" مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً .‏ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً " (‏نوح‏:13‏-‏14)‏.


الآيتان الكريمتان جاءتا في منتصف سورة نوح‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وآياتها ثمان وعشرون‏ (28)‏ بعد البسملة‏ . وقد سميت باسم نبي الله نوح‏ ـ ‏عليه السلام‏ ـ ؛ لأن المحور الرئيسي للسورة يدور حول قصته مع قومه من بدء دعوته لهم إلى عبادة الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وحده حتى إغراق المُكذِّبين منهم بالطوفان‏ ,‏ ونجاة نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ ومن آمن معه‏ ,‏ وما في ذلك من تأكيد عدد من الدروس المستفادة من هذه الواقعة الفاصلة في تاريخ البشرية‏ .

الدروس المستفادة من قصة نبي الله نوح مع قومه :

(1)‏ التسليم بحاجة البشرية إلى الهداية الربانية ، والتي بدونها لا تستقيم الحياة على الأرض‏ ,‏ ولا يتعرف الإنسان على حقيقة رسالته في الدنيا‏ ,‏ ولا على مصيره من بعدها‏ .‏
(2)‏ اليقين بأن من رحمة الله‏ ـ تعالى ـ‏ بعباده إرسال الأنبياء الواحد تلو الآخر من أجل هداية الناس إلى دين الله الحق‏ ,‏ على الرغم من إعراض الغالبية الساحقة من البشر عنهم‏ ,‏ ومحاربتهم لهم‏ ,‏ واضطهادهم إياهم‏ ,‏ ومطاردة الذين آمنوا بهم وبرسالاتهم في كل أرض‏ .‏
(3)‏ الإيمان بالوحي المنزل من الله ـ تعالى ـ على فترةٍ من الرسل ، والذي تكامل في بعثة النبي والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ، والتأكيد على وحدة رسالة السماء‏ ,‏ وعلى الأخوة بين الأنبياء‏ ,‏ وعلى اكتمال رسالاتهم جميعا في الرسالة الخاتمة ، التي بعث بها الرسول الخاتم ـ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏ .
(4)‏ تثبيت النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ على طريق الحق‏ ,‏ وتثبيت جميع المؤمنين برسالته من بعده إلى قيام الساعة على هذا الطريق‏ ,‏ وتشجيعهم على تحمّل تبعات الدعوة الإسلامية ومسئولية التبليغ عن الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ ،‏ وعن خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏ ‏
(5)‏ التأكيد على أن الصراع بين الخير والشر‏ ,‏ والحق والباطل‏ ,‏ والهدى والضلال هو سنة من سنن الله في الخلق‏ ,‏ وحتمية من حتميات الوجود على الأرض‏ ,‏ والتسليم بأن أغلب أهل الأرض ليسوا بمؤمنين إيماناً صحيحاً بالله‏ ـ‏ تعالى .‏ ‏
(6)‏ القناعة بحتمية نزول عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة إذا كثر الخبث‏ ,‏ وانتشر الفساد في الأرض‏ ,‏ وعمّت المظالمُ الناس‏ََ .‏ ‏
(7)‏ تأكيد عناية الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بالقلة المؤمنة وتجسيد تعهده بنصرهم‏ ,‏ والجزم بحتمية عقابه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ للكثرة الفاجرة‏ ,‏ فمهما تضافرت جهود أهل الباطل‏ ,‏ ومهما بلغت إمكاناتهم المادية فإن جند الله هم الغالبون‏ ,‏ ومهما تطاول أهل الباطل على الحق وأهله‏ ,‏ وتجاوزوا كل الحدود في حربه، فلابد من تنزّل نصر الله الموعود على القلة المؤمنة‏ ,‏ المجاهدة الصابرة‏ ,‏ المحتسبة بإذن الله ‏.‏ ‏
(8)‏ النهي عن الشرك بالله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ نهياً قاطعاً‏ بكل أشكاله وصوره‏ ,‏ والتأكيد على تنزيه الله‏ ـ‏ جل وعلا‏ ـ عن الشريك والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة‏ ,‏ والولد‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ والتحذير من عواقب الشرك الوخيمة في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏
(9)‏ التأكيد على مسئولية الدعاة ـ ومنها الصبر على المَدعوِّين ـ‏ ,‏ والاستعداد للتضحية في سبيل تبليغ دعوة الله‏ ,‏ وإنذار الخلق من مغبَّة مخالفة أوامره‏ ,‏ وتحمّل نتائج ذلك‏ ,‏ وتأكيد ضرورة التوجه إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بالدعاء في كل شدة‏ ,‏ وبالحمد والثناء في كل رخاء وسعة ‏.‏ استعراض سريع لسورة نوح :- تبدأ هذه السورة الكريمة بالتأكيد على حقيقة الوحي الإلهي إلى نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ ,‏ والمُتضمِّن إنذار قومه ببأس الله قبل نزوله بهم‏ ,‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ . أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ‏. يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ " (نوح‏:1‏-‏4)‏ . وبعد خطابه إلى قومه‏ ,‏ وشرح حقيقة رسالته إليهم بأنه نذير مبين من رب العالمين‏ ,‏ يأمرهم بعبادة الله وحده‏ ,‏ وبتقواه، وبطاعة الرسول المُرسَل إليهم في شخصه‏ ,‏ وبعد تبيان أن ذلك يستتبع غفران الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لذنوبهم‏ ,‏ وتأخيرهم إلى أجل مسمى جعله الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ طويلاً غايةَ الطول في أعمارهم فإن أمر الله‏ ـ تعالى ـ‏ إذا جاء لا يؤخر لأنه‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ رب كل شيء ومليكه‏ ,‏ وهو العزيز‏ ,‏ الجبار‏ ,‏ المنتقم‏ ,‏ الذي دانت له جميع المخلوقات طوعاً وكَرها‏ًً ,‏ وقهر كل شيء بإرادته ومشيئته‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ ولذلك حذرهم نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ بأنهم لو علموا ما سوف ينزل بهم من عذاب‏ ,‏ وما سوف يحل بهم من ندم وحسرة عند انقضاء آجالهم لسارعوا إلى الإيمان بالله‏ ,‏ وإلى نبذ عبادة الأصنام والأوثان واجتناب نواهي الله كلها‏ ,‏ ومجانبة محارمه‏ ,‏ والقيام على عبادته‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وحده ‏.‏ وبعد هذا الإنذار يتوجه سيدنا نوح‏ ـ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ بالشكوى إلى ربه من معاصي قومه بعد دعوته لهم لفترة استمرت ألف سنة إلا خمسين عاماً ، فتقول الآيات‏ :‏ " قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً ‏. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً .‏ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً ‏" (نوح‏:5‏-‏11)‏ . ثم يعاود نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ معاتبة قومه على عدم خضوعهم بالطاعة لله تعالى‏ ,‏ مُستشهِداً بعدد من آيات الله في الكون على حقيقة ألوهية هذا الخالق العظيم وربوبيته‏ ,‏ ووحدانيته المُطلَقة فوق جميع خلقه فيقول‏ :‏ " مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً .‏ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً . أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً . وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً .‏ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً .‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً . وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً .‏ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً ‏" (نوح‏:13‏-‏20)‏ . ويكرر نبي الله نوح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ الشكوى إلى ربه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ من عصيان قومه له‏ ,‏ وانصرافهم عنه‏ ,‏ وإصرارهم على عبادة الأوثان‏ ,‏ واتباعهم لأهل الضلال‏ ,‏ ومكرهم به‏ ,‏ واستخفافهم بدعوته‏ ,‏ فدعا الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ عليهم وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً . وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ‏. وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً .‏ وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً " (‏نوح‏:21‏-‏24)‏ . وهنا ينطلق لسان نبي الله نوح بالدعاء على عصاة قومه‏ ,‏ ويستجيب الله تعالى لدعاء نبيه فيقضي على القوم الظالمين بالهلاك‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏" مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً . وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً ‏. إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً " (نوح‏:25‏-‏27)‏ . وتختتم السورة الكريمة بدعاء من نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ من نوع آخر يقول فيه‏ : ‏" رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً "‏ (نوح‏:28) .‏ هذه التجربة المريرة التي عاشها نبي الله نوح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ تَعرض على خاتم الأنبياء والمرسلين ‏ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ، كما تعرض على كل مؤمن برسالته من بعده ليتيقن الجميع من عناد البشر ـ في غالبيتهم ـ للحق‏ ,‏ ولتدعوَ حملة اللواء إلى ضرورة الصبر في الدعوة إلى دين الله‏ ,‏ وتحمّل المشاق في سبيل نصرته وإعلاء رايته في الأرض‏ ,‏ مهما كلف ذلك من جهاد‏ ,‏ ومهما احتاج إلى تضحيات‏ .

من ركائز العقيدة في سورة نوح :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ ـ تعالى‏ ـ رباً واحداً أحداً‏‏ لا شريك له في ملكه‏ ,‏ ولا منازع له في سلطانه‏ ,‏ والإيمان كذلك بملائكة الله وكتبه‏ ,‏ ورسله‏ ,‏ وعلى رأسهم خاتمهم أجمعين، والتصديق بكلٍ من اليوم الآخر وبما فيه من بعث وحساب وجزاء‏ ,‏ واليقين بالجنة والنار‏ ,‏ وبأنها لَجنة أبدًا أو نار أبداً. 
(2)‏ الإيمان بحقيقة وحي السماء‏ ,‏ وبالأخوة بين الأنبياء والتصديق بخاتمهم أجمعين‏ .‏
‏(3)‏ اليقين بالآخرة‏ ,‏ وبأن الأجل الذي حدده الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لها لا يُؤخَّر‏ ,‏ والتسليم بإمكانية وقوع عذاب الله‏ ـ تعالى‏ ـ في الدنيا قبل الآخرة.‏ 
(4)‏ التصديق بأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ غفَّار للذنوب جميعا إلا أن يشرك به‏ ـ سبحانه‏ ـ ,‏ أو أن تكون الذنوب حقوقاً مغتصبة من العباد لأن حقوق العباد مقدسة عند رب العباد‏ ,‏ والتسليم بأنه‏ ـ‏ تعالى ـ‏ هو الذي ينزل المطر من السماء‏ ,‏ ويرزق خلقه بما يشاء من المال والبنين ومختلف أشكال الرزق‏ .‏ ‏
(5)‏ التصديق بقصة نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ مع قومه كما جاءت في القرآن الكريم‏ ,‏ وبإغراق الكفار والمشركين‏ ,‏ والعصاة الملاحدة الظالمين منهم‏ ,‏ ونجاة عباد الله الصالحين من بينهم ، وهم أسلاف أهل الأرض من بعدهم إلى يوم الدين‏ .‏

 من ركائز العبادةفي سورة نوح :
(1)‏ ضرورة عبادة الله‏ ـ‏ تعالى ـ بما أمر‏ ,‏ وتقواه وطاعته‏ ,‏ وتوقيره وخشيته‏ ,‏ ورجاء ثوابه‏ ,‏ والخوف من عقابه‏ .‏
‏(2)‏ وجوب الدعوة إلى دين الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بمختلف الأساليب المشروعة مهما لقي الإنسان في سبيل ذلك من عنت‏ .‏
(3)‏ النهي عن الظلم‏ ,‏ وعن اتباع العصاة‏ ,‏ وعن معاداة الصالحين أو الكَيْد لهم ‏.‏ ‏
(4)‏ الأمر بضرورة التعرف على الخالق العظيم‏ ,‏ وعلى شيء من صفاته العليا ، وذلك بالتأمل في بديع صنعه في خلقه‏ ,‏ وباستخلاص الدروس والعبر من ذلك ‏.‏ ‏
(5)‏ الحرص على التوجه إلى الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بالدعاء للنفس‏ ,‏ وللوالدين وبقية الأهل‏ ,‏ والمعارف والأصدقاء‏ ,‏ وللمؤمنين والمؤمنات جميعا بظهر الغيب لعل الله ـ تعالى ـ أن يستجيب لذلك الدعاء‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة نوح :
‏(1)‏ التأكيد على مرحلية الحياة الدنيا مهما طالت‏ ,‏ وعلى حتمية الآخرة مهما بَعُدت‏ .‏ ‏
(2)‏ الإشارة إلى ضرورة تنويع أساليب الدعوة وطرائقها بما يتناسب والظروف النفسية للمدعوين‏ ,‏ وحسب الظروف المتاحة للداعين‏ ,‏ وذلك من القواعد الأساسية في علم النفس الحديث‏ .‏ ‏
(3)‏ تقرير أن الله‏ ـ تعالى ـ‏ هو الذي ينزل المطر بعلمه وحكمته وقدرته‏ ,‏ وهو‏ ـ‏ سبحانه‏ ـ الرزاق ذو القوة المتين الذي يمد خلقه بالمال والبنين‏ ,‏ ويُحيل الأرض القاحلة إلى جنات تجري من بينها الأنهار‏ ,‏ إذا أراد ذلك‏ .‏ ‏
(4)‏ الإشارة إلى خلق الناس في أطوار متتالية، وهو ما تؤكده العلوم المكتسبة‏ .‏ ‏
(5)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ تعالى ـ خلق سبع سماوات طباقا‏ ,‏ ولولا هذا التأكيد ما استطاع الإنسان معرفة ذلك أبدا‏ًً ,‏ وهو المحبوس في حدود السماء الدنيا ‏.‏ ‏
(6)‏ التفريق العلمي الدقيق بين كلٍ من الضياء والنور‏ ,‏ وذلك بوصف القمر بأنه نور‏ ,‏ ووصف الشمس بأنها سراج‏ ,‏ والتصريح بأن القمر نور في السماوات السبع مما يشير إلى شفافية وتطابق تلك السماوات حول مركز واحد يشمل كلا من الأرض والقمر‏ .‏ ‏
(7)‏ الإشارة إلى إنبات الخلق من الأرض‏ ,‏ ثم إعادتهم فيها‏ ,‏ ومن بعده إخراجهم منها ‏.‏ ‏
(8)‏ وصف تمهيد سطح الأرض بجعله في معظمه كالبساط‏ ,‏ وذلك بتكوين السهول المنبسطة‏ ,‏ وبشق الفِجَاج والسبل بين سلاسل الجبال والهضاب الأرضية التي تُسوَّى بسطح البحر بالتدريج حتى تتحول إلى تلك السهول وذلك بواسطة مختلف عمليات التعري ة‏.‏ ‏
(9)‏ الإشارة إلى واقعة طوفان نوح الذي تؤكده الدراسات العلمية الحديثة ‏.‏ وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها ولذلك، فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة الرابعة من القائمة السابقة والتي جاءت في الآيتين الثالثة عشرة والرابعة عشرة من سورة نوح‏ .‏

من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين :
أولاً‏:‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ :‏ " مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً " : والرجاء والرجو من الأمل ، وهو ظن يقتضي حصول ما فيه الخير والمسرَّة‏ ,‏ وهو هنا بمعنى الخوف، وذلك لأن الرجاء والخوف يتلازمان‏.‏ والفعل‏ (‏رجا‏)‏ و‏ (‏رجأ‏)‏ و‏ (‏أرجأ‏)‏ أصله التأخير‏ ,‏ فيقال‏ (‏أرجأته‏‏ أو أرجيته‏)‏ بمعنى أخرته‏.‏ قال‏ ـ‏ تعالى ـ : ‏" وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عليهمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ " (‏التوبة‏:106)‏ . ومعنى (‏مرجون‏)‏ في الآية الكريمة‏ (‏مرجئون‏)‏ أي مُؤخَّرون حتى ينزل الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ فيهم ما يريد‏ ,‏ ومن هنا جاء وصف ‏ (‏المرجئة‏)‏ أو‏ (‏المرجية‏) .‏ و‏ (‏الوقار‏)‏ هو السكون والجلال والحِلْم والعظمة‏ ,‏ يقال‏: (‏وقور‏)‏ و‏ (‏وقار‏) ,‏ و‏ (‏مُتوقِّر‏) ,‏ و‏ (‏التوقير‏)‏ هو التعظيم والتبجيل والخشية‏ .‏ وعلى ذلك فإن من معاني قوله‏ ـ تعالى ـ‏ مالكم لا ترجون لله وقاراً ‏.‏هو:‏ مالكم لا تعظّمون الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ حقَّ عظمته‏ ,‏ ولا تخافون من بأسه ونقمته ؟ . والاستفهام إنكار لوقوع ذلك من المخاطبين من الكفار والمشركين‏ ,‏ والعصاة الغافلين عن ذكر الله وعن طاعته وحسن عبادته من عصاة قوم نوح‏ ,‏ وممن على شاكلتهم إلى يوم الدين‏.‏ وجواب الاستفهام هو‏:‏ فتطيعون أوامره‏ ,‏ نواهيه‏ ,‏ وتخشون حسابه وعقابه في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏والحكمة من السؤال أن نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ قد أنكر على كفار ومشركي قومه أن يكون الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ هو خالقهم‏ ,‏ ثم هم بعد ذلك يعبدون غيره من الأوثان والأصنام‏ ,‏ ويتجاوزون حدوده بالمعاصي والآثام‏ ,‏ ولا يستشعرون في أنفسهم توقيراً لهذا الإله العظيم الذي بدأ خلقهم من الطين‏ ,‏ وصورهم فأحسن صورهم‏ ,‏ ورزقهم من الطيبات‏ ,‏ وأفاض عليهم من نعمه‏ ,‏ وفضلهم على كثير من خلقه‏ .‏



خلق الإنسان من طين والشفيرة الوراثية :
الخلق من الطين شهادة للخالق الحكيم العليم بالألوهية والربوبية والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏؛‏ وذلك لأن جسد الإنسان يتكون من تريليونات الخلايا التي تتنوع بتنوع وظائفها‏ ,‏ وأغلب هذه الخلايا على قدر من الضآلة بحيث لا يتعدى قطر الخلية الواحدة منها في المتوسط ثلاثة من مائة من المليمتر‏ (0 ,3‏ ـ مم‏) ,‏ وهي على الرغم من ذلك بناء معقد تعقيداً يعجز العقل البشري عن تصوره‏ ,‏ والخلية الحية ـ على ضآلتها ـ تعمل بإحكام تعجز أكبر المصانع التي بناها الإنسان ـ بل التي فكر في إنشائها ولم يتم له ذلك بعد ـ عن محاكاة الدقة التي تعمل بها الخلية الحية الواحدة في جسده‏ .‏ فلكل خلية حية‏ ـ‏ ماعدا بعض الأنواع القليلة من مثل خلايا الدم الحمراء‏ ـ‏ جسيم مركزي يعرف باسم نواة الخلية‏ ,‏ وتمثل هذه النواة العقل المفكر للخلية الحية‏ ,‏ لأنها تحكم جميع تصرفاتها‏ ,‏ وتنظم كافة أنشطتها‏ ,‏ وتختزن بداخلها كل الصفات الوراثية الخاصة بها‏ ‏على هيئة عدد من الجسيمات الدقيقة التي تعرف باسم الجسيمات الصبغية أو الصبغيات‏  (Chromosomes)‏ ؛ لتلوِّنها بالأصباغ التي تضاف إلى الخلية الحية بشدة أعلى من باقي مكونات الخلية ‏.‏ وعدد الصبغيات في الخلية الحية من العوامل المُحدِّدة لكل نوع من أنواع الحياة النباتية‏ ,‏ أو الحيوانية أو الإنسانية‏ .‏ وعدد الصبغيات في الخلية البشرية ست وأربعون‏ (46)‏ مرتبة في ثلاثة وعشرين زوجا‏ًً  (23)‏ في نوى كل الخلايا ماعدا خلايا التكاثر (Reproductive or Germ Cells) التي تحمل كل منها نصف هذا العدد‏ (‏أي‏23‏ صبغيا فقط‏) ،‏ فإذا ما اتحدت نطفة الرجل مع البييضة‏ (‏أو نطفة المرأة‏)‏ تكامل عدد الصبغيات في النطفة الأمشاج‏ (‏المختلطة‏) .‏

وبذلك يكون نصف عدد الصبغيات في النطفة الأمشاج من الأب وتحمل شيئا من صفاته وصفات أسلافه إلى أبينا آدم‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ ,‏ ويكون النصف الآخر من الأم ويحمل شيئاً من صفاتها وصفات أسلافها إلى كل من آدم وحواء‏ ـ عليهما السلام‏ ـ ,‏ وبذلك يأتي الأبناء على قدر من التشابه والاختلاف مع الآباء مما يحقق هذا التنوع البديع في الخلق والذي جاء كله من أصل واحد‏ .‏
وتتكون الصبغيات من تجمعات الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسجين ‏
(
DNA) ‏، ومن البروتينات بنسب متساوية تقريبا‏ًً .‏ ويتكون جزيء هذا الحمض النووي من لفائف متناهية الدقة‏ ,‏ تتكون كل لفافة منها من سلسلتين‏ ملتحمتين في الوسط‏ من القواعد النيتروجينية وجزيئات السكر والفوسفات،‏ وتلتف السلسلتان حول محور وهمي على هيئةٍ حلزونية مطوية طياً شديدا تعرف باسم اللفائف الحلزونية المزدوجة الجدار للحمض النووي الريبي المنزوع الأكسجين ‏Double Helix DNA Strands)) ,‏ ويبلغ قطر هذا الحلزون واحدا من نصف مليون جزء من الملليمتر‏ ,‏ ويبلغ حجمه وهو مُكدَّس على ذاته داخل الجسيم الصبغي واحداً من المليون من الملليمتر المكعب‏ ,‏ ويبلغ سمكه واحدا من خمسين مليون من الملليمتر‏،‏ وإذا فُرِدَ هذا الحلزون فإن طول جزيء الحمض النووي المُكوِّن له يصل إلى حوالي أربعة سنتيمترات‏ تحتوي على أكثر من أربعمائة مليون جزيء من القواعد النيتروجينية والسكر والفوسفات‏ (=404 ,347 ,800)‏ مرتبة ترتيباً مُبهِراً، يعطي بصمة وراثية مميزة لكل فرد من أفراد بني آدم الذين عاشوا وماتوا‏ ,‏ والذين يملأون جنبات الأرض اليوم‏ ,‏ والذين سوف يأتون من بعدهم إلى قيام الساعة‏ .
ومعني هذه الأرقام أنه إذا تم فرد جميع الصبغيات في خلية بشرية واحدة‏ ,‏ وتم رصها بجوار بعضها البعض فإن طولها يبلغ حوالي المترين‏ (46‏ صبغيا ‏X4‏ سم‏=184‏ سم‏) ,‏ وإذا تم ذلك بالنسبة للصبغيات الموجودة في متوسط تريليون خلية في جسم الفرد البالغ من بني الإنسان فإن طول شفرته الوراثية يزيد على طول المسافة بين الأرض والشمس، والمُقدَّرة بحوالي المائة والخمسين مليون كيلو متر‏ (‏ما بين ‏147‏ مليون كم‏ ,152‏ مليون كم‏)‏ بأكثر من عشر مرات ‏ (12 ,3‏ مرة‏) .‏
وإذا كان كل صبغي يحتوي على أكثر من أربعمائة مليون جزيء من القواعد النيتروجينية والسكر والفوسفات‏ ,‏ فإن صبغيات خلية بشرية واحدة تحتوي على‏18 ,6‏ بليون جزيء من هذه المركبات‏ ,‏ ومجموع الخلايا في جسد فرد واحد من بني الإنسان تحتوي هذا الرقم المهول مضروباً في عدد خلايا جسده المُقدَّرة بتريليون خلية في المتوسط‏ ,‏ وهذه البلايين من ملايين ملايين الجزيئات مُرتَّبة بدقة فائقة إذا اختل وضع جزيء واحد منها عن مكانه المحدد له فإن هذا الكائن إما أن يُشوَّه أو ألا يكون أبداً‏....!!‏

ويقسم كل صبغي على طوله بعدد من العلامات المُميَّزة ‏ (Markers)‏ إلى وحدات طولية في كل منها عدد من المورثات (Genes)‏ التي تتحكم كل واحدة منها في صفة واحدة أو في عدد من صفات الخلية الحية وصفات الجسد الذي ينبني منها‏ ,‏ ويتكون كل مورث من عدد محدد من الشفيرات الوراثية (Codons) ,‏ وتتكون كل شفيرة من ثلاث نويدات (Nucleotides)‏، وتتكون النويدة من زوج من القواعد النيتروجينية‏ ,‏ تستند كل قاعدة منها إلى جزيئين أحدهما من السكر والآخر من الفوسفات‏ ,‏ حيث تكون جزيئات السكر والفوسفات جدارَيْ اللفيفة الحلزونية المُزدوَجة الجدار للحمض النووي‏ ,‏ وتنتشر بينها أزواج القواعد النيتروجينية على هيئة درجات السلم الخشبي في علاقات تبادلية غاية في الدقة والإحكام والانضباط ‏.‏
ومن الأمور المُبهرة حقا أن الخلية الواحدة من خلايا جسم الإنسان قد أعطاها الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ القدرة على إنتاج أكثر من ثمانين ألف نوع من البروتينات‏ ,‏ وأن عشرات الآلاف من البروتينات التي تنبني منها أجساد البشر وغيرهم من المخلوقات تتركب من عشرين نوعاً فقط من الأحماض الأمينية التي تترتب ذراتها في أجساد كل الكائنات الحية ترتيبا يساريا‏ً ,‏ وتترتب هي في داخل الجزيء البروتيني المكون للخلية الحية ترتيباً يسارياً كذلك‏ ,‏ فإذا ما ماتت الخلية الحية أو مات الجسد الذي يحتويها فإنها تأخذ في إعادة ترتيب ذراتها ترتيباً يمينياً بمعدلات ثابتة تمكن العلماء من تحديد لحظة وفاتها بدقة بالغة ‏.‏
ويتطابق تركيب الحمض النووي الذي تُكتب به الشفرة الوراثية بين جميع أفراد بني آدم بنسبة‏ (99,9%) ,‏ ومن طلاقة القدرة الإلهية المُبدِعة في الخلق أن الاختلافات في النسبة الباقية التي لا تتعدى‏ (0,1%)‏ تعطي لكل فرد من بني الإنسان بصمة وراثية مُميِّزة له‏ .‏

خلق الإنسان من طين وتركيب الخلية الحية :
بالإضافة إلى الشفرة الوراثية المُبدَعة والمُركَّزة في داخل النواة والمُوزَّعة في هيئة الجينات المُرتَّبة على الصبغيات مُكوِّنة ما يعرف بالشبكة الصبغية فإن للخلية الحية من المكونات ما يلي ‏:‏
‏1‏ـ
جدار الخلية : وهو جدار غشائي حي مُكوَّن من البروتينات والشحميات الفوسفاتية أعطاه الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ القدرة على التحكم فيما يخرج من الخلية أو يدخل إليها ‏.‏
‏2‏ـ السائل الخلوي أو الهيولي
‏(
Cytoplasm)‏ .
‏3‏ـ الحبيبات (Granules)‏ : وهي حبيبات دقيقة مُنتشِرة في السائل الخلوي، لها وظائف متعددة ‏.‏
‏4‏ـ الريباسات
‏(
Ribosomes)‏ : وهي عضيَّات في غاية الدقة، مُنتشِرة في السائل الخلوي ومُكوَّنة من المواد البروتينية والحمض النووي الريبي‏ (RNA) ,‏ وهي مراكز تخلق البروتينات ‏.‏
‏5‏ـ النوية (
Nucleolus)‏ : وهي تجمع لجزيئات الحمض النووي الريبي (RNA)‏ والمورثات‏ (Genes)‏ مُكدَّس في داخل النواة ووظيفتها إنتاج وتخزين الريباسات ‏.‏
‏6‏ـ جهاز جولجي (
Golgi Apparatus) : وهو عبارة عن تكتلات غشائية تقوم بإفراز عدد من العصائر وتنشيط دور الإنزيمات‏ .‏
‏7‏ـ جسيمات حالة
(Lysosomes)‏ :
وهي خزانات غشائية تقوم بعزل الإنزيمات القوية عن بقية الخلية‏ .‏
‏8‏ـ المتقدرات
‏ (
Mitochondria)‏ : وهي عبارة عن مطويات غشائية لها القدرة على تحويل غذاء الخلية إلى طاقة‏ ,‏ أي أنها مراكز تنفس الخلية‏ .‏
‏9‏ـ فجوات الخلية‏  (
Vacuoles)‏ على هيئة أكياس غشائية متناهية الدقة في الحجم تُخزَّن فيها مواد خاصة‏ .‏
‏10‏ـ الفجوات المُنقبِضة
‏ (
Contractile Vaciuoles)‏ على هيئة خزانات غشائية تقوم بطرد الماء الزائد عن حاجة الخلية إلى خارجها‏ . ‏
‏11‏ـ شبكة هيولية داخلية
(
Endoplasmic Reticulum)‏ على هيئة طيات غشائية دقيقة يتكون منها عدد من الراقات والأنابيب التي تشكل أسطُحاً للتفاعلات الكيميائية المُعقَّدة؛ ولنقل مُنتَجات تلك التفاعلات إلى مُختَلف أجزاء الخلية‏ ,‏ ومن هذه الراقات والأنابيب المتناهية الدقة الأملس ومنها الخشن‏ .‏
‏12‏ـ غشاء النواة
‏ (
Nuclear Membrane)‏ الذي يفصل النواة عن باقي مكونات الخلية ‏.‏
‏13‏ـ النواة
(
Nucleus)‏ وتحتوي كلاً من الصبغيات والنوية‏ .‏
‏14‏ـ الأنيبيبات الدقيقة
‏ (
Microtubules)‏ : وهي أنابيب شعرية دقيقة جداً، فارغة مُكوِّنة من مواد بروتينية تعطي للخلية قدراً من التدعيم، وتسمح لها بالحركة ‏.‏
‏15‏ـ الشعيرات الدقيقة‏
(
Microfilaments)‏ : وهي خيوط شعرية دقيقة، مُكوَّنة من المواد البروتينية تعطي للخلية قدراً من التدعيم وتسمح لها بالحركة ‏.‏
‏16‏ـ المريكزات
‏(
Centrioles)‏ : وهي جسيمات أنبوبية فائقة الدقة يبدو أن لها علاقة بعملية انقسام الخلية‏ .‏
هذا هو البناء العظيم المُذهِل للخلية الحية، فهل يمكن لعاقل أن يتخيل إمكانية نشأته عفوياً من تراب الأرض ومائها ؟ أم أنه محتاج إلى تقدير الخالق البارئ المصور الحكيم العليم ‏..‏؟ .
وهذه الخلية الحية هي إحدى بلايين من الخلايا المتخصصة التي تلتقي مع بعضها البعض لتكون أعداداً من الأنسجة المُتخصِّصة‏ ,‏ والتي تلتقي بدورها لتُكَّونَ أعداداً من أعضاء مُحدَّدة، تبني أجهزة مُتخصِّصة، تتعاون كلها في توافق عجيب لخدمة جسد ذلك المخلوق المُكرَّم الذي يعرف باسم الإنسان‏ , .
 ومن هنا كان العتاب الإلهي لكفار ومشركي قوم نوح‏ ,‏ ولأمثالهم من مُنكِري الخلق على مدى التاريخ إلى قيام الساعة ‏:
" مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً " .
ثانيا‏:‏ في قوله تعالى :‏ " وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً "‏ .
‏ (‏الطَّوْرُ‏)‏ لغةً هو الحد‏ ,‏ يقال‏:‏ عدا فلان‏ (‏طَوْرَهُ‏)‏ أي جاوز حده‏.‏ و‏ (‏الطَوْرُ‏)‏ أيضاً هو التارة ، أو المرة فيقال فعل فلان كذا‏ (‏طَوْرَاً‏)‏ بعد‏ (‏طَوْرٍ‏)‏ أي تارة بعد تارة‏ ,‏ أو مرة بعد مرة‏ ,‏ وعلى ذلك فـ‏ (‏الأَطْوَارُ‏)‏ هي التارات‏ ,‏ أوالمرات ويؤكد ذلك ما ذكره ابن رجب الحنبلي في كتابه جامع العلوم والحكم من أن قوماً كانوا عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ ‏رضي الله عنه‏ ـ‏ فقالوا‏: "‏ إن قوماً زعموا أن العزل هو الموءودة الصغرى‏ "  ,‏ فقال سيدنا على بن أبي طالب‏ ـ ‏رضي الله عنه‏ ـ : " لا تكون موءودة حتى تمر على التارات السبع‏:‏ تكون سلالة من طين‏ ,‏ ثم تكون نطفة‏ ,‏ ثم تكون علقة‏ ,‏ ثم تكون مضغة‏ ,‏ ثم تكون عظاما‏ًً ,‏ ثم تكون لحماً‏ ,‏ ثم تكون خلقاً آخر‏ " ,‏ كذلك يقال في اللغة‏:‏ الناس‏ (‏أطوار‏)‏ أي أخياف على حالات شتى ‏.‏

ويشمل لفظ‏ (‏أطوار‏)‏ في الآية الكريمة التي نحن بصددها مراحل الخلق المُتدرِّجة التي يمر فيها جنين الإنسان من النطفة‏ ,‏ إلى النطفة الأمشاج‏ ,‏ إلى العلقة‏ ,‏ إلى المضغة‏ ,‏ إلى خلق العظام‏ ,‏ ثم كسوتها لحما‏ً ,‏ حتى إنشائه خلقاً آخر‏.‏ وانطلاقاً من عتاب الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ لكفار ومشركي قوم نوح ولأمثالهم من الكفار والمشركين في كل زمان ومكان إلى يوم الدين ، يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعال ـ :‏ " وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً " أي أفلا تدركون عظمة الله‏ ,‏ وطلاقه قدرته‏ ,‏ فتطيعونه وتخشون عقابه‏ ,‏ ولقد خلقكم في عدد من التارات المُتعاقِبة التي لا يكاد بعضها أن يُرى بالعين المجردة . والخروج عن طاعة هذا الخالق العظيم الذي بيده مقاليد خلقكم ورزقكم وسعادتكم أو شقائكم، لا يمكن أن يصدر عن ذي بصيرة أبداً .
وقد جاء ذكر أطوار خلق الإنسان هذه في مراحله الجنينية المتتالية مُرتَّبة ترتيباً دقيقا‏ً ,‏ وموصوفة وصفاً شاملاً، لم تصله بعد العلوم المُكتسَبة في قمتها الحالية‏ ,‏ وذلك في عدد من آيات القرآن الكريم منها ‏ (‏النحل‏:4 -‏ الكهف‏:37 -‏ الحج‏:5 -‏ المؤمنون‏:13;14 -‏ فاطر‏:11 -‏ يس‏:77 -‏ غافر‏:67 - النجم‏:45;46 -‏ القيامة‏:37 -‏ الإنسان‏:2 -‏ عبس‏:19) .‏
وهذا الوصف القرآني المُعجِز، جاء في زمن ساد فيه الاعتقاد بأن الجنين البشري يُخلَق خلقاً كاملاً في صورة مُتقزّمة جداً ، لا تكاد تُرى بالعين المُجرَّدة‏ ,‏ وذلك من دم الحيض فقط‏ ,‏ أو من ماء الرجل فقط‏ ,‏ ثم يزداد في الحجم تدريجياً حتى لحظة الميلاد ‏.‏

 فلم تكتشف العلوم المُكتسَبة‏ ,‏ كلاً من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلا في أواخر القرن السابع عشر الميلادي بعد بناء المجهر‏.‏ وحتى بعد اكتشافهما فإن دورهما في تكوين الجنين لم يُدرك إلا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي‏ ,‏ ولم يُعرفا على أنهما من الخلايا الحية إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي‏ (1859‏م‏) ,‏ ولم تعترف العلوم المُكتسَبة أن الجنين يتخلق بإخصاب نطفة الأنثى‏ (‏البييضة‏)‏ بواسطة نطفة الذكر‏ (‏الحيمن‏)‏ إلا في القرن التاسع عشر ميلادي‏ .‏ وعلى ذلك فإن التأكيد على دور كلٍ من الذكر والأنثى في تخلّق الجنين‏ ,‏ ووصف أطوار الجنين البشري في مراحله المتتالية بدقة مُتناهِية في كلٍ من كتاب الله وسنة رسوله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من قبل أربعة عشر قرناً‏ ,‏ وفي زمن انعدمت فيه وسائل التكبير أو التصوير أو الفحص لما يؤكد لكل ذي بصيرة أن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏ ,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ ,‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية‏ ,‏ في نفس لغة وحيه‏ ـ اللغة العربية‏ ـ ,‏ وحفظه حفظاً كاملاً على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏ ,‏ وتعهد‏ ـ سبحانه وتعالى ـ‏ بذلك الحفظ الدقيق إلى قيام الساعة حتى يبقى القرآن الكريم شاهداً على جميع الخلق في كل زمان ومكان إلى أن يرث الله‏ ـ تعالى ـ ‏ الأرض ومن عليها‏.‏

 

فالحمد الله على نعمة الإسلام‏ ,‏ والحمد الله على نعمة القرآن‏ ,‏ والحمد لله على بعثة النبي والرسول الخاتم الذي تلقاه صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه‏ ,‏ ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .