" إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى "(الأنعام:95)


هذا النص القرآني جاء في مطلع النصف الثاني من سورة الأنعام‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ ومن طوال سور القرآن الكريم، إذ يبلغ عدد آياتها‏165‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى الأنعام في أكثر من موضع،‏ ومن خصائص هذه السورة المباركة أنها أنزلت دفعة واحدة‏ .‏ وقد استهلت سورة الأنعام بحمد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ الذي خلق السماوات والأرض‏,‏ وجعل الظلمات والنور‏,‏ وعلى الرغم من ذلك كله يكفر بنعمه الكافرون‏,‏ ويشرك بجلاله وبوحدانيته المشركون دون أدنى قدر من البصيرة أو العقل‏ .‏
ثم انتقلت السورة الكريمة بالإشارة إلى خلق الإنسان من طين‏,‏ وإلى تحديد آجال المخلوقين في سجل مُدوَّن عند رب العالمين‏,‏ وعلى الرغم من ذلك يجادل الكافرون في إمكانية البعث والنشور‏,‏ وترد عليهم الآيات بأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو رب السماوات والأرض ومن فيهن‏,‏ الذي يعلم السر والجهر‏,‏ ويعلم ماتكسب كل نفس ‏.‏ ثم تتجه السورة بالخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن المشركين لا تأتيهم آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين‏,‏ فقد كذبوا بالقرآن الكريم، ولذلك فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون من خزي في الدنيا‏,‏ وعذاب في الآخرة‏,‏ وهو صائبهم لا محالة‏,‏ وتذكرهم الآيات بأمم كثيرة من قبلهم أهلكهم الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بذنوبهم بعد أن اعطاهم من أسباب القوة المادية والتمكين في الأرض ما لم يعطِ كفار قريش‏,‏ فلم يشكروا نعم الله‏ ـ تعالى‏ ـ ولذلك قضى عليهم‏,‏ وأنشأ من بعدهم قوماً آخرين‏ .‏

وتضيف سورة الأنعام أنه لو أنزل دليل نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ مكتوباً في كتاب يراه الكفار والمشركون بأم أعينهم نازلاً من السماء ولمسوه بأيديهم لقالوا ‏:‏ " إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ " ,‏ ولطالبوا بملك ينزل من السماء يصدق دعوى هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ثم يرد الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ عليهم بأنه لو أنزل ملكاً ولم يؤمنوا به لقضي الأمر بإهلاكهم دون إمهال‏,‏ ولو أنزل ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ ملكاً لأنزله على هيئة البشر حتى يستطيعوا رؤيته‏,‏ والفهم عنه؛ لأنهم ببشريتهم لا يستطيعون رؤية الملك، وهو في هيئته الملائكية‏,‏ وإذن لالتبس عليهم الأمر، ولوقعوا في نفس الخطأ الذي هم فيه واقعون‏,‏ وما انطبق على كفار قريش ومشركيها ينطبق على الملايين من منكري البعثة المحمدية الشريفة ممن جاءوا بعد قريش إلى قيام الساعة ‏.‏ وتعاود سورة الأنعام توجيه الخطاب إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ في مواساة رقيقة بأن الكفار قد سخروا برسل من قبله، فحاق بالذين سخروا ما كانوا به يستهزئون‏,‏ وتأمره الآيات‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ أن يقول للكافرين‏ :‏" سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ "(الأنعام:36)‏,‏ وأن يسألهم‏ :‏ لمن ما في السماوات والأرض؟ ، وأن يؤكد لهم أن ذلك كله لله الذي كتب على نفسه الرحمة بخلقه‏,‏ وقرر أنه جامعهم جميعاً إلى يوم القيامة الذي لا شك فيه‏,‏ وأن الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر قد خسروا أنفسهم في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الناس لرب العالمين ‏. ‏وتتابع الآيات خطابها إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ فتأمره أن يقول لكفار زمانه‏,‏ وللكافرين في كل عصر وحين من بعده‏ :‏ هل يعقل ـ بعد كل هذه الأدلة ـ أن أتخذ ولياً غير الله الذي خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق‏,‏ وهو الذي يطعم عباده بإمدادهم‏,‏ بمختلف أنواع الرزق‏,‏ وهو غني عن ذلك كله وعنهم أجمعين‏,‏ وأن الله ‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد أمره بأن يكون أول المسلمين‏,‏ وأن يؤكد مخافته ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من عذاب الآخرة‏،‏ وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ إذا أصاب عبداً من عباده بسوء فلا كاشف له إلا هو‏,‏ وإذا أصابه بخير فلا راد لفضله‏؛ لأنه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ على كل شيء قدير‏,‏ وهو ‏ـ تعالى‏ ـ‏ الغالب بقدرته فوق عباده‏ .‏
وتعاود الآيات مطالبة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بأن يسأل المكذبين بنبوته ولرسالته‏ ، (‏ من زمانه وإلى قيام الساعة‏)‏ فيقول‏:‏ أي شيء أكبر وأعظم شهادة ، وأحق بالتصديق من الله؟ منزل القرآن الكريم عليه حجة له على جميع الخلق؟ حجة شاهدة على صدق نبوته‏,‏ ورسالته‏,‏ ولينذر قريشاً وكل من بلغه خبره‏,‏ ويحذرهم من جريمتي الشرك والكفر بالله‏ .‏
وتقرر الآيات في سورة الأنعام أن أهل الكتاب يعرفون خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ كمعرفتهم أبناءهم، وذلك من نصوص كتبهم المُحرَّفة، والتي بقيت بها بعض بقايا الحق القديم‏ .‏ وعلى ذلك فإن عدم الإيمان ببعثة المصطفى ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ يجعل الكافرين به وببعثته يخسرون أنفسهم خسراناً بينا‏ًً؛‏ لأنه ليس في الوجود أظلم لنفسه من إنسان افترى على الله الكذب أو كذب بآياته‏,‏ أو أشرك به، أو كفر بنعمائه، أو ادعى نسبة الصاحبة أو الولد لله‏  ، أو نسبة غير ذلك من الأوصاف التي لا تليق بجلال الله‏ .‏ ومثل هؤلاء الظالمين لا فلاح لهم في الدنيا‏.‏ ولا نجاة لهم في الآخرة‏ .‏ وتشير الآيات إلى أن هؤلاء المشركين سوف يُسألون يوم القيامة ‏:‏ " أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ "
؟ فيحاولون التخلص من شركهم بالكذب على الله‏ ـ تعالىـ‏ الذي يقسمون به أنهم لم يكونوا مشركين ‏.‏

ومن هؤلاء المشركين من كان يستمع إلى رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ وهو يتلو القرآن الكريم لابقصد فهمه‏,‏ والاهتداء بهديه‏,‏ وإنما بقصد تلمس السبل للطعن فيه‏,‏ والسخرية منه‏,‏ وماأكثر الطاعنين في الحق والساخرين منه في زماننا وإلى قيام الساعة‏,‏ وهؤلاء المشركون في القديم والحديث محرومون من الانتفاع بما يسمعون‏,‏ وقلوبهم محجوبة عن رؤية حجيته‏,‏ وآذانهم قد اصابها الصمم، فلا تسمع جمال نظمه‏,‏ وروعة تعبيراته‏,‏ وجلال معانيه‏,‏ وعقولهم قد أُغلِقَت دون فهم أدلته‏,‏ واستيعاب آياته لدرجة أنهم يرون الدليل واضحاً جلياً فلا يؤمنون به‏,‏ ويجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق‏,‏ فتارة يتخيلون التناقض في القرآن الكريم وليس به من تناقض‏,‏ وتارة يدعون ـ كذباً ـ أنه من أساطير الأولين، وما هو بذلك أبداً في محاولات يائسة للصد عنه‏,‏ والاستخفاء من نوره في دياجير الضلال والظلام، وهم يتوهمون الهروب عن هديه‏,‏ ولا يدركون أنهم بذلك إنما يهلكون أنفسهم وهم لايشعرون، والتاريخ يعيد نفسه، فكما كان هذا هو حال المشركين في زمن البعثة المحمدية ـ على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم‏ ـ‏ يتكرر في زماننا على هيئة قطعان من الجرذان البشرية المذعورة والمستترة خلف شاشات شبكات المعلومات الدولية المعروفة باسم الشبكات العنكبوتية ـ‏ أو الإنترنت ـ‏ فيملأون صفحاتها بتجنيهم على الله وعلى رسوله وكتابه بألفاظ لا تليق بأقل الناس أدباً، أو ذوقاً، أو فهماً، أو علما‏ًً .‏
وترد الآيات في سورة الأنعام على هؤلاء المتطاولين على الحق ـ في القديم والحديث وإلى ان يرث الله‏ الأرض ومن عليها ـ بالإشارة إلى موقفهم وهم يعرضون على النار‏,‏ ويعانون من أهوالها‏,‏ فيصرخون متمنين الرجوع إلى الدنيا لإصلاح ما قد أفسدوا فيها‏,‏ ومعاودة التصديق بآيات ربهم‏,‏ وبخاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ حتى يكونوا من الناجين‏,‏ وهم لن يقولوا ذلك إلا من رهبة ما يشهدون من ألوان العذاب المبين‏,‏ وتقرر الآيات انهم لو رُدُّوا إلى الحياة الدنيا لعادوا إلى كفرهم الذي نهوا عنه‏,‏ وإلى كذبهم على الله‏, وافترائهم على أنبيائه ورسله‏,‏ ولقالوا كما رددوا من قبل قولتهم الكافرة‏:
" وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ "   ‏(‏ الأنعام‏:29) .
وتعاود الآيات استعراض موقف هؤلاء الكافرين والمشركين، وقد وقفوا للحساب أمام ربهم الذي يسألهم‏ :‏ أليس هذا بالحق الذي كذبتم به‏,‏ وأنكرتموه في دنياكم؟ فيجيبون في ذلة‏:‏ بلي وربنا إنه الحق‏،‏ فيرد الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عليهم بأمره أن يذوقوا عذاب النار في الآخرة جزاء كفرهم في الدنيا‏ .
وبذلك تقرر الآيات في سورة الأنعام أن الذين كذبوا بلقاء الله‏,‏ أو أشركوا به‏,‏ وظلوا على إنكارهم حتى فاجأتهم مشاهد الآخرة قد خسروا خسراناً مبينا‏ًً,‏ وأن الحياة الدنيا ماهي إلا لعب ولهو ؛ لقصر أجلها‏,‏ وقلة خطرها ، وأن الدار الآخرة هي الحياة الحقيقية؛ لأبديتها، وخلودها‏ .‏
وتعاود الآيات توجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ في مواساة جميلة لتكذيب الكافرين والمشركين ببعثته الشريفة، وذلك بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ . وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِن نَّبَأِ المُرْسَلِينَ "    (‏ الأنعام‏:34,33) .
ثم تحدثت الآيات عن عدد من الأمم السابقة الذين كانوا إذا جاءهم بأس الله تضرعوا إليه ليكشف عنهم العذاب‏,‏ وبدلاً من العودة إلى الله‏ ـتعالى ـ‏ بعد رفع العذاب عنهم تصفهم الآيات بقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ :‏
" وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "  (‏ الأنعام‏:43) . فلما نسوا الاتعاظ بالابتلاء، مدَّ الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لهم‏,‏ وفتح عليهم أبواب كل شيء ليأخذهم أخذ عزيز مقتدر، وفي ذلك يقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ . فَقُطِعَ دَابِرُ القَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ " (‏ الأنعام‏:44, 45).
وكما انطبق ذلك على الأمم السابقة من أهل الكفر والضلال، ينطبق اليوم على غطرسة الصهاينة وغلاة غيرهم من أهل الشرك والكفر والضلال في زماننا‏,‏ والذين فتح الله لهم أبواب العلوم والتقنية فأغراهم ذلك بالاعتداء على غيرهم من الأمم باجتياحات رهيبة كالتي حدثت ـ ولا تزال تحدث ـ في كلٍ من فلسطين، وأفغانستان، والعراق‏,‏ وغيرها من أراضي المسلمين‏,‏ مما سوف يعجل بدمارهم إن شاء الله رب العالمين‏ .‏
وأردفت الآيات بالإشارة إلى عدد من نعم الله على عباده‏,‏ وحذرت من هلاك الظالمين يوم يأتي عذاب الله بغتة‏,‏ وأكدت أن رسالة المرسلين هي البشارات والنذر، وتعاود بتوجيه الخطاب إلى خاتم الأنبياء والمرسلين    ‏ـ‏ صلى الله وسلم وبارك عليه وعليهم أجمعين‏ ـ أن يبلغ الكفار والمشركين بأنه يتبع ما يوحى إليه من ربه لينذر
  " به الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " (‏الأنعام‏:51 ) .
وتقرر الآيات أن الله‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ قد امتحن المتكبرين من عباده بسبق المستضعفين إلى الإسلام‏,‏ وتستمر في استنكار شرك المشركين‏,‏ متبرئة إلى الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ منهم ومن شركهم‏,‏ ومؤكدة صدق ما جاء به القرآن الكريم في حقهم‏ .‏
ثم تهدد الآيات بوعد الله ووعيده في الدنيا قبل الآخرة‏,‏ وتنهى عن الجلوس في مجالس الكفار وهم يتطاولون على القرآن الكريم بالطعن في صحته‏,‏ أو بالسخرية مما جاء فيه من الحق‏,‏ وتأمر بالرد على تطاولهم الكاذب لعلهم يكفُّون عن باطلهم‏,‏ كما تأمر بتذكيرهم بالآخرة وأهوالها‏,‏ يوم ترتهن كل نفس بعملها‏,‏ وحيث لا ناصر ولا معين إلا الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ ولا تُقبل فدية للنجاة من العذاب‏ .‏
وتأمر الآيات كذلك بالإعراض عن المشركين بعد دعوتهم إلى الدين الحق‏,‏ وبالانصراف إلى عبادة الله الواحد القهار‏,‏ وأداء الصلاة بحقها من الخشوع والخضوع لله ـ‏ تعالى‏ ـ وتقواه‏,‏ فإن مصير الخلق جميعاً إلى الله‏ .
بعد ذلك تنتقل سورة الأنعام بالإشارة إلى جوانب من سِيَر عدد من أنبياء الله‏,‏ مؤكدة وحدة رسالة السماء التي تكاملت في بعثة النبي الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
وتستعرض الآيات وصف حال الظالمين وهم في غمرات الموت‏,‏ والملائكة ينزعون أرواحهم من أجسادهم‏,‏ وينذرونهم بالعذاب المُذِل المهين جزاء ما كانوا يتقوَّلون على الله بغير الحق‏,‏ ويتطاولون على آيات القرآن الكريم بالتكذيب‏,‏ ويستكبرون عن النظر في أنفسهم وفي الكون من حولهم لاستقراء آيات الله في الآفاق والاعتبار بها‏ ،‏ فعلى الرغم من الأدلة القاطعة في كل ذلك على ألوهية الله‏,‏ وربوبيته‏,‏ ووحدانيته‏,‏ فإن الكافرين قد أشركوا الجن بالله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ واختلقوا له‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ البنين والبنات‏,‏ وفي ذلك ترد عليهم الآيات بقول الحق ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ . لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ "  (‏ الأنعام‏:101‏ ـ‏103)‏ .
وتتابع الآيات التأكيد على صدق القرآن الكريم في كل ما جاء به‏,‏ وعلى كذب الكافرين الذين أقسموا على أنه إذا جاءتهم آية ليؤمنن بها‏,‏ وذلك لما أصاب قلوبهم من ظلام الكفر بالله أو الشرك به‏,‏ فإذا جاءت كل آية فلن يؤمنوا بها أبداً إلا أن يشاء الله‏ .‏
وتقرر الآيات أن كل نبي من أنبياء الله قد جوبه بأعداء من عتاة الإنس والجن؛ وذلك ليمحص الله عباده المؤمنين‏,‏ وليختبر غيرهم ممن لا يؤمنون بالآخرة‏ .‏
ولما قال المشركون للمؤمنين‏ :‏ أتأكلون ما قتلتم أنتم‏ ـ‏ أي ذبحتم‏ ـ‏ ولا تأكلون ما قتل ربكم‏ ـ‏ أي الميتة‏ ـ ‏؟ نزَّل قول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
" فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُم بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ "  (‏ الأنعام‏:118) .

وبينت الآيات ما حرَّمه الله‏ ـ تعالى‏ ـ على عباده المؤمنين من المطعومات التي لا يجوز أكلها إلا ما دعت إليه الضرورة‏ .‏ وتنتقل الآيات إلى استعراض عدد من آيات الله في الكون‏,‏ مؤكدة أن الإسلام العظيم هو صراط الله المستقيم‏,‏ وواصفة جانباً من أحوال الكافرين في يوم الدين‏,‏ والملائكة يدفعون بهم إلى النار جزاء كفرهم بالله وآياته‏,‏ وناقضة ما ابتدعته أوهام هؤلاء الكافرين من زعم باطل بأنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا‏ًً,‏ ولشركائهم الذين أشركوهم مع الله ـ ظلماً وعدواناً ـ نصيباً آخر‏,‏ فما يجعلونه للأوثان يصل إليها‏,‏ ومايجعلونه لله لا يصل شيء منه إلى الفقراء والمساكين،‏ كذلك زينت لهم أوهامهم قتل أولادهم ذبحاً تقرباً لأوثانهم‏,‏ وسوف ينالون العقاب على ذلك من الله الذي لو شاء مافعلوه‏، ومن ذلك تحريمهم لأنعام معينة‏,‏ ومحاصيل محددة، لا يأكلها أحد إلا من يختارون من خدمة أوثانهم‏,‏ وأنعام حرموا ركوبها‏,‏ وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها عند ذبحها افتراءاً على الله‏,‏ ومن أوهامهم التي ابتدعوها القول بأن ما في بطون الأنعام التي حرموا ذبحها أو ركوبها من أجنة هي خالصة للذكور منهم دون الإناث‏,‏ فإذا نزلت ميتة فهم فيها شركاء، مدعين ـ كذباً ـ أن هذا تشريع من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ الذي سوف يجزيهم وصفهم، إنه حكيم عليم‏,‏ وتوصي الآيات رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ أن يتركهم وما يفترون على الله من الكذب الذي سوف ينالون العقاب الرادع عليه إن شاء الله .
وتؤكد الآيات أن الإسلام العظيم بريء من الذين فرقوا الدين الواحد بالعقائد الزائفة‏,‏ والتشريعات الباطلة‏,‏ وصاروا بذلك فِرَقَاً دينية متعددة‏,‏ والرسول الخاتم ليس مسئولاً عن انحرافاتهم وعصيانهم؛ لأن الله‏‏ وحده هو الذي يملك أمرهم، ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون ‏.‏
وتختتم السورة الكريمة بتقرير وحدة الدين مرة أخرى، وذلك بقول الحق‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـعلى لسان خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ :
" قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ . قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ . لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ . قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَباًّ وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ " (‏الأنعام‏:161‏ ـ‏164)‏ .
هذا وقد سبق لنا تلخيص كلٍ من ركائز العقيدة‏,‏ وقواعد التشريع التي جاءت في سورة الأنعام‏,‏ والآيات الكونية التي استشهدت بها‏,‏ ولا أرى حاجة إلى إعادة ذلك مرة أخرى هنا‏,‏ كما سبق أن تناولنا عدداً من الآيات الكونية في هذه السورة المباركة‏,‏ ونضيف هنا الدلالة العلمية لقول الحق ـ تبارك وتعالى ـ ‏:‏
" إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى " (‏ الأنعام‏:95) .
وقبل الوصول إلى ذلك لابد من استعراض سريع لأقوال عدد من المفسرين السابقين والمعاصرين في شرح هذا النص القرآني المبارك‏ .‏



من أقوال المفسرين :
جاء في مختصر تفسير ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ ما نصه‏ :‏ يخبر ـ تعالى ـ أنه فالق الحب والنوى,‏ أي يشقه في الثرى، فتنبت منه الزروع على اختلاف أصنافها من الحبوب‏,‏ والثمار على اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها من النوى‏,‏ ولهذا فسَّر قوله ‏: "‏ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى "
‏ بما جاء بعدها‏ . (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر صاحبا تفسير الجلالين‏ ـ‏ رحمهما الله‏ ـ ما مختصره‏: ‏
" إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ "‏ شاق . ‏"‏ الحَبِّ ‏" عن النبات . ‏"‏ وَالنَّوَى "‏ عن النخل ‏. (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في الظلال‏ ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة ـ‏ ما نصه‏: إنها المعجزة التي لا يدري سرَّها أحد‏,‏ فضلاً عن أن يملك صنعها أحد‏ !!‏ معجرة الحياة نشأة وحركة‏, وفي كل لحظة تنفلق الحبة الساكنة عن نبتة نامية‏,‏ وتنفلق النواة الهامدة عن شجرة صاعدة ‏.‏ والحياة الكامنة في الحبة والنواة‏,‏ النامية في النبتة والشجرة‏,‏ سر مكنون‏,‏ لايعلم حقيقته إلا الله‏،‏ ولا يعلم مصدره إلا الله‏, تقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الحياة وأشكالها‏,‏ وبعد كل ما درست من خصائصها وأطوارها‏, تقف أمام السر المغيب كما وقف الإنسان الأول‏,‏ تدرك الوظيفة والمظهر‏,‏ وتجهل المصدر والجوهر‏,‏ والحياة ماضية في طريقها‏,‏ والمعجزة تقع في لحظة‏ .‏
(انتهى قول المفسر)
‏ وذكر صاحب صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة‏ ـ ما نصه‏:
" إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى " شروع في ذكر دلائل كمال القدرة والعلم والحكمة‏,‏ بعد تقرير دلائل التوحيد والنبوة‏.‏ و‏" فَالِقُ "‏ أي شاق‏,‏ يشق الحبة اليابسة ـ كالحنطة ـ فيُخرج منها النبات الأخضر النامي‏,‏ ويشق النواة اليابسة، فيُخرج منها النخلة والشجرة النامية ‏.(انتهى قول المفسر)
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم ـ‏ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ ما نصه‏:‏ إن دلائل قدرة الله على البعث‏,‏ واستحقاقه وحده للعبادة‏, متوافرة متنوعة‏,‏ فهو وحده الذي يشق الحب‏,‏ ويخرج منه النبات‏,‏ ويشق النوى، ويخرج منه الشجر .‏
(انتهى قول المفسر)

وجاء في تعليق الخبراء بالهامش ما يلي‏ :‏ من دلائل قدرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ خلق الحب والنوى والجنين في كل مكان منها يشغل حيزاً ضيقاً‏,‏ أما باقي جسم الحبة أو النواة فيتكون من مواد مكتنزة غير حية‏,‏ وعندما يتنبه الجنين، ويبدأ في الإنبات، تتحول هذه المواد المكتنزة إلى حالة صالحة لتغذية الجنين‏,‏ ويبدأ في النمو‏,‏ وتتكون الخلايا الحية حتى تنتقل الحبة النابتة من طور الإنبات إلى طور البادرة، فيبدأ النبات في الاعتماد على غذائه من الأملاح المذابة في ماء التربة التي يمتصها الجذير مع ما تكونه الأوراق الخضراء من مواد كربوايدراتية، كالسكريات، والنشويات في وجود ضوء الشمس‏,‏ وعندما تتم دورة حياة النبات تتكون الثمار وبداخلها الحب أو النوى من جديد ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في صفوة التفاسير‏ ـ جزى الله كاتبها خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ :‏ عاد الكلام إلى الاحتجاج على المشركين بعجائب الصنع، ولطائف التدبير، فقال ـ سبحانه ـ ‏:
" إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى "‏ أي يفلق الحب تحت الأرض لخروج النبات منها‏,‏ ويفلق النوى لخروج الشجر منها . وقال القرطبي‏ :‏ أي يشق النواة الميتة فيُخرج منها ورقاً أخضر، وكذلك الحبة‏ . (انتهى قول المفسر)

من الدلالات العلمية للآية الكريمة :
للبذور النباتية اسمان متمايزان : أولهما‏(‏ الحَب‏)،‏ وثانيهما‏(‏ النوى‏),‏ ويعبر بلفظة‏(‏ الحب‏)‏ أو‏(‏ الحبوب‏)‏ عن البذور المستخدمة كمحاصيل غذائية أساسية للإنسان ، مثل حبوب القمح ـ‏ الحنطة ـ‏ والشعير‏,‏ والذرة‏,‏ والشوفان ، وكلها من بذور النباتات الوعائية‏,‏ المزهرة‏,‏ ذات البذور المكونة من فلقة واحدة‏,‏ أما البذور ذات الفلقتين، فيطلق عليها اسم‏ (‏ البذور‏)‏ ، مثل بذور العائلة القرنية التي منها الفول‏,‏ والحمص‏,‏ البازلاء‏,‏ الفاصوليا‏,‏ اللوبيا‏,‏ العدس‏,‏ الترمس‏,‏ فول الصويا‏,‏ الفول السوداني‏,‏ الحلبة‏,‏ البامية‏,‏ كما قد تطلق على البذور التي لا يأكلها الإنسان ، مثل بذور البرسيم‏,‏ والقطن وغيرها‏ .‏ أما البذور التي لها قدر من الصلابة فيطلق عليها اسم النوى ‏ـ ومفردها نواة‏ ـ كما قد تجمع على أنواء‏,‏ وذلك مثل نواة كلٍ من البلح‏,‏ والمشمش‏,‏ والبرقوق‏,‏ والخوخ‏,‏ والزيتون وغيرها‏,‏ واللفظة تذكر وتؤنث‏,‏ وقد وردت في القرآن الكريم مرة واحدة‏ .‏ وأياً كانت طبيعة غلاف أو أغلفة البذرة رقيقة هشة‏,‏ أو سميكة خشبية، أو قرنية صلبة، فإن الله ـ تعالى‏ ـ قد أعطى للجنين الكامن بداخلها القدرة على شقها وفلقها بمجرد توافر الشروط اللازمة لإنباته‏,‏ وذلك من أجل تيسير خروج النبتة الجنينية النامية من داخل البذرة في عملية معجزة تعرف باسم عملية إنبات البذور التي تتكاثر بها معظم النباتات الراقية ‏.‏
والنباتات البذرية التي منها معظم طعوم واحتياجات الناس تضم أكثر من ربع مليون نوع من أنواع النباتات الراقية على اختلاف أوضاعها التصنيفية‏,‏ ويمثل كل نوع منها بعشرة أصناف في المتوسط على أقل تقدير‏,‏ ويمثل الصنف الواحد بأعداد لا تحصى من الأفراد‏,‏ ويستمر كل فرد من هذه الأفراد في التكاثر عن طريق انتشار أو استنبات بذوره إلى ما شاء الله‏، وقد يطلق على كل المحاصيل المستخدمة كمواد غذائية أساسية للإنسان اسم‏
(‏ الغلة‏) ـ‏ وجمعها‏(‏ الغلال‏) ـ بمعنى ما تغله الأرض‏,‏ وإن كانت لم ترد هذه اللفظة في القرآن الكريم‏ .‏ وأصل كلمة (‏ الحبة‏)‏ مستمد من قلب كل شيء أو ثمرته‏,‏ فحبة القلب سويداؤه‏,‏ وحبة النبات ثمرته‏,‏ و‏(‏الحبة‏)‏ و‏(‏الحِب‏)‏ بكسر الحاء تقال لبذور نباتات الصحراء مما ليس بقوت للإنسان ، مثل بذور الأعشاب‏,‏ والرياحين‏,‏ والحشائش‏,‏ استناداً إلى ما جاء بالحديث الشريف‏ : "...‏ فينبتون كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل‏ . "‏ (أخرجه البخاري، والنسائي، وأحمد) وجاء ذكر كلمة‏(‏ حبة‏)‏ في القرآن الكريم ست مرات في خمس من الآيات‏ .  

ماهية البذور ‏:‏
البذور في النباتات الراقية هي البويضات المخصبة‏,‏ وعلى ذلك فإنها هي وسيلة التكاثر في معظم هذه النباتات؛ لأنها تحوي أجنتها الكامنة في حالة من السكون المؤقت‏,‏ والجنين يشغل حيزاً ضئيلاً جداً من حجم البذرة‏,‏ أما باقي حجمها فيتكون من مواد غذائية غير حية مكتنزة، يحتاج إليها الجنين في مراحل إنباته الأولى حتى يخرج منه المجموع الجذري مُتجِهاً إلى أسفل‏,‏ مخترقاً التربة‏، باحثاً عن الماء والغذاء على هيئة الأملاح المذابة في هذا الماء، أو من عناصر ومركبات التربة بطرائق مباشرة أو غير مباشرة‏),‏ وحتى يندفع المجموع الخضري من الجنين إلى أعلى‏,‏ باحثاً عن كلٍ من الهواء وأشعة الشمس‏,‏ وبمجرد تكون الأوراق الخضراء‏,‏ يبدأ النبات في تصنيع الغذاء اللازم لنموه ولبناء جميع خلاياه‏,‏ وأنسجته‏,‏ وأزهاره‏,‏ وثماره بواسطة عملية التمثيل الضوئي ‏.‏ ويغلف البذرة بما فيها من الجنين والمواد الغذائية المكتزة عدد من الأغلفة اللازمة لحمايتها من المؤثرات الخارجية‏,‏ ومن أهم هذه الأغلفة مايعرف باسم ‏(‏ القصرة‏)،‏ وهي تتكون من أغلفة البويضة بعد عملية الإخصاب مباشرة‏,‏ كما يتكون غلاف الثمرة من جدار المبيض فور إتمام عملية الإخصاب ‏.‏
وعندما يتم نضج البذرة فإنها تجف‏,‏ ويبقى الجنين الحي بداخلها في حالة من السكون المؤقت حتى تتهيأ له الظروف المناسبة للإنبات‏ .‏ وتتفاوت طول الفترة التي تمر بين نضج البذرة وصلاحيتها للإنبات تفاوتاً كبيرا‏ًً,‏ ففي بعض الحالات تكون البذور صالحة للإنبات بمجرد انطلاقها من الثمرة أو إخراجها من داخلها‏,‏ ومثل هذه البذور إذا تعرضت للجفاف، فإن الجنين بداخلها قد يفقد شيئاً من حيويته أو يموت‏,‏ وفي بعض النباتات الأخرى قد يظـل الجنين مُحتفِظاً بحيويته داخلَ البذرة‏ ـ‏ أو الحبة أو النواة‏ ـ‏ لسنوات عديدة، كما هو الحال في العائلة القرنية‏,‏ ونوى العديد من الثمار مثل نوى نخيل البلح ‏.‏ وتتباين بذور النباتات في عدد أغلفتها‏,‏ وفي شكل وطبيعة تلك الأغلفة‏,‏ وفي حجم وشكل الجنين‏,‏ وفي طبيعة خزن المواد الغذائية المصاحبة للجنين‏,‏ إما في نسيج خاص يعرف باسم الإندوسبرم‏(Endosperm)‏ ، أو في فلقة واحدة أو فلقتين أو أكثر‏,‏ وهذا الغذاء المختزن إما أن يكون نشوياً دقيقياً، أو قرنياً صلباً ـ كما هو الحال في حبة الذرة‏ ـ‏ أو يكون سيليولوزياً صلباً كما هو الحال في نواة ثمرة نخيل البلح‏ .‏

فلق الحب والنوى ‏(‏ أو إنبات البذور‏) :‏
تقوم أغلفة البذور بحمايتها من المؤثرات الخارجية‏,‏ وهذه الاغلفة غالباً ما تكون مميزة، وتعرف باسم القصرة‏,‏ ولكنها في بعض الأحوال قد تلتحم بجدار البذرة حتى لا يمكن تمييزها‏.‏ وقد هيأ الخالق العظيم للجنين داخلَ البذرة قدراً من الاتصال المحدود بالعالم الخارجي عن طريق ندبة دائرية دقيقة جداً تعرف باسم السرة، وتمثل مكان ارتباط البذرة بالحبل السري‏,‏ ويوجد تحت السرة ثقب أدق منها كثيراً يعرف باسم النقير‏,‏ وتغطَّى هاتان الفتحتان بنسيج اسفنجي يعرف باسم البسباسة له قدرة على امتصاص الماء‏,‏ وقد تكون هاتان الفتحتان على هيئة شقين طوليين دقيقين، فيعرفان باسم القلم والكوز‏ .‏ وهذه الفتحات هي مدخل الأوكسجين إلى الجنين‏,‏ ومدخل معظم الماء الذي تمتصه البذرة وقت إنباتها‏ .‏
والجنين الكامن في داخل البذرة يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية هي ‏:‏
‏(1)‏ الريشة : وتعطي المجموع الخضري بعد نموها‏ .
(2)‏ الجذير : ويعطي المجموع الجذري بعد نموه‏ .
(3)‏ السويقة : وتعطي الساق بعد نموها‏ .
ويحيط بالجنين مخزون من المواد الغذائية في نسيج خاص يعرف باسم الإندوسبرم، أو في فلقة واحدة، أو في فلقتين أو أكثر‏,‏ وهذه المواد الغذائية المختزنة داخلَ بذور النباتات، تتكون من المواد الكربوهيدراتية‏,‏ والبروتينية‏,‏ والدهون بنسب تتفاوت بتفاوت نوع النبات، فمن النباتات مغطاة البذور ذوات الفلقة الواحدة نبات الذرة‏,‏ ومن ذوات الفلقتين نبات الفول‏,‏ ومن النباتات عديدة الفلقات الصنوبر، وهو من النباتات معراة البذور‏،‏ وقد تبقى الفلقة أو الفلقتان أو الفلقات تحت سطح التربة‏,‏ وقد ترتفع أو ترتفعان فوق سطح الأرض، وتلعب أو تلعبان دور أوراق أولية تعرف باسم الأوراق الفلقية‏ .‏

من شروط إنبات البذور :
بعد فترة السكون التي عاشها الجنين داخلَ البذرة الجافة‏,‏ فإن البذرة لكي تنبت وتتحول بالتدريج إلى بادرة ثم إلى النبات الكامل، فإنها تحتاج إلى توافر عدد من الشروط الداخلية والخارجية‏,‏ والشروط الداخلية تتعلق بالبذرة ذاتها، ومنها حيوية الجنين‏,‏ ونضج البذرة وسلامتها من التسوس والعفن‏,‏ ومن سمات نضج البذرة تخلصها من المواد الكابحة للنمو، والمثبطة له ، مثل الحمض الأبسيسي ‏(Abscisic Acid)،‏ والذي يتخلق في بعض البذور ليساعد الجنين على السكون والكمون داخلَ البذرة‏,‏ ويضمن سباته حتى تتوافر له الظروف المناسبة لإنباته‏ .
وكثير من البذور يتوقف إنباتها على إزالة تلك المواد المثبطة للنمو‏,‏ ويتم ذلك بواسطة الضوء والحرارة‏,‏ أو بإفراز مواد مضادة للمواد المثبطة بواسطة الجنين ذاته داخلَ البذرة‏ .‏ فسبحان الذي قدر ذلك بعلمه وقدرته ‏.‏
ومن الشروط الداخلية توافر الإمكانية لامتصاص البذرة للقدر الكافي من كلٍ من الماء والأكسجين عن طريق فتحات دقيقة هيأها الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ في جسم البذرة ، مثل السرة، والنقير أو القلم، والكوز‏,‏ خاصة أن بعض أنواع البذور مغطاة بطبقة خارجية صلبة قد تحول دون وصول القدر الكافي من الماء والأكسجين إلى الجنين إلا بعد أن تمر تلك الطبقة الخارجية للبذرة بسلسلة من النشاطات الطبيعية أو الكيميائية أو الميكروبية التي تعين على تمزيقها‏ .‏ ومثل هذه البذور قد يصعب استنباتها إلا بعد خدش غطائها الخارجي‏,‏ أو غسلها ونقعها في الماء لفترة محددة‏,‏ أو تعريضها للضوء أو لدرجات الحرارة المنخفضة (‏ حوالي خمس درجات مئوية لمدة تتراوح بين أربعة وستة أسابيع‏ )؛ وذلك لأن كلاً من الضوء والحرارة المنخفضة يعمل على تنشيط الجنين في داخل البذرة‏,‏ ومساعدته على الإنبات .
أما عن الشروط الخارجية فأولها توافر الماء بالمواصفات المناسبة؛ لأنه أهم شروط الإنبات‏,‏ وبالقدر الكافي؛ لأن غمر البذور بالماء قد يؤدي إلى إفسادها لمنعه الأكسجين من الوصول إلى الجنين داخلَ البذرة‏,‏ وكذلك توافر القدر الكافي من الأكسجين‏,‏ وتوافر درجات الحرارة والإضاءة المناسبة‏؛ وذلك لأن بعض البذور تنشط عملية إنباتها في الضوء، بينما البعض الآخر يفضل الظلام‏ .

التغيرات التي تطرأ على البذرة في أثناء إنباتها :
عند توافر كلٍ من الشروط الداخلية والخارجية للإنبات تبدأ البذرة بامتصاص الماء والانتفاخ لزيادة حجمها‏,‏ وحينئذٍ تبدأ داخلَ البذرة سلسلة معقدة من عمليات البناء والهدم التي تعين الجنين على التحرك بالنمو بعد فترة السكون التام التي عاشها وهو كامن داخلَ البذرة الجافة‏,‏ فيبدأ بالإنبات ليعيد دورة حياة النبتة الأم من جديد ‏.‏ وتشمل عملية الإنبات ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ امتصاص البذرة للماء‏,‏ وانتفاخها بسبب الامتلاء التدريجي بهذا الماء حتى تبدأ القصرة‏ ـ‏ غلاف البذرة ـ‏ في التمزق بسبب ازدياد الضغط عليها من داخل البذرة‏,‏ وبذلك يصل الماء بالقدر الكافي إلى الجنين‏,‏ وإلى كتلة الغذاء المختزنة حوله، مما يساعد على تنشيط كتلة الغذاء كيميائياً‏,‏ وعلى تنشيط الجنين حيوياً ‏.‏
‏(2)‏ بدء الجنين في إفراز عدد من الإنزيمات القادرة على تفتيت وتحلل المواد الغذائية المختزنة حوله في داخل البذرة، إما في الفلقات، أو في نسيج خاص‏,‏ وهي مواد معقدة التركيب وغير قابلة للذوبان في الماء‏,‏ فتحللها تلك الإنزيمات إلى مواد بسيطة وقابلة للذوبان في الماء حتى يمكن للجنين امتصاصها والعيش عليها‏‏ أثناء فترات الإنبات الأولى ‏.‏ ومن امثلة هذه الإنزيمات ما يلي ‏:‏
إنزيم الدياستيز الذي يُحوِّل النشا إلى سكر ‏.‏
إنزيم البروتيز الذي يُحوِّل البروتينات إلى أحماض أمينية ‏.‏
وإنزيم الليبيز الذي يحوِّل الدهون والزيوت إلى أحماض دهنية وجلسرين‏,‏ ويؤدي ذلك إلى تضخم حجم المخزون الغذائي داخلَ البذرة أضعافاً كثيرة ‏.‏
‏(3)‏ شق التربة‏ :‏ من أهم عوامل شق التربة انتفاخ البذور نتيجة لامتصاصها كميات مناسبة من الماء؛ لأن ذلك يولد قوة هائلة تعرف باسم قوة الإنبات لا يكاد العقل البشري أن يتصور قدرها‏,‏ لدرجة أننا إذا ملأنا زجاجة بالبذور الجافة‏,‏ وأضفنا إليها قدراً مناسباً من الماء‏,‏ وأحكمنا غلق الزجاجة، فإن القوة الناتجة عن إنبات البذور وتضخم حجمها بامتصاص الماء تصبح كافية لتفجير الزجاجة مهما يكن سُمْك جدارها‏ .‏ ويعين على شق التربة تعطش المعادن المكونة لها للماء‏,‏ وامتصاصه بكميات كبيرة، مما يؤدي إلى زيادة حجمها‏,‏ وارتفاعها إلى أعلى حتى ترق التربة رقة شديدة، ثم تنشق لتفسح طريقاً سهلاً للسويقة الممتدة إلى أعلى من البذرة النابتة‏ .‏
ويساعد على تحرك جزيئات التربة إلى أعلى غلبة المعادن الصلصالية عليها‏,‏ وهي على هيئة رقائق صفائحية دقيقة، تحتفظ بقدر من الغازات فيما بينها‏,‏ فإذا تخللها الماء حل محل تلك الغازات‏,‏ ودفع بها إلى خارج التربة، مما يؤدي إلى انتفاض حبيبات التربة إلى أعلى واهتزازها بعنف حتى ترق التربة وتنشق‏ .‏ ويعين على ذلك أيضاً ما تحمله رقائق الصلصال من شحنات كهربية تتنافر مع الشحنات المشابهة على جزئ الماء ذي القطبية الكهربية المزدوجة الموجبة على ذرتي الإيدروجين والسالبة على ذرة الأوكسجين ‏.‏
‏(4)‏ بدء خلايا الجنين في الانقسام والنمو حتى يمتد الجذير إلى أسفل ويعمل على تثبيت النبتة في التربة‏,‏ وبذلك تتصل بمصدر غذائها الطبيعي الذي تقوم بامتصاصه على هيئة العصارة الغذائية المكونة من الماء، وما به من العناصر والمركبات المذابة، أو التي يستخرجها المجموع الجذري مباشرة من مكونات التربة‏,‏ وقد أعطى الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ كل نبتة من النباتات قدرات اختيارية عالية تختار بها ما يناسبها من عناصر ومركبات الأرض اللازمة لنموها‏،‏ وبعد تكون المجموع الجذري ترتفع الريشة مخترقة شقوق التربة لتظهر فوق مستوى سطح الأرض‏,‏ وبذلك تتحول‏ (‏ البذرة النابتة‏)‏ إلى ما يسمى باسم ‏(‏ البادرة‏)‏ التي تستطيل بالتدريج لتعطي الساق حاملاً الأوراق والبراعم مكونة المجموع الخضري‏ .‏ وباستمرار مراحل النمو المتتالية تتحول البادرة إلى ‏(‏ النبات الكامل‏)‏ . فتبارك الله أحسن الخالقين ‏.‏
وفي عملية الإنبات قد تبقى الفلقة أو الفلقتان تحت سطح التربة‏(‏ محاطة بالقصرة الممزقة‏)‏ حتى يستنفد ما خزن بها أو بهما من غذاء في تغذية الجنين‏,‏ وذلك كما يحدث في إنبات بذور البازلاء‏,‏ أو إنبات نوى نخيل البلح، وفي المقابل قد تنمو السويقة إلى أعلى حاملة معها الفلقة أو الفلقتين إلى ما فوق سطح التربة‏,‏ ومعهما الريشة‏,‏ وتأخذ الفلقة أو الفلقتان في الاخضرار التدريجي للمشاركة في عملية التمثيل الضوئي لفترة محددة‏,‏ حتى تستطيل الريشة وتظهر عليها الأوراق الخضراء مكونة المجموع الخضري للنبات الذي يقوم بعملية التمثيل الضوئي‏,‏ وحينئذٍ تضمر الورقة الفلقية أو الورقتان الفلقيتان، وتسقط أو تسقطان بعد استنفاد ما بهما من غذاء ‏.‏

هذه العمليات المعقدة في فلق الحب والنوى لا يقوى عليهما أحد من الخلق‏,‏ ولا يمكن لهما أن تتما بغير توجيه‏‏ وهداية ربانية . ومن هنا نسب الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ هاتين العمليتين لذاته العلية تشريفاً لهما‏,‏ وتعظيماً لشأنهما؛ لأنه بدونهما ما كانت هناك إمكانية للحياة على الأرض، ولذلك قال ـ‏ عز من قائل ـ :‏" إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الحَبِّ وَالنَّوَى " (‏ الأنعام‏:95)‏ .
فالحمد لله على نعمه المتعددة ، ومنها فلق الحب والنوى‏,‏ وعلى رأس تلك النعم‏‏ القرآن الكريم‏,‏ الذي أنزله ربنا ‏ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وتعهد‏ ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ بحفظه في نفس لغة وحيه‏,‏ كلمة كلمة‏,‏ وحرفاً حرفا‏ًً,‏ ولذلك بقي القرآن الكريم مُحتفِظاً بجلال الربوبية المتلألئ بين آياته ‏,‏ وبالدقة العلمية الواضحة في كل إشاراته ‏,‏ والشاهدة على صدق وحيه ‏,‏ وصدق نبوة الرسول الخاتم الذي تلقاه‏ .‏ فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين‏ .‏ والحمد الله رب العالمين‏ .