" وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ‏ " (النحل:15).


هذه الآية الكريمة جاءت في منتصف الربع الأول من سورة النحل ‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها‏128‏ بعد البسملة‏,‏ وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة فيها إلى النحل‏,‏ وما وهبه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من فطرة عجيبة مكنته من بناء خلاياه‏,‏ وتنظيم حياته‏,‏ وسلوك مختلف السبل بسهولة ويسر‏,‏ وإخراج هذا الشراب الذي فيه شفاء للناس من بطون إناثه‏,‏ وقد سميت مجموعات النحل بهذا الاسم لأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد نحلها هذه القدرة على إخراج العسل‏,‏ وميزها بها عن غيرها من الحشرات‏ .‏
وتعرض سورة النحل للركائز الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، ومنها حقيقة الألوهية‏,‏ وأن الله‏ ـ تعالى ـ هو خالق كل شيء‏,‏ وهو رب كل شيء ومليكه‏,‏ وحقيقة الوحدانية المطلقة للإله الخالق فوق جميع خلقه‏,‏ وحقيقة طلاقة القدرة الإلهية التي لا تحدها حدود‏,‏ وطلاقة الإرادة الإلهية التي لا يعوقها عائق‏,‏ وحقيقة الوحي‏,‏ والنبوة والرسالة‏,‏ وقد أنزله الله ـ‏ سبحانه وتعالى ت على فترة من الرسل‏,‏ وأتمه وأكمله وختمه في بعثة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد بن عبد الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ ولذلك تعهد بحفظ رسالته الخاتمة حفظاً كاملاً بنص لغة وحيها‏,‏ بينما أوكل حفظ الرسالات السابقة لأصحابها فضيعوها‏ .‏
وتعرض سورة النحل لحتمية البعث‏,‏ وهي حقيقة لازمة‏,‏ أنكرها الكافرون واستبعدوا إمكانية وقوعها في القديم‏,‏ كما ينكرونها اليوم ويستبعدون وقوعها‏,‏ لعجزهم عن فهم مدلول الألوهية الحقة‏,‏ ومن هنا أنكروا وقوع عذاب الله بهم‏,‏ وهو واقع لا محالة‏ .‏
وتؤكد السورة أن الحاكمية لله‏,‏ ومن هنا كان له وحده الحق في التحليل والتحريم‏,‏ وتعرض لمهام الأنبياء والمرسلين في تبليغ أوامر الله لعباده الذين أعطاهم حرية الاختيار بين الإيمان والكفر‏,‏ والهدى والضلال‏,‏ وجعل لهم على ذلك من الثواب والعقاب ما يستحقون ‏.‏
وتدعو سورة النحل إلى إقامة عدل الله في الأرض‏,‏ والإحسان إلى الخلق‏,‏ والوفاء بالعهد‏,‏ كما تدعو إلى الإنفاق في سبيل الله‏,‏ وإلى الهجرة من أجل إعلاء دينه‏,‏ والتعريف به‏,‏ وتحذر السورة من الوقوع في الفتن‏ ـ‏ ومن أشدها الكفر بعد الإيمان‏ ـ‏ وتؤكد العديد من مكارم الأخلاق، وضوابط السلوك‏,‏ وقواعد المعاملات انطلاقاً من مخافة الله‏ وخشية حسابه‏,‏ وتذكر بأحوال الناس في حالات الضعف والقوة انتقالاً من مراحل الأجنة في بطون الأمهات إلى الشباب والفتوة‏,‏ ثم الهرم والشيخوخة‏,‏ ومن أحوال النعمة والرخاء إلى أحوال الشدة والبلاء، كما تذكر بلحظات الاحتضار وبمصارع الغابرين‏ .‏
وتبدأ السورة الكريمة بالتحذير من فجائية الآخرة في تحدٍ واضح للذين يستعجلونها‏ ـ‏ وهي واقعة لا محالة‏ ـ‏ ويستعجلون العذاب وهو واقع بهم‏,‏ لا فكاك منه ولا مهرب‏,‏ ثم تثني بتسبيح الله وتنزيهه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ عن الشريك‏,‏ وتؤكد حقيقة إنزال الوحي من الله ـ‏ سبحانه ـ على من يشاء من عباده الذين اصطفاهم من الأنبياء والمرسلين لينذروا الناس بأنه لا إله إلا الله‏,‏ وأن على الناس جميعاً أن يتقوه، وتعتب سورة النحل على الذين كفروا ـ انطلاقاً من صلفهم وعنتهم ـ أنهم طالبوا رسلهم بأن يأتوهم بالملائكة‏,‏ أو بتهديد الله لهم‏,‏ وتشير إلى عاقبة الذين طلبوا ذلك من قبل‏، وتنعي على الذين أشركوا ادعاءهم الكاذب بأن ذلك هو قدر الله عليهم‏,‏ وتؤكد السورة أنه ما على الرسل إلا البلاغ المبين‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ قد بعث رسولاً في كل أمة من الأمم يدعوهم إلى عبادة الله وحده‏,‏ وإلى اجتناب الطاغوت‏,‏ فكان منهم مصدقون مهديون‏,‏ ومكذبون عصاة‏,‏ وتذكر بعواقب المكذبين ‏.‏
وتخاطب سورة النحل خاتم الأنبياء والمرسلين ـ وهو الحريص على هداية الخلق أجمعين ـ بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لا يهدي من يضل‏,‏ وأن الضالين لا نصير لهم‏ .‏
وتشيرالسورة الكريمة في أكثر من موضع منها إلى إنكار الكافرين للبعث‏,‏ وتؤكد أنه وعد الله الذي لا يخلف وعده‏,‏ حتى يجازي كلاً بعمله‏,‏ وأن أمر الله سريع النفاذ‏,‏ وأنه بين الكاف والنون‏,‏ كما تشير إلى الرسل السابقين، وإلى رسالاتهم التي تكاملت كلها في القرآن الكريم الذي أنزله الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ تبياناً لما اختلف فيه أهل الكتاب‏,‏ وتحذر من عقاب الله للذين يمكرون السيئات‏,‏ وتؤكد حتمية الحساب‏,‏ وحتمية الثواب والعقاب ‏.‏
وتلمح سورة النحل إلى حقيقة أن كل ما في السموات والأرض من دواب وملائكة خاضعون لله بالطاعة والعبادة‏,‏ يسجدون له‏ ـ تعالى ـ‏ في غير استكبار‏,‏ وتعاود التحذير من الشرك بالله رب السموات والأرض ومن فيهن‏,‏ وصاحب النعم على جميع الخلق‏,‏ وكاشف الضر عنهم ‏.‏
وتنكر السورة الكريمة على أهل الجاهليات القديمة كراهيتهم لخلفة البنات‏,‏ تلك الكراهية التي كانت تدفعهم إلى وأد بناتهم أحياء‏،‏ وتضرب سورة النحل عدداً من الأمثال لتقارن بين غير الفاعلين من البشر‏ والفاعلين منهم الذين يأمرون بالعدل وهم على صراط مستقيم‏ .‏
وتؤكد سورة النحل أن الغيب المطلق في السموات والأرض لا يعلمه إلا الله‏,‏ ومنه أمر الساعة الذي لا يأتي إلا بغتة‏,‏ وأن الله ـ‏ تعالى‏ ـ على كل شئ قدير‏ .‏
وتستعرض السورة المباركة مواقف الظالمين من الكفار والمشركين يوم القيامة‏,‏ وما سوف يتعرضون له من المهانة والعذاب‏,‏ وتؤكد أن الأنبياء سوف يشهدون على أممهم‏,‏ وأن الرسول الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ سوف يشهد على أمته وعلى الذين كذبوا نبوته، وجحدوا رسالته منهم ومن الأمم من بعدهم‏,‏ وأن الله‏ ت‏ تعالى‏ ت قد أنزل عليه القرآن العظيم :
"تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ "  (النحل:89) . ‏
وتؤكد سورة النحل أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ : "
يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ‏... " ,‏ وتطالب المسلمين بالوفاء بعهد الله إذا عاهدوا‏,‏ وبعدم نقض الأيْمان بعد توكيدها‏,‏ وتشير إلى أن الله‏ ـ‏ تعالى ـ لو شاء لجعل الناس أمة واحدة‏,‏ ولكن منهم الضال والمهتدي‏,‏ والطالح والصالح‏,‏ وتقرر الآيات أن : " مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "   ‏(‏النحل‏:97)‏ .
وتأمر الآيات بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل البدء في تلاوة القرآن الكريم‏,‏ وتؤكد أن ليس للشيطان سلطان على الذين آمنوا‏,‏ الذين على ربهم يتوكلون‏,‏ وإنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون‏ .‏
وتشير سورة النحل إلى أن القرآن الكريم نزل به جبريل‏ ـ عليه السلام‏ ـ‏ بالحق من لدن رب العالمين ليثبِّت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين‏,‏ كما تشير إلى الادعاء الكاذب من الكافرين بأن الرسول ـ‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ‏ يتلقى ما أفاء الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عليه به من علم على يد بشر‏,‏ وتستنكر افتراء الكذب على الله‏,‏ والكفر به إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان‏,‏ وتقرر أن على الكافرين غضباً من الله‏,‏ وأن لهم عذاباً عظيماً ‏.‏
وتعرض السورة الكريمة لشيء من المحرمات في الطعام ، مثل الميتة، والدم‏,‏ ولحم الخنزير‏,‏ وما أهل لغير الله به‏,‏ إلا من اضطر غير باغ ولا عاد‏,‏ فإن الله غفور رحيم‏,‏ وتؤكد أن التحليل والتحريم من سلطة الله وحده‏,‏ ولا يجرؤ عليه إلا كاذب على الله‏,‏ وتلمح إلى اليهود ومخالفتهم لأوامر الله بالاعتداء في السبت‏,‏ وتذكر نبي الله إبراهيم ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ بأنه كان حنيفاً مسلماً ولم يكن من المشركين‏,‏ وأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ قد اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم‏,‏ وآتاه في الدنيا حسنة‏,‏ وجعله في الآخرة من الصالحين، وتأمر الآيات رسول الله الخاتم  ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ أن يتبع ملة ابراهيم حنيفا‏ًً .‏
وتختتم سورة النحل بدعوة خاتم الأنبياء والمرسلين‏ ـ‏ صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين‏ ـ‏ ومن بعده دعوة كل المؤمنين برسالته إلى أن يحملوا هذا الدين الخاتم المحفوظ بحفظ الله إلى غيرهم من الأمم بالحكمة والموعظة الحسنة‏,‏ ومجادلتهم بالتي هي أحسن، وبالصبر على الكافرين والمشركين والمتشككين‏,‏ والعفو عما يلقونه منهم من أذى في سبيل تبليغ دعوة الله إليهم‏,‏ وإن عاقبوا فلا يجوز للعقاب أن يتعدى المثل‏,‏ وأن الصبر خير للصابرين .
‏ وتنتهي السورة بالوصية إلى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ بأن يصبر، وبألا يكون في ضيق مما يمكر الكافرون؛ لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ
" مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ"    (النحل‏:128) .
والوصية بعد رسول الله‏ ـ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ هي لكل مسلم يحمل راية الإسلام إلى يوم الدين‏ .‏

الآيات الكونية في سورة النحل :
استشهدت سورة النحل بالعديد من الآيات الكونية الدالة على حقيقة الألوهية التي تتجلى فيها عظمة الخلق‏,‏ وشمول النعم على العباد‏,‏ وتمام العلم‏,‏ وعظيم الحكمة‏,‏ ودقة التدبير ومن تلك الآيات ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ خلق السموات والأرض بالحق ‏.‏
‏(2)‏ خلق الإنسان من نطفة فإذا به يقابل خالقه بالجحود والنكران في أغلب الأحيان ‏.‏
‏(3)‏ خلق الأنعام ، وهي مصدر للعديد من المنافع للإنسان ‏.‏
‏(4)‏ خلق الخيل والبغال والحمير وغير ذلك من وسائل الركوب التي لم تكن معروفة في زمن الوحي‏,‏ والتي ستظل في تطور مستمر مع تزايد علم الإنسان وقدراته التقنية‏,‏ والله يخلق مالا يعلمه الإنسان ‏.‏
‏(5)‏ تعدد معتقدات الناس بين الضلال والهداية‏ .‏
‏(6)‏ إنزال الماء من السماء للشراب وإنبات الشجر والزرع، ومن أهمها الزيتون والنخيل والأعناب وغيرها من الثمرات المباركات‏ .‏
‏(7)‏ تسخير الأرض ‏(‏بتبادل ليلها ونهارها نتيجة لكرويتها ولدورانها حول محورها أمام الشمس‏)‏، وكذلك تسخير كلٍ من الشمس والقمر والنجوم بأمر الله لاستقامة الحياة في هذا الكون ‏.‏
‏(8)‏ نشر مختلف صور الحياة في الأرض‏,‏ وتعدد أشكال سطحها وصخورها وعناصرها ومركباتها ومختلف الدورات فيها‏ (‏دورة الماء‏,‏ ودورة الحياة‏,‏ ودورة الصخور‏..‏ إلخ‏) .‏
‏(9)‏ تسخير البحر للإنسان بما فيه من أحياء ذات لحم طري‏,‏ وهياكل تصلح لصناعة الحلي‏,‏ وقدرة على حمل الفلك ذات الأحجام المختلفة جرياً بمصالح العباد تشق عباب مائه وما فوق الماء من هواء‏ .‏
‏(10)‏ إلقاء الجبال على الأرض رواسي لها كي لا تميد ولا تضطرب، وإلا ما كانت صالحة للعمران‏,‏ وارتباط تكونها بنبع الأنهار من قممها‏,‏ ودورحركة الأنهار من ينابعها إلى مصابها في تفتيت الصخور‏,‏ وتكوين التربة‏,‏ وتركيز العديد من المعادن والصخور النافعة والثروات الأرضية الأخرى‏,‏ وفي تسوية سطح الأرض وشق الفجاج والسبل فيها ‏.‏
‏(11)‏ جعل تضاريس الأرض المختلفة علامات للاهتداء بها على اليابسة في وضح النهار‏,‏ وجعل النجوم علامات للاهتداء بها في ظلمات البر والبحر‏ .‏
‏(12)‏ أن الله ـ تعالى‏ ـ‏ هو خالق كل شئ‏,‏ والمخلوقون لا قدرة لهم على الخلق ‏.‏
‏(13)‏ وصف عقاب بعض الأمم السابقة وصفاً ينطبق على ما تحدثه الزلازل في زماننا من قبل أن يدرك أحد من الخلق ميكانيكية حدوث تلك الهزات الأرضية ‏.‏
‏(14)‏ تأكيد أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ خسف الأرض بالذين مكروا السيئات في الماضي، وهو ـ‏ سبحانه‏ ـ‏ قادر على أن يخسفها بهم في الحاضر والمستقبل‏,‏ وفي ذلك تأكيد على أن فهمنا لميكانيكية حدوث الكوارث الأرضية لا يخرجها عن كونها من جند الله يسلطها على من يشاء من عباده عقاباً للعاصين‏,‏ وابتلاءاً للصالحين‏,‏ وعبرة للناجين‏ .‏
‏(15)‏ أن مد الظل وقبضه صورة من صور السجود التسخيري لله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ في خضوع وطاعة تامين ‏.‏
‏(16)‏ خلق اللبن في ضروع الأنعام من بين فرث ودم لبنا خالصاً سائغاً للشاربين‏ .‏
‏(17)‏ جعل ثمرات النخيل والأعناب مصدراً للرزق الحسن‏,‏ كما قد يسيء الإنسان استخدامها بأن يجعلها مصدراً للسكر وفقدان الوعي ‏.‏
‏(18)‏ خلق النحل ومنح إناثه القدرة على بناء بيوتها في الجبال‏,‏ وفي الأشجار‏,‏ وفيما يعرش لها الناس‏,‏ وعلى جمع الرحيق وحبوب اللقاح من مختلف الزهور والثمار‏,‏ وذلك عبر مسافات شاسعة الاتساع دون أن تضل عن بيوتها، وتحويل ذلك في بطونها إلى هذا الشراب المختلف الألوان، والذي فيه شفاء للناس ‏.
‏(19)‏ دورة الحياة بين الخلق والوفاة حتمية على كل حي‏,‏ ومن الأحياء الإنسان الذي منه من يتوفى صغيراً أو شابا‏ًً,‏ ومنه من يرد إلى أرذل العمر، ومن مظاهره فقدان الذاكرة جزئياً أو كليا‏ًً .‏
‏(20)‏ تقديم خلق حاسة السمع على خلق حاسة البصر‏ .‏
‏(21)‏ إن الله‏ ـ‏ تعالى ـ هو الذي يمسك الطيور مسخرات في جو السماء .
‏(22)‏ الإشارة بلفظة الحر إلى كلٍ من الحر والبرد، على أن كلاً منهما يمثل بدرجات حرارة إيجاباً أو سلباً ‏.‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى ـ :‏ " وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ "   ‏(‏النحل‏:15)‏ .
ذكر ابن كثير‏ ـ‏ رحمه الله‏ ـ ما نصه‏ :...‏ ثم ذكر الله ـ تعالى ـ الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات، والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد‏,‏ أي تضطرب بما عليها من الحيوانات‏,‏ فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال‏:" وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ‏"
،‏ وقوله‏: " وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً ‏" أي جعل فيها أنهاراً تجري من مكان إلى مكان آخر رزقاً للعباد‏,‏ ينبع في موضع، وهو رزق لأهل موضع آخر‏,‏ فيقطع البقاع والبراري والقفار‏,‏ ويخترق الجبال والآكام‏‏ بحسب ما أراد الله وقدر وسخر ويسر‏,‏ فلا إله إلا هو ولا رب سواه‏، وكذلك جعل فيها‏ "‏ سُبُلاً "‏ أي طرقاً يسلك فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه ـ تعالى ـ ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممراً ومسلكا‏ًً,‏ كما قال ـ تعالى ـ ‏: "‏ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً‏ " .‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وجاء في تفسير الجلالين ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ كلام مشابه في اختصار غير مخل ، كذلك جاء كلام مشابه في ‏(‏الظلال‏)‏ ـ رحم الله كاتبه برحمته الواسعة‏ ـ وإن كان قد نعي على العلم الحديث أنه يعلل وجود الجبال والرواسي، ولكنه لا يذكر وظيفتها‏،‏ والقرآن يذكر أنها تحفظ توازن الأرض‏ .‏
‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن ـ‏ رحم الله كاتبها‏ ـ‏ ما نصه ‏:‏ رواسي جبالا ثوابت‏ . "‏ أَن تَمِيدَ بِكُمْ‏ "‏
كراهة أن تميد‏،‏ أو لئلا تميد‏,‏ أي تميل بكم وتضطرب‏ .‏ يقال‏:‏ مادت السفينة تميد ميدا‏ًً,‏ إذا تحركت ومالت‏,‏ ومادت الأغصان‏ :‏ تمايلت‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
‏ وذكر أصحاب المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ جزاهم الله خيرا‏ًً ـ‏ ما نصه‏ :‏ وجعل الله في الأرض جبالاً ثابتة تحفظها أن تضطرب‏,‏ وجعل فيها أنهاراً تجري فيها المياه الصالحة للشرب والزرع‏,‏ وطرقاً ممهدة لتهتدوا بها في السير إلى مقاصدكم ‏.‏ (انتهى قول المفسر)
وذكر أصحاب صفوة التفاسير‏ ـ جزاه الله خيرا ـ كلاماً مشابهاً لا أرى لزوماً لتكراره‏ .‏



الدلالات العلمية للآية الكريمة :
من الدلالات العلمية المبهرة في هذه الآية الكريمة استخدام تعبير الإلقاء لوصف تكون الجبال‏,‏ ووصف الجبال بأنها رواس للأرض خشية أن تميد بما عليها من خلق‏,‏ وربط تكون كل من الأنهار والسبل بتكون الجبال‏,‏ وفيما يلي تفصيل ذلك‏ :‏
أولاً‏:‏ وصف عملية تكون الجبال بتعبير الإلقاء‏ :‏
توصف الجبال بأنها أشكال أرضية بارزة فوق سطح الأرض‏,‏ تتسم بقممها العالية‏,‏ وسفوحها المنحدرة‏,‏ وبوجودها في مجموعات على هيئة أطواف‏,‏ أو منظومات‏,‏ أو سلاسل‏,‏ أو أحزمة‏,‏ أو مجموعات من تلك الأحزمة الجبلية التي تكون عادة متوازية أو قريبة من التوازي مع بعضها البعض‏,‏ وإن كانت بعض الجبال توجد على هيئة مرتفعات فردية وحيدة بصورة جبل واحد ‏.‏ والمرتفعات الفردية تتكون عادة من الطفوح البركانية على النحو التالي ‏:
 يقسم الغلاف الصخري للأرض بواسطة عدد من الخسوف الأرضية التي تتراوح أعماقها بين‏65‏ كيلو متراً و‏150‏ كيلو متراً إلى حوالي الاثني عشر لوحاً كبيراً، بالإضافة إلى عدد أقل من ألواح الغلاف الصخري الصغيرة‏ .‏ ولما كانت هذه الألواح تطفو فوق نطاق لدن‏,‏ شبه منصهر، يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي، فإن البراكين تكثر عند الحدود الفاصلة بين تلك الألواح خاصة عند حدود التباعد بينها‏,‏ ومعظم هذه البراكين تلقي بحممها من أسفل إلى أعلى، وتظل تلك الحمم تتراكم فوق بعضها البعض لتكون كتلاً جبلية معزولة من الصخور البركانية تصل ارتفاعاتها إلى آلاف الأمتار فوق مستوى سطح البحر؛ لأن معظم هذه البراكين يستمر في نشاطه لفترات تتراوح بين‏20‏ و‏30‏ مليون سنة‏,‏ وإن كان بعضها قد يستمر نشاطه لأكثر من مائة مليون سنة‏ .‏ ومن أمثلة الجبال البركانية جبل أرارات ‏(5100‏ متر‏)‏ في تركيا‏,‏ وجبل إتنا‏ (3300‏ متر‏)‏ في صقلية‏,‏ وجبل فيزوف‏ (1300‏ متر‏)‏ في إيطاليا‏,‏ وجبل كيليمنجارو ‏(5900‏ متر‏)‏ في تنزانيا‏,‏ وجبل كينيا ‏(5100‏ متر‏)‏ في كينيا ‏.‏

(2)‏ الجبال المطوية تتكون بعمليات إلقاء الصخور المتلونة فوق قيعان المحيطات فوق حواف القارات ‏:‏ 
 تمثل سلاسل الجبال المطوية ذروة التطور في تكون النطق الجبلية‏,‏ ولذلك فهي تمثل بالمنظومات الجبلية الكبرى في العالم‏,‏ وتتكون هذه النظم الجبلية من أنواع مختلفة من الصخور الرسوبية والنارية والمتحولة‏ ، (‏وكلها ينتج عن عملية إلقاء‏),‏ كما تعتريها أنماط بنيوية عديدة من الطي والتصدع‏,‏ والتصدع الراكب والمتداخلات والطفوح البركانية ، ولعمليات الإلقاء من أسفل إلى أعلى، ومن أعلى إلى أسفل في كل نمط من هذه الأنماط البنيوية دور أساسي لا يمكن إغفاله ‏.‏
وتدل الملاحظات الميدانية على ان تكون الجبال المطوية يسبقه تكون أحواض أرضية عملاقة تقدر أطوالها بمئات الكيلو مترات، واتساعها بعشرات الكيلو مترات‏,‏ وأعماقها بعدة مئات من الأمتار‏,‏ ولكن قيعانها تهبط تحت أوزان ما يتجمع فيها، مما يؤدي إلى تراكمات من الصخور الرسوبية المتبادلة مع الطفوح البركانية يزيد سُمكها على‏1500‏ متر‏,‏ وكل من الفتات الصخري والرسوبيات التي تتكون بطريقة كيميائية أو بطريقة عفوية لتكون هذا السُمك الهائل من الصخور الرسوبية، تلقي كلها من أعلى ماء البحار إلى قيعانها بعملية إلقاء حقيقية‏,‏ والطفوح البركانية المتداخلة فيها والمتبادلة معها تلقي أثناء الثورات البركانية من أسفل إلى أعلى‏ .‏
كذلك فإن تلك الأحواض الأرضية تكونت بفعل أعداد من الصدوع الخسيفة العميقة التي تظل في حركة دائبة للهبوط بتلك الأحواض ببطء، مما يعين على تجمع تلك التراكمات السميكة من الصخور الرسوبية والبركانية، وكلتاهما تتكون بعملية إلقاء من أعلى إلى أسفل، أو من أسفل إلى أعلى ، أو بهما معا‏,‏ واحداً تلو الآخر‏.‏كذلك تشير الدراسات الميدانية إلى أن حركة ألواح الغلاف الصخري للأرض تلعب دوراً مهماً في عملية بناء هذه السلاسل والمنظومات الجبلية الشديدة الطي والتكسر‏,‏ فعند اصطدام لوحين من ألواح الغلاف الصخري المكون لقاع المحيط، تتكون سلسلة من الجزر البركانية على هيئة أقواس فوق قاع المحيط‏ .‏

وعندما يصطدم قاع المحيط بإحدى القارتين المحيطتين به، ويبدأ في الهبوط تحتها، تتكون أعمق أغوار هذا المحيط ، ويتجمع في هذا الغور بالإلقاء من أعلى إلى أسفل كم هائل من الرسوبيات التي تتضاعف بالتدريج إلى الصخور الرسوبية‏,‏ كما يتبادل مع هذه الصخور الرسوبية كم هائل من الطفوح البركانية التي يلقى بها من أسفل إلى أعلى‏ .‏ وتتسم عملية انزلاق قاع المحيط تحت قارة مجاورة بكشط هذا السُمك الهائل من الصخور الرسوبية والبركانية ‏(‏المتجمعة في الغور الأخدودي العميق الناتج عن عملية هبوط قاع المحيط تحت القارة‏)،‏ وبتعفنه وإلقائه فوق حافة القارة الراكبة تتكون سلسلة جبلية من السلاسل المطوية والمتكسرة بمحاذاة الأخدود البحري الهابط بالتدريج تحت القارة‏,‏ وباستمرار عملية الهبوط يكشط المزيد من الصخور الرسوبية البحرية، وما تضمه من طفوح بركانية من فوق قاع المحيط الهابط تحت القارة، وتلقى فوق حافة القارة لتضاف إلى سلسلة الجبال المتكونة فوق طرف القارة‏,‏ كذلك تنشط كلٌ من الطفوح البركانية والمتداخلات النارية لتكون قلب وقواعد السلسلة الجبلية المتكونة، وذلك بالانصهار الجزئي للوح الهابط‏,‏ وبإزاحته كتلاً من الصهارة من نطاق الضعف الأرضي الذي تغوص فيه ‏.‏

وفي بعض الأحيان قد تتحرك إحدى القارات في اتجاه قارة مقابلة لها دافعة أمامها قاع المحيط الفاصل بين القارتين، فيهبط تحت القارة المقابلة بالتدريج حتى يتم استهلاكه بالكامل فتصطدم القارتان ببعضهما اصطداماً عنيفاً يكون من نتائجه هبوط القارة الدافعة هبوطاً جزئياً تحت القارة الراكبة‏,‏ وتكون أعلى السلاسل الجبلية على حافة القارة الراكبة، وذلك بكشط كل الصخورالرسوبية والبركانية من فوق قاع المحيط الهابط، وإلقائها على حافة القارة الراكبة مع القاء كم هائل من المتداخلات والطفوح البركانية والصخور المتحولة في قلب السلسلة الجبلية المتكونة بالعديد من الطي والتكسر ‏.‏ وتكثر الصدوع بصفة خاصة على امتداد حواف سلاسل ونظم الجبال المطوية‏,‏ وبعض هذه الصدوع من النوع العادي‏,‏ ولكن معظمها من الصدوع التجاوزية ‏(‏الدسرية‏)‏ ذات الميول المنخفضة ، والتي تمتد إلى مئات الكيلو مترات دافعة أمامها كتلاً هائلة من الصخور المتباينة كتلة فوق الأخرى لعدة كيلو مترات، وهي صورة من أروع صور الإلقاء‏ .‏

ثانيا‏ًً:‏ وصف الجبال بأنها رواسي ‏:‏
يقسم الغلاف الصخري للأرض إلى نحو اثني عشر لوحاً كبيراً، بالإضافة إلى عدد من الألواح الصغيرة، وذلك بواسطة شبكة من الصدوع الخسيفة ‏(‏الخسوف الأرضية المكونة بواسطة عمليات تصدع الغلاف الصخري للأرض‏),‏ وهي خسوف تتراوح أعماقها بين‏65‏ كم‏,‏ و‏150‏ كم، وتطفو ألواح الغلاف الصخري للأرض فوق نطاق من الصخور شبه المنصهرة يعرف باسم نطاق الضعف الأرضي‏,‏ ولذلك فإن هذه الألواح الصخرية تنزلق فوق نطاق الضعف الأرضي مع دوران الأرض حول محورها‏,‏ وباندفاع الصهارة الصخرية بملايين الأطنان عبر الصدوع والخسوف الفاصلة بينها‏,‏ خاصة تلك الخسوف الموجودة في ألواح الغلاف الصخري المكونة لقيعان كل محيطات الأرض وأعداد من بحارها، والتي تتسع باستمرار في ظاهرة تعرف باسم ظاهرة اتساع قيعان المحيطات‏,‏ وبذلك تنتقل ألواح الغلاف الصخري للأرض باستمرار في حركة لا يبِّطئ من عنفها إلا تكون السلاسل الجبلية التي تثبت القارات في قيعان البحار والمحيطات بواسطة أوتاد الجبال‏,‏ كما يمكن بواسطتها تثبيت قارة في قارة أخرى ‏.‏
فالجزء البارز من الجبال فوق سطح الأرض هو في الحقيقة ليس إلا القمم البارزة لكتل هائلة من الصخور التي تطفو في نطاق الضعف الارضي، كما تطفو جبال الجليد في ماء البحر المحيط، ومن هنا كان وصف القرآن الكريم للجبال بالرواسي وصفاً معجزا‏ًً؛‏ لأن الجبال ترسو بأوتادها في نطاق الضعف الأرضي كما ترسو السفينة في ماء البحر على مرساتها‏,‏ و‏(‏الرواسي‏)‏ من الجبال الثوابت الرواسخ‏,‏ ووحداتها ‏(‏راسية‏) .‏
ووجود الجبال بكتلها الغائرة في الغلاف الصخري للأرض، والطافية في نطاق الضعف الأرضي يقلل من شدة ترنح الأرض في دورانها حول محورها‏,‏ ويجعل حركتها أكثر انتظاماً وسلاسة، تماماً كما تفعل قطع الرصاص التي توضع حول إطار السيارة للتقليل من رجرجتها وانتظام حركتها، وبذلك أصبحت الارض مؤهلة للعمران بمختلف صور الحياة ‏.‏

ثالثاً‏:‏ ربط تكون كلٍ من الأنهار والسبل بتكون الجبال‏ :‏
يعرف النهر بماء يتدفق في مجري محدد ‏(‏ له حواف تعرف باسم الشرف النهرية‏)‏ من مناطق مرتفعة في اتجاه البحر‏,‏ أو في اتجاه بحيرة داخلية‏,‏ أو حوض صحراوي‏,‏ أو نهر أكبر ‏.‏
وتغذي الأنهار بماء المطر الذي يسقط فوق مرتفعات الأرض ، مثل الجبال‏,‏ كما يمكن ان تغذي الأنهار من ماء العيون‏,‏ أو من تسربات الماء المخزون في طبقات تحت سطح الارض ، ومن ذوبان الجليد من أماكن تجمعه في قمم الجبال، ومن أطراف حقول الجليد‏,‏ ولكن عند تكون أعداد من البحيرات في المناطق المرتفعة تكون قدرتها على إمداد الأنهار بالماء المتدفق أكبر‏.‏
كذلك يمكن أن يفقد جزء من ماء النهر بالبخر أو بالتسرب إلى الخزانات المائية تحت سطح الارض‏,‏ والفرق بين كم الماء الذي يغذي النهر والفاقد منه هو الذي يتحكم في استمرارية أو انقطاع تدفق الماء في مجري النهر ‏.‏
ومن هنا كان ربط القرآن الكريم بين تكون الجبال وتدفق الانهار في الآية الكريمة التي نحن بصددها وفي غيرها من آيات القرآن العظيم ‏.‏
كذلك فإن مجاري الأنهار تتعرض للانتقال البطيء مع الزمن، أو للجفاف، وذلك مع تغير الظروف المناخية‏,‏ أو تغير سرعة جريان الماء في مجراه‏,‏ وهي مرتبطة بمعدل انحدار المجرى‏,‏ وطبيعة الصخور التي شق فيها مجراه، وشكل المقطع الرأسي للمجرى‏,‏ ومع جفاف مجرى النهر أو تغييره يترك المجرى القديم سبيلاً ميسراً لحركة كلٍ من الإنسان والحيوان‏ .
ومن هنا كان ربط القرآن الكريم بين ذكر الأنهار والسبل، حيث إن الأنهار من أعظم وسائل شق الطرق بين الجبال والتلال والهضاب في مناطق التضاريس الأرضية الوعرة‏ .‏
خاتمة‏ :‏
هذه الحقائق العلمية عن كلٍ من الجبال والأنهار والسبل بدأ الإنسان في جمع أطرافها في بطء شديد عبر القرون المتعاقبة، ولم يبدأ في بلورة تصور صحيح لها إلا في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ‏,‏ ولم يكتمل هذا التصور إلا في منتصف الستينيات من القرن العشرين ‏.‏
وورود هذه الحقائق في الآية الكريمة التي نحن بصددها، وفي غيرها من آيات القرآن العظيم مما يقطع بأن القرآن هو كلام الله الخالق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ ويجزم بنبوة النبي الخاتم والرسول الخاتم ‏ـ صلى الله عليه وسلم ‏ـ وبأنه كان موصولاً بوحي السماء‏,‏ ومعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض، الذي أنزل في محكم كتابه قوله الحق ‏:‏
" وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ "            (‏سبأ‏:6)‏ .