" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (البقرة:29).


أجمل القرآن الكريم خلق السماوات والأرض في ثلاثة مواضع‏ ,‏ يقول فيها ربنا ‏ـ تبارك وتعالى ‏ـ :
‏(1)‏
" وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ " (الذاريات ‏:47)‏ .
‏(2)‏
" أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ " ‏(‏الأنبياء‏:30)‏ .
‏(3)
" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العليمِ " (فصلت‏:9‏-‏12)‏ .
وقد ثبت علمياً منذ الثلث الأول للقرن العشرين‏ ,‏ أن من صفات الكون الذي نحيا فيه‏ ,‏ أنه كون دائم الاتساع إلى ما شاء الله‏ ,‏ بمعنى أن المجرات فيه تتباعد عن مجرتنا وعن بعضها البعض بسرعات تقترب أحياناً من سرعة الضوء‏ .‏ كذلك ثبت أن هذا الكون الشاسع الاتساع‏ ,‏ الدقيق البناء‏ ,‏ المُحكم الحركة‏ ,‏ والمُنضبِط في كل أمر من أموره‏ ,‏ قد بدأ خلقه من جرم واحد متناهٍ في ضآلة الحجم إلى ما يقرب الصفر ـ أي العدم ـ‏ ,‏ ومتناهٍ في تعاظم كثافته ودرجة حرارته إلى حد تتوقف عنده جميع القوانين الفيزيائية‏ ,‏ كما تتلاشي كل أبعاد المكان والزمان‏ ,‏ وأن من هذه النقطة المتناهية في الضآلة بدأ خلق الكون بالأمر الإلهي كن في عملية أطلق على ها كلٌ من علماء الفلك والفيزياء الفلكية اسم الانفجار الكوني العظيم‏ . وقد أدى هذا الانفجار الكوني إلى غلالة من الدخان الذي خُلق منه كل من الأرض والسماء وما بينهما‏ .‏

السماوات والأرض في القرآن الكريم :
وردت لفظة السماء بالإفراد والجمع في القرآن الكريم في ثلاثمائة وعشرة‏ (310)‏ مواضع‏ ,‏ منها مائة وعشرون ‏(120)‏ مرة بالإفراد‏ ,‏ ومائة وتسعون ‏(190)‏ مرة بالجمع‏ .‏ وتعبير السماء مُستمَد من السمو ـ أي الارتفاع والعلو ـ‏ ,‏ ولذا قالت العرب ‏:‏ " كل ما علاك فأظلك فهو سماء "‏ .‏
كذلك وردت لفظة الأرض بمشتقاتها في كتاب الله ‏ـ‏ تعالى ‏ـ‏ في أربعمائة وإحدى وستين ‏(461)‏ موضعاً‏ .‏
و في الغالبية الساحقة من تلك المواضع‏ ,‏ نجد أن لفظة السماء ‏(‏بالجمع أو بالمفرد‏)‏ قد ذُكرت قبل الأرض‏ ,‏ وفي عدد قليل من الآيات قد جاء ذكر الأرض قبل السماء ,‏ من مثل قوله ‏ـ‏ تعالى ‏ـ :
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " (البقرة‏:29) ‏.
وقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :‏
" الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً‏ " (البقرة‏:22) .‏
وقوله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ‏ـ :‏
" تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ العُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى " (طه‏:4‏-‏6)‏ .
وقوله‏ ـ سبحانه‏ ـ :
" ‏ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ ‏" (فصلت:9) إلى أن قال‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " (فصلت:‏‏11) . وقد اختار العلماء والمفسرون في تحديد أيهما كان الأسبق بالخلق‏ ,‏ الأرض أم السماوات ؟ أم أنهما قد خلقا في وقت واحد ؟ وينسون أن الزمن من خلق الله‏ ,‏ وأن القبلية والبعدية اصطلاحات بشرية‏ ,‏ لا مدلول لها بالقياس إلى الله ‏ـ تعالى‏ ,‏ الذي لا يحده الزمان ولا المكان‏ . ففي تفسير الآية رقم ‏(29)‏ من سورة البقرة‏ ,‏ رأي العديد من المفسرين أن معناها أن الله ‏ـ‏ تعالى ‏ـ‏ قد خلق جميع النعم الموجودة في الأرض لمنفعة الناس‏ ,‏ ثم توجهت إرادته ‏ـ‏ تعالى ‏ـ‏ إلى السماء فجعل منها سبع سماوات‏ ,‏ وهو ـ تعالى ـ محيط بكل شيء‏ ,‏ عالم بتفاصيله‏ .
والاستواء الإلهي رمز للسيطرة الكلية‏ ,‏ والقصد بإرادة الخلق‏ ,‏ والتكوين‏ ,‏ والتسوية للكون بأرضه وسمائه‏ ,‏ وهو ـ تعالى ـ خالق هذا الكون ومُدبِّره‏ ,‏ ربه ومليكه‏ ,‏ ويأتي ذلك في معرض الاستنكار والاستهجان لكفر الكافرين من الناس بالخالق‏ ,‏ المبدع ,‏ المهيمن‏ ,‏ المسيطر على الكون‏ ,‏ الذي سخر لهم الأرض بكل ما فيها‏ ,‏ وسخر لهم السماوات بما يحفظ الحياة على الأرض ويجعلها ممكنة لهم‏ .‏
و قال ابن جزي في كتابه المُعَنْوَن " التسهيل في علوم التنزيل " الجزء الأول ص‏43‏ ما نصه‏ :‏ وهذه الآية
" خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ‏ " تقتضي أنه‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ خلق السماء بعد الأرض‏ ,‏ وقوله ‏ـ‏ تعالى ‏ـ : " وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا "‏ ظاهره خلاف ذلك‏ ,‏ والجواب من وجهين ‏:‏ أحدهما أن الأرض خلقت قبل السماء‏ ,‏ ودحيت بعد ذلك‏ ,‏ فلا تعارض‏ ,‏ والآخر تكون ثم لترتيب الأخبار‏ .‏
وقال ابن كثير‏ : " والاستواء هنا يتضمن معنى القصد والإقبال ؛ لأنه عُدِّيَ بإلى‏ , (‏فسواهن‏)‏ أي فخلق السماء سبعاً‏ ,‏ والسماء هنا اسم جنس ,‏ فلهذا قال ‏:
"‏ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ ‏" ,‏ أي وعلمه محيط بجميع ما خلق‏ "‏ . ففي هذا دلالة على أنه ‏ـ تعالى ‏ـ ابتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السماوات سبعاً ,‏ وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره‏ ,‏ فأما قوله ‏ـ تعالى ‏ـ : " هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "‏ فقد قيل ‏:‏ " إن ثم هنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر‏ ,‏ لا لعطف الفعل على الفعل‏ . . . وأضاف ابن كثير‏ (‏يرحمه الله‏) :‏ " وقيل إن الدحي كان بعد خلق السماوات والأرض رواه على بن أبي طلحة عن ابن عباس ‏ـ رضي الله تبارك وتعالى عنهما‏ ـ .‏
وقال مجاهد في قوله ـ تعالى ـ ‏:
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ‏" قال ‏: "‏ خلق الله الأرض قبل السماء‏ ....‏ فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء‏ ,‏ وهذا ما لا أعلم فيه نزاعاً بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض‏ ,‏ وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى ‏: " وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ‏. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ‏.‏ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ‏" قالوا ‏:‏ فذكر خلق السماء قبل الأرض‏ ,‏ وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه‏ ,‏ فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء ,‏ وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء‏ ,‏ وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديما وحديثا‏ .... "
وقال عدد من المفسرين المحدثين إن لفظ خلق في هذه الآية الكريمة‏ رقم ‏(29)‏ من سورة البقرة‏‏ يعني التقدير دون الإيجاد ,‏ بمعنى أن جميع مُكوِّنات الأرض من نوى العناصر كانت جاهزة في الدخان الكوني الناتج عن عملية فتق الرتق ‏ ـ الانفجار العظيم ـ ,‏ ولو أن كوكب الأرض لم يكن قد تم تشكيله بعد‏ ,‏ ثم توجهت إرادة الله إلى السماء وهي دخان، فخلق منها سبع سماوات كما خلق الأرض‏ ,‏ ويتضح ذلك من قوله‏ ـ تعالى ‏ـ :‏
" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيْمِ " (فصلت‏:9-‏12) .‏
ويستنتج من هذه الآيات الكريمة‏ ,‏ أن الأرض قد خلقت من السماء الدخانية على مراحل أربع متتالية‏ ,‏ بينما تم تشكيل السماء الدخانية على هيئة سبع سماوات على مرحلتين‏ ,‏ وتم دحو الأرض بمعنى تكوين كلٍ من أغلفتها الغازية‏ ,‏ والمائية‏ ,‏ والصخرية بعد ذلك استناداً إلى قوله ‏ـ‏ تعالى ـ :‏
" أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا . وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا . وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ  " ‏(النازعات‏:27‏-‏33) .
وهذه الآيات الكريمة جاءت في مقام الاحتجاج على منكري البعث‏ ,‏ فيسألهم ربنا ‏ـ تبارك وتعالى ـ‏ هل خلقكم أكبر من خلق السماء التي بنيناها بهذه السعة المبهرة‏ ,‏ والنظام الدقيق‏ ,‏ والانضباط في الحركة‏ ,‏ والإحكام في العلاقات‏ ,‏ والارتباط بتلك القوي الخفية‏ ,‏ والإشعاعات غير المرئية التي تتحرك كأمر كوني واحد‏ ,‏ بسرعات كونية عظمي؛ لتربط بلايين النجوم والكواكب والكويكبات والأقمار والمذنبات في داخل المجرات‏ ,‏ كما تربط مئات البلايين من المجرات مع بعضها البعض في ركن من السماء الدنيا التي لا يستطيع العلم إدراك أبعادها‏ ,‏ ولا تحقيق ما فوقها‏ .‏
وأما قوله ‏ـ‏ تعالى ‏ـ :
" رَفَعَ سَمْكَهَا " فمعناه جعل ارتفاعها عظيماً‏ ,‏ إشارة إلى المسافات الفلكية المذهلة‏ ,‏ التي تُقدَّر بعشرات البلايين من السنين الضوئية‏ .‏
وقوله ‏ـ‏ تبارك وتعالى ‏ـ :‏
" وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا " أي أظلم ليلها‏ ,‏ وجعله حالك السواد‏ ,‏ وأخرج ضحاها أي أنار نهارها‏ ,‏ بخلق النجوم مثل شمسنا وسط ظلام السماء الحالك‏ ,‏ فأرسلت بضيائها إلى أرضنا في وضح النهار فقامت هباءات الغبار‏ ,‏ وبخار الماء في الجزء السفلي من الغلاف الغازي للأرض بتشتيت ضوء الشمس‏ ,‏ وإظهاره بهيئة النور الأبيض الذي نراه في نهار الأرض‏ .‏
وبعد ذلك تذكر الآيات الكريمة أنه قد تم دحو الأرض‏ ,‏ الابتدائية إلى شكلها الحالي بأغلفتها المختلفة‏ ,‏ والدحو لغة هو المد والبسط والإلقاء‏ ,‏ وهو كناية عن الثورانات البركانية العنيفة التي أخرج بها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ‏ـ من جوف الأرض كل غلافها الغازي والمائي والصخري‏ .‏
وهذه كلها مراحل متتالية في تهيئة الأرض لاستقبال الحياة‏ ,‏ وقد تمت بعد بناء السماوات السبع من الدخان الكوني الناتج عن عملية فتق الرتق ‏ـ‏ الانفجار الكوني العظيم‏ ـ..

علوم الكون وخلق السماوات والأرض :
من بديع القدرة الإلهية‏ ,‏ ومن الشهادات الناطقة لله بالوحدانية المطلقة بغير شريك‏ ,‏ ولا شبيه‏ ,‏ ولا منازع أن يلتقيَ الكون في أكبر وحداته مع الكون في أدق دقائقه‏ ,‏ فيلتقي علم الكون الحديث
(
ModernCosmology)‏ بعلم الفيزياء الجزئية أو فيزياء الجسيمات الأولية للمادة
(
ParticlephysicsOrElementaryParticlePhysics)‏، فدراسات الجسيمات الأولية في داخل الذرة بدأت تعطي أبعاداً مبهرة لتفهم عملية خلق الكون ,‏ ومراحله المختلفة‏ .‏
ففي الثلث الأول من القرن العشرين‏ ,‏ تساءل علماء الفلك عن مصدر الطاقة في النجوم واقترحوا إمكانية كونها عملية معاكسة للانشطار النووي
‏(
NuclearFission)‏، وأطلقوا عليها اسم عملية الاندماج النووي ‏(NuclearFusion) ,‏ وهي عملية يتم بها اندماج نوى العناصر الخفيفة لتكوين عناصر أعلى في وزنها الذري‏ .‏ وفي الثلاثينيات اقترح هانز بيته ‏(Hans Bethe)‏ عدداً من سلاسل التفاعلات النووية داخل النجوم‏ ,‏ التي تتحد فيها أربع نوى لذرات الإيدروجين ‏(HydrogenNuclei)‏ لتكون نواة واحدة من نوى ذرات الهيليوم ‏(HeliumNuclei)، وذلك في قلب نجم كشمسنا تصل درجة الحرارة فيه إلى ‏15‏ مليون درجة مطلقة‏ .
‏ أما في النجوم الأشد حرارة من ذلك‏ , فإن نوى ذرات الهيليوم تتحد لتكون نوى ذرات الكربون ‏12 ,‏ وربما تستمر عملية الاندماج النووي لتخليق نوى ذرات أعلى وزناً بسلاسل أقوي من التفاعلات النووية‏ .‏
و في سنة ‏1957‏ م تمت صياغة نظرية تخليق نوى العناصر المختلفة في داخل النجوم ‏
(
SynthesisoftheElementsinStars)‏ بواسطة أربعة من الفلكيين المعاصرين هم ‏:‏ مارجريت وجفري بيربردج‏ ,‏ وليام فاولر‏ ,‏ فرد هويل بتاريخ أكتوبر سنة ‏1957‏م .‏(MargaretandGeoffreyBurbridge ,WilliamA-FowlerandFredHoyle) .‏وذلك في بحث قدموه إلى مجلة الفيزياء الحديثة (ReviewsofModernPhysics ,no4 . ,vol29 . ,October ,1957) ، وقد تمكن علماء الفلك من تفسير التوزيع النسبي للعناصر المختلفة في الجزء المدرك من الكون بناء على هذه النظرية‏ ,‏ كما تمكنوا من تفسير تطور الكون المدرك من دخان يغلب على تركيبه غاز الإيدروجين مع قليل من ذرات الهيليوم إلى الكون الحالي‏ ,‏ الذي يضم في تركيبه أكثر من مائة من العناصر المعروفة ، والتي تندرج خواصها الطبيعية والكيميائية بناءاً على ما تحتويه ذرة كل منها من اللبنات الأولية للمادة‏ ,‏ بحيث تم ترتيبها في جدول دوري حسب أعدادها الذرية‏ ,‏ بدءاً من أخفها وأبسطها بناءاً ‏(‏وهو غاز الإيدروجين‏) ,‏ إلى أثقلها وأعقدها بناء وهو اللورنسيوم ‏(Lawrencium ,Lw) ,‏ وفق نظام محكم دقيق ينبئ بخواص العنصر من موضعه في الجدول الدوري للعناصر‏ .‏

تخليق العناصر منذ بداية خلق الكون :
يبدو أن تخليق العناصر المختلفة بعملية الاندماج النووي لنظائر‏ ,‏ كل من غازي الإيدروجين والهيليوم‏ ,‏ قد بدأت منذ اللحظات الأولى للانفجار الكوني الكبير‏ـ أو فتق الرتق‏ ـ ,‏ وبدأت بتدرج يتفق مع ترتيب العناصر في الجدول الدوري‏ ,‏ بمعنى أن العناصر الخفيفة بدأت في تخلقها قبل العناصر الثقيلة‏ ,‏ وأن العناصر الثقيلة لابد أنها قد تكونت في داخل النجوم الشديدة الحرارة من مثل المستعرات وفوق المستعرات‏ (NovaeandSupernovae) ,‏ أو في أثناء انفجارها‏ .‏

ومن الاكتشافات الحديثة أن المادة ‏(Matter)‏ لها أضدادها ‏(Antimatter)‏، وأن كل جسيم من الجسيمات الأولية المُكوِّنة لذرات المواد له جسم مضاد بنفس الكتلة ولكنه يحمل صفات مضادة‏ ,
(
ParticleandAntiparticle) ,‏ وذلك من مثل البروتون وأضداد البروتون‏ (ProtonandAntiproton) ,‏ والنيوترون، وأضداد النيوترون ‏(NeutronandAntineutron) , والإلكترون وضده أو البوزيترون
(
ElectronandAnti-electronorPositron) , وأن نوى الذرات تتكون من جسيمات دقيقة تسمى الباريونات ‏(Baryons) ,‏ من مثل البروتونات والنيوترونات‏ ,‏ وأن هذه أيضاً لها أضدادها ‏(Antibaryons) ,‏ وهكذا‏ .‏وعند التقاء أي جسيم من جسيمات المادة وضده فإنهما يفنيان ويتحولان إلى طاقة على هيئة أشعة جاما حسب القانون :‏ الطاقة الناتجة‏ =‏ الكتلة‏ ×‏ مربع سرعة الضوء‏ .‏
وقد ثبت علمياً أن المادة وأضدادها على مختلف المستويات قد خلقت بكميات متساوية عقب عملية الانفجار الكوني، مما يؤكد حقيقة الخلق من العدم‏ ,‏ وإمكان الإفناء إلى العدم .‏
وفي سنة ‏1980‏م مُنِحَ كل من جيمس و‏ .‏ كرونين‏ ,‏ فال فيتش
‏(
Jamesw CroninandValFitch).‏جائزة نوبل في الفيزياء لإثباتهما بالتجربة القابلة للتكرار والإعادة‏ ,‏ أن إفناء بعض الجسيمات الأولية للمادة بواسطة أضدادها لا يتم بتماثل كامل‏ ,‏ ومن هنا كان بقاء المادة في الكون وعدم فنائها بالكامل‏ .‏
وفي سنة‏1983‏ م حصل وليام فاولر
‏(
WilliamA .Fowler)‏ على جائزة نوبل في الفيزياء مناصفة مع آخرين لجهوده في تفسير عملية تخليق نوى ذرات العناصر المختلفة بواسطة الاندماج النووي‏ .‏



مراحل خلق الكون عند كل من الفلكيين والفيزيائيين :
باستخدام الحسابات التي وظفت فيها الحواسيب العملاقة‏ ,‏ تمكن كلٌ من الفلكيين والفيزيائيين المعاصرين من وضع تصور لمراحل خلق الكون على النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ بعد لحظات من عملية الانفجار الكوني العظيم ‏(تقدر بنحو‏10‏ ـ‏35‏ من الثانية‏) ,‏ كان بالكون تساوٍ بين الباريونات وأضدادها من جهة‏ ,‏ وبين فوتونات الضوء
‏(
photons)‏ من جهة أخري ، وكانت الباريونات وأضدادها يُفني بعضها بعضاً منتجة الطاقة التي يُعاد منها تخليق الجسيمات الأولية للمادة وأضدادها‏ .‏
وهذه النظرية التي تشير إلى تساوي كميات المادة وأضدادها في الكون المُدرَك‏ ,‏ تؤكد أن اختلافاً في هذا التساوي لا تتعدي نسبته واحداً في المائة مليون‏ ,‏ يمكن أن يفسر غلبة نسبة المادة على نسبة أضدادها في الكون الراهن‏ ,‏ وذلك بتحول نسبة من الفوتونات الناتجة عن إفناء الأضداد لبعضها البعض إلى باريونات ‏ـ اللبنات الأولية المكونة لنوى ذرات العناصر‏ ـ ,‏ وتتم هذه العملية عن طريق إنتاج باريون واحد عن كل مائة مليون فوتون‏ ,‏ كما يؤكد ذلك الخلفية الإشعاعية الحالية للكون المنظور‏ ,‏ وبعد فناء أغلب البروتونات وأضدادها بدأ الكون في الاتساع‏ ,‏ ويحتمل وجود كمية من النيوترينوات
‏(
Neutrinos)‏ باقية في كوننا المُدرَك ‏؛‏ نظراً لضعف تفاعلها مع أضدادها فلم تفنَ بالكامل‏ .‏
‏(2)‏ بعد مضي ثانية واحدة على الانفجار الكوني العظيم‏ ,‏ تقدر الحسابات النظرية أن كمية الطاقة المتوافرة في الكون أصبحت تسمح بتكون جسيمات أدق مثل الإليكترون‏ ,‏ الذي يحمل شحنة سالبة وضده البوزيترون الذي يحمل شحنة موجبة
(
ElectronandAntielectronorPosifron) ، وقد أفنت هذه الجسيمات بعضها بعض‏ ,‏ تاركة وراءها محيطاً من الإشعاع الحار على هيئة فوتونات الضوء التي انتشرت في كل الكون‏ ,‏ والتي تدرك آثارها اليوم فيما يعرف باسم الخلفية الإشعاعية للكون‏ ,‏ والتي تشير إلى تناقص كلٍ من كثافة الكون ودرجة حرارته باستمرار مع الزمن‏ .‏
‏(3)‏ بعد نحو خمس ثوانٍ من عملية الانفجار الكوني‏ ,‏ تشير الحسابات النظرية إلى أن درجة حرارة الكون انخفضت إلى عدة بلايين من الدرجات المطلقة‏ ,‏ ولم يكن موجودا بالكون سوى عدد من الجسيمات الأولية لكلٍ من المادة والطاقة من مثل البروتونات ‏
(
Protons) ,‏والنيوترونات ‏(Neutrons) ,والإليكترونات‏ .
(
Electrons) ,والنيوترينوات ‏(Neutrinos) ,‏ والفوتونات ‏(photons) .‏
‏(4)‏ بعد نحو مائة ثانية من الانفجار الكوني ‏ـ ‏فتق الرتق ـ‏ تقدر الحسابات النظرية‏ ,‏ أن درجة حرارة الكون قد انخفضت إلى نحو البليون درجة مطلقة‏ ,‏ فبدأت البروتونات والنيوترونات في الاتحاد بعملية الاندماج النووي لتكون نوى ذرات نظائر كلٍ من الإيدروجين والهيليوم والليثيوم على التوالي‏ .‏
وتشير كلٌ من الحسابات الرياضية والتجارب المختبرية‏ ,‏ إلى أن أول النوى الذرية تكوُّناً كانت نوى ذرة نظير الإيدروجين الثقيل المعروف باسم ديوتيريوم
‏(
Deuterium) ,‏ ثم تلته نوى ذرات نظائر الهيليوم‏ .‏
‏(5)‏ بعد دقائق من الانفجار الكوني العظيم‏ ,‏ تشير الحسابات النظرية إلى أن درجة حرارة الكون قد انخفضت إلى مائة مليون درجة مطلقة‏ ,‏ مما شجع على الاستمرار في عملية الاندماج النووي‏ ,‏ حتى تم تحويل (‏25%‏) من كتلة الكون المُدرَك إلى غاز الهيليوم‏ ,‏ وبقيت غالبية النسبة الباقية ‏(75%)‏ غاز الإيدروجين‏ ,‏ وينعكس ذلك على التركيب الحالي للكون المُدرَك‏ ,‏ الذي لا يزال الإيدروجين مكونه الأساسي بنسبة تزيد قليلاً على (‏74%) ,‏ يليه الهيليوم بنسبة تبلغ (‏24%) ,‏ وباقي المائة وخمسة من العناصر المعروفة تكون أقل من (‏2% ) .‏ ولذلك يعتقد الفلكيون المعاصرون أن تخلق العناصر في كوننا المًدرَك‏ ,‏ قد تم على مرحلتين متتاليتين ، تَكوَّن في الأولى منهما العناصر الخفيفة عقب عملية الانفجار الكوني مباشرة ,‏ وتكونت في المرحلة الثانية العناصر الثقيلة‏ ,‏ بالإضافة إلى كميات جديدة من معظم العناصر الخفيفة‏ ,‏ وذلك في داخل النجوم خاصة الشديدة الحرارة منها‏ ,‏ مثل المستعرات‏ ,‏ أو في مراحل انفجارها على هيئة فوق المستعرات‏ .‏

دعوة قرآنية لإعادة التفكير :
أشرنا في الأسطر السابقة إلى أن كلا من الحسابات النظرية في مجالي علمَيْ الفلك والفيزياء‏ ,‏ تدعو إلى الاعتقاد بأن تخلق العناصر المعروفة لنا في الكون قد تم بعملية الاندماج النووي على مرحلتين كما يلي ‏: ‏
المرحلة الأولي‏ : وقد تكونت فيها العناصر الخفيفة عقب عملية الانفجار الكوني مباشرة‏ .‏
المرحلة الثانية‏ :‏ وقد تكونت فيها العناصر الثقيلة بالإضافة إلى كميات جديدة من العناصر الخفيفة‏ ,‏ و لا تزالان تتكونان في داخل النجوم‏ ,‏ وفي مراحل استعارها وانفجارها المختلفة‏ .‏
ولكن الآية التاسعة والعشرين من سورة البقرة تقرر أن الله ‏ـ‏ تعالى ‏ـ‏ قد خلق لنا ما في الأرض جميعاً قبل تسوية السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات‏ .‏
ويؤيد ذلك ما جاء في الآيات ‏(9‏-‏12)‏ من سورة فصلت‏ ,‏ ومعنى هذه الآيات مُجتمِعة أن كل العناصر اللازمة للحياة على الأرض‏ ,‏ بل إن الأرض الابتدائية ذاتها كانت قد خلقت قبل تمايز السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات‏ .‏
فهل يمكن لكلٍ من علماء الفلك‏ ,‏ والفيزياء النظرية‏ ,‏ والأرض المسلمين مراجعة الحسابات الحالية انطلاقاً من هذه الآيات القرآنية الكريمة؛‏‏ لإثبات ذلك‏ ,‏ فيخلصون إلى سَبْقٍ قرآني كوني مُعجِز يثبِّت المؤمنين على إيمانهم‏ ,‏ ويكون دعوة مُقنِعة لغير المسلمين في زمن فتن الناس بالعلم ومعطياته فتنة كبيرة ، كما يكون في ذلك تصحيح للوضع الخاطئ الذي ننتظر فيه قدوم الكشوف العلمية من غير المسلمين حتى ندرك وجودها في كتاب الله أو في سنة رسوله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ ,‏ فندرك الدلالة العلمية لذلك‏ ,‏ ونلمح شيئا من الإعجاز فيه ‏!!!‏

ترتيب خلق السماوات والأرض‏ :‏
سبق أن أشرنا مرارا‏ً ,‏ إلى أن عملية الخلق ‏ـ خلق الكون‏ ,‏ خلق الحياة وخلق الإنسان‏ ـ ,‏ هي من الأمور الغيبية التي لا تخضع مباشرة لإدراك الإنسان‏ ,‏ كما قال ربنا ‏ـ‏ تبارك وتعالى ‏ـ‏ في محكم كتابه ‏: " مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُداً " (الكهف‏:51) .
ولكن من رحمة الله ‏ـ تعالى ‏ـ أنه قد أبقى لنا في صفحة السماء‏ ,‏ وفي صخور الأرض من الشواهد الحسية‏ ,‏ ما يمكن أن يعيننا على استقراء ذلك‏ ,‏ كما أبقى لنا في محكم كتابه وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله من الآيات والأحاديث‏ ,‏ ما يمكن أن يدعم هذا الاستقراء أو أن يهذبه‏ .‏
وفي ذكره لآيات خلق السماوات والأرض‏ ,‏ يقدم القرآن الكريم السماء‏/‏ السماوات على الأرض في الغالبية العظمى من الآيات‏ ,‏ التي تشير إليهما‏ ,‏ فيما عدا خمس آيات قدم فيها ذكر الأرض على ذكر السماء‏ ,‏ وهي على التوالي‏ ,‏ قول الحق‏ ـ تبارك وتعالى ‏ـ :‏
‏(1)
‏ " الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً‏ " (البقرة‏:22)‏ .
‏(2)‏
"هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ " (البقرة‏:29)‏ .
‏(3)‏
" تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ العُلَى " ‏ (طه‏:4)‏ .
‏(4)
" اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً‏ " (غافر‏:64)‏ .
‏(5)
" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ العَالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ . فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ العَزِيزِ العَلِيْمِ " ‏(‏فصلت‏:9‏-‏12)‏ .
والآيتان الأولى والرابعة‏ (‏البقرة‏:22 ,‏ غافر‏:64)‏ هما من الآيات الوصفية التي لا تتعرض لترتيب الخلق‏ ,‏ والآية الثالثة ‏(‏طه‏:4)‏ جاء الترتيب فيها لموافقة النظم في السورة التي ذكرت فيها السماء قبل الأرض بعد آية واحدة‏ .‏

أما الآية الثانية‏ (‏البقرة‏:29)‏ فواضحة الدلالة على خلق جميع العناصر اللازمة لبناء الأرض قبل خلق السماوات السبع‏ ,‏ وذلك لأنه من الثابت علمياً والراجح منطقياً أن خلق العناصر سابق على خلق الأرض وخلق جميع أجرام السماء‏ ,‏ وأن خلق الوحدات الكونية الكبرى كالسدم والمجرات سابق على ما يتخلق بداخلها من نجوم وتوابع تلك النجوم‏ ,‏ من الكواكب والكويكبات‏ ,‏ والأقمار والمذنبات‏ .‏ وأما الآيات الخامسة ‏ (فصلت‏:9‏ ـ‏12)‏ فتشير إلى أن خلق الأرض الابتدائية كان سابقاً على تمايز السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات‏ ,‏ وأن دحو الأرض الابتدائية ‏ـ‏ بمعنى تكون أغلفتها الغازية والمائية والصخرية‏ ـ‏ جاء بعد ذلك‏ ,‏ ويدعم هذا الاستنتاج ما جاء في سورة‏ (‏النازعات‏)‏ من قول الحق ‏ـ تبارك وتعالى ـ :‏ " أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا . رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا . وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا . وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا . أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا . وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا . مَتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ " ‏ (النازعات‏:27‏-‏33) .‏ وفي الآيات ‏(9‏-‏12)‏ من سورة فصلت‏ ,‏ يخبرنا ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ‏ـ‏ أنه قد خلق الأرض في يومين ‏ـ أي على مرحلتين‏ ـ ,‏ وجعل لها رواسي‏ ,‏ وبارك فيها‏ ,‏ وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام ‏ـ أي أربع مراحل‏ ـ ,‏ ثم خلق السماوات في يومين ‏ـ‏ أي مرحلتين‏ ـ ,‏ وهو القادر على أن يقول للشيء كن فيكون‏ ,‏ ولكن هذا التدرج كان لحكمة مؤداها أن يفهم الإنسان سنن الله في الخلق‏ .‏ وقد يلتبس على القارئ لأول وهلة‏ ,‏ أن خلق الأرض وحدها قد استغرق ستة أيام ‏ـ‏ أي ست مراحل‏ ـ ,‏ وأن خلق السماء قد استغرق يومين‏ ـ أي مرحلتين‏ ـ ,‏ فيكون خلق السماوات والأرض قد استغرق ثمانية أيام‏ ـ‏ ثماني مراحل‏ ـ ,‏ والآيات القرآنية التي تؤكد خلق السماوات والأرض في ستة أيام ‏ـ‏ أي ست مراحل‏ ـ عديدة جدا‏ ,‏ ولكن الآيات من سورة ‏(‏فصلت‏)‏ تشير إلى أن يومي خلق الأرض‏ ,‏ هما يوما خلق السماوات السبع‏ ,‏ وذلك لأن الأمر الإلهي كان للسماء وللأرض معاً‏ ,‏ لقول الحق ‏ـ تبارك وتعالى ‏ـ : "‏ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ " (فصلت‏:11) .

 وإن كان بعض المفسرين يرون خلاف ذلك‏ ,‏ إلا أن غالبيتهم ترى أن حرف العطف ثم لا يدل هنا على الترتيب والتراخي‏ ,‏ ولكنه يدل على بعد عملية الاستواء والتسوية للسماوات السبع من السماء الدخانية الأولى‏ ,‏ لأن من معاني ثم‏ هناك‏ ,‏ وهو إشارة للبعيد بمنزلة هنا للقريب‏ .‏ وعلى أية حال‏ ,‏ فإذا كان الزمان والمكان مقيدَيْن لنا في هذه الحياة الدنيا‏ ,‏ فإن الله‏ ـ‏ تعالى ‏ـ‏ هو مبدع كلٍ من الزمان والمكان وخالقهما‏ ,‏ وهو ‏ـ‏ تعالى ‏ـ‏ بالقطع فوق قيودهما‏ .‏ وعلماء الفيزياء الفلكية يقولون إن الذي يتحكم في سلوك الجرم السماوي‏ ,‏ هو كم المادة والطاقة التي ينفصل بهما هذا الجرم عن غلالة الدخان الكوني‏ ,‏ فالذي يجعل الأرض كوكباً ذا قشرة صلبة‏ ,‏ له غلاف غازي‏ ,‏ وغلاف مائي يجعلانها صالحة للعمران‏ ,‏ هو كتلة المادة وكم الطاقة التي انفصلت بهما عن الشمس أو عن السديم الذي تكونت منه الشمس وكواكبها‏ ,‏ والأمر الذي يجعل القمر تابعاً صغيراً‏ ,‏ ليس له غلاف غازي ولا غلاف مائي‏ ,‏ وغير صالح لحياة شبيهة بحياتنا الأرضية‏ ,‏ هو الكتلة التي انفصل بها‏ ,‏ والذي يجعل الشمس نجماً مُضيئا‏ًً ,‏ متوهجاً بذاته هي الكتلة‏ ,‏ وهكذا‏ .‏
والسؤال الذي يفرض نفسه هو ‏:‏ من الذي قدر تلك الكتل ؟ والجواب المنطقي الوحيد هو ‏:‏ الله خالق الكون‏ ,‏ ومبدع الوجود‏ ...!!!‏
ونعود مرة أخرى‏ ,‏ إلى تلك الآية القرآنية المبهرة التي بدأنا بها‏ ,‏ والتي يقول فيها الحق‏ ـ تبارك وتعالى ‏ـ :‏
" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيٍمٌ "‏ (البقرة‏:29) .‏
ونتساءل‏:‏ هل من علماء الكون والفيزياء النظرية المسلمين‏ ,‏ من يمكنه أن ينطلق من هذه الآية القرآنية الكريمة ليثبت سبق القرآن الكريم بالإشارة إلى حقيقة خلق جميع العناصر اللازمة للحياة على الأرض‏ ,‏ قبل تسوية السماء الدخانية الأولى إلى سبع سماوات ؟ في وقت يجمع فيه أهل هذا الاختصاص على أن العناصر الثقيلة في الكون لم تتخلق إلا في داخل النجوم ؟ .
هذا موقف تحدٍ عظيم أرجو أن يتقدم له قريباً أحد علماء المسلمين في هذا الاختصاص .