" ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ " ‏(‏السجدة‏:8)‏.


هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية الربع الأول من سورة السجدة‏ ,‏ وهي سورة مكية‏ ,‏ وعدد آياتها ثلاثون ‏(30)‏ بعد البسملة‏ ,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى سجود المؤمنين لله الخالق البارئ المصور‏ ,‏ وتسبيحهم بحمده‏ ,‏ وخضوعهم لجلاله بالطاعة والعبادة كلما ذكروا بآياته المقروءة في محكم كتابه أو المبثوثة في صفحة الكون ومشاهده‏ ,‏ أو في خلق الإنسان وأطواره‏ ,‏ أو فيما وصفه القرآن الكريم من مشاهد الآخرة وأهوالها‏ .‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول ركائز العقيدة الإسلامية القائمة على الإيمان بالله وبملائكته وكتبه ورسله‏ ,‏ واليوم الآخر‏ ,‏ وعلى توحيد هذا الخالق العظيم‏ ,‏ وتنزيهه عن الشريك‏ ,‏ والشبيه‏ ,‏ والمنازع‏ ,‏ والصاحبة‏ ,‏ والولد‏ ,‏ وعن جميع صفات خلقه‏ ,‏ وعن كل وصف لا يليق بجلاله‏ ,‏ والإيمان برسالة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وبالقرآن الكريم الذي أوحاه الله‏ (تعالى‏)‏ إليه هداية للناس أجمعين‏ ,‏ وتعهد بحفظه إلى يوم الدين‏ ,‏ حتى يكون حجة على الناس كافة‏ ,‏ والإيمان بالبعث‏ ,‏ والحساب‏ ,‏ والجزاء والخلود في الآخرة إما في الجنة أبدا أو في النار أبدا‏ .‏

وتبدأ سورة السجدة بالحروف المقطعة الثلاثة‏ (الم‏)‏ والتي جاءت في مطلع ست من سور القرآن الكريم‏ .‏ والفواتح الهجائية استهلت بها تسع وعشرون سورة من سور القرآن الكريم‏ ,‏ وقد قيل فيها إنها رموز إلى كلمات أو معان أو أعداد معينة متعلقة بالسورة التي استفتحت بها‏ ,‏ أو إنها أسماء لتلك السور‏ ,‏ أو إنها صورة من صور تحدي العرب بالقرآن الكريم وإثبات إعجازه‏ ,‏ لأنه لم يجاوز حروف لغتهم التي يتكلمون بها‏ ,‏ والتي يتباهون بإتقانها‏ ,‏ إلا أنهم لم يستطيعوا الإتيان بشيء من مثله‏;‏ وقيل في هذه المقطعات الهجائية إنها وسيلة من وسائل قرع الأسماع‏ ,‏ وتحريك القلوب كي تتنبه لتلقي القرآن الكريم‏ ,‏ أو إنها من الشهادات المثبتة لنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وذلك لنطقه بأسماء الحروف ـ وهو الأمي ـ والأمي ينطق بأصوات الحروف دون معرفة بأسمائها‏;‏ وقيل في هذه الفواتح الهجائية إنها قد تجمع بين ذلك كله‏ ,‏ وبين الكثير غيره مما لا يعلمه إلا الله‏ (تعالى‏) ,‏ أو إنها تبقي سرا من أسرار القرآن الكريم العديدة نكله إلى الله‏ (تعالى‏)‏ حتى يفتح على أحد من عباده بتفسيره‏ .‏
وبعد هذا الاستفتاح يأتي التأكيد القاطع على أن القرآن الكريم هو تنزيل من رب العالمين دون أدني شك أو شبهة أو ريبة‏ ,‏ ويأتي هذا القرار الإلهي دفعا لما ادعاه كفار قريش‏ ,‏ وادعاه ـ ولا يزال يدعيه‏ .‏ كل كافر ومشرك من بعدهم إلى يوم الدين ـ بأن سيدنا محمدا‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ هو الذي كتب القرآن الكريم‏ ,‏ وقد شاءت إرادة الله تعالى إن يكون أميا لا يقرأ ولا يكتب حتى يبطل هذه الحجة المفتراة‏ .‏ وتأكيدا لربانية القرآن الكريم‏ ,‏ يقول الله الذي أنزله بعلمه‏ :‏
" الم . تَنزِيلُ الكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العَالَمِينَ . أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ . اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ ." (السجدة‏:1‏-‏4)‏ .
وبعد التأكيد على قضية الألوهية‏ ,‏ وعلى أن من صفات الخالق إبداع الخلق‏ ,‏ تشير الآيات إلى السرعة الفائقة التي يدبر بها الله سبحانه وتعالى أمور الكون‏ ,‏ والزمن‏ ,‏ هو أحد أبعاد الكون الذي هو من خلق الله تعالى‏ ,‏ فالله سبحانه وتعالى يملكه ويحده كما يملك الكون بمن فيه وما فيه ويتصرف فيه كيفما شاء‏ ,‏ والزمن الذي يحد المخلوقين جميعا لا يحد الذات الإلهية أبدا‏ ,‏ لأن جميع الخلق من غير المكلفين خاضعون للخالق سبحانه وتعالى ولأوامره خضوعا كاملا‏ ,‏ لا يألون في ذلك جهدا‏ ,‏ ولا يعصون أمرا‏ ,‏ وفي ذلك يقول الحق‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إليهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ " ‏(‏السجدة‏:5)‏ .
وتضيف الآيات عددا من صفات الله العزيز الحميد‏ ,‏ منزل القرآن المجيد وخالق الإنسان من طين‏ ,‏ وجاعل نسله سلالة من ماء مهين‏ ,‏ فتقول‏ :‏
" ذَلِكَ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ . الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ . ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ.  ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ . " ‏(‏السجدة‏:6‏-‏9).
وتندد الآيات بالمكذبين بالبعث ولجاجتهم‏ ,‏ والمستهزئين بإمكانية وقوعه وحيرتهم في أمره مرددين مقولتهم الساذجة‏:‏ أئذا متنا‏ ,‏ وتحللت أجسادنا إلى تراب يختلط بتراب الأرض حتى يغيب فيه‏ ,‏ ولا يتميز عنه‏ ,‏ هل يمكن أن يعاد خلقنا من جديد؟ وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏
" وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ . قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ المَوْتِ الَّذِي وَكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ . " (السجدة‏:11 ,10)‏ .
وبعد ذلك مباشرة‏ ,‏ تناولت الآيات وصفا لما سوف يكون فيه المجرمون من الكفار والمشركين‏ ,‏ والظلمة المتجبرين على الخلق يوم القيامة من الذل والهوان والحسرة والندم‏ ,‏ فتقول‏ :‏
" وَلَوْ تَرَى إِذِ المُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ " ‏(‏السجدة‏:12) .‏
ويرد عليهم الحق‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بقوله‏ (عز من قائل‏) :‏
" وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ . فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . " (السجدة‏:14,13)‏ . ثم تستعرض الآيات حال السعداء من المؤمنين بآيات الله في الدنيا وهم ساجدون لجلاله‏ ,‏ مسبحون بحمده‏ ,‏ خاشعون لعظمته ومتطلعون إلى رحمته‏ ,‏ كما تستعرض حسن ثوابهم في الآخرة‏ ,‏ وهم ممتعون في جنات المأوي‏ ,‏ وفي المقابل تصف الآيات حال الجاحدين من الكفار والمشركين‏ ,‏ والفاسقين الظالمين وذلهم في الآخرة فتقول‏ :‏ " إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ . فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لاَّ يَسْتَوُونَ . أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ المَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ . وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ . وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ . " ‏(‏السجدة‏:15‏-‏22)‏ .

وبعد ذلك تشير الآيات إلى كتاب موسى ـ وهو التوراة ـ الذي آتاه الله‏ (تعالى‏)‏ إياه‏ ,‏ وجعله هدى لبني إسرائيل‏ ,‏ وكيف جعل الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ منهم أئمة يهدون بأمر الله لما صبروا وكانوا بآيات الله يهتدون‏ ,‏ وكيف ارتدت غالبيتهم بعد إيمانهم كافرين‏ ,‏ حرفوا دينهم‏ ,‏ وقتلوا أنبياءهم والصالحين منهم كما يفعلون اليوم على أرض فلسطين‏ ,‏ وهؤلاء أمرهم متروك إلى الله‏ (تعالى‏)‏ يحكم فيه يوم القيامة وهو أعدل الحاكمين‏ ,‏ ويفصل بينهم فيما كانوا فيه يختلفون‏ .‏ ثم ينتقل السياق في أواخر سورة السجدة بالحديث إلى كفار قريش وإلى من تبعهم من الكفار والمشركين إلى يوم الدين‏ ,‏ الذين كفروا بالله‏ (تعالى‏)‏ أو أشركوا به‏ ,‏ أو كذبوا بالبعث أو بالقرآن الكريم وبنبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وتذكرهم بمصارع الغابرين قائلة لهم‏ :‏ " أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ القُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ أَفَلاَ يَسْمَعُونَ " ‏(‏السجدة‏:26) .‏
وتستشهد سورة السجدة على حتمية البعث‏ ,‏ وعلى طلاقة القدرة الإلهية التي لا يعوقها عائق‏ ,‏ ولا يقف أمامها حائل‏ ,‏ بإعادة إنبات الأرض الجرز التي قضي على نباتها بالرعي الجائر‏ ,‏ أو بالجفاف والتيبس والاندثار بسبب انقطاع الماء عنها‏ ,‏ فإذا ساق الله‏ (تعالى‏)‏ إليها الماء فإذا بها تخضر بعد اصفرار وجفاف وقحولة‏ ,‏ وتزدهر بمختلف أنواع النبات من الحشائش إلى مختلف أنواع الزروع والأشجار ذات الثمار التي يأكل منها الناس وأنعامهم وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ " (السجدة‏:27)‏ .
أي أفلا يبصرون أن الذي يخرج النبتة من بين تراب الأرض الميتة‏ ,‏ قادر على أن يبعث الموتى من بين تراب قبورهم‏ .‏ والقرآن الكريم دوما يشبه بعث الأموات من قبورهم بإنبات النباتات من بذورها‏ ,‏ ورسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ يقول‏:‏
" كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب "‏ .‏ ويقول‏ (عليه أفضل الصلاة وأزكي التسليم‏) :" ما بين النفختين أربعون‏ ...‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل‏ ,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظما واحدا وهو عجب الذنب‏ ,‏ ومنه يركب الخلق يوم القيامة "‏ .‏
وتختتم سورة السجدة بتهديد من الله‏ (تعالى‏)‏ لكفار ومشركي قريش‏ (ولكل تابع لهم في كفرهم أو شركهم إلى يوم الدين‏)‏ بيوم القيامة الذي لا ينفع الذين كفروا وماتوا على الكفر إيمانهم فيه‏ ,‏ ولا هم يمهلون من العذاب شيئا‏ ,‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏
" وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ . قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ . فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ . " ‏(‏السجدة‏28‏-‏30) .‏ أي أعرض يا محمد عن الكفار والمشركين‏ ,‏ وأعرضوا عنهم يا أتباع محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ إلى يوم الدين‏ ,‏ ولا تبالوا بهم‏ ,‏ وانتظروا ما سوف يحل بهم من عذاب الله في الدنيا قبل الآخرة‏ ,‏ فانهم متربصون بكم‏ ,‏ ومنتظرون ما ينزل بكم من حوادث الزمان‏  , " وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ  " وصدق الله العظيم إذ يقول‏ : " وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى المُؤْمِنِينَ سَبِيلاً " (النساء‏:141) .‏

من ركائز العقيدة في سورة السجدة :
‏(1)‏ الإيمان بالله‏ (تعالى‏)‏ الواحد الأحد‏ ,‏ الفرد الصمد‏ ,‏ وبملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبما فيه من بعث وحساب وجنة ونار‏ .‏
‏(2)‏ اليقين بأن القرآن الكريم هو كلام الله الحق رب العالمين‏ ,‏ الخالق‏ ,‏ البارئ‏ ,‏ المصور والموحي به إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ هداية للناس إلى يوم الدين دون أدني ريب‏ .‏
‏(3)‏ التسليم بأن الله تعالى هو خالق السماوات والأرض وما بينهما‏ ,‏ عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم‏ , "‏ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ "  (‏السجدة‏:7)‏ ,‏ وأنه‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين‏ ,‏ ثم سواه ونفخ فيه من روحه‏ ,‏ وجعل السمع والأبصار والأفئدة نعما من عنده على عباده تستوجب منهم الخضوع لله‏ (تعالى‏)‏ بالعبودية والامتنان والشكر‏ .‏
‏(4)‏ الإيمان ببعثة سيدنا محمد‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وبالوحي الذي تلقاه للتبليغ عن رب العالمين‏ ,‏ والتسليم بأن كلا من المؤمنين والكافرين‏ ,‏ والصالحين والفاسقين‏ ,‏ والذين يعملون الطيبات والمفسدين في الأرض‏ ,‏ والمقيمين عدل الله والظالمين لا يستوون أبدا‏ ,‏ ولذلك أخذ الله‏ (تعالى‏)‏ العهد على ذاته العلية بعقاب كل كافر ومشرك وفاسق ومفسد في الأرض وظالم للخلق فقال‏ (عز من قائل‏) :‏
"وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ " .‏
‏(5)‏ اليقين بحقيقة البعث بعد الموت وبحتميته‏ ,‏ وبضرورة الرجعة إلى الله‏ (تعالى‏)‏ ليكافأ أهل الصلاح والخير بالخلود في الجنة أبدا‏ ,‏ ويلقي أهل الكفر والشرك والضلال جزاءهم بالخلود في النار إلى ما شاء الله‏ (تعالى‏) .‏

من ركائز العبادة في سورة السجدة:
(1) ضرورة الشكر لله‏ (تعالى‏)‏ على كل حاسة وقدرة وهبها للإنسان‏ .‏
(2)ضرورة السجود لله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ والتسبيح بحمده‏ ,‏ والإيمان بآياته بمجرد التذكير بها‏ ,‏ دون استكبار في النفس أو تكبر على الخلق‏ ,‏ مع الحرص على عدم الإعراض عن آيات الله أبدا‏ ,‏ تلك الآيات المنزلة في محكم كتابه‏ ,‏ والمبثوثة في صفحة الكون‏ ,‏ أو في النفس الإنسانية ونشأتها وأطوارها‏ ,‏ وفي مشاهد الآخرة التي أخبر القرآن الكريم عنها‏ .‏
(3) الحرص على تجافي الجنوب عن المضاجع قياما بالليل لله‏ (تعالى‏)‏ وتوجها إليه بالعبادة والطاعة خوفا من عقابه‏ ,‏ وطمعا في ثوابه‏ .‏ وهذه الساعات هي من ساعات الإجابة التي لا يرد فيها الدعاء‏ .
(4)الحرص على الإنفاق مما رزق الله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
(5) النهي عن الفسوق والعصيان‏ ,‏ وعن الظلم والطغيان وعن الإجرام والإفساد في الأرض‏ ,‏ والحرص على ضرورة الاعتبار بهلاك العاصين من الأمم السابقة‏ .‏

من الإشارات الكونية في سورة السجدة :
‏(1)‏ الإشارة إلى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام‏ (أي ست مراحل متتالية‏)‏ يحاول العلم المكتسب تفسيرها‏ ,‏ والإيحاء بمركزية وضع الأرض من السماوات بالإشارة إلى البينية الفاصلة لهما‏ ,‏ وهو ما لا تقوى العلوم المكتسبة على الوصول إليه‏ .‏
‏(2)‏ الإشارة إلى سرعات كونية فائقة يدبر بها الأمر بين السماء والأرض قبل أن تصل العلوم المكتسبة إلى اكتشاف سرعة الضوء بقرون طويلة‏ .‏
‏(3)‏ التأكيد على أن الله‏ (تعالى‏)‏ هو
" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ " (السجدة:7) .
‏(4)‏ إثبات أن الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ قد جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين‏ ,‏ ثم سواه ونفخ فيه من روحه‏ .‏
‏(5)‏ تقرير أن الله‏ (تعالى‏)‏ قد جعل للإنسان السمع والأبصار والأفئدة في زمرة مجموعة من الحواس‏ ,‏ وتقديم السمع على تلك الحواس في هذه السورة الكريمة وفي العديد غيرها من سور القرآن العظيم فيه إلماح إلى سبق تكون حاسة السمع في مراحل الجنين قبل غيرها من الحواس وهي حقيقة لم تدرك إلا في القرن العشرين‏ .‏
‏(6)‏ الدقة العلمية المبهرة في اختيار لفظ‏ (الجرز‏)‏ في قوله‏ (تعالى‏) :‏
" أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُونَ " ‏(‏السجدة‏:27)‏ .
وذلك لأن‏ (الجرز‏)‏ في اللغة هو القطع‏ ,‏ و‏ (الأرض الجرز‏)‏ هي التي قطع نباتها بالرعي الجائر‏ ,‏ أو الحش الجائر‏ ,‏ أو التي يبس نباتها وجف واندثر لانقطاع الماء عنها‏ ,‏ وتبقى‏ (الأرض الجرز‏)‏ ـ رغم قحولتها ـ صالحة للزراعة بتربتها ومخزونها من بقايا الحياة النباتية والحيوانية المدفونة فيها‏ .‏ والأرض السبخة وغيرها من الأراضي التي لا تنبت لا تطلق عليها صفة‏ (الأرض الجرز‏)‏ لأن تربتها أصلا غير صالحة للإنبات‏ ,‏ فلا يمكن أن يكون قد نما فيها غطاء خضري ثم اجتث بالقطع‏ ,‏ أو يبس واندثر بسبب الجفاف‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها‏ ,‏ ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على قضية جعل نسل الإنسان من سلالة من ماء مهين‏ ,‏ وهي مما جاء في النقطة الرابعة من القائمة السابقة‏ .‏



من الدلالات اللغوية للآية الكريمة :
‏(‏خلق‏) :‏ الخلق هو التقدير المستقيم‏ ,‏ ويستعمل في إبداع الشيء من غير أصل ولا احتذاء‏ ,‏ أي على غير مثال سابق‏ ,‏ وهذا لا يكون إلا لله‏ (سبحانه وتعالى‏) .‏
و‏ (الخلق‏)‏ أيضا هو إيجاد شيء من شيء آخر‏ ,‏ ويكون لله‏ (تعالى‏)‏ ولغيره من خلقه المكلفين‏ ,‏ ويكون للماديات المحسوسة‏ ,‏ كما يكون للمعنويات غير المدركة كخلق الكلام بمعنى الكذب والافتراء على الله‏ (سبحانه‏)‏ وعلى الناس ويسمي‏ (الاختلاق‏) .‏ ولفظة‏ (الخلق‏)‏ بفتح الخاء وضمها ـ و‏ (الخليقة‏)‏ و‏(‏الخلائق‏)‏ تستخدم في معني‏ (المخلوقين‏) ,‏ وكما خص‏ (الخلق‏)‏ بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر‏ ,‏ خص‏ (الخلق‏)‏ وجمعه‏ (الأخلاق‏)‏ بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة‏ ,‏ و‏ (الخلاق‏)‏ النصيب أو ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه‏ .‏ ويقال‏:‏ فلان‏ (خليق‏)‏ بكذا‏ ,‏ أي جدير به‏ ,‏ كأنه مخلوق فيه ذلك‏ ,‏ أو هو مجبول عليه بالفطرة‏ ,‏ أو مدعو إليه من جهة الخلق‏ ,‏ لأن‏ (الخليقة‏)‏ هي الفطرة التي فطر الله‏ (تعالى‏)‏ الخلق عليها‏ .‏ و‏ (النسل‏)‏ هو الولد لكونه ناسلا عن أبويه‏ ,‏ و‏(‏التناسل‏)‏ هو التوالد‏ .‏ يقال‏: (نسل‏) (ينسل‏) (نسلا‏)‏ و‏(‏نسلانا‏)‏ أي توالد توالدا لأن أصل النسل هو انفصال شيء عن شيء آخر‏ ,‏ ولذلك يقال لما سقط من الشعر‏ (نسالة‏) ,‏ ويستخدم هذا التعبير أيضا لما ينحات من ريش الطيور ووبر الجمال وصوف الأغنام فيقال ‏: (أنسلت‏)‏ الإبل إذا حان وبرها أن ينزل‏ .‏ ويأتي الفعل‏ (نسل‏) (ينسل‏) (نسلانا‏)‏ بمعنى عدى وأسرع وذلك من مثل قوله‏ (تعالى‏) :
" وهم من كل حدب ينسلون " (الأنبياء:96) ,‏ وقوله‏ (عز من قائل‏) : " إلى ربهم ينسلون " (يس:51) .‏ أما‏ (السلالة‏)‏ فهي ما‏ (استل‏)‏ من الشيء واستخرج منه بهدوء‏ ,‏ بمعني خلاصته‏ .‏ يقال‏ (سللت‏)‏ هذا الشيء من ذاك أي استخرجته منه‏ (فانسل‏)‏ فأصبح‏ (سلالة‏)‏ منه‏ ,‏ أو‏ (مسلولا‏)‏ عنه‏ .‏ أما‏ (الماء المهين‏)‏ فالمقصود به هنا هو ماء التناسل‏ (المني‏)‏ من كل من الرجل والمرأة‏ .‏ و‏ (المهين‏)‏ لغة هو المبتذل الذي لا يعتني ولا يؤبه به والحقير والضعيف‏ ,‏ والقليل‏ ,‏ ولعل المقصود هنا في وصف الماء‏ (المهين‏)‏ هو القلة‏ ,‏ وإن كانت بقية المعاني لا تستثني‏ ,‏ لأنه يقال‏ (أمتهنت‏)‏ الشيء أي ابتذلته لحقارته‏ ,‏ و‏ (الماهن‏)‏ هو الخادم الذي‏ (يمهن‏)‏ القوم‏ (مهنة‏)‏ أي يخدمهم خدمة‏ .‏ و‏ (الهوان‏)‏ على وجهين‏ ,‏ أحدهما يشير إلى تذلل الإنسان في نفسه تواضعا وخشية لله بما لا يلحق بالمرء من غضاضة فيمدح به‏ ,‏ وذلك من قبيل قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا‏ "
(الفرقان:63) ,‏ وقول نبينا‏ (صلى الله عليه وسلم‏) : ‏" المؤمن هين لين "‏ .‏ والثاني أن يكون‏ (الهوان‏)‏ أمام جهة متسلطة مستبدة مستخفة فيذم هذا الموقف الذليل‏ ,‏ ويذم صاحبه‏ .‏ كذلك يقال‏ : (هان‏)‏ الأمر أي سهل وتيسر‏ .‏

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ "(‏السجدة‏:8)‏ .
عدد من الحقائق العلمية المهمة التي يمكن إيجازها فيما يلي ‏:‏
‏(1)‏ أن التناسل ضرورة لبقاء النوع ‏:‏
فالإنسان الذي بدأ الله‏ (تعالى‏)‏ خلقه من طين ووضع لنسله نظاما يبدأ من سلالة من ماء مهين‏ ,‏ فإن هذا الخلق ونظام النسل لـما يشهد لله‏ (سبحانه‏)‏ بالألوهية والربوبية والوحدانية‏ .‏ والنسل هو الولد‏ ,‏ والسلالة هي الخلاصة أي ما استل من الشيء واستخرج منه بهدوء‏ ,‏ والمقصود بالماء هو ماء التناسل‏ (المني‏)‏ من كل من الرجل والمرأة المتزوجين‏ ,‏ والمهين هو القليل أو الضعيف الذي لا يؤبه به‏ .‏ والتناسل سنة الله في الخلق من أجل بقاء النوع إلى أن يشاء الله‏ (تعالى‏)‏ ولذلك قال ربنا‏ (تعالى شأنه‏)‏ ما نصه‏ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ علىكُمْ رَقِيباً " (النساء‏:1)‏ .
وقال‏ (تبارك اسمه‏) :
" وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً " (الفرقان‏:54)‏ .
وقال‏ (عز من قائل‏) :‏
" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عليمٌ خَبِيرٌ " (الحجرات‏:13)‏ . ولكي يتم التناسل والتنوع في الخلق شاءت إرادة الله‏ (سبحانه وتعالى‏)‏ أن تحتوي الخلايا التناسلية‏ (الحيمن والبييضة‏)‏ على نصف عدد الصبغيات الموجودة في الخلية الجسدية حتى يتكامل العدد بالتزاوج‏ ,‏ فيأتي الأبناء والأحفاد على قدر من التشابه مع الوالدين ونسب كل منهما إلى آدم‏ (عليه السلام‏) ,‏ وعلى قدر من الاختلاف والتباين عنهما‏ ,‏ في ظاهرة تعرف باسم التنوع في الوحدة تجعل كل فرد من بني آدم متميزا عن غيره في صفاته الجسدية والنفسية مهما تكن درجة القرابة بينه وبين هذا الغير‏ .‏ وعوامل الوراثة والاصطفاء تعمل في خفاء ولذلك وصفها ربنا‏ (تبارك وتعالى‏)‏ بوصف‏ (سلالة‏)‏ أي القليل الذي يستل من الكثير في صمت وخفية‏ ,‏ والذي له من الصفات ما يجعله خلاصة‏ , وفي ذلك يقول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏ " وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ " ‏(‏الأنعام‏:98) .‏
وقال‏ (عز من قائل‏)‏
" أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ . فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ . إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ . فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ القَادِرُونَ " ‏(‏المرسلات‏:20‏-‏23) .

‏(2)‏ أن عملية التناسل تنمي بواسطة خلاصة من كل من ماء الرجل والمرأة‏:
فمن الثابت علميا أن من بين مائتي مليون إلى ثلاثمائة مليون نطفة‏ (حيمن‏)‏ تنطلق في دفقة المني الواحدة من الزوج لا يصل إلى البييضة المنتظرة في الثلث الأخير من الرحم سوي خمسمائة فقط‏ ,‏ ولا يفلح في إتمام عملية إخصاب البييضة سوي نطفة واحدة‏ (حيمن واحد‏)‏ قدرت له الإرادة الإلهية النجاح في اختراق جدار البييضة السميك‏ ,‏ فتلتقي نواتا النطفتين لتكوين النطفة الأمشاج‏ (المختلطة‏)‏ التي يكتمل فيها عدد الصبغيات المحدد للنوع‏ .‏
ولذلك قال‏ (تعالى‏) :‏ " إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً " ‏(‏الإنسان‏:2)‏ . ولفظة نطفة مفردة‏ ,‏ بينما لفظة أمشاج جاءت بصيغة الجمع لأنها عبارة عن خلية واحدة بداخلها أخلاط من الصفات الوراثية لأسلاف وأحفاد هذا الجنين من لدن أبينا آدم‏ (عليه السلام‏)‏ وحتى قيام الساعة‏ .‏ وبمجرد إخصاب البييضة تبدأ في سلسلة من التغيرات السريعة أولها زيادة سمك جدارها أضعافا عديدة حتى تحول دون دخول حيمن آخر مهما حاول‏ ,‏ وخلع ما كان يزينها من تاج لامع‏ ,‏ والبدء في عمليات الانقسام لتتحول إلى التويتة التي ما تلبث أن تنغرس في جدار الرحم على هيئة دودة العلق فتتغذي على دم الأم حتى تصل العلقة إلى طور المضغة‏ ,‏ ثم تخلق العظام ويتم كسوتها لحما‏ ,‏ ثم تنشأ خلقا آخر " فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ " , أما إذا لم يحدث الإخصاب فإن البييضة سرعان ما تموت ويطردها الرحم مع دم الحيض‏ ,‏ وتبدأ الغدة النخامية مرة أخري في إرسال الهرمونات المنشطة للحويصلات في داخل أحد المبيضين‏ ,‏ حتى تنمو حويصلة جديدة وبداخلها بييضة جديدة‏ ,‏ لتلقي مصيرها إما بالإخصاب والعودة للانغراس في جدار الرحم أو الطرد في بحر من دم الحيض‏ ,‏ وفي هذه الدورة المعجزة جعل الله‏ (تعالى‏)‏ تناسل الإنسان من أجل بقاء نوعه إلى أن يشاء الله‏ (تعالى‏) .‏
وفي عملية الإخصاب يحتاج كل من الحيمن الفائز والبييضة إلى فترة من التمكين تستغرق عدة ساعات يحدث خلالها عدد من التغيرات المهمة التي تشمل انفصال القلنسوة التي تغطي رأس الحيمن عند تماسه بالطبقة الشفافة التي تحيط بالبييضة‏ ,‏ كما تدور البييضة ومن حولها الحيامن سبع دورات بعكس اتجاه عقرب الساعة قبل أن تختار الإرادة الإلهية الحيمن المحدد لإخصاب البييضة بدقة فائقة حتى لا تتكرر صفات فردين من أفراد البشر بالتمام مهما تكن صلات القربى بينهما حتى التوائم‏ .‏

وكما أن الاختيار للحيمن الفائز لإتمام عملية الإخصاب يتم بدقة فائقة من بين مئات الملايين التي تنطلق في الدفقة الواحدة من ماء الرجل‏ ,‏ فإن جسد المرأة يفرز بييضة واحدة في كل شهر من لحظة البلوغ إلى سن اليأس‏ ,‏ وبذلك تتراوح فترة التناسل عند المرأة بين‏(30) ,(40)‏ سنة وعلى ذلك فإن مجموع ما يفرزه مبيضا المرأة لا يكاد يتجاوز أربعمائة بييضة على مدي عمرها التناسلي ولا يكاد يصل إلى مرحلة الإخصاب أكثر من بضع آحاد بينما يحوي كل مبيض من مبيضي الأنثى على ستة بلايين بييضة أولية وهي لا تزال في بطن أمها‏ ,‏ ثم يموت أغلب هذه البييضات قبل خروجها إلى الدنيا‏ ,‏ ويستمر عدد البييضات في التناقص إلى حوالي ثلاثين ألفا في سن المحيض‏ ,‏ يهلك منه قبل الزواج آلاف كثيرة حتى لا يكاد يبقى أكثر من ‏(300)‏ ـ‏ (400)‏ بييضة على مدى عمر الأنثى التناسلي‏ .‏
ويحسب أنه في مقابل كل بييضة يفرزها أحد مبيضي الزوجة فإن خصيتي الزوج تفرزان أكثر من بليون حيمن لأن أغلبها يهلك في طريقه إلى البييضة في رحلة تستغرق مابين‏(6)‏ ساعات و‏(24)‏ ساعة‏ ,‏ وليس هذا فقط بل لابد أن يتزامن وصول الحيامن مع خروج البييضة من أحد المبيضين لأنها لا تعيش لأكثر من‏ (24)‏ ساعة‏ ,‏ ولا تكاد فترة خصوبتها تتعدي نصف هذه المدة‏ .‏
وهذا الانتخاب من كل من ماء الرجل وماء المرأة لخصته الآية الكريمة التي نحن بصددها في قول ربنا‏ (تبارك وتعالى‏) :‏
" ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ " .‏
وفي قوله‏ (سبحانه‏) :‏
" لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَن يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ . أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عليمٌ قَدِيرٌ . " (الشورى‏:50 ,49) .‏
وفي ذلك أيضا قال المصطفي‏ (صلى الله عليه وسلم‏) :
" ما من كل الماء يكون الولد‏ ..‏ وإذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء "‏ (‏صحيح مسلم‏) .
وهذه حقائق علمية لم تدرك إلا في القرن العشرين وورودها في كتاب الله وفي سنة خاتم أنبيائه ورسله منذ أكثر من أربعة عشر قرنا لما يقطع بربانية القرآن الكريم وبنبوة سيد الأنبياء والمرسلين الذي تلقاه‏ (صلى الله عليه وسلم‏) .

(3)‏ وصف المني بأنه ماء مهين‏ :
والماء المهين هو ماء التناسل‏ (المني‏)‏ من كل من الرجل والمرأة ومن معاني‏ (مَّهِين‏)‏ القليل وهو كذلك‏ ,‏ ومن معانيه المبتذل الضعيف الذي لا يؤبه به‏ ,‏ وهو كذلك إلا إذا استخدم فيما خلقه الله‏ (تعالى‏)‏ له من إبقاء النسل والمحافظة عليه‏ ,‏ أما إذا استخدم في غير ذلك فهو أمر حقير مبتذل لا يعتني به‏ ,‏ ولذلك وضع مع الجهاز البولي في وحدة واحدة تعرف باسم الجهاز البولي التناسلي‏ .‏
وماء الرجل أبيض‏ ,‏ ويحوي العديد من العناصر التي تساعد على إتمام عملية الإخصاب بالإضافة إلى ملايين الحيامن وهي كائنات في غاية ضآلة الحجم ولذلك ينطبق عليها وصف الماء المهين‏ ,‏ وكل حيمن له رأس مدبب لا يزيد طوله على‏5‏ ميكرونات‏ ,‏ وعنق ضئيل يحمل مصادر الطاقة‏ ,‏ وذيل طويل يتحرك بواسطته بسرعة ملليمترين في الثانية‏ .‏ والرأس يحوي‏23‏ صبغيا تحمل أسرار الصفات الوراثية‏ ,‏ وتحميه قلنسوة مصمته‏ .‏ وهذه الحيامن منها الطويل نسبيا والقصير‏ ,‏ والقوي والضعيف‏ ,‏ وصاحب الرأس الواحدة وصاحب الرأسين‏ ,‏ والرأس قد يكون مستقيما أو ملتويا‏ ,‏ ومن الحيامن ما يحمل شارة التذكير
(Y) ومنها ما يحمل شارة التأنيث ‏(X) ,‏ ويهلك أغلبها قبل الوصول إلى البييضة وبذلك ينطبق عليها وصف السلالة من الماء المهين‏ .‏ وماء المرأة أصفر ويتدفق من حويصلة تعرف باسم حويصلة جراف عند انفجارها لتخرج منها البييضة إلى بوق قناة الرحم‏ .‏ والبييضة يبلغ قطرها مائتي ميكرون وهي بذلك تعتبر أكبر خلية في جسم الأنثى إذ أن معظم خلايا الجسم لا تتعدي أطوال أقطارها بضعة ميكرونات قليلة‏ .‏ وماء المرأة يحمل البييضة تماما كما يحمل ماء الرجل الحيامن‏ ,‏ وهو يتدفق كما يتدفق ماء الرجل‏ ,‏ وينطبق عليه أيضا وصف السلالة من ماء مهين لقلته ولهلاك أعداد هائلة من البييضات قبل وبعد كل عملية إخصاب‏ .‏ ويضاف إلى ذلك ما تفرزه بطانة الرحم من سوائل تعين على إتمام عملية الإخصاب‏ .‏
هذه الحقائق لم تصل إليها العلوم المكتسبة إلا في القرنين التاسع عشر والعشرين‏ ,‏ وورودها في القرآن الكريم وفي أحاديث رسول الله‏ (صلى الله عليه وسلم منذ أكثر من أربعة عشر قرنا مما يجزم بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏ (صلى الله عليه وسلم‏)‏ وحفظه بعهده الذي قطعه على ذاته العلية في نفس لغة وحيه‏ (اللغة العربية‏)‏ على مدى أربعة عشر قرنا أو يزيد‏ ,‏ وإلى أن يرث الله‏ (تعالى‏)‏ الأرض ومن عليها حتى يبقى حجة على الناس كافة إلى يوم الدين‏ ,‏ وشاهدا للنبي والرسول الخاتم الذي تلقاه بالنبوة والرسالة‏ ,‏ فصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ ,‏ والحمد لله رب العالمين .‏