"وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً .‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً " (‏ نوح‏:18, 17)‏


الآيتان الكريمتان جاءتا في نهاية الثلث الثاني من‏ سورة نوح‏، وهي سورة مكية، وآياتها ثمان وعشرون‏(28)‏ بعد البسملة، وقد سميت باسم نبي الله نوح ـ عليه السلام‏ ـ‏ لأن المحور الرئيسي للسورة يدور حول قصته مع قومه، والدروس المستفادة منها وفي مقدمة ذلك ما يلي ‏:‏
‏(1)‏ التسليم بحاجة البشرية إلى الهداية الربانية، والتي بدونها لا تستقيم الحياة على الأرض، ولا يتعرف الإنسان على حقيقة رسالته في الدنيا، ولا على مصيره في الآخرة‏ .‏
(2)‏ اليقين برحمة الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بعباده، والمتمثلة في إرسال الأنبياء الواحد تلو الآخر من أجل هداية الناس إلى دين الله الحق على الرغم من إعراض الغالبية الساحقة عنهم، ومحاربتهم لهم، واضطهادهم إياهم، ومطاردة المؤمنين بهم وبرسالاتهم‏ .‏
‏(3)‏ الإيمان بالوحي المنزل من الله ـ تعالى ـ والذي تكامل في بعثة النبي الخاتم‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ والتأكيد على وحدة رسالة السماء ، وعلى الأخوة بين الأنبياء ‏.‏
‏(4)‏ تثبيت النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ على طريق الحق، وتثبيت جميع المؤمنين برسالته من بعده إلى قيام الساعة، وتشجيعهم على تحمل تبعات التبليغ عن الله ـ سبحانه وتعالى‏ .‏
‏(5)‏ تجسيد عناية الله‏ ـ تعالى‏ ـ بالقلة المؤمنة، وتعهده بنصرهم، وتأكيد حتمية عقابه ـ سبحانه وتعالى‏ ـ للكثرة الباغية الفاجرة، فمهما تضافرت جهود أهل الباطل، ومهما بلغت إمكاناتهم المادية، فإن جند الله هم الغالبون، ومهما تطاول أهل الباطل على الحق وأهله، وتجاوزوا كل الحدود في حربه، فلا بد من تنزل نصر الله الموعود على القلة المؤمنة المجاهدة الصابرة المحتسبة بإذن الله‏ .‏
‏(6)‏ النهي عن الشرك بالله نهياً قاطعاً، والتحذير من عواقبه الوخيمة في الدنيا قبل الآخرة ‏.‏
‏(7)‏ تأكيد ضرورة التوجه إلى الله ـ‏ تعالى ـ بالدعاء في كل شدة، وبالحمد والثناء في كل سعة ‏.‏
وتبدأ السورة الكريمة بالتأكيد على حقيقة الوحي الإلهي إلى نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام‏ ـ وتأمره أن ينذر قومه ببأس الله قبل نزوله بهم ‏.‏ وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ : ‏
‏" إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ . قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ . أ َنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ . يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ‏" (‏نوح‏:1-4) .‏ 
وبعد خطابه إلى قومه يتوجه سيدنا نوح‏ ـ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ بالخطاب إلى ربه شاكياً معصية قومه فيقول ‏: ‏‏" قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً . فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً . وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً . ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً . ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً . فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً . يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَاراً . وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً " (‏نوح‏:5-12)‏
ثم يعاود نبي الله نوح‏ ـ عليه السلام ـ‏ توجيه العتاب إلى قومه على عدم خضوعهم بالطاعة لله ـ تعالى ـ مستشهدا على حقيقة ألوهيته وربوبيته ووحدانيته المطلقة فوق جميع خلقه بعدد من آياته في الكون فيقول ‏:‏ ‏" مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً . وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً . أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً . وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً . وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً . وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ بِسَاطاً . لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً  " (‏نوح‏:13-20) .‏
ويشكو نوح‏ ـ عليه السلام ـ‏ إلى ربه‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ عصيان قومه له، وانصرافهم عن دعوته لهم بتوحيد الله ـ تعالى‏ ـ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله، وينعي إصرارهم على عبادة الأوثان، واتباعهم لأهل الضلال، ومكرهم به، واستخفافهم بدعوته . وفي ذلك تقول الآيات‏ : ‏
‏" قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً . وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً . وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَداًّ وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً . وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً " (‏نوح‏:21-24) . وهنا يتنزل عقاب الله الصارم على هؤلاء الضالين، وينطلق لسان نبي الله نوح بالدعاء عليهم، ويستجيب الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ لدعاء نبيه فيقضي على القوم الظالمين بالهلاك . وفي ذلك تقول الآيات ‏:‏ ‏" مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَاراً . وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّاراً . إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً " (‏نوح‏:25-27) .‏
وتختتم السورة الكريمة بدعاء من نبي الله نوح‏ ـ‏ عليه السلام‏ ـ يقول فيه‏ :‏
‏ " رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَاراً "(‏نوح‏:28) .

من ركائز العقيدة في‏‏ سورة نوح‏ :
‏(1)‏الإيمان بالله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ رباً واحداً أحداً، لا شريك له في ملكه، ولا منازع له في سلطانه ، واليقين بنبوة الأنبياء، وبرسالات المرسلين، وبملائكة الله وكتبه ورسله‏ ـ‏ و على رأسهم خاتمهم أجمعين‏ ـ والإيمان بكلٍ من اليوم الآخر، والجنة والنار ، وبأنها لجنة أبداً أو نار أبدا‏ًً .‏
‏(2)‏ الإيمان بوحي السماء، وبالأخوة بين الأنبياء وبخاتمهم أجمعين ‏.‏
‏(3)‏ اليقين بالآخرة، وبأن الأجل الذي حدده الله‏ ـ تعالى ـ‏ لها لا يؤخر، وبوقوع عذاب الله ـ‏ تعالى ـ‏ في الدنيا قبل الآخرة‏ .‏
‏(4)‏التصديق بأن الله‏ ـ‏ تعالى ـ غفار للذنوب ، وأنه ـ‏ تعالى ـ هو الذي ينزل المطر من السماء ، ويرزق خلقه بما يشاء من المال والبنين ومختلف أشكال الرزق ‏.‏
‏(5)‏ التصديق بقصة نبي الله نوح ـ عليه السلام‏ ـ‏ مع قومه كما جاءت في القرآن الكريم، وبإغراق الكفار والمشركين والعصاة الملاحدة الظالمين منهم، ونجاة عباد الله الصالحين من بينهم، وهم أسلاف أهل الأرض من بعدهم‏ .‏

من ركائز العبادة في‏سورة نوح‏ :
‏(1) ‏ضرورة عبادة الله‏ ـ تعالى ـ‏ بما أمر، وتقواه وطاعته، وتوقيره وخشيته، ورجاء ثوابه والخوف من عقابه‏ .‏
‏(2) ‏الدعوة إلى دين الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بمختلف الأساليب المشروعة مهما لقي الإنسان في سبيل ذلك من عنت‏ .‏
‏(3) ‏النهي عن الشرك بالله ـ تعالى‏ ـ وعن الظلم، وعن إتباع العصاة، وعن معاداة الصالحين أو الكيد لهم‏ .‏
‏(4) ‏الأمر بضرورة التعرف على الخالق العظيم، وعلى شيء من صفاته العليا، وذلك بالتأمل في بديع صنعه في خلقه، وباستخلاص الدروس والعبر من ذلك‏ .‏
‏(5)‏ الحرص على التوجه إلى الله ـ‏ تعالى‏ـ بالدعاء للنفس وللوالدين وبقية الأهل والمعارف والأصدقاء وللمؤمنين والمؤمنات جميعاً بظهر الغيب لعل الله ـ تعالى ـ أن يستجيب لذلك الدعاء‏ .‏

من الإشارات الكونية في‏ سورة نوح :
(1)‏ التأكيد على مرحلية الحياة الدنيا، وعلى حتمية الآخرة ‏.‏
‏(2)‏ الإشارة إلى تنوع أساليب الدعوة وطرائقها بما يتناسب والظروف النفسية للمدعوين ، وحسب الظروف المتاحة للداعين ‏.‏
‏(3)‏ تقدير أن الله ـ‏ تعالى ـ هو الذي ينزل المطر بعلمه وحكمته وقدرته، وهو‏ ـ سبحانه‏ ـ‏ الرزاق ذو القوة المتين، الذي يمد خلقه بالمال والبنين، ويحيل الأرض القاحلة إلى جنات تجري من بينها الأنهار ‏.‏
‏(4)‏ الإشارة إلى خلق الناس في أطوار متتالية يؤكدها العلم المكتسب‏ .‏
‏(5)‏ التأكيد على أن الله‏ ـ تعالى‏ ـ خلق سبع سماوات طباقاً، ولولا هذا التأكيد ما استطاع الإنسان المحبوس في حدود السماء الدنيا معرفة ذلك أبدا‏ًً .‏
‏(6)‏ التفريق بين كلٍ من الضياء والنور، وذلك بوصف القمر بأنه نور، ووصف الشمس بأنها سراج، والتصريح بأن القمر نور في السماوات السبع يشير إلى شفافية وتطابق تلك السماوات حول مركز واحد يشمل كلاً من الأرض والقمر ‏.‏
‏(7)‏ الإشارة إلى إنبات الخلق من الأرض ثم إعادتهم فيها، ومن بعده إخراجهم منها‏ .‏
‏(8)‏ وصف تمهيد سطح الأرض بجعله في معظمه كالبساط، وذلك بشق الفجاج والسبل بين سلاسل الجبال والهضاب الأرضية التي تسوي بسطح البحر، وذلك بواسطة مختلف عمليات التعرية‏ .‏
‏(9)‏ الإشارة إلى طوفان نوح الذي تؤكده الدراسات الحديثة‏ .‏
و كل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة بها، ولذلك فسوف أقصر حديثي هنا على النقطة السابعة من القائمة السابقة، والتي جاءت في الآيتين السابعة عشرة والثامنة عشرة من سورة نوح ، ولابد من الرجوع إلى أقوال عدد من المفسرين في شرح هاتين الآيتين قبل الوصول إلى استعراض دلالتهما العلمية‏ .‏

من أقوال المفسرين :
في تفسير قوله ـ تعالى‏ ـ :
 " وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً " (نوح: ‏17 ،18)‏ :
ذكر ابن كثير ـ يرحمه الله ـ‏ ما مختصره‏ : " ‏وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتا "
هذا اسم مصدر، والإتيان به ههنا أحسن . " ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ‏"‏ أي إذا متم .‏ "‏ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً ‏"‏ أي يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة‏ . (انتهى قول المفسر)
و جاء في الظلال ‏ـ‏ رحم الله كاتبها برحمته الواسعة‏ ـ ما مختصره ‏: ...‏ ثم عاد نوح فوجَّه قومه إلى النظر في نشأتهم من الأرض، وعودتهم إليها بالموت ليقدر لهم حقيقة إخراجهم منها بالبعث‏، والتعبير عن نشأة الإنسان من الأرض بالإنبات تعبير عجيب موحٍ، وهو يكرر في القرآن بصور شتى، وهو يشير في هذا إلى نشأة الإنسان كنشأة النبات، وهي ظاهرة تستدعي النظر، ولا ريب فهي توحي بالوحدة بين أصول الحياة على وجه الأرض، وأن نشأة الإنسان من الأرض كنشأة النبات من عناصرها الأولية يتكون، ومن عناصرها الأولية يتغذى و ينمو، فهو نبات من نباتها وهبه الله هذا اللون من الحياة كما وهب النبات ذلك اللون من الحياة، وكلاهما من نتاج الأرض‏، و الناس الذين نبتوا من الأرض يعودون إلى جوفها مرة أخرى، ويعيدهم الله إليها كما أنبتهم منها فتختلط رفاتهم بتربتها، وتندمج ذرتاهم بذراتها كما كانوا فيها من قبل أن ينبتوا منها‏،‏ ثم يخرجهم الذي أخرجهم أول مرة، وينبتهم كما أنبتهم أول مرة‏ .‏ (انتهى قول المفسر)
و ذكر صاحب صفوة التفاسير ـ‏ جزاه الله خيرا‏ًً ـ‏ ما مختصره‏ : ...‏ و المعنى خلقكم وأنشأكم من الأرض كما يخرج النبات، وسلكم من تراب الأرض كما يسل النبات منها . قال المفسرون‏:‏ لما كان إخراجهم وإنشاؤهم إنما يتم بتناولهم عناصر الغذاء الحيوانية و النباتية المستمدة من الأرض كانوا من هذه الجهة مشابهين للنباتات التي تنمو بامتصاص غذائها من الأرض، فلذا سمي خلقهم و إنشاؤهم إنباتاً، أو يكون ذلك إشارة إلى خلق آدم حيث خلق من تراب الأرض، ثم جاءت منه ذريته فصح نسبتهم إلى أنهم أنبتوا من الأرض‏ . "‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً‏ "
‏ أي يرجعكم إلى الأرض بعد موتكم فتدفنون فيها ثم يخرجكم منها يوم البعث والحشر للحساب والجزاء، وأكده بالمصدر‏ " إِخْرَاجاً‏‏ "‏ لبيان أن ذلك واقع لا محالة ‏... (انتهى قول المفسر)

من الدلالات العلمية للآيتين الكريمتين :
يشبِّه القرآن الكريم عملية خلق الإنسان بإنبات الأرض، و يشبه عملية بعثه منها بإعادة الإنبات دفعة واحدة؛ لأن الخلق جميعاً سوف يبعثون في لحظة واحدة بمجرد النفخة الثانية في الصور‏.‏
ويصف ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ خلق الإنسان في المراحل التالية‏ :‏
(1)‏ أنه ـ سبحانه و تعالى ـ "خلقه من تراب" ‏(‏آل عمران‏:30‏ ، الكهف‏:37‏ ، الحج‏:5‏ ، الروم:20‏ ، فاطر‏: ، 11‏غافر‏:67) .‏
‏‏(2)‏‏ و"أن خلقه كان من طين"‏ ـ‏ و هو التراب المعجون بالماء ـ (‏الأنعام:2‏ ، الأعراف‏:12‏ ، السجدة:7‏ ،  ص:71‏ و‏76‏ ، الإسراء‏:61) .‏
‏(3) ‏و"من سلالة من طين‏ "ـ‏ أي الخلاصة المنتزعة من الطين برفق‏ ـ (‏المؤمنون:12) .‏
‏‏(4)‏ و "من طين لازب "ـ‏ أي لاصق بعضه ببعض‏ ـ (‏الصافات‏:11) .‏
‏(5)‏ و "من صلصال من حمأ مسنون"‏ ـ‏ أي أسود منتن‏ ـ (‏الحجر‏:26، 28، 33) .‏
‏‏(6) و" من صلصال كالفخار"‏ (‏الرحمن‏:14) .‏
‏‏(7)‏ و"من الأرض" ‏(‏هود‏:61‏، طه‏:55‏، النجم‏:،32‏ نوح‏:17، 18) .‏
‏(8)‏ و "من الماء"‏ (‏الفرقان‏:54) .‏
‏‏(9)‏ و" من ماء مهين" ‏(‏المرسلات‏:20) .‏
‏‏(10)‏ و "من ماء دافق"‏ (‏الطارق‏:6) .‏
‏‏(11)‏ و"من سلالة من ماء مهين "‏(‏السجدة‏:8) .‏
وهذه كلها مراحل متتالية في الخلق المراحل السبع الأولى منها‏ (‏من تراب، من طين، من سلالة من طين، من طين لازب، من صلصال من حمأ مسنون، ومن صلصال كالفخار ومن الأرض‏)‏ تنطبق على خلق أبينا آدم عليه السلام، ومنه خلق الله ـ تعالى ـ أمنا حواء ـ عليها السلام‏ ـ‏ بمعجزة لا تقل عن معجزة خلق آدم من تراب الأرض‏ .‏
ومنذ خلق هذا الزوج الأول من البشر تسلسل نسلهما إلى يومنا الراهن، وسوف يستمر إلى قيام الساعة ـ إن شاء الله تعالى ـ بعملية التزاوج التي تحاول المعارف المكتسبة تفسيرها ـ‏ على ما فيها من غيوب كثيرة ـ و هذه المراحل تنطبق على جميع بني آدم؛ لأنهم كانوا في صلب أبيهم لحظة خلقه ‏.‏
ولخَّص القرآن الكريم هذه المراحل كلها بقول ربنا ‏ـ‏ تبارك و تعالى ـ :
" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً " (نوح17:-18)‏ . 
 وهو قول معجز؛ لأن أحداً من البشر لم تكن له دراية بذلك في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده كما يفسره في النقاط التالية :

أولاً في قوله ـ تعالى ـ :
"‏ وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً " :‏
الخطاب في هذه الآية الكريمة موجه إلى البشر جميعاً الذين تنمو أجسادهم من عناصر الأرض بطريقة غير مباشرة ، وذلك بالاغتذاء على المنتجات النباتية، والنباتات أعطاها الله تعالى القدرة على تصنيع غذائها بنفسها عبر امتصاص عدد من عناصر الأرض المذابة في الماء على هيئة العصارة الغذائية، وامتصاص ثاني أكسيد الكربون من الجو، وتحليل تلك المكونات إلى لبناتها الأولية مع إطلاق غاز الأكسيجين إلى الجو، وإعادة تركيب ذرات الكربون والهيدروجين في سلاسل من الكربوهيدرات والزيوت والدهون التي يتغذى عليها كلٌ من الإنسان والحيوان، وذلك باستخدام طاقة الشمس‏ .‏
ويتغذى الإنسان أيضاً على المباحات من الحيوانات ومنتجاتها، والتي تزوده أساساً بالمواد البروتينية والدهنية اللازمة لبناء خلايا جسده، وإحلال ما يفنى منها، أو إصلاح ما يتلف‏ .‏ والحيوان يحصل على تلك المواد من عناصر الأرض عبر تغذيته على المنتجات النباتية ‏.



بناء سلاسل الطعام من عناصر الأرض‏ :‏
أعطى الله ـ تعالى‏ ـ النبات القدرة على امتصاص كلٍ من الماء وما يناسبه من عناصر الأرض الذائبة في الماء ـ‏ العصارة الغذائية‏ ـ والتي يمتصها النبات من تربة الأرض بواسطة مجموعه الجذري، وتنتقل العصارة الغذائية بما تحمله من ماء وعناصر الأرض المذابة إلى داخل النبتة الخضراء عبر خلايا الأوعية الخشبية التي تمتد متصلة من الجذور إلى كل ورقة من أوراق النبات ‏.‏
وتحتوي أوراق النباتات على عدد من الأصباغ أهمها الصبغ الأخضر المعروف باسم اليخضور أو ‏(‏الكلوروفيل‏)‏ الذي أعطاه الله ـ تعالى ـ القدرة على امتصاص أطياف ضوء الشمس فيما عدا الطيف الأخضر الذي يعكسه، واستخدام تلك الأطياف في إتمام عملية التمثيل‏ (‏التخليق‏) ‏الضوئي ‏.‏
ومن النباتات ما يستخدم أصباغاً أخرى بالإضافة إلى اليخضور، ولذلك تبدو أوراقها بالألوان الحمراء الأرجوانية أو النحاسية أو البنية‏ .‏
وينتشر على أسطح أوراق النباتات‏ ـ‏ خاصة على السطح السفلي منها ـ أعداد من المسام الدقيقة ‏(‏الثغيرات‏)‏ التي يتم عبرها دخول وخروج الغازات المختلفة ، مثل ثاني أكسيد الكربون، والأكسجين، وبخار الماء‏ .‏

وتقوم الأصباغ النباتية من اليخضور وغيره باحتباس جزء من طاقة الشمس لاستخدامه في إتمام سلسلة من التفاعلات الكيمائية التي يتم من خلالها تفكيك جزيئات الماء إلى مكوناتها الأساسية من الأكسجين الذي يطلقه النبات إلى الجو عبر ثغور أوراقه، والهيدروجين الذي يحتفظ به النبات ليوحده مع جزيئات ثاني أكسيد الكربون التي يمتصها النبات من الجو عبر ثغوره أيضاً ، وذلك لتكوين جزيء سكر الجلوكوز، ويطلق الأكسجين ‏.‏
ويستهلك النبات قسماً من سكر الجلوكوز الناتج في القيام بأنشطة خلاياه المختلفة، ويحوِّل الباقي إلى أنواع أخرى من السكريات وغيرها من الكربوهيدات ، مثل النشا والسيلولوز التي يبني بها خلاياه المختلفة، أو يخزنها في ثماره ، أو حبوبه، أو أوراقه، أو سوقه، أو جذوره كي يأكلها كلٌ من الإنسان والحيوان ‏.‏
وقد أعطى الله‏ ـ سبحانه وتعالى‏ ـ كل نبتة من النبات القدرة على اختيار ما يناسبها من عناصر الأرض المختلفة، وعلى إفراز ما يذيب تلك العناصر إن لم تكن قابلة للذوبان في الماء بطريقة مباشرة، وعلى امتصاص هذه العصارة الغذائية الخاصة بواسطة مجموعها الجذري، وضخها إلى مختلف أوراق النبات بواسطة كلٍ من الضغط الجذري وعمليات النتح والضغوط التناضحية ‏(‏الأسموزية‏)‏ الناتجة عن التباين في تركيز المحاليل المختلفة في داخل مختلف أوعية النبات ‏.‏
والماء الذي يتحرك مع العصارة الغذائية من جذور النبتة إلى سوقها وأغصانها وأوراقها وزهورها وثمارها إلى أعلى قمة فيها يتبخر جزء منه إلى الهواء بواسطة عملية النتح، وتفقد كل واحدة من الأشجار الكبيرة قرابة الألف لتر من الماء يومياً عبر ثغرات أوراقها بواسطة عملية النتح التي تعمل كقوة سحب للعصارة الغذائية حتى أعلى قمة في الشجرة‏ .‏
وبعد إنضاج العصارة الغذائية إلى مختلف أنواع الكربوهيدرات والزيوت والدهون في أوراق النبات يعاد ضخ هذه المنتجات الناضجة إلى مختلف أجزاء النبات من القمة إلى الجذور ـ خاصة إلى البراعم والثمار ـ عبر نظام من الأوعية الأنبوبية المختلفة التي تؤلفها خلايا اللحاء الداخلي في اتجاه معاكس لاتجاه صعود العصارة الغذائية‏ .‏
وفي بعض النباتات اللاطئة بالأرض لقصر سيقانها تفوق معدلات ضخ الماء والعصارة الغذائية من أسفل إلى أعلى معدلات فقد الماء بالبخر عبر ثغور أوراق النبات بواسطة عملية النتح، فتتكون قطرات من الماء حول أطراف الورقة في ظاهرة تعرف باسم ظاهرة الإدماع‏ (‏أو النضح‏)‏ النباتي يفقد بواسطتها النبات قدراً من الماء الزائد عن حاجته ‏.‏
والهدف من هذه العمليات كلها هو تحويل جزء من عناصر الأرض إلى غذاء مناسب للنبات ينمو به وينمي مختلف خلاياه ويختزن الباقي في ثماره وحبوبه على هيئة مخزون من الكربوهيدات والزيوت والدهون تتغذى عليها أجنته حتى تظهر أوراقها بعد إنباتها، أو يتغذى عليها كلٌ من الإنسان والحيوان.
وكل كائن حي يحتاج إلى المغذيات، وهي من المواد الأولية المستمدة أصلاً من عناصر الأرض ، ووسيلته في ذلك التغذية، وكلٌ من الإنسان والحيوان يعتمد في تغذيته أصلاً على النبات الذي أعطاه الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ القدرة على تحويل عناصر الأرض إلى غذاء مقبول لكلٍ من الإنسان والحيوان، ولولا ذلك ما استقامت الحياة على سطح هذا الكوكب‏ .‏
والإنسان الذي يحيا على الأطعمة العضوية التي ركبها له النبات من عناصر الأرض، وعلى منتجات الحيوان المباح له أكله ـ وهو يعيش على نبات الأرض ـ يتوفر له بذلك كل ما يحتاج إليه جسمه من الكربوهيدات، والبروتينات، والزيوت، والدهون، والفيتامينات المختلفةن وغيرها من المركبات العضوية، وكلها مستمدة أصلاً من عناصر الأرض، ومن هنا كان في قول ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ‏ :‏
" وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً ‏" (‏نوح‏:17) .
سبقاً علمياً حقيقياً؛ لأن هذه المعلومات لم تكن معروفة لأحد من الخلق في زمن الوحي ولا لقرون متطاولة من بعده‏ .‏

ثانيا‏ًً :‏ في قوله ـ تعالى ـ ‏: " ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً "   (نوح: 18) .
‏(‏الموت‏)‏ من أوضح حقائق الوجود، وقد ذكره القرآن الكريم‏ (165)‏ مرة، منها ما يقول فيه ربنا ‏ـ تبارك وتعالى‏ ـ :‏
‏(1) " ‏ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ
وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ ‏..."   (‏آل عمران‏:185) .‏
‏(2)
" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ‏"  (‏ العنكبوت‏:57) .‏
‏(3) " اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَتِي قَضَى عَلَيْهَا المَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُّسْمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏" (‏ الزمر‏:42) .‏
ولذلك جاء التوكيد القرآني على تلكم الحقيقة التي لا يمكن لعاقل إنكارها، ألا وهي حتمية العودة إلى الأرض التي منها نبت، وفي ذلك يقول ربنا‏ ـ‏ عز من قائل‏ ـ :"‏ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ‏"
. أما قصة البعث التي عبر عنها القرآن الكريم بقول الله‏ ـ‏ تعالى ـ:"‏ وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً "
فقد شك فيها كثير من الكفار والملاحدة والمتشككين الذين يذكر القرآن الكريم تشكيكهم فيقول على لسانهم ‏:" أَئِذَا مِتْنَا
وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ‏" (‏الصافات‏:16) .‏
وفي الرد على ذلك أخرج الإمام مسلم في صحيحه ‏(‏كتاب الفتن وأشراط الساعة عن أبي هريرة‏ ـ‏ رضي الله تعالى عنه‏ ـ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ‏:
"‏ كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ " (أخرجه مسلم والنسائي)‏ ‏ .
وفي رواية أخرى أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة أيضاً أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ قال ‏:
" يَبَلَى كل عظم من ابن آدم إلا عجب الذنب وفيه يركب الخلق يوم القيامة " .‏
كذلك أخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة كذلك أن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قال:
" ما بين النفختين أربعون‏،‏ ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، وليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحدا، وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة " قالوا‏:‏ يا أبا هريرة‏:‏ أربعون يوما قال‏:‏ أبيْت‏...‏ ومعني ‏(‏أبيْت‏)‏ في كلام أبي هريرة هو‏:‏ أبيْت أن أجزم أن المراد بالفترة بين النفختين هو أربعون يوما أو شهرا أو سنة بل الذي أجزم به أنها أربعون مجملة وقد جاءت أربعون سنة مفصلة في قول للإمام النووي ‏ـ رحمه الله‏ .‏
وواضح الأمر من هذه الأحاديث النبوية الشريفة ومن غيرها أن بلى الأجساد هو حكم إلهي عام ، لا يستثني منه إلا أجساد كلٍ من الأنبياء والشهداء والمؤذنون المحتسبون ـ كما ذكر ابن حجر العسقلاني ـ انطلاقاً من أقوال رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ .‏
وأحاديث ‏(‏عجب الذنب‏)‏ تحتوي على حقيقة علمية لم يتوصل إليها علم الإنسان إلا بعد الثلث الأول من القرن العشرين في سلسلة من الأبحاث قام بها العالم الألماني هانز سبيمان وعدد من زملائه ‏
(Hans Spemann and his co-workers)، والتي نال عليها سييمان جائزة نوبل في العلوم ‏(‏سنة‏1935‏ م‏)‏ لأبحاثه على عجب الذنب في البرمائيات‏ .‏
ومن أهم نتائج تلك الأبحاث ما يلي‏ :‏
‏(1)‏ أن كلاً من الخيط الابتدائي
‏(
The Primitive Streak)‏ والعقدة الابتدائية‏
(
The Primitive Node)التي يحملها الخيط الابتدائي في نهايته، واللذان يظهران على سطح البويضة الملقحة بعد فترة من انقسامها ‏ـ 15‏ يوما في الإنسان‏ ـ‏ هما اللذان ينظمان عملية تخلق جميع أجهزة الجنين، ولذلك أطلق سبيمان عليهما اسم المنظم الأولي أو الأساسي‏ (The Primary Organizer) .‏
‏(2)‏ أن هذا المنظم الأولي ينسحب إلى نهاية العصعص‏ ـ الفقرة الأخيرة في العمود الفقاري‏ ـ  بعد إتمام تخلق جميع أجهزة الجسم‏ ، (ويتم ذلك في نهاية الأسبوع الرابع من عمر الجنين في حالة الإنسان‏) .‏
‏(3) ‏أن هذه العظمة النهائية في العمود الفقري لا تبلى أبداً، فقد قام سبيمان وزملاؤه بقطع هذا الجزء‏ ـ الخيط والعقدة الابتدائيان ـ‏ من عدد من البرمائيات ثم زرعه في عدد من أجنتها فنما هذا الجزء على هيئة جنين آخر مختلف عن الجنين المضيف‏ . (‏علماً بأن كلاً من الخيط والعقدة الأوليان في الحيوانات الفقارية ذات الأثداء ‏ـ الثديية‏ أ‏  يقابلها في البرمائيات ما يسمي باسم فتحة المعى الخلفية
‏(
Blastopore) .‏
كذلك قام هانز سبيمان وزملاؤه بسحق هذا الجزء الذي سماه باسم (المنظم الأول‏)‏ ثم زرعه في عدد من الأجنة فنما في كل واحد منها على هيئة جنين ثانوي، مما يؤكد على أن خلاياه لم تتأثر بعملية السحق،‏ ثم قاموا بغلي هذا الجزء من البرمائيات لعدة ساعات ثم زرعه في عدد من الأجنة فنما على هيئة أعداد من المحاور الجنينية الجديدة، مما يؤكد أن خلاياه لم تتأثر بالغلي‏ .‏ وبعد ذلك بتسع وستين سنة قام الأخ الدكتور عثمان جيلان ‏(‏من اليمن‏)‏ في شهر رمضان سنة‏1424‏ هـ بحرق الفقرتين الأخيرتين من خمسة عصاعص للأغنام بمسدس غاز لمدة عشر دقائق حتى تفحمت تماماً وبفحصها بواسطة عدد من المتخصصين اتضح أن خلاياها ما زالت حية، وكأنها لم تتعرض لشيء من الحرق وإن احترق كل ما كان حولها من عضلات وأنسجة دهنية وخلايا النخاع‏ .‏

وبتطبيق نتائج‏: (سبيمان‏) ومدرسته على الإنسان أثبت عدد من المتخصصين في علم الأجنة أن الشريط الابتدائي يظهر في اليوم الخامس عشر من عمر البويضة المخصبة وتكون ‏(‏النطفة الأمشاج)‏ التي تبدأ في الانقسام إلى خلايا أصغر فأصغر‏ (‏خليتين ثم أربع ثم ثماني خلايا وهكذا‏)‏، وتعرف هذه باسم القسيمات الأرومية ‏(Blastomeres)، ‏ وبعد أربعة أيام من الإخصاب تتحول هذه القسيمات الأرومية إلى كتلة كروية من الخلايا تعرف باسم التويتة‏ ـ‏تصغير التوتة‏ ـ‏ أو‏(Morula و في اليوم الخامس تنشطر التويتة إلى نصفين مكونة الكيسة الأرومية ‏(Blastocyst)، وفي اليوم السادس من عمر النطفة الأمشاج تنغرس الكيسة الأرومية في جدار الرحم بواسطة خلايا رابطة تنشأ منها وتتعلق بها في جدار الرحم لتتحول بعد ذلك إلى المشيمة، وتتحول الكيسة الأرومية إلى شكل العلقة ، وهو طور هام في مراحل تكوين الجنين يتبعه من الأطوار المضغة، ثم تخلق العظام، ثم كسوتها باللحم، ثم بالجلد، وتستمر هذه الأطوار من الأسبوع الثاني حتى نهاية الأسبوع الثامن من تاريخ الإخصاب، وأهم ما يميز هذه المراحل في تخلق الجنين هو التكاثر السريع للخلايا، والنشاط المتنامي في تكوين أجهزة الجسم المختلفة بواسطة كلٍ من الشريط والعقدة الابتدائيين ‏(The Primitive Streak and its node)،‏ واللذين يظهران في اليوم الخامس عشر من عمر النطفة الأمشاج، وتتخلق منهما كل أجهزة الجسم التي يستكمل خلقها في الأسبوع الرابع من عمر الجنين‏ .‏
وفي الأسبوع السابع يصل الجنين إلى صورته المتميزة نتيجة لاستكمال بناء هيكله العظمي، والذي يبدأ كساؤه باللحم ـ ‏العضلات ـ‏ مع بداية الأسبوع الثامن إلى آخر فترة الحمل، حيث تبدأ جميع أجهزة الجسم وأعضائه في الانتظام بالعمل في توافق عجيب ‏.‏
وتبدأ مرحلة النشأة في الأسبوع التاسع حين تتباطأ معدلات النمو حتى نهاية الأسبوع الثاني عشر، ثم تتسارع حتى نهاية فترة الحمل ‏(‏في حدود الأسبوع السادس والثلاثين أو الثامن والثلاثين‏)‏، ويعتبر اكتمال كساء العظام باللحم هو الحد الفاصل بين مرحلتي الحميل
‏(
Embryo)‏ والجنين‏ (Fetusorfoetus)‏، وقد أثبت علم الأجنة الحديث أن جميع أجهزة الجنين تنشأ من الشريط الابتدائي، وأول ما ينشأ منه هو الجهاز العصبي، وبعد استكمال أجهزة وأعضاء الجنين ينحسر هذا الشريط المنظم على هيئة عظمة في حجم حبة الخردل في نهاية العصص ‏(Coccyx)‏ سماها رسول الله ‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ باسم‏ (‏عجب الذنب‏) .‏

و من نتائج نشاط الشريط الابتدائي ما يلي‏ :-‏
‏(1)تكون بدايات الجهاز العصبي من الطبقة الخارجية للمضغة بدءا بالحبل الظهري ‏(
Notochord)،‏ والذي يمتد من العقدة الابتدائية ‏(Primitive Node)‏ في اتجاه النهاية الأمامية للمضغة، وذلك في نهاية الأسبوع الثالث من تاريخ الإخصاب ‏.‏
ويبدأ تكون الجهاز العصبي بالصفيحة العصبية
‏(
Neural Plate)‏ التي تمتد من جهة العقدة الابتدائية إلى الطرف الأمامي للمضغة، وتتثني هذه الصفيحة العصبية لتكوين الطيات العصبية (The Neural Folds وتكون الجهة المنخفضة ما يعرف باسم الميزاب العصبي ‏(The Neural Groove)‏ الذي يلتف على ذاته مكوناً الأنبوب العصبي ‏
(
The Neural Tube)‏ الذي يقفل طرفه الأمامي في اليوم الخامس والعشرين من عمر الجنين، ويقفل الطرف الخلفي‏ ـ‏ الذيلي ـ‏ في اليوم السابع والعشرين، ويكون ثلث هذا الأنبوب العصبي الدماغ ، بينما يشكل الثلث الباقي منه الحبل الشوكي بتفرعاته المختلفة ‏.‏
‏(2)‏‏ تتكثف الأجزاء الداخلية من الطبقة المتوسطة الملاصقة لمحور المضغة مكونة الكتل البدنية
‏(
Somites)،‏ والتي تشكل كلاً من العمود الفقاري وبقية الهيكل العظمي ثم العضلات، كما تخرج منها بدايات الأطراف العليا والسفلى‏ .‏
‏(3)‏ تتكثف الأجزاء الوسطى من الطبقة المتوسطة لتكون الجهاز التناسلي‏- البولي ‏.‏
‏(4)‏ أما الأجزاء الطرفية فتتكثف من الطبقة المتوسطة مكونة كلاً من أغشية البطن الداخلية، وأغشية الرئتين، كما يتكون منها كلٌ من القلب وأغشيته، والأوعية الدموية، وعضلات الجهاز الهضمي‏ .‏
‏(5) ينتهي الشريط الأولي من مهمة تخليق مختلف أجهزة وأعضاء الجسم في الأسبوع الرابع من عمر الجنين، ويبدأ في الانسحاب إلى نهاية العمود الفقري‏ ـ العصعص‏ ـ على هيئة أثر لا يكاد أن يُرى بالعين المجردة‏ .‏
ويروى عن المصطفى‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه قال في عدد من الأحاديث الشريفة‏‏ : " إن جسد الإنسان يبلى كله فيما عدا عجب الذنب‏,‏ فإذا أراد الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ بعث خلقه أنزل مطراً خاصاً من السماء فينبت كل مخلوق من عجب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها‏ "لذلك قال ربنا‏ ـ تبارك وتعالى ـ : " وَاللَّهُ أَنْبَتَكُم مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً " (نوح:17-18). 

وعلى غير علم بهاتين الآيتين الكريمتين يسمي علماء الأجنة عملية انغراس النطفة الأمشاج المنقسمة، والتي تعرف باسم الأرومة المتكيسة في جدار الرحم باسم عملية الاستنبات أو الاستزراع(Implantation وهذه الحقائق التي لم تُكتشف إلا بعد الثلث الأول من القرن العشرين تشهد بأن القرآن الكريم الذي أنزل من قبل ألف وأربعمائة سنة لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله، وحفظه بعهده في نفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ‏ وحفظه ‏ـ تعالى‏ ـ‏ بحفظه‏ :‏ كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً، وإلى أن يرث الله‏ ـ‏ تعالى ـ الأرض ومن عليها حتى يكون شاهداً على الخلق أجمعين إلى يوم الدين كما تشهد هذه الحقائق العلمية للرسول الخاتم والنبي الخاتم الذي تلقى القرآن من ربه الكريم، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الناس، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين، تشهد له هذه الحقائق بالنبوة وبالرسالة، وبما وصفه به رب العالمين فقال فيه ‏:‏ ‏"‏ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى . إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى . عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ‏"   (‏ النجم‏:3-5) .‏
فصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . والحمد لله على نعمة الإسلام، والحمد لله على نعمة القرآن، والحمد لله على الدوام، حتى نلقاه‏ ـ تعالى ـ وهو راض عنا . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏ .