" أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ‏" (النحل‏:45)‏


هذه الآية الكريمة جاءت في بداية الثلث الثاني من سورة النحل‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(128)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل ‏.
وتبدأ هذه السورة الكريمة بالتحذير من أهوال الآخرة‏,‏ ومن شناعة جريمة الشرك بالله ـ تعالى‏ ـ‏ فتقول ‏:"أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " 
 (‏ النحل‏:1)‏ .
ثم تتابع بالتأكيد على حقيقة الوحي الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ على الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم لهداية الخلق إلى عبادته‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وحده‏,‏ وأن يحذروهم من مغبة الشرك به‏,‏ وفي ذلك تقول ‏:   "يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ‏"‏
(‏النحل‏:2)‏ .
وتستعرض عدداً من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏ ، وذلك في الآيات (‏3‏ ـ‏16) .
وتنتقل إلى تأكيد الفارق بين الخالق والمخلوقين فتقول‏ : " أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ . وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ‏"‏ 
  ( النحل‏:17‏ ـ‏19) .‏

وتعاود إلى التأكيد على وحدانية الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وإلى استنكار جريمة الشرك به‏,‏ وإلى التحذير من كبر المستكبرين ومن أوزار المشركين (‏النحل‏:20‏ ـ‏25)‏ . وفي التأكيد على أن الله‏ ـ تعالى ـ لا يُنزِل عقابه بخلقه إلا نتيجة لمكرهم‏,‏ وكفرهم‏,‏ أو شركهم‏,‏ أو عصيانهم‏,‏ ومبارزتهم لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالمعاصي‏,‏ فتقول‏: ‏" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الكَافِرِينَ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ " (النحل‏:26‏ ــ‏29) .
وفي المقابل تذكر الآيات جزاء المتقين من عباد الله المؤمنين فتقول‏:‏" جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ "‏ 
  (‏النحل‏:31‏ ـ‏32) .
 وتعاود الآيات تبكيت المنكرين بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وإلى تأكيد حقيقة أنه ما نزل عقاب إلا بذنب فتقول‏:
" هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ "  (النحل‏34,33) .‏   

وتنعي الآيات على الذين أشركوا، والذين حرَّموا ما أحل الله، وأحلُّوا حرماته‏,‏ وذلك بادعاءهم الكاذب بأن ذلك هو قدر الله عليهم‏,‏ وتنفي ذلك مؤكدة أنه ما على الرسل إلا البلاغ المبين‏,‏ وأن الله قد بعث في كل أمة رسولاً يأمرهم بعبادته وحده‏,‏ وباجتناب الطاغوت، فكان من هذه الأمم من هدى اللهُ، ومن حقت عليه الضلالة‏,‏ وتدعو ـ أي السورة ـ الخلق إلى السير في الأرض للاعتبار بعقاب المكذبين من الأمم السابقة‏ .‏ ثم يتوجه الخطاب من الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في شأن المُكذَِّبين بالبعث فيقول ‏:" إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ . وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ . إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ‏" (‏النحل‏:37‏ ـ‏40) .
وتؤكد الآيات أن الذين اضطروا إلى الهجرة من ديارهم فراراً بدينهم من ظلم جبابرة الأرض وعتاتها سوف يعوضهم الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في الدنيا‏,‏ ويضاعف لهم الأجر في الآخرة‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ : " وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏"  (النحل‏:42,41) .وتعاود الآيات توجيه الخطاب لرسول الله ، مؤكدة وحدة رسالة السماء‏,‏ وبشرية كل الأنبياء‏,‏ وتكامل الوحي في القرآن الكريم وفي سنته ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومحذرة من عقاب الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ للذين يمكرون المكر السيئ فتقول ‏: ‏" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ‏. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏. أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ‏ " (‏النحل‏:43‏ ـ‏47) .‏

وتجزم الآيات بأن كل ما له ظل من خلق الله ـ كالجمادات والنباتات والحيوانات ـ‏ تتحرك ظلاله منقادة لأمر الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ في نمط من العبادة التسخيرية التي فطرت عليها‏,‏ وهي خاضعة في ذلك خضوع الطاعة والذل لله الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وليس هذا فقط، بل إن جميع من في السماوات والأرض من ملائكة ودواب يسجد لله‏ ـ‏ سبحانه ـ إيماناً به، وطاعة له، ورهبة لجلاله‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :" أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ‏. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ‏"   (‏النحل‏:48‏ ـ‏50) .
وتعاود الآيات في سورة النحل النهي عن الشرك بالله ـ‏ تعالى‏ ـ نهياً قاطعا‏ًً,‏ مؤكدة وحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وجازمة بضرورة رهبة الخلق لله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ الذي له ملك السماوات والأرض‏,‏ وله الدين وحده دائما‏ً,‏ خالصاً وواجباً ؛‏ لأنه صاحب النعم على جميع خلقه‏,‏ وكاشف الضر عنهم إذا مسهم وجأروا إليه بالشكوى‏,‏ وإن كان فريق من عباده يعاود الشرك بمجرد كشف الضر عنه‏,‏ وهؤلاء تتهددهم الآيات بعذاب الآخرة فتقول ‏:" وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ . وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ‏. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ " 
(النحل‏:51‏ ـ‏56) .‏
وتعيب الآيات على المشركين جعل نصيب مما رزقهم الله لأوثانهم تقرباً بها‏,‏ ويقسم ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ بذاته العلية بأنه سوف يسألهم عما كانوا يفترونه من الكذب، ويختلقونه من الباطل، وسوف يجازيهم عليها الجزاء الأوفى .‏ وتستنكر الآيات بعد ذلك زعم الكفار والمشركين أنوثة الملائكة‏,‏ وادعاءهم الباطل أنهم بنات الله ـ تعالى الله عن ذلك علوُّاً كبيراً ـ‏ في الوقت الذي يختصون أنفسهم بالذكور من الأولاد‏ ؛ وذلك انطلاقاً من كراهيتهم الجائرة للإناث إلى درجة أنهم كانوا يئدونهن أحياء كما تقول الآيات ‏: ‏" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَداًّ وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏.‏ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ‏. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ‏"  (‏النحل‏:58‏ ـ‏62) .‏
ثم تعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فتقول‏ :‏" تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
‏(‏النحل‏:64,63) .‏ وتعاود سورة النحل عرض عدد من آيات الله في الخلق، وفي أفضاله على خلقه‏,‏ وتعتب على الضالين من عباده الكفر بنعمائه‏,‏ والإيمان بالباطل، والصد عن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أو الشرك به . وفي ذلك تقول‏: ‏" وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ‏. وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ‏. فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ‏" ‏(‏النحل‏:72‏ ـ‏74) .‏

وتقارن الآيات بعد ذلك بين حقيقة التوحيد الخالص لله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وفلاح الموحدين من جهة‏,‏ وبين فساد الشرك وهلاك المشركين من جهة أخرى‏,‏ مؤكدة أن الغيب المطلق في السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله‏ ـ تعالى ـ وأن من هذا الغيب المطلق أمر الساعة التي لا تأتي إلا بغتة‏ . وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏"(‏ النحل‏:77) .‏وتجدد الآيات في سورة النحل استعراض عدد من آيات الله في الخلق ومن نعم الله على عباده ‏(‏ النحل‏:78‏ ــ‏81)،‏ ثم توجه الخطاب إلى خاتم أنبياء الله ورسله، وإلى كل حامل للواء دعوته من بعده‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ مُهوِّناً عليه وعليهم كفر الكافرين، وشرك المشركين فتقول‏ :
‏" فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ . يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ . وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ‏. وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ . وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ القَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ‏. وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ . وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " 
(‏النحل‏:82‏ ـ‏89) .
وتستطرد الآيات بعد ذلك بعدد من القواعد الرئيسية لمكارم الأخلاق‏,‏ والضوابط الربانية للسلوك البشري الراقي فتقول‏ : ‏" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ‏. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏.‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏.‏ وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ "
‏‏(النحل‏:90‏ ـ‏95) .‏
وتحض الآيات على العمل الصالح فتقول ‏:‏" مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏"‏
(‏ النحل‏:97) .‏
ويأمر ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ، كما يأمر كل مسلم ومن بعده إلى يوم الدين ـ أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل البدء بقراءة القرآن الكريم‏,‏ مؤكداً أن الشيطان‏: " لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ‏"‏
 (‏النحل‏:99، 100) .‏

وتلمِّح الآيات بعد ذلك إلى إمكانية نسخ أية بآية أخرى‏,‏ مما أثار ـ ولايزال يثير ـ احتجاج بعض الكافرين؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة وحي السماء بالقرآن الكريم‏,‏ فادعوا ـ ولايزالون يدعون ـ أن بشراً قد علمه لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وترد عليهم الآيات بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ :‏" وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ‏. قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ‏. إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏.‏ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ " (‏النحل‏:101‏ ـ ‏105) .‏
وتؤكد الآيات بعد ذلك أن الذين ينطقون بالكفر بعد الإيمان عليهم غضب من الله‏,‏ إلا من أُكْرِهَ وقلبه عامر بالإيمان، فذلك ناجٍ من غضب الله‏،‏ أما أولئك الذين تنشرح قلوبهم للكفر، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم‏ .‏ وتعلل الآيات حكم الله فيهم بقوله‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ ‏. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ‏ . لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الخَاسِرُونَ ‏"
 ‏(‏النحل‏:107‏ ـ ‏109) .‏
وفي المقابل تمتدح الآيات مواقف المجاهدين الصابرين فتقول ‏: " ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ . يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون ‏"   ‏(‏ النحل‏:110، 111) .‏
وفي إعادة التأكيد على أنه مانزل عقاب من الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلا بذنب . تقول الآيات في سورة النحل‏ : " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ . وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ "
‏(‏ النحل‏:112، 113) .‏

وتعرض الآيات في خواتيم سورة النحل للمحرمات من الطعام‏,‏ آمرة بالأكل من طيبات ما أحل الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ومؤكدة أن التحليل والتحريم من سلطات الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وحده‏,‏ ولا يتجرَّأ على ذلك أحد من دون أمر الله إلا كاذب‏,‏ وهؤلاء الذين يفترون الكذب على الله‏ ـ سبحانه‏ ـ لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة‏,‏ فمتاعهم في الدنيا قليل، ولهم في الآخرة عذاب أليم‏؛ ذلك لأنهم كذبوا على الله‏،‏ وخالفوا أوامره‏,‏ وحرَّفوا دينه‏,‏ واشتروا به ثمناً قليلا‏ًً,‏ ولذلك حرَّم الله ‏ـ‏ تعالى‏ ـ عليهم من الطعام ما كان مباحاً لهم من قبل بسبب تماديهم في الشر‏,‏ وتجاوزهم حدود الله‏ ـ‏ تعالى ـ : " وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏"‏ (‏النحل‏:118) .
وتؤكد الآيات أن الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون بعد ذلك ويصلحون فإن الله‏ ـ تعالى‏ ـ لغفور رحيم‏ .‏ وقبل أن تختتم سورة النحل تعرض لشيء من ذكر أبي الأنبياء ابراهيم‏ ـ عليه السلام ـ فتقول‏:" إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ‏. شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ"‏ 
 (‏النحل‏:120-122) .‏
وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين باتباع ملة إبراهيم على التوحيد الخالص فتقول‏: " ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ "
( النحل‏:123) .
وتعيب الآيات على اليهود اختلافهم في يوم عبادتهم الأسبوعية فتقول‏:‏" إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِوَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يختلفون "
(‏ النحل‏:124) .‏
وتختتم سورة النحل بأمر من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فتقول : " ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ‏. وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ ‏. إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ "
(‏ النحل‏:125‏ ـ ‏128) .‏
هذا وقد سبق لنا تلخيص كلٍ من ركائز العقيدة‏,‏ ومكارم الأخلاق التي تدعو إليها سورة النحل، وكذلك الإشارات الكونية التي جاءت فيها، ولا أرى ضرورة لإعادة ذلك هنا‏,‏ ولكني سوف أركز على الآيات ‏(45‏ ـ‏47)‏ وما بها من حقائق‏ .‏ هذه الآية الكريمة جاءت في بداية الثلث الثاني من سورة النحل‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏(128)‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل ‏.‏ وتبدأ هذه السورة الكريمة بالتحذير من أهوال الآخرة‏,‏ ومن شناعة جريمة الشرك بالله ـ تعالى‏ ـ‏ فتقول ‏:" أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " (‏ النحل‏:1)‏ .ثم تتابع بالتأكيد على حقيقة الوحي الذي أنزله ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ على الأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم لهداية الخلق إلى عبادته‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وحده‏,‏ وأن يحذروهم من مغبة الشرك به‏,‏ وفي ذلك تقول ‏:‏"يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاتَّقُونِ ‏"‏ (‏النحل‏:2)‏ .
وتستعرض عدداً من الآيات الكونية الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة في الخلق‏ ، وذلك في الآيات (‏3‏ ـ‏16) . وتنتقل إلى تأكيد الفارق بين الخالق والمخلوقين فتقول‏ :" أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ . وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ . وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ‏"‏ 
( النحل‏:17‏ ـ‏19) .‏
وتعاود إلى التأكيد على وحدانية الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وإلى استنكار جريمة الشرك به‏,‏ وإلى التحذير من كبر المستكبرين ومن أوزار المشركين (‏النحل‏:20‏ ـ‏25)‏ . وفي التأكيد على أن الله‏ ـ تعالى ـ لا يُنزِل عقابه بخلقه إلا نتيجة لمكرهم‏,‏ وكفرهم‏,‏ أو شركهم‏,‏ أو عصيانهم‏,‏ ومبارزتهم لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالمعاصي‏,‏ فتقول‏:‏" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الكَافِرِينَ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ " (النحل‏:26‏ ــ‏29) . ‏وفي المقابل تذكر الآيات جزاء المتقين من عباد الله المؤمنين فتقول‏: ‏" جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ المُتَّقِينَ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ "‏ 
 (‏النحل‏:31‏ ـ‏32) .  وتعاود الآيات تبكيت المنكرين بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ وإلى تأكيد حقيقة أنه ما نزل عقاب إلا بذنب فتقول‏: ‏" هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ "(النحل‏:34,33) .‏  

وتنعي الآيات على الذين أشركوا، والذين حرَّموا ما أحل الله، وأحلُّوا حرماته‏,‏ وذلك بادعاءهم الكاذب بأن ذلك هو قدر الله عليهم‏,‏ وتنفي ذلك مؤكدة أنه ما على الرسل إلا البلاغ المبين‏,‏ وأن الله قد بعث في كل أمة رسولاً يأمرهم بعبادته وحده‏,‏ وباجتناب الطاغوت، فكان من هذه الأمم من هدى اللهُ، ومن حقت عليه الضلالة‏,‏ وتدعو ـ أي السورة ـ الخلق إلى السير في الأرض للاعتبار بعقاب المكذبين من الأمم السابقة‏ .‏ ثم يتوجه الخطاب من الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في شأن المُكذَِّبين بالبعث فيقول ‏:‏ " إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ . وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقاًّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ . لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ . إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ‏"‏   (‏النحل‏:37‏ ـ‏40) .‏

وتؤكد الآيات أن الذين اضطروا إلى الهجرة من ديارهم فراراً بدينهم من ظلم جبابرة الأرض وعتاتها سوف يعوضهم الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في الدنيا‏,‏ ويضاعف لهم الأجر في الآخرة‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :" وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ . الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏"‏  (النحل‏:42,41) .‏
وتعاود الآيات توجيه الخطاب لرسول الله ، مؤكدة وحدة رسالة السماء‏,‏ وبشرية كل الأنبياء‏,‏ وتكامل الوحي في القرآن الكريم وفي سنته ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ومحذرة من عقاب الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ للذين يمكرون المكر السيئ فتقول ‏:‏" وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ‏. بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ‏. أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ‏ " 
  (‏النحل‏:43‏ ـ‏47) .‏
وتجزم الآيات بأن كل ما له ظل من خلق الله ـ كالجمادات والنباتات والحيوانات ـ‏ تتحرك ظلاله منقادة لأمر الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ في نمط من العبادة التسخيرية التي فطرت عليها‏,‏ وهي خاضعة في ذلك خضوع الطاعة والذل لله الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وليس هذا فقط، بل إن جميع من في السماوات والأرض من ملائكة ودواب يسجد لله‏ ـ‏ سبحانه ـ إيماناً به، وطاعة له، ورهبة لجلاله‏ .‏ وفي ذلك تقول الآيات‏ :‏ " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ اليَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّداً لِّلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ‏. وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِن دَابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ . يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ‏" 
 (‏النحل‏:48‏ ـ‏50) .‏
وتعاود الآيات في سورة النحل النهي عن الشرك بالله ـ‏ تعالى‏ ـ نهياً قاطعا‏ًً,‏ مؤكدة وحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه‏,‏ وجازمة بضرورة رهبة الخلق لله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ الذي له ملك السماوات والأرض‏,‏ وله الدين وحده دائما‏ً,‏ خالصاً وواجباً ؛‏ لأنه صاحب النعم على جميع خلقه‏,‏ وكاشف الضر عنهم إذا مسهم وجأروا إليه بالشكوى‏,‏ وإن كان فريق من عباده يعاود الشرك بمجرد كشف الضر عنه‏,‏ وهؤلاء تتهددهم الآيات بعذاب الآخرة فتقول ‏:" وَقَالَ اللَّهُ لاَ تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ . وَلَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِباً أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ . وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ‏. ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ . لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ . وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِّمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ "
    (النحل‏:51‏ ـ‏56) .‏
وتعيب الآيات على المشركين جعل نصيب مما رزقهم الله لأوثانهم تقرباً بها‏,‏ ويقسم ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ بذاته العلية بأنه سوف يسألهم عما كانوا يفترونه من الكذب، ويختلقونه من الباطل، وسوف يجازيهم عليها الجزاء الأوفى .‏ وتستنكر الآيات بعد ذلك زعم الكفار والمشركين أنوثة الملائكة‏,‏ وادعاءهم الباطل أنهم بنات الله ـ تعالى الله عن ذلك علوُّاً كبيراً ـ‏ في الوقت الذي يختصون أنفسهم بالذكور من الأولاد‏ ؛ وذلك انطلاقاً من كراهيتهم الجائرة للإناث إلى درجة أنهم كانوا يئدونهن أحياء كما تقول الآيات ‏: ‏" وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَداًّ وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوَارَى مِنَ القَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ‏.‏ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ المَثَلُ الأَعْلَى وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ . وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ ‏. وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ ‏" 
 (‏النحل‏:58‏ ـ‏62) .‏
ثم تعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فتقول‏ : ‏" تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ " 
‏(‏النحل‏:64,63) .‏
وتعاود سورة النحل عرض عدد من آيات الله في الخلق، وفي أفضاله على خلقه‏,‏ وتعتب على الضالين من عباده الكفر بنعمائه‏,‏ والإيمان بالباطل، والصد عن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ أو الشرك به . وفي ذلك تقول‏:‏" وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ ‏. وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِّنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئاً وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ‏. فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ‏" ‏
(‏النحل‏:72‏ ـ‏74) .‏
وتقارن الآيات بعد ذلك بين حقيقة التوحيد الخالص لله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ وفلاح الموحدين من جهة‏,‏ وبين فساد الشرك وهلاك المشركين من جهة أخرى‏,‏ مؤكدة أن الغيب المطلق في السماوات والأرض لا يعلمه إلا الله‏ ـ تعالى ـ وأن من هذا الغيب المطلق أمر الساعة التي لا تأتي إلا بغتة‏ . وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏" وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ البَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ‏"
(‏ النحل‏:77) .‏ وتجدد الآيات في سورة النحل استعراض عدد من آيات الله في الخلق ومن نعم الله على عباده ‏(‏ النحل‏:78‏ ــ‏81)،‏ ثم توجه الخطاب إلى خاتم أنبياء الله ورسله، وإلى كل حامل للواء دعوته من بعده‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ مُهوِّناً عليه وعليهم كفر الكافرين، وشرك المشركين فتقول‏ : ‏" فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ . يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ . وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ‏. وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ . وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ القَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ‏. وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏. الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ العَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ . وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ " (‏النحل‏:82‏ ـ‏89) .‏ وتستطرد الآيات بعد ذلك بعدد من القواعد الرئيسية لمكارم الأخلاق‏,‏ والضوابط الربانية للسلوك البشري الراقي فتقول‏ :‏" إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ‏. وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ‏. وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ‏.‏ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ . وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدتُّمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ‏.‏ وَلاَ تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناًّ قَلِيلاً إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ "‏‏(النحل‏:90‏ ـ‏95) .‏
وتحض الآيات على العمل الصالح فتقول ‏:‏" مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏"
(‏ النحل‏:97) .
ويأمر ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ، كما يأمر كل مسلم ومن بعده إلى يوم الدين ـ أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم قبل البدء بقراءة القرآن الكريم‏,‏ مؤكداً أن الشيطان‏:" لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ‏. إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ‏"‏
  (‏النحل‏:99، 100) .‏ وتلمِّح الآيات بعد ذلك إلى إمكانية نسخ أية بآية أخرى‏,‏ مما أثار ـ ولايزال يثير ـ احتجاج بعض الكافرين؛ لأنهم لا يعلمون حقيقة وحي السماء بالقرآن الكريم‏,‏ فادعوا ـ ولايزالون يدعون ـ أن بشراً قد علمه لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وترد عليهم الآيات بقول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ : ‏" وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ‏. قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ . وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ‏. إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏.‏ إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ " (‏النحل‏:101‏ ـ ‏105) .‏ وتؤكد الآيات بعد ذلك أن الذين ينطقون بالكفر بعد الإيمان عليهم غضب من الله‏,‏ إلا من أُكْرِهَ وقلبه عامر بالإيمان، فذلك ناجٍ من غضب الله‏،‏ أما أولئك الذين تنشرح قلوبهم للكفر، فعليهم غضب من الله، ولهم عذاب عظيم‏ .‏ وتعلل الآيات حكم الله فيهم بقوله‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ ‏. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ ‏ . لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الخَاسِرُونَ ‏"  (‏النحل‏:107‏ ـ ‏109) .‏ وفي المقابل تمتدح الآيات مواقف المجاهدين الصابرين فتقول ‏:" ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ . يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون ‏"   ‏(‏ النحل‏:110، 111) .‏ وفي إعادة التأكيد على أنه مانزل عقاب من الله‏ ـ تعالى‏ ـ إلا بذنب . تقول الآيات في سورة النحل‏ :" وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ . وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ "‏(‏ النحل‏:112، 113) .‏



وتعرض الآيات في خواتيم سورة النحل للمحرمات من الطعام‏,‏ آمرة بالأكل من طيبات ما أحل الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ ومؤكدة أن التحليل والتحريم من سلطات الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وحده‏,‏ ولا يتجرَّأ على ذلك أحد من دون أمر الله إلا كاذب‏,‏ وهؤلاء الذين يفترون الكذب على الله‏ ـ سبحانه‏ ـ لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة‏,‏ فمتاعهم في الدنيا قليل، ولهم في الآخرة عذاب أليم‏؛ ذلك لأنهم كذبوا على الله‏،‏ وخالفوا أوامره‏,‏ وحرَّفوا دينه‏,‏ واشتروا به ثمناً قليلا‏ًً,‏ ولذلك حرَّم الله ‏ـ‏ تعالى‏ ـ عليهم من الطعام ما كان مباحاً لهم من قبل بسبب تماديهم في الشر‏,‏ وتجاوزهم حدود الله‏ ـ‏ تعالى ـ : " وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏"‏(‏النحل‏:118) .‏ وتؤكد الآيات أن الذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون بعد ذلك ويصلحون فإن الله‏ ـ تعالى‏ ـ لغفور رحيم‏ .‏ وقبل أن تختتم سورة النحل تعرض لشيء من ذكر أبي الأنبياء ابراهيم‏ ـ عليه السلام ـ فتقول‏:‏ " إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ ‏. شَاكِراً لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ "‏ (‏النحل‏:120-122) .‏ وتأمر الآيات خاتم الأنبياء والمرسلين باتباع ملة إبراهيم على التوحيد الخالص فتقول‏: " ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ "( النحل‏:123) .‏ وتعيب الآيات على اليهود اختلافهم في يوم عبادتهم الأسبوعية فتقول‏:
‏"
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِوَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يختلفون " (‏ النحل‏:124) .‏
وتختتم سورة النحل بأمر من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إلى خاتم أنبيائه ورسله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ فتقول :
"
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ " (‏ النحل‏:125‏ ـ ‏128) .‏ هذا وقد سبق لنا تلخيص كلٍ من ركائز العقيدة‏,‏ ومكارم الأخلاق التي تدعو إليها سورة النحل، وكذلك الإشارات الكونية التي جاءت فيها، ولا أرى ضرورة لإعادة ذلك هنا‏,‏ ولكني سوف أركز على الآيات ‏( 45‏ ـ‏47)‏ وما بها من حقائق‏ .

من الدلالات العلمية للآيات الكريمة :
تشير هذه الآيات الكريمة إلى حقيقة قرآنية مؤداها أن المكر السيئ من العباد يستوجب غضب الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عليهم‏,‏ كما يستوجب نزول عقابه بهم‏,‏ وقد حدث ذلك مع جميع الأمم السابقة‏,‏ كما يحدث في كل عصر، وفي كل زمان ومكان‏,‏ ويبقى حكماً إلهياً إلى قيام الساعة، لخَّصه ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في عشرات الآيات القرآنية الكريمة، وجمعه في قوله ـ عز من قائل‏ ـ :

" أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَن يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ . أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ ‏. أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ‏"‏(‏النحل‏:45‏ ـ‏47)‏
.
ومع إيماننا الراسخ بكل صور العقاب التي ينزلها الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ بالعاصين من عباده نؤمن كذلك بأن الله ـ تعالى ـ ينزل قضاءه بالصالحين إبتلاءاً لهم‏,‏ وتزكية لنفوسهم‏,‏ ورفعاً لدرجاتهم‏,‏ وتكفيراً عن خطاياهم، وتطهيراً لهم من ذنوبهم‏,‏ وكل بني آدم خطَّاؤون، وخير الخطائين التوَّابون‏,‏ وفي كلتا الحالتين لابد وأن يكون في كلٍ من عقاب العاصين وابتلاء الصالحين عبرة للناجين‏,‏ وفي القديم قيل‏:‏ اجعل من أخطاء غيرك عِبَرَاً لنفسك، فليس في العمر مُتَّسع كي تجعل من أخطائك أنت عِبَرَاً لنفسك‏ . ‏وهذه الحقيقة القرآنية جاءت في عدة مواضع مختلفة من هذه السورة الكريمة، نختار منها مايلي‏:
‏‏" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ القَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ " ‏(‏ النحل‏:26) .‏
وهذه الآية الكريمة قيل في أسباب نزولها أنها جاءت في نفر من قادة الكفر في القديم‏,‏ وغيرهما من زعماء الكفر بالله أو الشرك به‏,‏ ولكن لما كانت العبرة في القرآن الكريم هي بعموم اللفظ لا بخصوص السبب‏,‏ ولما كان النص القرآني غير محدود بزمن‏,‏ وكان الوصف القرآني في هذه الآية الكريمة ينطبق انطباقاً دقيقاً على ما تحدثه زلازل الدنيا، كان الحكم فيها عاماً، ينطبق على كل زمان ومكان،‏ بدليل الآيات التالية مباشرة والتي تقول ‏:‏ "‏ ثُمَّ يَوْمَ القِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ إِنَّ الخِزْيَ اليَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الكَافِرِينَ ‏. الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ‏. فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى المُتَكَبِّرِينَ "‏ 
 (لنحل‏:27‏ ـ‏29) .‏
‏" هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ " 
 (النحل‏:34,33) .‏
فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ ‏"
( النحل‏:36) .‏
‏" وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ‏. وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ‏"
‏(‏ النحل‏:112, 113)‏ .
".....إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ ‏. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏" 
‏(‏النحل‏:117,116)‏ .

وانطلاقاً من هذه الآيات القرآنية الكريمة، فإن حدثاً مثل زلزال جنوب آسيا لا يخرج عن كونه عقاباً للعاصين‏,‏ وابتلاءاً للصالحين، وعبرة للناجين، ‏ففي نحو الثامنة من صباح الأحد‏14/11/1425‏ هـ‏(26/12/2004‏ م‏)‏ بتوقيت جاكرتا، ضرب زلزال عنيف عدداً من دول جنوب آسيا، قُدِّرت قوته بنحو‏(8,9)‏ درجة على مقياس ريختر المفتوح والمكون من‏(9)‏ درجات‏,‏ وكان مركز الزلزال على عمق‏40‏ كم تحت قاع المحيط الهندي على بعد‏250‏ كم إلى الجنوب الشرقي من جزيرة سومطرة‏,و 1620‏ كم إلى الشمال الغربي من مدينة جاكرتا‏،‏ وقُدِّرت خسائر هذا الزلزال بأكثر من‏(295,000)‏ نفس‏,‏ ونحو مليون مصاب‏,‏ وأكثر من خمسة ملايين مشرد‏,‏ غير المفقودين الذين لم يتم حصر أعدادهم بعد‏,‏ وغير الخسائر المادية التي قُدِّرت بعشرات المليارات من الدولارات ‏.‏
وقد أُتْبِع هذا الزلزال بعدد من الهزات الأرضية اللاحقة، كما رافقته أعداد من الموجات البحرية المدمرة التي اشتهرت بالاسم الياباني تسونامي‏(Tsunami)، والتي تميزت بسرعاتها المذهلة التي وصلت إلى نحو الألف كيلو متر في الساعة في موجات متلاحقة تتعدى أطوال الواحدة منها المائتي كيلو متر‏,‏ وارتفاعها العشرة أمتار‏,‏ واستمرت لفترات تراوحت بين بضع دقائق وعدة ساعات‏,‏ ظلت تضرب السواحل المكشوفة لاثنتي عشرة دولة، ولمئات الجزر في المحيط الهندي، مما أدى إلى امتداد دمارها إلى مسافات تقدر بآلاف الكيلو مترات من مصدرها إلى داخل اليابسة، فأغرقت ودمرت مساحات شاسعة من الجزر الأندونيسية‏,‏ تايلاند‏,‏ جزر المالديف وأرخبيلها‏,‏ وجزر إندامان‏,‏ ونيكوبار‏,‏ وسريلانكا‏,‏ وطالت شواطيء كلٍ من ماليزيا، والهند‏,‏ وعمان‏,‏ والشواطيء الشرقية للقارة الإفريقية‏,‏ وأغرقت القاعدة العسكرية الأمريكية في جزيرة ديبجو جارسيا‏ (Diego Garcia)وسطَ المحيط الهندي‏,‏ والتي كانت تنطلق منها طائرات‏(‏ ب ـ‏52)‏ لضرب كلٍ من أفغانستان والعراق‏ .‏ وقد استمرت توابع هذا الزلزال الكبير لعدة أيام، مما أسفر عن قطع الاتصالات في أغلب المناطق الساحلية المدمرة‏,‏ كانت منها هزات تجاوزت قوتها‏7‏ درجات على مقياس ريختر ‏.‏وقد اعتبر هذا الزلزال ـ بحق ـ خامس أقوى زلزال منذ بداية القرن العشرين‏,‏ وثاني أقوى زلزال تشهده الأرض خلال نصف القرن الماضي بعد زلزال تشيلي الذي وقع في سنة ‏1960‏ م‏,‏ وتجاوزت قوته مقياس ريختر لتسجل‏(9,5)‏ درجة على هذا المقياس ‏.‏ ومع فهمنا لميكانيكية حدوث الزلازل‏,‏ وتسليمنا بأن المنطقة تقع على أخطر حزام زلزالي على وجه الأرض‏,‏ ومع كون قلوبنا وعواطفنا مع المتضررين‏,‏ فإن ذلك لا يخرج هذه الواقعة وأمثالها عن كونها جنداً من جند الله، يسلطها ربنا ـ تبارك وتعالى ـ عقاباً للعاصين‏,‏ وابتلاءاً للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين‏؛ وذلك لأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ يصف ذاته العلية بقوله‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ‏" (‏الأنعام‏:59) .‏
فلا شيء في هذا الوجود يخرج عن علمه وإرادته وحكمته‏.‏ وفي الآيات‏ (45‏ ـ‏47)‏ من سورة النحل تقرير عن حلم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ وإنظاره العصاةَ الذين يقترفون السيئات‏,‏ مع قدرته ـ‏ تعالى‏ ـ على أن يخسف بهم الأرض‏,‏ أو يرسل عليهم العذاب من حيث لا يشعرون‏,‏ أو يأخذهم أثناء تقلبهم في المعايش‏,‏ واشتغالهم بها في الأسفار وفي غير الأسفار‏,‏ بالليل أو بالنهار‏,‏ أو في حال تربصهم فزعاً من أخذه‏,‏ فإن الأخذ في هذه الحالة يكون أبلغ وأشد‏,‏ والأخذ ـ أصلاً ـ هو القهر والإهلاك‏,‏ وفي الآيات إنذار شديد‏,‏ وتهديد ووعيد من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لهؤلاء المسرفين؛ لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ الذي يصف ذاته العلية بأنه رءوف بعباده‏,‏ رحيم بهم‏,‏ هو في نفس الوقت شديد العقاب‏ : " وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العِقَابِ‏" (‏الرعد‏:6)
.‏
وعلى الرغم من أن هذه الآيات نزلت ـ أصلاً ـ في كفار ومشركي قريش الذين مكروا برسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ وتآمروا على قتله، أو سجنه، أو إخراجه من مكة المكرمة قبل هجرته الشريفة إلى المدينة المنورة، فإن حكمها يبقى عامَّاً لكل مكان ولكل زمان؛ حتى يبقى القرآن الكريم حاكماً لحركة الحياة إلى يوم الدين‏ . والأدلة على غضب الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ لانتهاك محارمه في القرآن الكريم، وفي سنة خاتم المرسلين أكثر من أن تحصي، ومنها ما يلي‏ (‏ بالإضافة إلى ما جاء في سورة النحل وذُكِرَ آنفاً‏) :‏ أولاً‏:‏ من أقوال ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏

" فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ‏" ‏(‏العنكبوت‏:40)‏ .
‏" وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ‏. فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ "
  (الاعراف:4, 5)‏ .
"......... وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
‏" (‏ الاعراف‏:96) .‏
‏" وَمَا
أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ‏"(‏الشوري‏:30) .‏
" وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي القُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ‏" 
(القصص‏:59) .‏
‏" بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ القَوْمُ الفَاسِقُونَ " ‏(‏الأحقاف‏:35)
.‏
‏" فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ " 
( الأنعام‏:6) .‏
‏" وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ‏"
‏(‏ هود‏:102)‏ .


ثانيا‏ًً :‏ من أقوال خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :‏
‏‏ روى الإمام الترمذي عن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قوله : ‏" إذا اتخذ الفيء دولا‏ًً,‏ والأمانة مغنما‏ًً,‏ والزكاة مغرماً‏,‏ وتعلم لغير الدين‏,‏ وأطاع الرجل امرأته وعقَّ أمه‏,‏ وأدنى صديقه وأقصى أباه‏,‏ وظهرت الأصوات في المساجد‏,‏ وساد القبيلةَ فاسقُهم‏,‏ وكان زعيم القوم أرذلُهم‏,‏ وأُكرِم الرجل مخافةَ شره‏,‏ وظهرت القينات والمعازف‏,‏ وشُرِبت الخمور‏,‏ ولعن آخرُ هذه الأمة أولَّها‏,‏ فليرتقبوا عند ذلك ريحاً حمراء‏,‏ وزلزلة‏,‏ وخسفا‏ًً,‏ وقذفاً‏,‏ وآيات تتتابع كنظام بالٍ، قُطِع سلكه فتتتابع ‏"
وأخرج الامام البيهقي عن أبي هريرة ‏ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ أنه قال : ‏" رجفت الأرض على عهد رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ فقال‏:‏ إن ربكم قد عتب عليكم فاعتبوه ‏"

وأما الذين هلكوا من غير المفسدين في الأرض، فقد سُئِل رسول الله‏ ـ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ‏ عن أمثالهم فق إن ربكم قد عتب عليكم إن ربكم قد عتب عليكم . قيل له‏:‏ يارسول الله‏:أنهلك وفينا الصالحون؟ قال‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ : " نعم . إذا كثر الخبث " (أخرجه الشيخان)
وقد كثر الخبث‏,‏ فعلى عقلاء الناس أن يفيئوا إلى رشدهم‏,‏ وأن يروا الأحداث في إطارها الصحيح بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال حتى يأتي أمر الله‏ .‏ اللهم قد بلغت . اللهم فاشهد، وأنت خير الشاهدين . وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ‏.