة الأرومية‏ (Blastocyst) .‏
وباتحاد الصبغيات القادمة من النطفة الذكرية مع صبغيات البويضة تتحدد الصفات السائدة التي سوف تظهر علي الجنين في مستقبل حياته‏ ,‏ كما تتحدد الصفات المستترة‏ (المتنحية‏)‏ التي قد تظهر في الأجيال التالية‏ ,‏ ولعل هذا هو المقصود بالتقدير الذي ذكره الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ في محكم كتابه فقال‏ :‏ " قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ " (عبس‏:17‏ـ‏19)‏ .
ويتضمن هذا التقدير فيما يتضمن تحديد جنس الجنين‏ ,‏ فإذا كان الحيمن الذي قدر له إخصاب البويضة يحمل الصبغي‏
(
Y)‏ كان الجنين ذكرا‏ ,‏ وإذا كان يحمل الصبغي‏(X)‏ كان الجنين أنثي‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى ‏" (النجم‏:46 ,45) .‏
وفي اليوم السادس من عمر النطفة الأمشاج تنغرس الكيسة الأرومية ‏(Blastocyst)‏ في بطانة الرحم بواسطة خلايا تنشأ منها وتتعلق بها في جدار الرحم ثم تتحول بعد ذلك إلي المشيمة‏ ,‏ وتتحول الكيسة الأرومية إلي طور العلقة‏ ,‏ ثم المضغة‏ ,‏ ثم العظام‏ ,‏ ثم اللحم وهي أطوار مرحلة التخليق وتستمر من الأسبوع الثاني حتى نهاية الأسبوع الثامن‏ ,‏ وأهم ما يميز مرحلة التخليق هذه هو التكاثر السريع‏ ,‏ والنشاط المتنامي في تكوين أجهزة الجسم المختلفة‏ ,‏ وفي الأسبوع السابع يصل الجنين إلي صورة متميزة نتيجة لاستكمال بناء الهيكل العظمي‏ ,‏ والبدء في كسوته بالعضلات‏ (اللحم‏)‏ مع بداية الأسبوع الثامن إلي آخر فترة الحمل‏ ,‏ ولكن منذ نهاية الأسبوع الثامن تبدأ الصفات البشرية في الظهور علي الجنين حيث تكون العظام قد كسيت بالعضلات‏ (اللحم‏)‏ وتكون العضلات قد كساها الجلد‏ ,‏ وتكون جميع أعضاء الجسم قد تمايزت وبدأت في العمل‏ .‏
وتبدأ مرحلة النشأة في الأسبوع التاسع حيث تتباطأ معدلات النمو حتى بداية الأسبوع الثاني عشر ثم تتسارع حتى نهاية فترة الحمل‏ (في حدود الأسبوع الثامن والثلاثين‏) .‏ وتعتبر نهاية طور كساء العظام باللحم هي الحد الفاصل بين مرحلتي الحميل والجنين‏ .‏
الماء الدافق من الرجل‏:‏ يخرج ماء التكاثر الذكري دافقا كما وصفه القرآن الكريم‏ ,‏ وهذا الوصف القرآني ينسب التدفق للماء نفسه مما يؤكد علي وجود ذاتية للتدفق فيه‏ ,‏ بالإضافة إلي أن ما يحمله من ملايين النطف الذكرية هي كائنات حية تجري بتدفق وحيوية أيضا ومنها القوي والضعيف‏ ,‏ والطويل والقصير‏ ,‏ وما يحمل شارة التذكير
‏(
Y)‏ وما يحمل شارة التأنيث‏(X) ,‏ ومنها ما له رأس واحد‏ (وهو الأغلب‏)‏ وما له رأسان ‏ (وهو النادر‏) ,‏ ومنها ما هو صالح للإخصاب‏ ,‏ ومنها ما هو غير صالح لذلك‏ ,‏ وأغلبها يهلك قبل الوصول إلى قناة الرحم التي لا يكاد يصلها أكثر من خمسمائة نطفة من مئات الملايين التي تنتج‏ ,‏ ولا ينجح في الوصول إلي البويضة‏ ,‏ واختراق جدارها السميك إلا واحد فقط من مئات الحيوانات المنوية‏ ,‏ وبعد إتمام عملية الإخصاب تحدث تغيرات سريعة في غشاء البويضة‏ (البييضة‏)‏ يمنع دخول أي من الحيوانات المنوية الأخرى‏ .‏ وباتحاد النطفتين يكتمل عدد الصبغيات المحدد للنوع وتنشأ النطفة الأمشاج وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً " (‏الإنسان‏:2)‏ .
ويقول ‏:‏ المصطفى‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : ‏" يا يهودي من كل يخلق‏:‏ من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة "، ويقول: ما من كل الماء يكون الولد" (رواه الإمام مسلم في صحيحه‏) .‏
وقد لوحظ أن النطاف الذكرية يزداد نشاطها عندما تصل إلى الرحم خاصة عند الاقتراب من سطح البويضة السميك نسبيا‏ ,‏ كما لوحظ أن كلا من البويضة والحيوانات المنوية من حولها تدور سبع دورات قبل التلقيح في حركة معاكسة لاتجاه حركة عقارب الساعة‏ ,‏ ومشابهة للطواف حول الكعبة المشرفة‏ ,‏ والبويضة تقدم المواد الهيولية‏ (السيتوبلازمية‏)‏ التي تكون الكتلة الابتدائية للنطفة الأمشاج والغذاء الكافي لها حتى تنشب في جدار الرحم ويتم انغراسها فيه فتتحول إلي طور العلقة التي تتغذي علي دم الأم حتى تمام مدة الحمل مرورا بالأطوار المتتابعة‏ ,‏ ومن هنا كانت الحكمة الإلهية في جعل قطر البويضة أربعين مرة ضعف طول النطفة الذكرية‏ .‏والغدة التناسلية الذكرية بناء

في غاية التعقيد ودقة الإحكام حيث تتكون من عدد من الأنابيب الدقيقة واللافة على بعضها تعرف باسم الأنابيب الدقيقة الناقلة للنطاف الذكرية‏(Seminiferous Tubules) ,‏ وهذه الأنابيب الدقيقة محاطة بأغشية بينية تفرز أعدادا من الهرمونات التي من أهمها هرمون أندروجين ‏(Androgen) ,‏ وهي علي الرغم من دقتها الشديدة ـ فإنها تتكون من عدة طبقات متراكبة من أنواع مختلفة من الخلايا أهمها الخلايا المولدة المعروفة باسم الحويصــلات المنــوية الابتــدائية‏ (Primary Spermatocysts)‏ التي تبطن تلك الأنابيب الدقيقة مكونة طبقتها الداخلية والتي أعطاها الله‏   (تعالى‏)‏ القدرة علي إفراز النطاف الذكرية بالانقسام المنصف‏(Meiosis)‏ لتكون أربع خلايا متساوية الحجم تعرف باسم أرومة النطاف‏(Spermatids) ,‏ وهذه تتحول بالتدريج إلي نطاف ذكرية ذات أسواط بعد فقدان معظم الهيولي‏ (السيتوبلازم‏)‏ الذي كان بداخلها عبر ما يعرف باسم الخلايا النطفية‏(Spermatocytes) ,‏ وترتحل هذه النطاف الذكرية عبر الأنابيب الدقيقة الحاملة لها حتى تصل إلي منطقة تجمع لها في أعلي الغدة التناسلية‏ (الخصية‏)‏ تعرف باسم البربخ‏(Epididymis)‏ وهي قناة لافة علي ذاتها يصل طولها إذا فردت إلي ما بين الأربعة والستة أمتار فتختزن فيها النطاف الذكرية إلى حين خروجها منها‏ .‏
ومن العجيب أنه بمجرد تكون جيل من النطاف فإن خلايا مولدة جديدة تتكون لتعويضها‏ ,‏ وبذلك فإن عملية الإنطاف أي إنتاج النطاف
‏(
Spermatogenesis)‏ هي عملية مستمرة باستمرار حياة الرجل‏ ,‏ وتتم في غدتين تناسليتين تحفظان في كيس خارج عن الجسم يعرف باسم الصفن مهمته حفظ هاتين الغدتين في درجة حرارة مناسبة لا تتعدي السبع درجات مئوية علي الرغم من أن درجة حرارة جسم الإنسان هي في حدود‏(37)‏ درجة مئوية‏ ,‏ ويتم التبريد بواسطة خلايا إفراز العرق‏ ,‏ بالإضافة إلي عدد من العضلات التي تضبط مسافة هذه الغدد التكاثرية من الجسم بما لا يرفع درجة حرارتها عن الحد المسموح به‏ .‏
الماء الدافق من المرأة‏ :‏ يندفع ماء التكاثر في الأنثى من غدتين تناسليتين تعرفان باسم المبيضين تتكون فيهما البويضات علي هيئة خلايا بيضية أولية
‏(
Primary Oocytes)‏ يحاط كل منها بغلاف يعرف باسم الجريب‏(follicle) ,‏ وتقوم هذه الخلايا بالانقسام المنصف الأول لتكوين خليتين مختلفتين في الحجم‏ ,‏ الكبيرة منهما تسمي باسم الخلية البيضية الثانوية‏(Secondary Oocyte) ,‏ والصغيرة منهما تعرف باسم الجسم القطبي الأول‏(The First Polar Body) ,‏ ثم تبدأ الخلية البيضية الثانوية بدورها في الانقسام المنصف لتكون خليتين مختلفتين حجما كذلك‏ ,‏ الكبيرة منهما تسمي الطليعة البيضية ‏(Ootid) ,‏ والصغيرة منهما تعرف باسم الجسم القطبي الثاني‏(The Second Polar Body)‏ وبعد ذلك تستمر الطليعة البيضية في النمو حتى تكون البويضة‏ (البييضة‏)‏ الكاملة‏(Ovum)‏ التي تختزن معظم السائل الخلوي‏ (السيتوبلازم أو الهيولي‏)‏ للخلية البيضية الأولية ومحتواها من الصبغيات المحمولة في النواة‏ .‏

ويصل قطر البويضة إلي‏(0 .2)‏ من الملليمتر أي أربعين مرة ضعف طول الحيوان المنوي لأنها هي التي تقدم المواد الهيولية‏ (السيتوبلازمية‏)‏ التي تكون النطفة الأمشاج‏ ,‏ كما تقدم الغذاء الكافي للنواة المختلطة (نواة النطفة الأمشاج‏)‏ المتكونة بداخلها حتى تنشب تلك النطفة المختلطة في جدار الرحم وتنغرس فيه مكونة طور العلقة التي تتغذي علي دم الأم‏ .‏ وماء المرأة سائل أصفر لزج يشمل بالإضافة إلي البويضة العديد من المركبات والعناصر التي تشارك في إتمام عملية الإخصاب من مثل الإنزيمات التي تفرزها بطانة الرحم وقناته‏ ,‏ والتي تعمل علي إذابة القلنسوة المغطية لرأس الحيوان المنوي والمكونة من البروتين السكري عند تماسه بالمنطقة الشفافة من جدار البويضة حتى يصبح قادرا علي إخصابها‏ ,‏ كما تعمل علي إزالة الخلايا المحيطة بالبويضة وكشف غطائها الواقي أمام الحيوان المنوي‏ .‏ وتحتاج هاتان النطفتان لبضع ساعات حتى تتمكنا من إتمام عملية الاتحاد التي يتبعها عدد من التغيرات الحيوية والوظائفية والتشريحية‏ .‏ وباتحاد الصبغيات الموجودة في هاتين النطفتين يكتمل عددها المحدد للنوع البشري‏(46‏ صبغيا‏)‏ نصفها من الحيوان المنوي والنصف الآخر من البويضة‏ .‏ فتجتمع علي هيئة أزواج لتكون نواة النطفة المختلطة (النطفة الأمشاج‏)‏ أو البويضة الملقحة‏[‏ اللاقحة‏ (Zygote)]‏ التي تشكل البناء الأولي للجنين‏ ,‏ وبعد ذلك تحدث تغيرات سريعة في غشاء البويضة‏ (البييضة‏)‏ لمنع دخول بقية الحيوانات المنوية‏ .‏
وبينما يستطيع الرجل إفراز ملايين الحيوانات المنوية في كل يوم من عمره البالغ‏ ,‏ أي من سن البلوغ الي سن الشيخوخة المتأخرة‏ ,‏ فإن المرأة لا تفرز إلا بويضة واحدة في كل شهر من البلوغ إلي سن اليأس
‏(
Menopause)‏ والذي يأتي للمرأة في منتصف عمرها‏ (بين الأربعين والخمسين سنة‏) ,‏ وبذلك يكون مجموع ما تفرزه المرأة من بويضات طوال حياتها لا يكاد يتعدي الخمسمائة بويضة ‏ ,‏ وما ينجح من هذه في الوصول إلي مرحلة الإخصاب لا يكاد يتعدي عدد أصابع اليد الواحدة إلا في بعض الحالات القليلة ‏ .‏ وفي مقابل كل بويضة يفرزها جسد المرأة فإن جسد الرجل يفرز أكثر من بليون حيوان منوي يهلك معظمها في رحلة الوصول إلي البويضة‏ ,‏ وبمجرد تكون البويضة فإن المبيضين يفرزان عددا من الهرمونات مثل هرمون الأستروجين ‏(Estrogen) ,‏ وهرمون البروجيستيرون ‏(Progesterone)‏ أو الهرمون المهيئ للحمل‏ ,‏ وهرمونات أخرى مثل هرمون‏HCGT  .‏
ونظرا لقلة ما ينجح من نطف كل من الرجل والمرأة في الوصول إلي مرحلة الإخصاب قال رب العالمين
‏:‏ " ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ " (‏السجدة‏:8) .‏
والسلالة في اللغة العربية هي كل ما يستل‏  (أي يخرج في رفق‏ )‏ من شيء آخر‏ .‏
‏-وقال رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم ‏) :
"‏ ما من كل الماء يكون الولد "‏ (صحيح الإمام مسلم ‏) .‏
‏- وعن ابن عباس‏ (رضي الله عنهما‏)‏ أنه قال‏:‏ أقبلت اليهود إلي رسول الله ‏ (صلى الله عليه وسلم‏ )‏ فقالوا‏:‏ يا أبا القاسم‏ :‏ إنا نسألك عن خمسة أشياء ‏ ,‏ فإن أنبأتنا بها عرفنا أنك نبي واتبعناك‏ ,‏ فأخذ عليهم ما أخذ يعقوب علي بنيه‏ ,‏ إذ قالوا‏:‏ الله علي ما نقول وكيل‏ ,‏ قال‏ (صلى الله عليه وسلم‏ ) :"‏ هاتوا" قالوا‏:‏ خبرنا كيف تؤنث المرأة‏  ,‏ وكيف تذكر؟ قال‏:‏" يلتقي الماءان‏  ,‏ فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت‏  ,‏ وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت‏ "  (رواه الأئمة أحمد‏ ,‏ الطبراني ,‏ الترمذي‏)‏ .
‏- وفي رواية لمسلم قال النبي‏ - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ "ماء الرجل أبيض‏  ,‏ وماء المرأة أصفر‏  ,‏ فإذا اجتمعا‏  ,‏ فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله‏  ,‏ وإن علي مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله" (‏صحيح الإمام مسلم ‏)‏ .
-‏ وروى البخاري قول النبي‏ (صلى الله عليه وسلم‏ ) :‏ " وأما الشبه في الولد ‏,‏ فإن الرجل إذا غشي المرأة فسبقها ماؤه كان الشبه له‏ ,‏ وإذا سبق ماؤها كان الشبه لها "‏ .‏
وهذه القضايا تقع من علم الأجنة في الصميم‏ ,‏ وعرضها بهذه الدقة العلمية الشاملة في كتاب الله وفي سنة رسوله ‏(صلى الله عليه وسلم‏ )‏ من قبل ألف وأربعمائة سنة لما يجزم بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق‏  ,‏ ويشهد بالنبوة والرسالة للنبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه‏ .‏ فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين‏ .