" يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ "‏ (النفطار:6ـ7).


هاتان الآيتان الكريمتان جاءتا في ختام الثلث الأول من سورة الانفطار‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(19)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لاستهلالها بتحذير من الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بانفطار السماء يوم القيامة‏,‏ وهو حدث رهيب ‏.‏ ويلي هذا التحذير ذكر لثلاثة من مظاهر يوم القيامة يقول عنها ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :
" إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ ‏. ‏ وَإِذَا الكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ ‏ . وَإِذَا البِحَارُ فُجِّرَتْ . وَإِذَا القُبُورُ بُعْثِرَتْ "‏(‏ الانفطار‏:1‏ ـ‏4) .‏
وانفطار السماء هو انشقاقها وتصدعها‏,‏ وانتثار الكواكب ناتج عن انفجارها وتناثر أشلائها‏,‏ وتفجير البحار قد يعني تفجر قيعانها بمزيد من الصدوع والخسوف حتى يغور ماؤها إلى نطاق الضعف الأرضي من حيث أخرجها الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ أول مرة‏,‏ وبعثرة القبور يعني شقها وتناثر ما فيها‏,‏ ويأتي جواب شرط‏ "‏ إِذَا‏ "‏
في الآيات الأربع الأولى من السورة بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ : ‏" عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ "‏‏‏ (‏الانفطار‏:5)‏ .
وبعد هذا الاستهلال بالحديث عن عدد من الأحداث الكبرى التي سوف تتقدم الآخرة، تنتقل الآيات بعتاب من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ للإنسان يقول فيه
: ‏" يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ ‏. ‏الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ.  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ "‏(‏الانفطار‏:6‏ ـ‏8)‏
أي‏:‏ ما الذي خدعك يا أيها الإنسان وأطمعك في ربك، فجرَّأك على عصيان أوامره‏,‏ وتجاوز حدوده، وهو‏ ـ‏ تعالى ـ‏ خالقك‏,‏ ومُسوِّيك‏,‏ ومعدلك‏,‏ ومُصوِّرك ؟ . والخطاب هنا موجه إلى كل كافر‏‏ ومشرك‏ وعاصٍ من بني آدم ‏,‏ وهم من الخلق المُكلَّفين‏,‏ أصحاب الإرادة الحرة‏,‏ ولكن غرهم الشيطان‏,‏ وزاد في غرورهم الجهل والكبر‏ .
‏ويستشعر القارئ لهذه الآيات القرآنية الكريمة وعيداً وتهديداً من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ في ثنايا هذا العتاب الرقيق‏,‏ يتهدد أصحاب القلوب الغافلة‏,‏ والضمائر الغائبة‏,‏ وتذكرهم بنعم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عليهم‏,‏ وهي نِعَم لا تحصى ولا تُعد‏,‏ وعلى رأس تلك النعم خلق الإنسان في أحسن تقويم‏,‏ في هيئة سوية معتدلة، تُميِّزه عن بقية الخلق‏,‏ وهي معجزة المعجزات لما فيها من إيجاد من العدم‏,‏ ومن طور تلو طور‏,‏ وما صاحب ذلك من تسوية وتعديل وتركيب حتى يجيء الفرد من بني آدم في هذه الخلقة الحسنة التي فضله الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بها على سائر خلقه‏ .
‏وبعد ذلك توجه الآيات الخطاب إلى المكذبين بالدين‏,‏ مؤكدة أن الإنسان مُحصاة عليه أقواله وأعماله بواسطة الملائكة الحَفَظَة الكرام البررة‏,‏ الذين يكتبون كل أقوال وأفعال البشر المُوكَّلين بهم فتقول ‏:‏
" كَلاَّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ .وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ . كِرَاماً كَاتِبِينَ . يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ "‏ 
‏(‏الانفطار‏:9‏ ـ‏12) .‏
و‏(‏كلا‏)‏ كلمة زجر وردع‏ . و‏(‏بل‏)‏ حرف عطف وإضراب عما مضي من حديث‏,‏ والاستعداد للدخول في قضية جديدة‏,‏ وهي هنا قضية التكذيب بالدين‏ .‏ والدين هو بيان من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ للإنسان في القضايا التي لا يستطيع الإنسان أن يضع لنفسه فيها أية ضوابط صحيحة ، مثل‏‏ قضايا العقيدة‏,‏ والعبادة‏,‏ والأخلاق‏,‏ والمعاملات‏,‏ وهي ركائز الدين‏ ،‏ ومن ضرورات استقامة الحياة على الأرض‏، فلا يمكن للإنسان أن يحيا على هذه الأرض حياة سوية بغير دين‏,‏ وفي نفس الوقت لا يمكن للدين أن يكون صناعة بشرية‏، وإذا سلَّمنا بهذه المقدمات ظهرت لنا علامة فارقة نستطيع أن نميز بها بين الدين صحيح والدين الغير صحيح‏,‏ وهذه العلامة الفارقة هي دقة حفظ الوحي السماوي الذي أنزل مع الدين ‏.
‏والدين الذي تعهد ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بحفظه فحُفظ حفظاً كاملا‏ًً,‏ وحُفظ وحيه في نفس لغة الوحي على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية هو هذا الدين الخاتم الذي بعث به النبي الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ولذلك فهو الدين المقصود بأداة التعريف في هذه السورة الكريمة‏,‏ وفي غيرها من سور القرآن الكريم‏ .
‏واليقين بمراقبة الله لعباده‏,‏ وبتدوين ملائكته لجميع أقوالهم وأفعالهم هو من أعظم ضوابط السلوك البشري‏,‏ ولذلك وصفه المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالإحسان‏,‏ واعتبره أعلى مراتب التدين‏ .
‏وتختتم سورة الانفطار بالتحذير من أهوال يوم الدين الذي لا تملك نفس لنفس شيئاً فيه ‏.‏
وتقرر الآيات مصائر كلٍ من الأبرار والفجار في هذا اليوم العصيب فتقول
‏: ‏" إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ . وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ . يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ . وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ .‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ . ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ  .يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ "‏‏ ‏(‏الانفطار‏:13‏ ـ‏19) .‏
والأبرار هم المؤمنون الصادقون‏,‏ الذين بروا إيمانهم بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ فالتزموا أوامره‏,‏ واجتنبوا نواهيه‏ .‏ والفجَّار هم نقائض الأبرار، فمنهم من ينكر الدين جملة وتفصيلا‏ًً,‏ أو ينكر معلوماً منه بالضرورة‏,‏ ومنهم مقترفو المظالم والمتجبرون على الخلق بغير الحق‏,‏ والآكلون لحقوق الغير بالباطل‏,‏ ومنهم الغارقون في الفواحش والآثام ما ظهر منها وما بطن‏,‏ والمجاهرون بالمعاصي في غير حياء ولا خجل ‏.‏
وتؤكد هذه السورة الكريمة ـ كما يؤكد كل القرآن الكريم ـ خلود الأبرار في جنات النعيم‏,‏ وخلود الكفار في نار الجحيم‏,‏ التي يصلونها يوم الدين‏,‏ دون إمكانية للفرار منها‏,‏ أو النجاة من عذابها ولو للحظة واحدة‏ .‏
ولما كان التكذيب بيوم الدين هو حجة فجر الفاجرين‏,‏ فإن السياق القرآني يعود إليه في ختام سورة الانفطار بسؤال مُكَرَّر مرتين لمزيد من التأكيد‏,‏ والسؤال موجه إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ولكل مؤمن برسالته من بعده ليؤكد أن أهوال يوم الدين لا يقوى خيال البشر على تصورها‏,‏ ويكفي في وصف ذلك أن نفساً لا تملك لنفس شيئا‏ًً,‏ وأن الأمر كله لله‏ .‏
وبذلك فإن مطلع سورة الانفطار ـ وما فيه من أهوال التدمير الكوني ـ يلتقي بخواتيمها، وفيها تقرير مصائر كلٍ من الأبرار والفجار يومَ الدين‏,‏ والعجز البشري الكامل في هذا اليوم الذي لا يملك الأمر فيه إلا الله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ وهو المُتفرِّد بالأمر في الدنيا والآخرة‏,‏ ولكنه‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ سمح لعباده المُكلَّفين في الدنيا بهامش من الإرادة الحرة ليبلوهم أيهم أحسن عملا‏ًً .
‏وبذلك تختتم سورة الانفطار التي قال عنها رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : ‏" من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ ‏(‏ إذا الشمس كورت‏),‏ و‏(‏إذا السماء انفطرت‏),‏ و‏(‏ إذا السماء انشقت‏) " (سنن الترمذي ، ومسند أحمد) .‏

من ركائز العقيدة في سورة الانفطار :
(1) الإيمان بحتمية الآخرة‏,‏ وبما فيها من تدمير للنظام الكوني الحالي وإعادة خلقه‏,‏ وما بعد ذلك من البعث‏,‏ والحساب‏,‏ والجنة والنار ‏.‏
(2)اليقين بأن الإنسان سوف يخبر يوم القيامة بما قدم وأخر‏,‏ وأن أعماله مُحصِية عليه بدقة فائقة‏,‏ وأنها سوف تُعرَض كاملة يوم القيامة‏,‏ وأن كل إنسان موكل به ملكان كريمان يحفظانه بأمر الله‏,‏ ويحفظان عنه بأمر الله كذلك كل ما ينطق به من كلام‏,‏ وما يقوم به من أعمال‏,‏ حتى يشهدا عليه يومَ الحساب ‏.‏
‏(3)التسليم بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ كريم بعباده‏,‏ ومن مظاهر كرمه خلق بني آدم في أحسن تقويم‏,‏ وأفضل تسوية‏,‏ وأكمل خلق؛‏ وذلك لأن الله‏ ـ تعالى ـ‏ هو الذي يركِّب كل فرد من أفراد خلقه في الصورة التي يشاء ‏.‏
(4)التصديق بأن الأبرار سوف يُخلَّدون في جنات النعيم‏,‏ وأن الفجار سوف يُخلَّدون في الجحيم الذي لا يستطيعون الخروج منه‏,‏ ولا الفرار عنه ‏.‏
(5) اليقين بأنه في يوم الدين لا تملك نفس لنفس شيئاً وأن الأمر كله بيد الله وحده‏ .‏

من الإشارات العلمية في سورة الانفطار :
‏(1) الإشارة إلى أن نهاية السماء في تصدعها وانشقاقها بأمر من الله‏ ـ‏ تعالى ـ والعلوم المكتسبة تشير إلى إمكانية ذلك بانهيار القوى المتعددة الممسكة بمختلف صور المادة والطاقة فيها‏ .‏
(2)إثبات أن نهاية الكواكب تأتي بانفجارها وانتثار أشلائها‏,‏ ووجود كل من الكويكبات والنيازك والشهب دليل على ذلك‏.‏
(3) ذكر تفجير البحار في يوم القيامة‏,‏ والعلوم المكتسبة تثبت أن جميع محيطات الأرض بدأت بخسوف أرضية عميقة تصل إلى نطاق الضعف الأرضي الذي تندفع منه الصهارة بملايين الأطنان لتدفع جانبي تلك الخسوف يمنة ويسرة حتى تتحول إلى بحار طولية من مثل البحر الأحمر ثم يظل قاعه في الاتساع حتى يصل إلى مرحلة المحيط وإذا فجر قاع المحيط بمعدل أكبر فسوف تغور مياه المحيطات إلى نطاق الضعف الأرضي حيث أخرجت أول مرة‏ .‏
(4)الإشارة إلى بعثرة القبور في يوم البعث ـ أي شقها ـ وتناثر ما فيها حتى ينكشف ما تحويه، بما في ذلك من عجب الذنب، فيطوله ماء السماء الذي ينبت به كل مخلوق من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها، فيتحقق قول الله تعالى‏:
" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ‏" (‏ نوح‏:18,17)‏ .
ويتحقق قول رسولنا‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ
: "‏ ما بين النفختين أربعون‏...‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل‏,‏ ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة "‏ (رواه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما) .‏
(5) التأكيد على خلق الإنسان‏,‏ وتسويته‏,‏ وتعديله‏,‏ وتركيبه في صورة محددة حددها الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ لكل فرد من بني آدم قبل خلقه‏ .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على ما جاء في النقطة الخامسة من القائمة السابقة عن خلق الإنسان وتسويته وتعديله، والتي جاءت في الآيتين‏(7,6)‏ من سورة الانفطار ‏.‏



من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
أولا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ : " الَّذِي خَلَقَكَ " :
جاء الفعل‏(‏ خلق‏)‏ بمشتقاته في القرآن الكريم‏(252)‏ مرة للتأكيد على حقيقة أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ هو خالق كل شيء‏,‏ ولذلك قال‏ ـ عز من قائل ـ :‏
" ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ "‏(‏ الأنعام‏:102) .‏وجاءت الإشارة إلى خلق الإنسان في أكثر من مائة موضع من كتاب الله في مراحل محددة عي النحو التالي ‏:‏
‏(1)‏ " مِن تُرَابٍ " (‏ آل عمران‏:59،‏ الحج‏:5،‏ الروم‏:20،‏ فاطر‏:11،‏ غافر‏:67، الكهف‏:37) .‏
‏(2)‏
" مِّن طِينٍ " ‏( الأنعام‏:2،‏ السجدة‏:7,‏ الأعراف‏:12.11، الإسراء‏:61،‏ ص‏:71-76) .‏
‏(3)‏ " مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ "‏
(‏ الصافات‏:11)‏ .
‏(4)‏
" مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ ‏" ( المؤمنون‏:12‏ ـ‏14) .
‏(5)" مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ " ‏(‏ الحجر‏:26‏ ـ‏33) .‏
‏(6)‏
" مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ ‏" (‏ الرحمن‏:14) .‏
‏(7)
"‏ مِّنَ الأَرْضِ " ‏(‏ طه‏:55،‏ النجم‏:33، نوح‏:18,17،‏ هود‏:61) .‏
‏(8)‏
" مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ ‏" (‏ المرسلات‏:20) .‏
‏(9)‏
" مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ‏" (‏ الطارق‏:6) .‏
‏(10)
" مِنَ المَاءِ " ‏(‏ الفرقان‏:54) .‏
‏(11)‏
" مِن نُّطْفَةٍ "‏ (‏ النحل‏:4،‏ النجم‏:45‏ ـ‏47،‏ القيامة‏:37‏ ـ‏40،‏ عبس‏:17‏ ـ‏19) .‏
‏(12)
"مِنْ عَلَقٍ " (‏ العلق‏:2,1) .‏
‏(13)‏ " مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ "
، ثم من أنفس متعددة ‏(‏ النساء‏:1،‏ الأعراف‏:189،‏ الروم‏:21،‏ الزمر‏:6،‏ لقمان‏:28) .‏
وهذه الآيات القرآنية الكريمة تصف خلق الإنسان من لدن أبينا آدم ـ‏ عليه السلام‏ ـ إلى آخر إنسان‏,‏ وهي مراحل يتمم بعضها بعضا‏ًً,‏ فصَّلها القرآن الكريم؛ لأنها قضية غيبية بالنسبة إلى الإنسان‏,‏ ولذلك فإن الخوض فيها بغير هداية ربانية هو ضرب من التيه الذي لا سبيل للإنسان إلى الخروج منه مهما توافر لديه من أدله مادية؛‏ وذلك لأن النقلة من طين الأرض إلى الخلية الحية لا يمكن لها أن تتم بغير قدرة الخالق الباريء المصور، وقد وصف ذلك بقوله العزيز‏ : " الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ .ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ .ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ" (‏ السجدة‏:7‏ ـ‏9) .‏
وجسم الإنسان مكون من تريليونات الخلايا التي تتنوع بتنوع وظائفها‏، وأغلب هذه الخلايا على قدر من الضآلة بحيث لا يتعدى قطر الخلية منها ‏0,03‏ من الملليمتر‏,‏ وهي على الرغم من ذلك بناء معقد غاية التعقيد‏,‏ وتعمل بإحكام تعجز عن محاكاته أضخم المصانع التي بناها الإنسان‏,‏ بل التي فكر في إنشائها ولم يتمكن من ذلك بعد‏,‏ ويتضح ذلك من مكونات الخلية التي يمكن إيجازها فيما يلي ‏:‏

مكونات الخلية الحية‏ :‏
(1) جدار الخلية ‏
(Cell Wall) :وهو جدار غشائي‏,‏ مرن‏,‏ حي‏,‏ مكون من أعداد من البروتينات والشحميات الفوسفاتية‏,‏ أعطاه الله‏ ـ تعالى‏ ـ القدرة على التحكم في كل ما يدخل إلى الخلية أو يخرج منها‏,‏ وعلى التفاعل بحيوية مع الخلايا المجاورة‏ .‏
(2)السائل الخلوي أو الهيولي
‏(Cytoplasm): وهو سائل يملأ جدار الخلية‏,‏ كثيف القوام جيلاتيني‏,‏ ذو تركيب معقد‏,‏ ويحوي العديد من العضيات‏(Organelles)‏ التي لكل واحدة منها وظائفها الحيوية الخاصة‏,‏ وفيه تنتج جميع البروتينات التي تحتاجها الخلية في نموها وفي ترميم ما يعطب من أجزائها المختلفة‏.‏
(3) الحبيبات
‏(Granules):‏ وهي حبيبات دقيقة منتشرة في السائل الخلوي، ولها العديد من الوظائف الحيوية فيه‏ .‏
(4) الريباسات أو الجسيمات الريبية ‏
(Ribosomes):‏ وهي عضيات دقيقة جدا‏ًً,‏ منتشرة في السائل الخلوي‏,‏ ومكونة من مواد بروتينية بالإضافة إلى الحمض النووي الريبي‏(RNA)،‏ وهي مراكز تخلق البروتينات التي تحتاجها الخلية ‏.‏
(5) جهاز جولجي ‏(TheGolgiApparatus):‏ وهو عبارة عن تكتلات غشائية عائمة في السائل الخلوي، تقوم بإفراز أعداد من العصائر لتنشيط دور الإنزيمات داخل الخلية الحية‏ .‏
(6) الجسيمات الحالة ‏
(Lysosomes) :‏ وهي خزانات غشائية تقوم بخزن الإنزيمات المنتجة وعزلها عن بقية سوائل الخلية‏ .‏
(7) المتقدرات ‏
(Mitochondria):‏ وهي مطويات غشائية، أعطاها الله‏ ـ تعالى ـ‏ القدرة على تحويل جزء مما يصل إلى الخلية من غذاء إلى طاقة ‏.‏
(8) الفجوات الخازنة للخلية‏
(Cellsroragevacuoles):‏ وهي أكياس غشائية دقيقة جداً، تقوم بخزن عدد من المركبات الكيميائية الخاصة‏ .‏
(9) الفجوات المنقبضة للخلية ‏
(CellContractilevacuoles) :‏ وهي خزانات غشائية تقوم بطرد السوائل الزائدة على الحاجة‏,‏ والفضلات الناتجة عن مختلف أنشطة الخلية إلى خارجها ‏.‏
(10) الشبكة الهيولية الداخلية ‏(TheEndoplamicReticulam) :‏ وهي طيات غشائية دقيقة، تكون عدداً من الراقات والأنابيب الشعرية الدقيقة التي تشكل أسطحاً وممرات للتفاعلات الكيميائية المعقدة‏,‏ ثم تقوم بنقل نواتج تلك التفاعلات إلى مختلف أجزاء الخلية‏,‏ وبعض هذه الراقات والأنابيب أملس‏,‏ والبعض الآخر خشن السطح، ولكلٍ وظائفه الخاصة به‏ .‏
‏(11)‏ نواة الخلية
‏(TheCellNucleus) :‏ وهي أكبر جسيمات الخلية حجما‏ًً,‏ وأرفعها قدرا‏ًً؛‏ لأنها تحكم كل أنشطة الخلية وتنظمها‏,‏ وتنسق بينها‏.‏ ونواة الخلية محاطة بغشاء خاص يفصلها عن السائل الخلوي‏,‏ وهي تحوي عدداً محدداً من الجسيمات الصبغية‏(‏ الصبغيات‏)‏ ، وعددها في خلية الكائن الحي محدد للنوع‏،‏ وهذه الصبغيات تحمل المورثات‏(Genes)‏ التي تحدد الصفات الوراثية للخلية‏,‏ وللكائن المبني جسده من مثل تلك الخلية‏,‏ ولنسله من بعده إلى قيام الساعة ‏.‏
‏(12)‏ نوية الخلية‏
(The Cell Nucleolus):‏ وهي عبارة عن تجمع كثيف لجزيئات الحمض النووي الريبي‏(RNA)‏ مكدس في داخل النواة‏,‏ ووظيفته إنتاج وتخزين الجسيمات الريبية أو الريباسات ‏(Ribosomes) .‏
‏(13)‏ الأنَيْبِيبَات الدقيقة للخلية‏
(The Cell's Microtubules):‏ وهي أنابيب أدق من الشعرية‏,‏فارغة‏,‏ مكونة من مواد بروتينية تعطي للخلية قدراً من التدعيم‏,‏ وتسمح لها بالحركة‏ . ‏
‏(14)‏ الشعيرات الدقيقة للخلية‏
(The Cell's Microfilaments):‏ وهي خيوط أدق من الشعرية‏,‏ مكونة من مواد بروتينية تعطي للخلية قدراً من التدعيم، وتسمح لها بشيء من الحركة ‏.‏
‏(15)‏ مريكزات الخلية‏
(The Cell's Centrioles):‏ وهي شعيرات أنبوبية فائقة الدقة، يبدو أن لها علاقة بعملية انقسام الخلية‏ .‏

‏(16)‏ الجسيمات الصبغية أو الصبغيات‏(The Chromosomes):‏ وهي جسيمات دقيقة جداً في نواة الخلية‏,‏ سميت بهذا الاسم لتلونها بالأصباغ التي تضاف إلى الخلية الحية بشدة أكثر من غيرها من مكونات الخلية‏,‏ وعددها في نواة الخلية محدد لكل نوع من أنواع الحياة‏,‏ وعددها في الخلية البشرية‏(46)‏ مرتبة في‏(23)‏ زوجاً في نوى كل الخلايا التي تحمل نواة‏‏ ما عدا خلايا التكاثر التي يحمل كلٌ منها نصف هذا العدد‏ ـ‏ أي‏23‏ صبغياً فقط‏ ـ‏ فإذا اتحدت النطفتان الذكرية والأنثوية تكامل عدد الصبغيات إلى‏(46)‏ في النطفة الأمشاج‏ ـ المختلطة‏ ـ‏ وبذلك يأتي الأبناء على قدر من التشابه والاختلاف مع الوالدين‏,‏ مما يحقق هذا التنوع البديع في الخلق‏ .‏
وتتكون الصبغيات من تجمعات الحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين
‏(DNA)‏ ومن البروتينات بنسب متساوية تقريبا‏ًً .‏
‏(17)‏ جزئي الحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين‏
DNA‏ : ويتكون من لفائف متناهية الدقة، تتكون كل لفافة منها من سلسلتين ملتحمتين في الوسط‏,‏ وتتكون كل سلسلة منهما من عدد من القواعد النيتروجينية وجزيئات السكر والفوسفات‏ ، وتلتف السلسلتان حول محور وهمي على هيئة حلزونية مطوية طياً شديداً تعرف باسم اللفائف الحلزونية مزدوجة الجدار للحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين‏(Double Helix DNA strands)،‏ ويبلغ قطر هذا الحلزون واحداً من نصف مليون جزء من الملليمتر‏,‏ ويبلغ حجمه وهو مكدس على ذاته في داخل الجسيم الصبغي واحداً من المليون من الملليمتر المكعب‏,‏ ويبلغ سُمْكه واحداً من خمسين مليون من الملليمتر‏ .‏
وإذا فُرِدَ هذا الحلزون فإن طول جزيء الحمض النووي المكون له يصل إلى حوالي الأربعة سنتيمترات تحوي أكثر من أربعمائة مليون جزيء من القواعد النيتروجينية والسكر والفوسفات‏(404,347,800‏ جزيئات‏),‏ وهذه الجزيئات مرتبة ترتيبات دقيقاً مُبهِراً يعطي لكل فرد من بني آدم بصمة وراثية تميزه عن غيره‏,‏ ومعنى ذلك أنه إذا تم فرد جميع الصبغيات في خلية بشرية واحدة‏,‏ وتم رصها بجوار بعضها البعض، فإن طولها يصل إلى حوالي المترين‏(46‏ صبغيا‏4‏ سم‏=184‏ سم‏),‏ وإذا تم ذلك بالنسبة للصبغيات الموجودة في جسم فرد بالغ متوسط الحجم من بني آدم يحمل جسمه حوالي التريليون خلية في المتوسط‏,‏ فإن طول شيفرته الوراثية يزيد على طول المسافة بين الأرض والشمس‏، والمقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلو متر‏ بأكثر من عشر مرات‏ (3‏ و‏12‏ مرة تقريباً‏) .‏

وإذا كان الصبغي الواحد يحتوي على أكثر من أربعمائة مليون جزيء من القواعد النيتروجينية والسكر والفوسفات، فإن صبغيات خلية بشرية واحدة تحتوي على‏18,6‏ بليون جزيء من تلك الجزيئات المرتبة ترتيباً في غاية الدقة والإحكام‏,‏ وإذا اختل وضع جزيء واحد من هذه الجزيئات فإن الكائن الذي يحمله إما أن يشوه أو ألا يكون‏،‏ وعلى الرغم من التشابه الشديد للتركيب الكيميائي للحمض النووي الريبي منزوع الأكسجين‏ (DNA)‏ بين جميع بني آدم إلى‏99,9%,‏ فإن النسبة الباقية ـ وهي‏0,1%‏ ـ كافية لإعطاء كل فرد من بني آدم بصمة وراثية مميزة له عن غيره ‏.
‏(18)‏ المورثات ‏(Genes) :‏ يقسم كل صبغي على طوله بعدد من العلامات المميزة‏(Markers)‏ إلى وحدات طولية في كلٍ منها عدد من المورثات التي يتحكم كلٌ منها في صفة واحدة أو في عدد من صفات الخلية الحية‏,‏ وبالتالي صفات الجسد الذي يحملها‏.‏ والمورث هو جزء من جزيء الـ‏(DNA)‏، يتحكم في إصدار الأمر بإنتاج بروتين أو بيبتيد‏(Peptide)‏ معين‏.‏ وتوجد المورثات في زوجية واضحة يحتل كل مورث منهما مكانه على أحد جداري اللفيفة مزدوجة الجدار‏ .‏
‏(19)‏ الشفيرات‏
(Codons):‏ يتكون كل مورث من عدد محدد من الشفيرات‏,‏ تتكون كل واحدة منها من ثلاث نويدات‏ .‏
‏(20)‏ النويدات‏
(Nucleotides):‏ تتكون النويدة من زوج من القواعد النيتروجينية، تستند كل قاعدة منهما إلى جزيئين، أحدهما من السكر والآخر من الفوسفات‏,‏ حيث تكون جزيئات السكر والفوسفات جداري اللفيفة الحلزونية المزدوجة الجدار للحمض النووي‏(DNA)‏، وتنتشر بينها أزواج القواعد النيتروجينية على هيئة درجات السلم الخشبي المتوازي الجانبين في علاقات تبادلية محكمة ‏.‏
‏(21)‏ بروتينات الخلية الحية ‏
(The Living Cell Proteins) : ‏أعطى الخالق‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ الخلية الحية من خلايا جسم الإنسان القدرة على إنتاج أكثر من ثمانين ألف نوع مختلف من البروتينات‏,‏ وهذه البروتينات تتكون من عشرين نوعاً فقط من الأحماض الأمينية التي تترتب ذراتها ترتيباً يسارياً في أجساد كل الكائنات الحية‏,‏ وتترتب ترتيباً يسارياً كذلك في بناء جزيئات جميع البروتينات‏,‏ وترتبط مع بعضها البعض برباط واحد اسمه الرباط البيبتيدي ‏(The Peptide Bond),‏ ولكن بمجرد وفاة الخلية الحية يعيد كل ذلك ترتيب ذراته ترتيباً يمينياً بمعدلات ثابتة تمكن الدارسين من تحديد لحظة الوفاة للخلية بدقة بالغة ‏.‏
هذا التعقيد المذهل في بناء الخلية الحية‏,‏ وفي الوظائف التي تقوم بها لا يترك مجالاً لعاقل إلا أن يسلم بحقيقة الخلق‏,‏ وعظمة الخالق‏؛ وذلك لأن النقلة من طين الأرض إلى هذا البناء المذهل للخلية الحية لا يمكن لها أن تتم إلا بتدبير من الله القادر العليم الخبير الحكيم‏ .‏
وإذا كان المنطق السوي يستبعد إمكانية تكون خلية حية واحدة من طين الأرض بطريقة تلقائية‏ عفوية‏,‏ فإن خلق إنسان بالغ بجسد يضم تريليوناً من الخلايا في المتوسط‏,‏ وهي خلايا متخصصة‏,‏ تنتظمها أنسجة متخصصة‏ في أعضاء متخصصة‏‏ في نظم متخصصة‏,‏ تعمل جميعها في توافق عجيب لخدمة ذلك الجسد الإنساني، فإن خلق ذلك يكون أشد استحالة على العشوائية أو العفوية والصدفة . ومن هنا كان التأكيد على حقيقة الخلق بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ " ‏(‏الانفطار‏:7,6)‏ .

ثانياً‏:‏ في قوله ـ تعالى ـ"‏ فَسَوَّاكَ.. " :‏
إذا كان المقصود بالخلق هو التقدير المستقيم في إبداع شيء على غير مثال سابق، فإن ذلك يشمل خلق الإنسان الأول كما يشمل خلق النطف‏,‏ وإذا كان المقصود بالخلق هو إيجاد شيء من شيء آخر، فإن ذلك يشمل كل مراحل الجنين الإنساني‏,‏ أما التسوية فتشمل تهيئة النطفة الأمشاج تهيئة كاملة لكي تكون جنيناً ناجحاً بصفات محددة‏ .‏ والتسوية هي مرحلة بعد طور النطفة الأمشاج، وقبل نفخ الروح الذي يتم بعد طور المضغة بدليل قول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
‏‏" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَأٍ مَّسْنُونٍ .‏ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ‏" ‏(‏الحجر‏:29,28) .‏
‏‏ " قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً "‏ (‏ الكهف‏:37).‏
‏‏" الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ .‏ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ .‏ ‏ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ‏" (‏ السجدة‏:7‏ ـ‏9)‏ .
‏‏
" إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ ‏ .‏  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ "‏
(‏ ص‏:72,71)‏ .
‏ " أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى .‏ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَى .‏ ‏ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ‏ .‏ فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنثَى ‏.‏ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يُحْيِيَ المَوْتَى "‏‏(‏القيامة‏:36‏ ـ‏40) .‏
‏‏" سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى .‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى "
‏ (‏ الأعلى‏:2,1) .‏
 وتتأكد حقيقة أن نفخ الروح في الجنين يتم بعد طور المضغة من أقوال رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ التي منها ما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن عبدالله بن مسعود‏ ـ رضي الله عنه‏ ـ قال‏:‏ حدثنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق ـ قال‏ : ‏" إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً‏,‏ ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك‏,‏ ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك‏,‏ ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات‏:‏ يكتب رزقه ، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد "‏ .‏
‏ ومنها ما رواه الإمام مسلم أيضاً عن حذيفة‏ ـ‏ رضي الله عنه ـ‏ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قال‏: ‏" إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها‏,‏ وخلق سمعها‏,‏ وبصرها‏,‏ وجلدها‏,‏ ولحمها‏,‏ وعظامها‏,‏ ثم قال‏:‏ يارب أذكر أم أنثى‏,‏ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب المَلَك "‏ .‏
ومعنى الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة المذكورة أعلاه أن تسوية خلقة الجنين تتم في مرحلتي العلقة والمضغة‏,‏ وطور العلقة يبدأ في اليوم الخامس عشر بعد الإخصاب، ويستمر إلى اليوم الثالث والعشرين أو الرابع والعشرين أو الخامس والعشرين من عمر الجنين‏,‏ بينما يبدأ طور المضغة من اليوم الرابع والعشرين إلى السادس والعشرين، ويستمر إلى نهاية الأسبوع السادس من عمر الجنين ، أي إلى اليوم الثاني والأربعين كما حدده رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وإلى هذه المرحلة .
والجنين ليست له أية ملامح بشرية، ولكن مع بداية الأسبوع السابع من عمر الجنين فإن الهيكل الغضروفي يبدأ في الانتشار في المضغة‏,‏ ثم يتكلس معظم هذه الغضاريف فتتحول ـ بإرادة الله ـ إلى العظام، ومن ثم تُكسِى العظام باللحم‏ ـ‏ العضلات والجلد .‏

ثالثاً‏:‏ في قوله ـ تعالى‏ ـ :" فَعَدَلَكَ " :‏
تعتبر مرحلة العظام وكسوتها باللحم نهاية فترة التخلق، ولذلك يبدأ الجنين في اتخاذ المظهر الآدمي‏,‏ ولعل هذه النقلة النوعية هي المقصودة بقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ
: ‏" الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ " ‏(‏ الانفطار‏:7)‏ .
وقد أطلق القرآن الكريم على طور العظام وكسوتها باللحم‏ ـ العضلات والجلد‏ ـ‏ تعبير التعديل؛ وذلك بسبب الاستواء الطارئ على مظهر الجنين‏,‏ وما يصاحب ذلك الاستواء من علاقات جديدة بين مختلف خلايا وأنسجة وأعضاء وأنظمة جسد ذلك الجنين‏,‏ فيأخذ في الاعتدال واكتساب الهيئة الآدمية الأولية التي تتميز بكثير من التناسق، مما يمكِّن الجنين من البدء في التحرك في بطن أمه ‏.‏
وتبدأ كسوة العظام باللحم في الأسبوع الثامن من عمر الجنين ـ‏ من اليوم الخمسين إلى السادس والخمسين من عمر الجنين ـ‏ وتعتبر نهاية الأسبوع الثامن‏ ـ‏ اليوم السادس والخمسين من عمر الجنين‏ ـ‏ حداً فاصلاً بين مرحلتي الجنين
‏(Embryo)‏ والحميل ‏(Foetus) .‏
وهذه المراحل المتتالية من الخلق‏,‏ والتسوية‏,‏ والتعديل‏,‏ لم تُدرك إلا بعد تطور علم الأجنة في العقود المتأخرة من القرن العشرين‏,‏ وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها في هذه السورة المباركة‏,‏ وتسميتها بأسمائها المحددة في أكثر من مائة موضع من مواضع كتاب الله الكريم لمما يقطع لكل ذي بصيرة بأن القرآن الكريم لا يمكن أن يكون صناعة بشرية‏,‏ بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ على مدى الأربعة عشر قرناً الماضية‏,‏ حفظه حفظاً كاملاً، وتعهد‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ بذلك الحفظ إلى قيام الساعة حتى يبقى القرآن الكريم شاهداً على الناس كافة إلى يوم الدين ‏.‏ فالحمد لله على نعمة الإسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والحمد لله على بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بالدين الخاتم الذي ختمت به رسالات السماء‏,‏ وانقطعت النبوة ، فلا يرتضي ربنا ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ من عباده ديناً سواه ‏.