" وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ "‏ (‏ يس‏:68).


هذه الآية الكريمة جاءت في أوائل الخمس الأخير من سورة يس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ثلاث وثمانون‏(83)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم الذي قيل فيه أنه أسم من أسماء رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو لقب من ألقابه‏,‏ وقيل فيه أنه من المقطعات الهجائية التي استفتح بها تسع وعشرون من سور القرآن الكريم ‏.‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ واستشهدت على ذلك بالعديد من حقائق الكون وقصص السابقين‏,‏ ووصفت أحوال كلٍ من أهل الجنة وأهل النار بشيء من التفصيل ‏.‏
وقد سبق لنا استعراض سورة يس في أكثر من مقال سابق‏,‏ ولذلك أكتفي هنا باستعراض ركائز العقيدة كما أوردتها هذه السورة المباركة والإشارات الكونية التي ألمحت إليها ‏.‏

من ركائز العقيدة الإسلامية في سورة يس :
‏(1)‏ الإيمان بأن القرآن الحكيم هو تنزيل من الله العزيز الرحيم إلى خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ لإنذار كفار قريش وبقية الخلق إلى يوم الدين؛‏ لأنه آخر الكتب السماوية‏ وأتمها‏ .‏
وقد تعهد ربنا ـ تبارك وتعالى ـ بحفظه حفظاً كاملا‏ًً :‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفا‏ًً,‏ في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وإلى أن يشاء الله ـ سبحانه وتعالى ـ حتى يبقى هذا الكتاب الخالد شاهداً على الناس كافة حتى يوم الدين ‏.‏
‏(2)‏ التصديق بكل ما جاء به القرآن الكريم‏,‏ ومن أولويات ذلك الإيمان بالله، وملائكته‏,‏ وكتبه‏,‏ ورسله‏,‏ واليوم الآخر‏,‏ وضرورة تنزيه هذا الإله الواحد الأحد‏,‏ الفرد الصمد‏,‏ عن الشريك، والشبيه، والمنازع، والصاحبة والولد‏؛‏ لأن ذلك كله من صفات المخلوقين‏,‏ والخالق منزه عن جميع صفات خلقه‏,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏، وضرورة الإيمان بالنبي والرسول الخاتم سيدنا محمد‏(‏ صلى الله عليه وسلم‏)‏ الذي أوتي جوامع الكلم‏,‏ وأنه لم يكن شاعراً‏,‏ ولا الشعر ينبغي له‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بكل ما جاء في القرآن الكريم من قصص الأولين والاعتبار به‏,‏ والإيمان باللوح المحفوظ، وبأن كل شيء مُدوَّن فيه‏,‏ وبأن الشيطان للإنسان عدو مبين‏,‏ وأن الشرك بالله ظلم عظيم‏ .‏
‏(4)‏ اليقين بالآخرة وأحداثها‏,‏ وبالبعث‏,‏ والحساب‏,‏ والجنة والنار‏,‏ وإنها لجنة أبداً، أو نار أبداً ‏.‏
‏(5)‏ الإيمان بأن الله ـ تعالى ـ سوف يحيي الموتى‏,‏ وأنه ـ جل جلاله ـ يكتب جميع الأعمال التي قدموا بها لآخرتهم‏,‏ وما تركوه من آثار وراءهم‏,‏ وأن كل شيء قد أحصاه الله ـ سبحانه وتعالى ـ في اللوح المحفوظ‏,‏ وأن أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون ‏.‏
‏(6)‏ التصديق بأن الله ـ جل جلاله ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وأنه خلق الإنسان من نطفة لا تُرَى بالعين المجردة‏,‏ وأن بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وأليه مصير كل شيء‏، ‏وأنه يعلم ما يسر الخلق وما يعلنون‏,‏ وأنه أحكم الحاكمين‏,‏ وأن تقوى الله من مبررات نزول رحماته على خلقه‏ . ‏
‏(7)‏ اليقين بحتمية الموت على جميع الخلق‏,‏ وبحتمية البعث والنشور‏,‏ والحساب والجزاء‏ .

من الإشارات الكونية في سورة يس :
‏(1)‏ الإشارة إلى إحياء الأرض الميتة بإنزال المطر عليها‏,‏ وإخراج الحب منها‏,‏ وإثرائها بجنات من نخيل وأعناب‏,‏ وتفجير العيون بها‏ .‏
‏(2)‏ خلق كل شيء في زوجية واضحة، بمعنى أن يكون لكل شيء في الكون شريك من نوعه يغايره ويكمله‏,‏ ولما كان الله ـ تعالى ـ ليس كمثله شيء‏,‏ وهو الكمال المطلق، فقد تفرد بالوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه بغير شريك‏,‏ ولا شبيه‏,‏ ولا منازع‏,‏ ولا صاحبة‏,‏ ولا ولد‏ .‏
‏(3)‏ التعبير عن رقة طبقة النهار‏,‏ وعن حقيقة أن الأصل في الكون الظلمة، وأن النور نعمة عارضة يمنُّ بها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ على أهل الأرض في طبقة النهار‏,‏ وهي سُمْك لا يتعدى المائتي كيلو متر فوق مستوى سطح البحر، وفي ذلك يقول ربنا ـ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏
" وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ "‏ (يس:37) .‏ وهو تعبير يشير أيضاً إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس بطريقة ضمنية‏ .‏
‏(4)‏ الإشارة إلى جري الشمس لمستقر لها بتقدير العزيز العليم‏ .‏
‏(5)‏ ذكر تحرك القمر حول الأرض في منازل من المحاق حتى البدر الكامل ثم إلى الهلال المتناقص على هيئة العرجون القديم قبل الدخول في المحاق التالي‏ .‏
‏(6)‏ التأكيد على جري كلٍ من الشمس والقمر والأرض في مداره المحدد له دون أدنى تجاوز أو تعارض‏,‏ وكذلك بقية أجرام السماء‏ .‏
‏(7)‏ الإشارة إلى حمل ذرية آدم ـ عليه السلام ـ في صلب نبي الله نوح‏,‏ وفي أصلاب الذين نجوا معه في الفلك المشحون إبان نازلة الطوفان‏ . والمعارف المكتسبة في مجال علم الوراثة تؤكد ذلك وتدعمه‏,‏ كما أن الكشوف الأثرية والجيولوجية تؤكد وقوع حادثة الطوفان‏,‏ وتحدد مكان رسو سفينة نوح ـ على نبينا وعليه السلام ـ على جبل الجودي في جنوب تركيا‏,‏ والإشارة إلى خلق وسائل ركوب أخرى للإنسان‏ .‏
‏(8)‏ ذكر حقيقة أن الله ـ تعالى ـ الذي أنطق كل شيء سوف يجعل أيدي الخاطئين تتكلم بجميع الأعمال التي اقترفوها‏,‏ ويجعل أرجلهم تشهد عليهم بجميع خطواتهم التي خطوها ‏.‏
‏(9)‏ التأكيد على أن من طال عمره زادت قوى الهدم في جسده على قوى البناء‏,‏ وبدأ الضمور يظهر على أعضاء وأجهزة هذا الجسد حتى يعمه كله إلا من رحم ربي ‏.‏
‏(10)‏ الإشارة إلى خلق الأنعام وتذليلها للإنسان‏,‏ وإلى خلق الإنسان من نطفة فإذا هو لخالقه خصيم مبين‏,‏ وإلى أن خالق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم‏ .‏
‏(11)‏ التأكيد على أن منشئ العظام قادر على أن يحييها وهي رميم ‏.‏
‏(12)‏ الإشارة إلى خلق كل مصادر الطاقة للإنسان من خلال عملية التمثيل الضوئي التي يقوم بها الشجر الأخضر ‏.‏
‏(13)‏ الجزم بأن من صفات الله الخالق أن يأمر الشيء بـ
" كُن فَيَكُونُ‏ " (يس:82) .‏
‏(14)‏ التأكيد على أن الله ـ تعالى ـ بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وأن كل شيء راجع إليه ‏.‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة التاسعة من القائمة السابقة والتي تشير إلى انتكاس الإنسان إذا طال أجله إلى أرذل العمر ‏.‏


من الدلالات العلمية للآية القرآنية الكريمة :
أولا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ : "‏ وَمَن نُّعَمِّرْهُ ‏" :
‏(‏العُمْرُ‏)‏ و‏(‏ العُمُرُ‏)‏ اسم لمدة عمارة البدن بالحياة‏,‏ وعلى ذلك فهو دون البقاء‏؛ لأن البقاء ضد الفناء‏,‏ فإذا قيل‏:‏ طال عمره فمعناه طالت فترة عمارة بدنه بروحه‏,‏ والعمارة نقيض الخراب‏,‏ يقال‏:(‏ عَمَّرتُه‏)‏ فـ‏(‏ عَمَّرَ‏)‏ فهو‏(‏ مَعْمُور‏),‏ و‏(‏ التعمير‏)‏ إعطاء‏(‏ العُمْرِ‏)‏ بالفعل أو بالقول على سبيل الدعاء‏,‏ وعلى ذلك فإن معنى‏(‏ نًعَمِّره‏)‏ نطل عمره . قال ـ تعالى ـ :
"وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ "‏ (‏ فاطر‏:11) .‏
وقال ـ عز من قائل ـ ‏: ‏‏
" أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ‏" (‏ فاطر‏:37).‏
‏ وقال ـ وقوله الحق‏ ـ :"
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ "‏   ‏(‏ النحل‏:70)‏ .
وقال وهو أصدق القائلين ‏:
‏‏"ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً ‏" ‏ ‏(‏الحج‏:5) .‏
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ أنه قال‏:‏ حدثنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو الصادق المصدوق ـ قال
: ‏" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما‏,‏ ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك‏,‏ ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك‏,‏ ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات‏:‏ يكتب رزقه‏,‏ وأجله‏,‏ وعمله‏,‏ وشقي أو سعيد ".

والآيات الخمس السابقة ـ وأمثالها في كتاب الله كثير ـ‏ والحديث النبوي الشريف المذكور أعلاه ـ وأمثاله أيضاً كثير ـ كل ذلك يؤكد أن أجل كل مخلوق يحدده الله ـ تعالى ـ سلفاً قبل خلقه‏,‏ وهذا ما أكدته العلوم المكتسبة مؤخراً بإثبات حقيقة أن الأجل مبرمج في الشيفرة الوراثية للمخلوق‏ .‏ ففي سنة‏1985‏ م أكتشف كلٌ من جريدر و بلاكبيرن ‏( Greider& Blackburn)‏ غطاءين طرفيين لكل جسيم صبغي ‏(Chromosome)‏ عرِّفا باسم الغطاءين الطرفيين (The two end capsor telomeres),‏ واكتشف هذان العالمان إنزيماً خاصاً داخلَ الخلية الحية يقوم على رعاية هذين الغطاءين سمياه بإسم الإنزيم الباني للأغطية الطرفية في الجسيمات الصبغية أو ((Telomerase .‏
وفي سنة‏1986‏ م اكتشف هوارد كوك ( ‏HowardCooke‏ ) أن طول هذين الغطاءين الطرفيين للجسيم الصبغي يتناقص مع كل انقسام تقوم به الخلية الحية‏,‏ وأن هناك علاقة مطردة بين فقد أجزاء من طول هذين الغطاءين الطرفيين وشيخوخة الخلية‏، وعندما يصل طولهما إلى حد معين يتوقف عنده إنقسام الخلية، وتبدأ في الاحتضار حتى تنفجر وتموت ‏،‏ ولذلك أطلق على هذه الأغطية الطرفية اسم المبرمجات لعدد محدد من الانقسامات‏,‏ أو عدادات المضاعفات الانقسامية، أو عدَّادات الأجل ‏(Replicometersor Longivity  Meters)‏، وبذلك ثبت أن الآجال محددة داخل كل خلية بعدد محدد من انقساماتها‏,‏ وعند توقف انقسام الخلايا تتزايد فيها عمليات الهدم حتى تنفجر وتموت‏.‏ ولذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
‏"‏ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً " (‏ آل عمران‏:145) .‏
‏"‏ وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوَارِثُونَ " ‏(‏ الحجر‏:23) .‏
‏"‏ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ "‏ ‏ ‏(‏السجدة‏:11)‏ .
‏‏" اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏ " ‏ ‏(‏الزمر‏:42) .‏
‏‏" قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ‏ " (‏الجاثية‏:26) .‏
‏‏" إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا المَصِيرُ "‏ (‏ ق‏:43) .‏
‏‏
" نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ "‏ (‏ الواقعة‏:60)‏ .
‏‏
" الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ العَزِيزُ الغَفُورُ ‏" ‏ ‏(‏ الملك‏:2)‏ .
لذلك قال ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ‏:
" وَمَن نُّعَمِّرْهُ " تأكيداً على أن الأجل قرار إلهي محض لا دخل لمخلوق فيه‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ :" نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ " :
‏(‏النكس‏)‏ في اللغة هو : قلب الشيء على رأسه‏,‏ والنكس في العمر هو الارتداد إلى أرذل العمر‏,‏ فتتبدل القوة ضعفا‏ً,‏ والشباب هرما‏ًً,‏ والعقل خرفاً‏,‏ إلى غير ذلك من نقائض القوة والفتوة‏ .‏
و‏(‏ النكس‏)‏ في المرض أن يعود المريض إلى مرضه بعد إفاقته منه ‏.‏ والمعنى الأول هو المقصود هنا‏؛ لأن الشيخوخة انتكاسة في قوة البدن والحواس‏,‏ فلا يزال الشيخ يتراجع في قوته البدنية والحسية‏,‏ فتضعف قوة عظامه، وعضلاته‏,‏ وأعصابه‏,‏ وذاكرته‏,‏ وسمعه‏,‏ وبصره‏,‏ وتتساقط أسنانه‏,‏ ويشيب شعره أو يتساقط‏,‏ وتتعثر خطواته‏,‏ وتعتريه الأمراض والعلل حتى لا يستطيع القيام بنفسه دون مساعدة من غيره، فكأنه قد ارتد إلى طفولته الأولى ‏.‏

والإنسان بعد ميلاده يمر بثلاث مراحل متتالية هي :
مرحلة النمو من الطفولة إلى الشباب : وتستمر إلى سن الخامسة والعشرين تقريباً‏,‏ ومرحلة النضج والرجولة : وتستمر إلى حوالي الخامسة والأربعين‏,‏ ثم مرحلة الكهولة ثم الشيخوخة أو مرحلة الضمور حتى الوفاة : وتبدأ من بعد الخامسة والأربعين إلى نهاية الأجل ‏.‏
وتبدأ كهولة الإنسان بابتداء ضمور أنسجة وعضلات وغدد جسمه ـ مثل النسيج الحشوي لكلٍ من الكلي والكبد والبنكرياس‏,‏ وعضلات القلب‏,‏ والغدة الدرقية ـ مما ينتج عنه إضعاف الجسد كله‏.‏ كذلك تبدأ الشرايين في الضمور والتصلب مما يؤدي إلى تقليل كميات الدم الواصلة إلى مختلف أعضاء الجسم، فيزيده ضعفاً على ضعف‏,‏ وإذا علمنا أن طول شرايين الدورة الدموية الصغر يوحدها يتراوح بين ‏(110000,90000‏ كم‏)‏ ، أي حوالي ضعف محيط الكرة الأرضية‏,‏ وأن عددها يصل إلى حوالي الثلاثين بليوناً من الشرايين والأوردة‏,‏ وأنها تصل إلى كل زاوية من زوايا الجسم البشري اتضح لنا خطورة التغيرات الضارة عليها ، مثل الضمور أو التصلب ‏.‏
ومن أهم أسباب الشيخوخة زيادة قوى الهدم
(Catabolism)داخلَ الخلايا على قوي البناء المعروفة باسم الأيض أو الإستقلاب (‏Metabolism وذلك لأن خلايا الجسم كلها في تغير مستمر ماعدا خلايا كل من المخ والنخاع والأعصاب، فإن ما يهلك منها على طول الحياة لا يعوض ‏.‏
وفي مراحل النمو تتجدد الخلايا بمعدلات أسرع من معدلات هدمها‏,‏ وفي مراحل النضج يتساوى المعدلان تقريبا‏ًً,‏ وفي مراحل الشيخوخة تزيد معدلات الهدم على معدلات البناء‏,‏ وعندما يحدث ذلك في نسيج عضو من الأعضاء فإنه يبدأ في الضمور حتى يتعطل عن أداء وظيفته بكفاءته العادية أو يتوقف عن ذلك بالكامل ‏.‏



 وكلما تقدم السن بالإنسان تضاءلت عنده عملية تجدد الخلايا‏,‏ وزادت معدلات هدمها وهلاكها‏,‏ وبالتالي يظهر الضمور العام في مختلف الأنسجة والأعضاء، علماً بأن معدلات تجدد الخلايا وضمورها تختلف باختلاف أنواعها‏,‏ فخلايا البشرةالكاسية للجسم‏,‏ وخلايا الأغشية المبطنة لكلٍ من الجهاز الهضمي وقنوات الغدد المختلفة في الجسم تضمر بمعدلات أسرع من غيرها كلما تقدم بالإنسان العمر‏,‏ وهذا هو السبب الرئيسي في أمراض الشيخوخة العديدة، والتي منها ما يلي ‏:
‏(1)‏ وهن العظام أو هشاشتها ( ‏OSTEOPOROSIS ) :‏ يلاحظ أنه مع تقدم العمر‏‏ وتزايد معدلات الهدم على معدلات البناء، فإن الهيكل العظمي يدخل في مرحلة الوهن لامتلائه بالفراغات الناتجة عن تناقص عنصر الكالسيوم‏,‏ وبذلك تزداد هشاشته فيسهل كسر أي جزء منه‏,‏ وتتباطأ سرعة التئام ما كسر منه‏,‏ ومن أكثر العظام المعرضة للكسر عند كبر السن هي عظام الورك‏,‏ والمعصم‏,‏ والعمود الفقري‏.‏ وعادة ما تتضاغط الفقرات في العمود الفقري فتؤدي إلى شيء من قصر القامة‏,‏ أو إلى حدوث شيء من التحدب في الظهر‏,‏ نتيجة لضعف العضلات وتآكل الغضاريف، مما يحدث آلاماً شديدة‏,‏ وقد يؤدي إلى التهابات المفاصل المختلفة الروماتيزمية وغيرها‏ .‏ ويرجع وهن العظام عند التقدم في العمر إلى توقف إفراز أعداد من الهرمونات المهمة‏,‏ وإلى نقص واضح في أعداد من الفيتامينات أهمها فيتامين‏D‏ ، ونقصه يتسبب في تراجع معدلات امتصاص عنصر الكالسيوم من الدم‏ . كذلك يتسبب في وهن العظام عند كبر السن الاضطراب في إفراز أعداد من الهرمونات، مثل هرمون جار الدرقية المعروف باسم( ‏Para-Thormone‏ )، وأية زيادة في إفرازه تؤدي إلى نخر العظام‏,‏ وبالمثل فإن الإفراط في إفراز أو تعاطي الكورتيزون يؤدي إلى تثبيط عمل الخلايا البانية للعظام ‏.‏
‏(2)‏ ضعف العضلات ‏:‏ لوحظ أنه بعد سن الخامسة والأربعين يبدأ في التناقص كلٌ من كتل الأنسجة العضلية‏,‏ وعدد الوصلات العصبية العضلية‏,‏ بينما تبدأ زيادة كتل الأنسجة الليفية والدهنية بالتدريج مع تقدم العمر، خاصة مع قلة الحركة وتوقف ممارسة الرياضة البدنية‏.‏
‏(3)‏ ضعف كلٍ من القلب والجهاز الدوري‏:‏ مع تقدم السن تبدأ بعض الخلايا العضلية للقلب في التلف‏,‏ بينما تبدأ بعض الأنسجة الليفية والدهون في التراكم على كلٍ من عضلات القلب والجدر الداخلية للأوعية الدموية، فتعمل على إضعافها أو انسدادها جزئياً أو كليا‏ًً,‏ وإذا علمنا أن طول هذه الأوعية في الدورة الدموية الصغري وحدها يتراوح بين‏(90000‏ و‏110000)‏ كيلو متر‏,‏ وأن أعدادها تتجاوز الثلاثين بليوناً من الأوردة والشرايين‏,‏ وأنها تتفرع لتنتشر في كل زاوية من أجزاء الجسد المختلفة‏,‏ أدركنا خطر انسدادها أو انسداد أيٍ من تفرعاتها العديدة‏,‏ وبذلك التراكم للألياف والدهون على عضلات القلب وأوعيته المختلفة تقل كفاءته تدريجياً في ضخ الدم‏,‏ كما تقل معدلات انقباضه وانبساطه‏,‏ وتزداد نسب الإصابة بتصلب الشرايين، فيرتفع ضغط الدم‏,‏ وتزداد احتمالات تكون الجلطات الدموية التي قد تفضي إلى الموت‏ .‏
‏(4)‏ التدهور التدريجي للجهاز العصبي ‏:‏ وذلك لأن كلاً من الخلايا العصبية وخلايا المخ والنخاع إذا ماتت لا يحل محلها بديل‏,‏ ومن هنا فإن أعدادها في تناقص مستمر كلما امتدت بالمرء الحياة، بدءاً من أواخر الأربعينيات إلى نهاية الأجل‏ ،‏ ومن أعراض ذلك ضعف الذاكرة قصيرة الأمد‏,‏ ومعها يبدأ ضعف العديد من الحواس كالسمع والبصر‏,‏ وضعف العديد من القدرات، كالقدرة على الإمساك بالأشياء والقبض عليها‏,‏ والقدرة على الاستجابة للمؤثرات والإحساس بها‏,‏ وقد يصاب الطاعن في السن بشيء من النسيان والخرف والذهول عن كلٍ من الزمان والمكان والأهل والأقارب والمعارف‏,‏ وقد تتعرض شخصيته إلى شيء من التغيير مع تراكم العديد من المواد الدهنية بين الخلايا والألياف العصبية الحية، والتي تعرف باسم لطع الشيخوخة
(‏
Senile (Plaques‏ تكثر عادة في منطقة الناصية ـ وهي منطقة اتخاذ القرار في المخ ـ ونتيجة لذلك فإن بعض الطاعنين في السن قد يصابون بمرض الذهان أو فقد الذاكرة((Alzheimer,‏ وأمراض الاكتئاب والوسوسة والخوف‏,‏ وغيرها من الأمراض النفسية(Psychosis‏) التي قد تنتهي إلى شيء من الهوس والهيجان أو الجنون‏ .‏
‏(5)‏ ضعف الجهاز التنفسي‏:‏ لتناقص كفاءته بالتدريج مع الزمن‏,‏ فيصاب الطاعنون في السن عادة بالعديد من أمراض التهاب كلٍ من الرئتين‏,‏ والغشاء البريتوني المغلف لهما‏,‏ والشُّعَب الهوائية والأجزاء المتصلة بها‏,‏ وبغير ذلك من أمراض الجهاز التنفسي‏ .‏
‏(6)‏ ضعف الجهاز الهضمي‏ :‏ نظراً لتناقص أو اضطراب إفراز كلٍ من العصارات والإنزيمات المساعدة في عملية هضم الطعام‏,‏ فإن قدرات الجهاز الهضمي تأخذ في التناقص مع تقدم السن‏,‏ مما قد يؤدي إلى تكون القرح‏‏ والنزيف إلى زيادة المعاناة في عمليات الإخراج‏,‏ خاصة مع قلة الحركة والنشاط البدني ‏.‏ هذا بالإضافة إلى ضعف قدرة الأسنان على القضم والطحن‏,‏ إن لم تكن قد تساقطت بعد‏,‏ وضعف القدرات على البلع‏ .‏
‏(7)‏ ضعف الجهاز البولي‏/‏التناسلي‏ :‏ وذلك نظراً للنقص التدريجي في إفراز العديد من الإنزيمات الخلوية في الكلى مما يضطرها إلى فقد بعض وحداتها، مما يؤدي إلى التناقص التدريجي في كفاءتها أو إلى فشلها بالكامل في بعض الحالات ‏.‏
كذلك فإن النقص الفجائي في إفراز العديد من الهرمونات عند الإناث بمجرد الدخول في سن اليأس‏,‏ والنقص التدريجي عند الذكور في إفراز نظائرها من الهرمونات يؤدي إلى ضعف النشاط التناسلي بالتدريج حتى يتوقف تماماً في مراحل الشيخوخة المتأخرة ‏.‏
‏(8)‏ التناقص التدريجي في قدرات جهاز المناعة مع التقدم في العمر، مما يؤدي إلى تناقص قدرة الجسد على مقاومة الأمراض، فيمرض لأقل وباء يتعرض له‏,‏ وليس هذا فقط‏,‏ بل قد يصل جهاز المناعة في هدمه إلى العجز عن التمييز بين خلايا الجسد السليمة وبين الأجسام الغريبة الغازية له‏,‏ فيبدأ في مهاجمة خلاياه التي خلق ـ أصلاً ـ للدفاع عنها‏,‏ فيصاب الجسد بسلسلة من الأمراض المعروفة باسم أمراض فقد التمييز المناعي التي ينتج عنها إضعاف العديد من الخلايا والأنسجة في الجسم وإرباك العديد من العمليات الحيوية فيه ‏.‏
‏(9)‏ ضعف الحواس‏ :‏ مع تقدم الإنسان في العمر تأخذ حواسه في الضعف التدريجي، وذلك مثل قدرات السمع والبصر‏,‏ والتذوق والشم‏,‏ واللمس والإحساس بالحرارة‏,‏ والاتزان‏ والوعي ‏.‏
ولتعويض النقص في قدرات تلك الحواس فإن كبار السن كثيراً ما يستعينون بالعديد من الوسائل المساعدة مثل السماعات‏,‏ والنظارات‏,‏ والعدسات وغيرها‏,‏ كما تزداد حاجتهم إلى الإضاءة الشديدة‏,‏ ويصعب تأقلمهم مع الأماكن المظلمة‏,‏ وقد يقل عدد خلايا التذوق في اللسان، فتقل قدراتهم على الاستمتاع بالطعام ‏.‏
‏(10)‏ انكماش الجلد وتجعده ‏:‏ مع التقدم في السن يتناقص نشاط كلٍ من الغدد العرقية والدهنية، مما يؤدي إلى تجعده وانكماشه‏,‏ وقد يتغطى جلد الطاعنين في السن بعدد من البقع الداكنة في أجزائه المعرضة للشمس كالوجه والكفين‏،‏ كما قد يظهر الشعر في وجه بعض السيدات الطاعنات في السن في أماكن الشارب واللحية‏ .‏ وقد يبدأ المسنون في المعاناة من مشاكل جلدية عديدة ، مثل الإصابة بالفطريات‏,‏ والالتهابات المختلفة‏,‏ والحساسية الشديدة لبعض الأطعمة والأشربة أو لأشعة الشمس وبعض السرطانات الجلدية‏,‏ والحلأ النطافي
(‏
Shingles‏) وغيرها‏ .‏
‏(11)‏ شيب الشعر أو تساقطه‏ :‏ وذلك بفقده التدريجي للعديد من خلايا التلوين وخلايا التغذية الموجودة في عمق البصيلة الشعرية‏,‏ ويخضع نشاطها إلى توافر هرمونات خاصة يتناقص إفرازها تدريجياً مع التقدم في العمر، وقد يصاحب ابيضاض الشعر بالتناقص في كثافته أو بسقوطه إلى حد الصلع الكامل ‏.‏
وقد يكون من أسباب الشيب المبكر التعرض المتكرر لكلٍ من حالات الفزع‏,‏ والشدائد‏,‏ والأزمات النفسية‏,‏ وذلك لما يصاحب تلك الحالات من إفراز مادة الأدرينالين، وهي من المواد القاتلة لخلايا تلوين الشعر‏ .‏
‏(12)‏ أمراض أخرى‏ :‏ مع هذا الضعف في قدرات الجسم والاضطراب في مختلف أنشطته قد يتعرض الطاعنون في العمر لأمراض أخطر من الأمراض السالفة الذكر ، مثل السرطانات المختلفة‏,‏ ومرض باركنسون
(‏
(Parkinson`s Disease,‏ والشلل بأنواعه المختلفة‏,‏ وخطل المنطق (‏Paralogia‏)، وانفصام الشخصية (‏Sehizophrenia),‏ وغير ذلك من الأمراض التي نسأل الله تعالى  المعافاة منها ، كما نسأله حسن الخاتمة ‏.‏
من أجل ذلك كله‏‏ وكثير غيره جاء قول ربنا ـ تبارك وتعالى ـ‏ :
"‏ وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ " (يس:68) أي‏:‏ ومن نطل في عمره إلى أرذل العمر نرده من القوة إلى الضعف‏,‏ ومن الشباب إلى الهرم‏,‏ ومن رجاحة العقل إلى خطل المنطق والذهان وفقد الذاكرة‏,‏ ومن الانشراح والإقبال على الدنيا إلى الاكتئاب والوسوسة‏ والخوف من كل شيء ، حتى الهوس والهيجان والجنون إلا من رحم ربك .‏ ومن هنا فقد سمَّى ربنا ـ تبارك وتعالى ـ ذلك كله بالنكس ـ أي الارتداد ـ من حال أفضل إلى حال أسوأ‏,‏ ولا أجد تعبيراً عن هذا التحول أفضل من التعبير‏"‏ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ‏ " .‏ ولذلك قال ـ تعالى ـ ‏: ‏" وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ "‏ ‏‏(‏ النحل‏70)‏ .
‏ وقال ـ عز من قائل ـ ‏: ‏
" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ‏"  ‏(‏ الروم‏54) .

ثالثا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ :" أَفَلاَ يَعْقِلُونَ "
الشيخوخة عبرة لمن لا يعتبر؛ لأنها انتكاسة من القوة إلى الضعف‏,‏ يُرى فيها الطاعن في السن تراجع عافيته‏ يوماً بعد يوم‏,‏ وتكدس الأمراض على جسده الضعيف فيزداد ضعفاً على ضعف‏,‏ واعتلالاً بعد اعتلال‏,‏ وقد وهنت عظامه فتعثر في خطواته‏,‏ وضعفت عضلاته وسمعه وبصره‏ وأعصابه‏,‏ وغابت عنه ذاكرته فنسي ما كان قد علم إلا من رحم ربك‏ .‏
وهذه العاقبة التي يراها الناس كلَّ يوم ولا يعتبرون بها تنتظر كل كافر ومشرك وضال فاسد ظالم ممن لم يحسنوا الاستفادة بشبابهم، فأهدروه في معاصي الله‏,‏ أو في التجبر على خلق الله‏,‏ فلا يجدوا في حالة ضعفهم عند أرذل العمر عوناً لهم أو مقيلاً لتعثراتهم، لا من الله ولا من الناس‏,‏ وحينئذٍ لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم ولا مناصبهم شيئاً ‏.‏
أما المؤمنون الصالحون، العابدون القانتون لله، فيزدادون في آخر العمر نضارة ونورا‏ًً,‏ يحفظ الله ـ تعالى ـ عليهم شيئاً من عافيتهم‏,‏ ويقيض لهم من يقف دوماً إلى جانبهم جزاء ما قدموا من خير في مقتبل أعمارهم‏ .‏
والمراد من تقرير هذه الحقيقة التأكيد لكل ذي بصيرة على أن الدنيا معبر للآخرة‏,‏ وهي بذلك دار زوال وانتقال‏,‏ وليست دار خلود وقرار‏,‏ ولهذا قال ـ تعالى ـ في ختام الآية الكريمة
" أَفَلاَ يَعْقِلُونَ " أي‏ :‏ أفلا يتفكرون في أن الدنيا ليست بدار قرار، وهم يرون تحولهم من الميلاد إلى الطفولة‏,‏ ثم إلى الشباب والبلوغ والرجولة‏,‏ ثم إلى الكهولة والشيخوخة والموت ؟ ، وأنهم خلقوا ـ في الحقيقة ـ لدار أخرى أبدية خالدة‏,‏ لا زوال لها‏,‏ ولا رحيل عنها‏,‏ ولا انتقال منها‏,‏ وهي الدار الآخرة التي يجب أن يعملوا لها، وأن يستعدوا استعداداً حقيقياً للرحيل إليها بنجاح‏,‏ مع عدم إهمال الدنيا؛ لأنها هي مزرعة الآخرة؟ .
هذه الحقائق تتراءى للناس كلَّ يوم‏,‏ ويمر بها كل مخلوق‏,‏ ولكن قليلون جداً الذين يعتبرون بها‏,‏ وكلما تقدمت العلوم المكتسبة اكتشفت مزيداً من انتكاس الإنسان كلما وصل إلى أرذل العمر ليزيد فهمنا لهذا المعنى القرآني الجليل
: " وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ " (يس:82) .‏

وسبق القرآن الكريم بالإشارة إلى هذه الحقيقة لمما يؤكد على صدقه‏,‏ ودقة وحيه‏,‏ وكمال حفظه‏,‏ وعلى أنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية، وحفظه حفظاً كاملاً في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية ـ‏ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية وإلى أن يشاء الله ـ تعالى ـ حتى يبقى شاهداً على الناس جميعاً إلى قيام الساعة‏ .‏
فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خير الأنام، سيدنا محمد بن عبد الله‏,‏ الذي بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين‏,‏ فنسأل الله ـ تعالى ـ أن يجزيه خير ما جازى به نبياً عن أمته‏,‏ ورسولاً على حسن أداء رسالته‏,‏ وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة من الجنة‏,‏ وأن يصلي عليه صلاة لا يحصيها إلا علم الله القديم‏,‏ صلاة باقية ما بقي وجه الله الكريم‏,‏ وعلى آله وصحبه، وعلى من اتبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏,‏ وأن يسلم عليهم أجمعين‏‏ تسليماً كثيرا‏ًً .‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.