‏" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ‏" (‏ الإسراء:‏44)‏



هذا النص القرآني الكريم جاء في نهاية الثلث الأول من‏ سورة الإسراء‏، وهي سورة مكية، وعدد آياتها‏(111)‏ بعد البسملة، وقد سميت بهذا الاسم لورود الإشارة في مطلعها إلى رحلة الإسراء من المسجد الحرام في مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس الذي ندعو الله‏ ـ تعالى‏ ـ أن يعجِّل بتحريره من دنس اليهود الغاصبين؛ لأنه قدس من أقداس المسلمين، لا يجوز التفريط فيه أبداً ‏.‏ وقد حدثت رحلة الإسراء المعراج إلى السماوات العلى ثم العودة إلى بيت المقدس، ومنه إلى مكة المكرمة في جزء من الليل لا يكاد يدرك، وقد كان في هذه الرحلة المباركة من التكريم لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ ما لم ينله مخلوق من قبل، ولن يناله أحد من بعد إلى قيام الساعة‏ .‏
وفي مقال سابق قمنا باستعراض سريع لسورة الإسراء، ولركائز العقيدة والتشريعات الإسلامية، والإشارات الكونية الواردة فيها، ولأقوال عدد من المفسرين في شرح دلالة الآية الكريمة رقم‏(44)‏ منها، ولمعنى التسبيح في اللغـة وللفرق بين تسبيح التكليف‏ ـ الاختياري‏ ـ‏ وتسبيح الفطرة‏ ـ التسخيري‏ ـ ولبعض صور التسبيح الفطري عند الأحياء غير المُكلَّفين‏.‏ وفي هذا المقال نعرض لكلٍ من التسبيح الفطري للملائكة، والتسبيح التكليفي‏ ـ‏ الإرادي الاختياري‏ ـ للأحياء المُكلَّفين من الإنس والجن، والتسبيح التسخيري‏ ـ‏ الفطري‏ ـ‏ لكلٍ من الأحياء غير المكلفين، والجمادات، وهو ما لا تقوى كثير من العقول والقلوب المعزولة عن بارئها على استيعابه أو فهمه على الرغم من وضوح دلالة النص القرآني الذي نحن بصدده، ووضوح غيره من نصوص القرآن الكريم وأقوال الرسول الخاتم‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ .‏

من الدلالات العلمية للنص القرآني الكريم يؤكد ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ في مُحكَم كتابه :
‏" وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ‏"(‏ الإسراء‏44)‏
أن
جميع ما في الوجود من خلق الله ،‏ بدءاً بالملائكة المطهرين، وانتهاءاً بكلٍ من الجمادات والظواهر الكونية مروراً بكل من مؤمني الإنس والجن وبغيرهم من الأحياء، ومنها جميع الحيوانات والنباتات وكل موجود من غير ذلك‏، كل واحد من هؤلاء له قدر من الوعي والإدراك الذي يعينه في التعرف على ذاته وعلى خالقه وعلى غيره من المخلوقات في محيطه، وعلى سلوكياتهم وتصرفاتهم، فيتوافق مع كل منضبط بسنن الفطرة، ويتنافر مع كل مناقض لها، أو متصادم معها، وهذا الوعي والإدراك يجعلان كل ما في الوجود يعبد الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ ويسبح بحمده، ويقدس له إلا عصاة الإنس والجن؛ لأن كلاً من الآدميين والجن من الخلق المُكلَّف صاحب إرادة حرة، وحامل أمانة التكليف، ولذلك ينقسم تسبيح المخلوقات لخالقها إلى تسبيح فطري‏ ـ تسخيري‏ ـ للخلق غير المُكلَّف، وتسبيح اختياري‏ ـ‏ إرادي‏ ـ‏ للمُكلَّفين من خلق الله . ويمكن إيجاز ذلك فيما يلي‏‏ :

أولاً :‏‏ التسبيح الفطري ـ‏ التسخيري‏ ـ‏ للملائكة‏‏ :
الملائكة خلق غيبي من عباد الله المكرمين، ومن جنده المقربين، خلقهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من نور، وفطرهم على الطهر والعصمة وعلى البراءة من بواعث الشهوة ومن مبررات الغضب ودواعي الحقد والحسد، ولذلك فهم مواظبون على عبادة الله، وتسبيحه، وحمده، وتقديسه، وطاعته لا يفتُرُون عن ذلك‏،‏ وهم كائنات عاقلة، ولكنهم لا يعلمون إلا ما علَّمهم الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ ولذلك فهم لا يسبقون بالقول أبداً، ويشهدون لله ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ دوماً بالألوهية، والربوبية، والوحدانية المطلقة فوق جميع خلقه‏(‏ بغير شريك، ولا شبيه، ولا منازع، ولا صاحبة ، ولا ولد‏)‏، ويسألونه ـ‏ جل شأنه‏ ـ‏ أن يغفر للذين يشهدون بشهادتهم، ويقرون بإقرارهم من توحيد لله‏ ـ تعالى‏ ـ وتنـزيه لجلاله عن كل وصف لا يليق بهذا الجلال‏ .‏
والملائكة مُكلَّفون بإبلاغ رسالة الله إلى المصطفين من عباده من الأنبياء والمرسلين، ومؤتمنون على ذلك بما فطرهم الله ـ‏ تعالى ـ عليه من براءة، وطهر، وما ميزهم به من العقل، والنطق، ومن الخضوع التام لله ـ‏ تعالى ـ‏ بالعبادة والطاعة ‏.‏
وتسبيح الملائكة هو من أمور الغيب التي يعجز الإنسان عن إدراكها، ولا سبيل له إلى معرفتها إلا عن طريق وحي السماء . والقرآن الكريم هو الوحي السماوي الوحيد الموجود بين أيدي الناس اليوم بنفس اللغة التي أوحي بها‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ محفوظاً بحفظ الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، وقد حفظه ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ بعهده الذي قطعه على ذاته العلية فقال‏ ـ عز من قائل‏ ـ :  
" إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ "‏ (‏ الحجر:‏9)‏ .
فإذا تحدث القرآن الكريم عن تسبيح الملائكة‏، وقد أورد ذلك في تسع من الآيات البينات‏، فلابد للمسلم من الإيمان بذلك، وإن لم يستطع إدراكه بحسه المحدود، وبقدراته المحدودة‏ .‏

 ثانيا‏‏ًً : التسبيح الإرادي الاختياري للمكلفين من عقلاء الأحياء من الإنس والجن‏‏ :
يقول ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ في محكم كتابه :   
‏‏" وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ " ‏(‏الذاريات:‏56)‏ .
والتسبيح من العبادة، وتسبيح العقلاء المُكلَّفين من الجن والإنس هو تسبيح إرادي، اختياري، يقوم به الصالحون منهم، ويحرمه الكفار والمشركون من العصاة المغضوب عليهم ومن الضالين‏ .‏ وهذا التسبيح يشمل ذكر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على كـل حال بأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وبكل نعت يليق بجلاله، ويثبت له من صفات الكمال المطلق ما أثبته‏ ـ‏ تعالى‏ـ‏ لذاته العلية، وينـزهه عن كل وصف لا يليق بمقام الألوهية ،‏  مثل ادعاء الشريك، أو الشبيه، أو المنازع، أو الصاحبة، أو الولد‏ .‏
ولا يقتصر ذكر العقلاء المُكلَّفين من الإنس والجن وتسبيحهم لله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ على مجرد تحريك اللسان، بل لابد من موافقة النطق لاتصال القلب بالله‏ ـ‏ جل جلاله ـ‏ وامتلائه بمحبته، وتقواه ،ومراقبته، ولالتزام الجوارح كلها بأوامر الله ، واجتناب محارمه، وللاجتهاد في عبادته، فإقامة أركان الإسلام ذكر لله وتسبيح بحمده، بل في الأثر ما يكاد يخصص الذكر بالصلاة مع تسليمنا بأن مفهوم ذكر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ هو أشمل وأعم من أداء الصلاة؛ لأنه يشمل كل عمل أو نطق أو فكر يتذكر فيه العبدُ ربَّه، ومراقبة هذا الإله العظيم، له وحتمية الرجوع إليه‏ .‏ ويربط القرآن الكريم في كثير من آياته بين ذكر الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وتسبيحه فيقول" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً . وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً "
(‏ الأحزاب:‏42.41)‏ .
 والأمر بالذكر والتسبيح هنا موجه إلى عقلاء كلٍ من الجن والإنس، وهم من الخلق المكلفين، وإن كانت الجن من العوالم الخافية علينا، إلا أن مجرد ذكر القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة لهم يؤكد لنا وجودهم‏ .‏ ويصفهم لنا ربنا ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بأنهم من المخلوقات العاقلة، المكلفة، ذات الإرادة الحرة، وأن الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ قد خلقهم من نار، بينما خلق الملائكة من نور، وخلق الإنسان من طين‏ .‏ والجن يأكلون ويشربون ويتناسلون ويرون البشر من حيث لا يراهم البشر، وهم مطالبون بعبادة الله‏ ـ تعالى ـ‏ بما أمر بغير إجبار، ولا إكراه، وعلى ذلك فمنهم المؤمن الصالح ، والكافر الطالح . والكفار منهم هم شياطين الجن الذين يقابلون شياطين الإنس في إفسادهـم في الأرض، وخروجهم على أوامر الله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ ثم يموتون ويبعثون ويحاسبون وإلى جهنم يحشرون، والصالحون منهم يقابلون صالحي الإنس الذين يعبدون الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بما أمر، ويحسنون القيام بواجبات الاستخلاف في الأرض، وإقامة عدل الله فيها، ويذكرون الله ـ تعالى ـ ويسبحونه، ويمجدونه بإرادتهم الحرة حتى يلقوا الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ فيكون جزاؤهم جنات النعيم بإذن الله ‏.‏



ثالثا‏‏ًً : التسبيح الفطري التسخيري للأحياء غير المكلفين :‏‏
منذ فترة قصيرة أدرك المتخصصون في علم سلوك الحيوان أن للعديد من المخلوقات مثل القردة العليا وغيرها من الحيوانات الأرضية، وأسود البحر، والدلافين، والحيتان وغيرها من الحيوانات البحرية والطيور ، مثل الحمام، والببغاوات، والهداهد، والغربان، والحشرات ، مثل ممالك النحل، والنمل، كل هذه المخلوقات لها قدرات متفاوتة على التعبير بلغات خاصة بكلٍ منها، وعلى إدراك الذات والغير، وعلى اكتساب المعارف المختلفة‏ .‏ والقرآن الكريم قد سبق بأربعة عشر قرناً أو يزيد بالتأكيد على أن كل خلق من خلق الله له قدر من الإدراك الخاص به، والذي يعينه على النطق بالكلام، والشعور، والإحساس، وعلى التفاهم مع أقرانه، وعلى معرفة خالقه‏ ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وعلى الخضوع له‏ بالطاعة والعبادة والذكر، والتسبيح تسبيحاً فطرياً تسخيرياً، لا إرادة له فيه، ولكنه يدركه ويعيه‏ ،‏ وأن هذا الإدراك الفطري يعين كل مخلوق أيضاً على التمييز بين العابدين الصالحين، والعاصين المقصرين من الخلق المُكلَّفين، فيتعاطف مع صالحي المكلفين ، ويتنافر مع عصاتهم المقصرين، وإلا فمن علَّم هدهد سليمان أن عبادة قوم سبأ للشمس كفر بالله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ وانحطاط عن مقام التكريم الذي منَّ الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ به على بني آدم، وأن السجود لا يجوز إلا لله رب العالمين فيقول‏‏ :
" إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ . وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ . أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ . اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ " (‏ النمل‏23ـ‏26)‏ .
 كذلك من عرَِّف نملة صغيرة بشخصية نبي الله سليمان ـ‏ عليه السلام‏ ـ‏ ومن علَّم سليمان لغة النمل غير الله الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى ـ‏ وفي ذلك يقول القرآن الكريم : ‏‏" حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ . فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ " (‏ النمل:‏18‏،‏19)‏ .
ولغات كل نوع من أنواع الحيوانات يعلِّمها الله ـ‏ تعالى‏ ـ لمن يشاء من عباده كما فهَّمها لعبده ونبيه سليمان
‏ـ عليه السلام ـ معجزة خاصة به وخارقة تخالف مألوف البشر ‏.‏ وفي التأكيد على هذا الإدراك الفطري عند جميع المخلوقات يقول المصطفى ‏ـ صلى الله عليه وسلم
ـ : " إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير" . (‏ الترمذي‏)‏
وفي حديث رواه الإمام أحمد عن جابر ـ‏ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قال : " إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس " ‏.‏
وعن أبي ذر الغفاري‏ ـ رضي الله تعالى عنه ـ‏ أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ قال : " إنه ليس من فرس عربي إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوة يقول :‏‏ اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم فاجعلني من أحب أهله وما له إليه‏ " (‏ مسند الإمام أحمد وصحيح الجامع‏) .‏
وعن زيد بن خالد عن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أنه قال : " لا تسبوا الديك؛ فإنه يدعو إلى الصلاة‏ " (أخرجه الإمام أحمد في مسنده)‏ وفي رواية أبي دواد‏ '‏ فإنه يوقظ للصلاة‏ " .‏
وروي الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ قال : "‏ لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس وحتى يكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله بعده‏ " .
وفي هذا المعنى نفسه يقول الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :
" وَإِذَا وَقَعَ القَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُونَ ‏"  (‏ النمل:‏82) .‏
وهذه معجزة تتحدى الناس كافة قرب قيام الساعة بعد أن فتح الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ عليهم أبواب كل شيء، واغتروا بما لديهم من أسباب التقدم العلمي والتقني، فيأتي الله‏ ـ تعالى‏ ـ لهم بمعجزة تتحداهم، ولا يقدرون على مواجهتها؛ لأنهم بكل ما أوتوا من مفاتيح العلوم والتقنية لا يستطيعون إجبار دابة على الكلام بلغة يفهمونها، فيقرون بعجزهم أمام قدرة الله‏ ـ‏ تعالى‏ .‏
وروى الإمام أحمد عن رسول الله ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ أنه مر على قوم وهم وقوف على دواب لهم ورواحل، فقال لهم :
‏"‏ اركبوها سالمة، ودعوها سالمة، ولا تتخذوها كراسي لأحاديثكم في الطرق والأسواق، فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله‏ ـ‏ تعالى " .‏
وفي سنن النسائي عن عبدالله بن عمرو أنه قال‏‏ : نهى رسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ عن قتل الضفدع وقال : "‏ نقيقها تسبيح " .‏

رابعا‏‏ًً : تسبيح أجساد الكائنات الحية هو صورة من صور التسبيح الفطري التسخيري للجمادات :‏‏
من أعجب الاكتشافات العلمية الحديثة أن الأحماض الأمينية‏ ـ‏ وهي اللبنات الأساسية لتكوين الجزء البروتيني الذي تنبني منه أجساد الكائنات الحية‏ ـ‏ لها القدرة على ترتيب ذراتها ترتيباً يمينياً، أو يسارياً، وأنها في جميع أجساد الكائنات الحية تترتب ترتيباً يسارياً، ولكن الكائن الحي إذا مات، فإن الأحماض الأمينية في بقايا جسده تعيد ترتيب ذراتها ترتيباً يمينياً بمعدلات ثابتة تمكن الدارسين من تقدير لحظة وفاة الكائن الحي بتقدير نسبة الترتيب اليميني إلى اليساري في جزيئات الأحماض الأمينية المكونة لأية فضلة عضوية متبقية عنه‏ ـ مثل قطعة من الجلد، أو الشعر، أو العظم، أو الصوف، أو الخشب، أو غير ذلك‏ ـ وتسمى هذه الظاهرة باسم ظاهرة إعادة ترتيب ذرات الأحماض الأمينية ترتيباً يمينياً (Racimization of the Amino Acids) .‏ والأحماض الأمينية هي مركبات كيميائية معقدة من عناصر الكربون والإيدروجين والأكسجين والنيتروجين وقليل من الكبريت والفوسفور وبعض العناصر الأخرى، وتترتب هذه العناصر ـ أساساً ـ في مجموعة أمينية من النيتروجين والإيدروجين(NH2)‏ ومجموعة من الحمض الكربوكسيلي(COOH)‏ . ويعجب العلماء للسر الخفي الذي يمكن تلك الذرات المتبقية عن الجسد الميت من إعادة ترتيب أوضاعها في داخل كل جزيء من جزيئات الحمض الأميني بمعدلات ثابتة لا تتوقف، ولا تتخلف، مما يشهد بأن المادة التي يصفها الإنسان بأنها صماء جامدة لا إحساس لها ولا شعور ولا إدراك، هي في الحقيقة مليئة بالأسرار التي لا يعلمها إلا الله .‏

كذلك من المكتشفات العلمية المذهلة أن تنبني أجساد كل الكائنات الحية من عشرين حمضاً أمينياً فقط، وأن جميع ذرات هذه الأحماض الأمينية تترتب ترتيباً يسارياً في جزيئاتها التي ينبني منها أكثر من مائتي ألف جزيء بروتيني مختلف، تترتب أيضاً ترتيباً يسارياً داخلَ هذه الجزيئات البروتينية العملاقة‏ ـ‏ المبلمرات‏ ـ وكل ذلك يعيد ترتيب ذرات مكوناته من الأحماض الأمينية ترتيبا يمينيا بمعدلات ثابتة بعد وفاة الكائن الحي الذي كان يحملها في جسده‏ ، وقد ثبت أن ترتيب الذرات في جزيئات كلٍ من الأحماض الأمينية والبروتينية له أدوار أساسية في تنظيم وانضباط أنشطة الخلية الحية، ومن هذه الأدوار تحرك الأمر من الحمض النووي‏(DNA)‏ إلى الحمض النووي الريبي‏(RNA)‏ بتكوين أكثر من مائتي ألف نوع مختلف من أنواع البروتينات اللازمة لبناء أجساد الكائنات الحية داخلَ خلاياها المتناهية في الصغر ‏.‏ كذلك لا تستطيع العلوم المكتسبة مجتمعة‏ في زمن التقدم العلمي الذي نعيشه‏ أن تفسر كيفية تحرك جزيئات البروتينات المختلفة إلى الأماكن المحددة من الجسم، ولا كيفيات تعرف خلايا كل واحد من الأنسجة المتخصصة على بعضها البعض حتى تبني عضواً محدداً في جسم الكائن الحي، ولا كيفيات تعاون تلك الأعضاء في الأجهزة المتخصصة، ولا تعاون تلك الأجهزة من أجل حياة وسلامة جسم الكائن الحي الذي يحتويها، ولا كيفيات انقباض العضلات وانبساطها، أو كيفيات تحكم الهرمونات في تنشيط عمليات نمو الخلايا أو إيقافها، ولا كيفيات تحكم المورثات‏ ـ وهي مركبات كيميائية معقدة‏ ـ‏ في أنشطة كل خلية حية ،ولا وسائل إدراك هذا الجسد لأي جسم غريب يدخل إليه، ولا كيفيات تفاعله معه بالرفض أو القبول، ونحن لا نعلم حتى اليوم شيئاً عن كيفيات عمل دماغ الإنسان في حالات اليقظة والمنام علماً بأن جميع هذه العمليات تتم بسرعات فائقة، لم يستطع علم الإنسان وتقنياته المتقدمة أن تصل إلى شيء منها، وتكفي في ذلك الإشارة إلى أن جسد الإنسان يفقد في كل ثانية من عمره حوالي‏(125)‏ مليون خلية في المتوسط ويتجدد غيرها في الحال مع بقاء الإنسان هو هو بذاكرته وعواطفه ومشاعره وشخصيته وقدراته وآماله وطموحاته ، علماً بأن جسد الفرد الواحد من بني البشر يحتوي على مائة مليون مليون خلية في المتوسط، وتتكون كل خلية من هذه الخلايا‏ ـ‏ وقطرها في حدود‏0.03‏ من المليمتر‏ ـ‏ من مليون جزيء من جزيئات البروتينات والأحماض النووية والدهون والشحوم والكربوهيدرات والفيتامينات والكهارل‏ ـ‏ الإليكتروليتات‏ ـ‏ وغير ذلك من المركبات العضوية وغير العضوية التي تترتب بنسب محددة في كيانات متميزة في داخل الخلية الحية التي تفوق في تعقيدها ودقة بنائها كـل ما أنشأ الإنسان من مصانع، بل كل ما فكر في إنشائه ولم يتمكن بعد من تنفيذه .‏

ومن أعقد أجزاء الخلية الحية نواتها التي تعرف باسم (عقل الخلية‏)،‏ وتحتوي هذه النواة على عدد محدد من الصبغيات ‏(Chromosomes)‏، يعتبر عددها عاملاً محدداً لكل نوع من أنواع الحياة، وهذه الصبغيات هي جسيمات متناهية التعقيد في البناء، حيث تتكون من تجمعات للحمض النووي غير المؤكسد على هيئة لفائف حلزونية مزدوجة الجانب ‏(Double Helix)‏ لا يتجاوز سُمْك الجدار في الواحدة منها واحداً من خمسين مليوناً من الملليمتر، ويبلغ طوله إذا فُرِدَ حوالي المترين، ويبلغ حجمه وهو مكدس داخل الصبغي واحداً من المليون من الملليمتر المكعب، وعلى ذلك فإنه إذا تم فرد الصبغيات الموجودة في جسم فرد واحد من البشر ورصها بجوار بعضها البعض، فإن طولها يزيد عن متوسط طول المسافة بين الأرض والشمس، وهي مقدرة بحوالي المائة وخمسين مليون كيلومتراً‏ .‏ وكل واحد من الصبغيات‏ ـ حاملات الوراثة‏ ـ‏ مُقسَّم بعدد من العلامات المميزة إلى وحدات طولية تعرف باسم (المورثات‏) (Genes)،‏ وهي تتحكم في صفات الكائن الحي الذي تحملها خلايا جسده ‏.‏
وينقسم كل (مورث‏)
(
Gene)‏ إلى عدد من العقد المتناهية في الضآلة تعرف باسم النويدات‏ (Nucleotides)‏ ، يتكون كلٌ منها من زوج من القواعد النيتروجينية المستندة في كل جانب إلى زوج من جزيئات السكر والفوسفور التي تكون جداري اللفائف الحلزونية، وتنتشر بينها القواعد النيتروجينية على هيئة درجات السلم الخشبي وكأنها حروف تكتب بها الشفرة الوراثية التي تتكون من‏(6.2)‏ بليون من القواعد النيتروجينية التي تستند على‏(12.4)‏ بليون جزيء من السكر والفوسفات بمجموع‏(18.6)‏ بليون جزيء في الخلية البشرية الواحدة‏ .‏ ولكل جزيء من هذه الجزيئات، ولكل ذرة من ذراته ذبذبات مستمرة تصدر أصواتاً خافتة أمكن تضخيمها وتسجيلها وكأنها تسبيح للخالق ـ سبحانه وتعالى ـ وتمجيد وذكر ‏.‏

خامسا‏‏ًً : تسبيح الذرات والجزيئات والعناصر والمركبات في صخور الأرض وجبالها‏‏ :
من الجمادات :‏‏ الجبال وصخورها، والمعادن المكونة لتلك الصخور، والجزيئات، والذرات المكونة لتلك المعادن، واللبنات الأولية المكونة لتلك الذرات، وكلها يسبح الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بلغته وأسلوبه وطريقته الخاصة به‏ .‏ وقد أمكن الاستماع إلى أصوات ذبذبات اللبنات الأولية للمادة في الذرة‏ ،‏ وقد ورد ذكر تسبيح الجبال في القرآن الكريم ضمنياً مع تسبيح كل شيء، ومع تسبيح ما في السماوات والأرض، كما ورد محدداً في آيتين كريمتين
‏(‏ الأنبياء:‏79‏ ،ص:‏18)،‏ وجاءت الإشارة إلى خشوع الجبل إذا أنزل عليه القرآن الكريم‏(‏ الحشر:‏21)‏، وإلى سجود الجبال لله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ مع بقية أجزاء الكون، ومع كثير من الناس‏ (‏ الحج:‏18)‏، وأشار القرآن الكريم إلى ترديد الجبال لتسبيح نبي الله داود‏ ـ‏ على نبينا وعليه من الله السلام‏ ـ‏ كما جاء في ثلاث من الآيات هي على التوالي‏(‏ الأنبياء:‏79‏ ، ص :‏18‏ ، سبأ‏10:) .‏
والجبال ليست كتلاً هامدة، ولكنها تتحرك جانبياً بالتضاغط والتثني والطي، كما تتحرك رأسياً بالتصدع والرفع من أسفل إلى أعلى بواسطة مختلف قوى الأرض الداخلية، وبفعل عوامل التعرية التي كلما أخذت من قممها ارتفعت إلى أعلى حسب قوانين الطفو، ويستمر هذا الارتفاع إلى أعلى حتى يتم خروج الامتدادات الداخلية للجبل بالكامل من نطاق الضعف الأرضي‏ (‏ الموجود تحت الغلاف الصخري للأرض‏)‏، وحينئذٍ تتوقف حركة الجبل، وتأخذ عوامل التعرية في بريه تدريجياً حتى تظهر أجزاءه التي كانت مدفونة‏ ـ‏ جذوره‏ ـ على سطح الأرض، والجبال تمر مع الأرض مر السحاب، وتترنح معها في دورانها حول محورها، وتجري معها في مدارها حول الشمس، ولعل هذه الحركات هي صورة من صور الخضوع لله الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ‏ بالعبادة، والطاعة، والتسبيح والذكر، والسجود ‏. ‏

ويتحدث القرآن الكريم عن تكون الجبال من جُدَد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، وهي الألوان الأساسية للمعادن الرئيسية المكونة للجبال ولبقية صخور القشرة الأرضية‏ .‏ وتتكون الصخور من المعادن التي تتكون بدورها من العناصر ومركباتها، وتتكون العناصر من الجزيئات التي تتكون من الذرات، وتتكون الذرات من اللبنات الأولية للمادة‏ (‏ وتعرف باسم الكواركات والهيدرونات‏)‏ التي تشكل بدروها كلاً من البروتونات الموجبة الشحنة، والنيوترونات المتعادلة الشحنة في نواة  الذرة التي يدور حولها عدد مكافئ من الإليكترونات السالبة الشحنة، ويتحرك الإليكترون حركة مغزلية حول محوره وحركة مدارية حول النواة، كما يقفز من مدار إلى آخر بسرعات مذهلة، ترجِّح فناءه في مدار وإعادة خلقه في مدار آخر ‏.‏
ونواة الذرة تبلغ في الحجم واحداً من مائة ألف مليون من الملليمتر، بينما يبلغ حجم الذرة واحداً من عشرة ملايين من الملليمتر، وتتركز كتلة الذرة في نواتها‏ (99.95%‏ من مجموع كتلة الذرة‏)، وتقدر كتلة الإليكترون بواحد من ألفين من كتلة البروتون، وكلٌ من البروتون والإليكترون يدور حول نفسه‏ ـ‏ أي حول مركز كتلته‏ ـ‏ في حركة دائرية لا تتوقف ولا تتخلف حتى تفنى الذرة بالكامل . والجزيئات تنشأ عن اتحاد الذرات لتكون ما يسمى باسم المادة المكثفة، وجسيمات هذه المادة المكثفة ليست فقط نقطاً هندسية ثابتة في صفحة السماء أو في جسم الأرض، ولكن لها ذاتية الامتداد في الكون على هيئة موجات من الطاقة، لكلٍ منها طول موجي محدد، وسرعة تردد محددة‏ .‏
وللإليكترون داخلَ الذرة خاصية الدوران المغزلي حول ذاته‏ ـ‏ ويشبه ذلك الحركة المغزلية للأرض في دورانها حول محورها ـ‏ بالإضافة إلى الجري المداري حول النواة ـ‏ الذي يشبه جري الأرض في مدارها حول الشمس‏ ـ‏ وعلى ذلك فإن الإليكترون يتصرف ككتلة من الطاقة لها حركة مغزلية زاوية وحركة مدارية على هيئة كمية من المغناطيسية، ولكلٍ من هاتين الحركتين ما يصاحبها من طاقة حركة‏ .‏
وكذلك فإن للجزيئات مستويات من الطاقة مرتبطة بكل من حركة الجزيء الدائرية ككل، والحركة الاهتزازية للذرات بداخله، وينتج عن ذلك أطياف تحت حمراء مميزة لكل جزيء ‏.‏
والأجسام الصلبة المتبلورة تترتب فيها الذرات في أشكال هندسية محددة تميز كل عنصر من العناصر وكل مركب من المركبات الكيمائية ‏.‏ والجزيئات ليست جامدة تماماً؛ لأن الرابطة بين الذرات المكونة لها هي رابطة متحركة تشبه الزنبرك، وكذلك الإليكترونات الموصلة بين مختلف الذرات، فإنها تتحرك بحرية كاملة ‏.‏
وانطلاقاً من ذلك، فإن الجسيمات الأولية للمادة تهتز داخلَ الذرة، والذرات تهتز داخلَ الجزيئات، والجزيئات تهتز داخلَ العناصر والمركبات المكونة للمادة، والمادة بمختلف أشكالها تتحرك داخلَ أجساد كل الكائنات الحية، وتهتز بترددات منتظمة داخلَ الجمادات، وينتج عن هذه الحركات المتعددة موجات صوتية ذات ترددات تختلف باختلاف تركيبها، وتتجمع على هيئة كميات من الطاقة الاهتزازية التي تتذبذب بمقدار مليار ذبذبة في الثانية‏ في المتوسط‏ دون توقف، أو تخلف، أو انقطاع ‏.‏
ولكل عنصر من العناصر، ولكل مركب من المركبات موجاته الإهتزازية الخاصة به، والتي تعتبر بصمة مميزة له، ولغة خاصة به، يعبر بها عن ذاته، ويعبد بها ربه في تسبيح وتمجيد وذكر لا ينقطع ‏.‏
ولا يستطيع أحد في زمن التقدم العلمي والتقني الراهن تفسير مصدر الطاقة المحركة لجسيمات المادة على مختلف مستوياتها، والمسببة لاهتزازاتها المنتجة للموجات الصوتية التي تميز كل صورة من صورها، والتي قد تكون لغة لها، ووسيلة من وسائل عبادة خالقها، وتسبيحه، وتمجيده، وتقديسه‏ .‏
وقد ذكر القرآن الكريم تسبيح الرعد بحمد الله . والرعد ظاهرة جوية تنشأ عن تفريغ الشحنات الكهربية، وهذا التفريغ صورة من صور التقاء اللبنات الأولية للمادة بما تحمله من طاقة، وما تصدره من ذبذبات وأصوات، وكأنها تسبيح لله ،وتمجيد، وعبادة، وحمد، وخضوع له‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بالطاعة ‏.‏
ومن رحمة الله بعباده أن أصوات الجمادات تبلغ من الضعف والخفوت ما يجعلها محجوبة عن آذان الخلق إلا بكرامة من الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ وفضل منه، أو باستخدام تقنيات متقدمة للغاية، وشتان ما بين الوسيلتين، ولذلك جاء في الآية الكريمة التي نحن بصددها ما نصه :
" تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً " (‏ الإسراء:‏44)‏ .
حقاً إنها رحمة من الله‏ ـ تعالى‏ ـ‏ أن حجب عنا تلك الأصوات، وإلا لأصبحت الحياة جحيماً لا يطاق إذا تكاثرت الأصوات من حولنا، وتداخلت دون توقف أو انقطاع، ولتعطلت قدرات الإنسان عن العمل، أو التفكر، أو التدبر، أو العبادة، أو النوم، أو الراحة والاستجمام، بل لفقد الإنسان عقله إذا استمع إلى جميع ما في الوجود من حوله وهو يتكلم في وقت واحد‏‏، الجبل والحجر، والنبت والشجرة، والمدر والوبر، ومختلف الحيوانات والنباتات، والطعام واللباس والمـداس، والتراب والغبار، والهواء والماء، والقمر والكواكب، والشمس والنجوم، وغير ذلك من صور الخلق إلى حركة الكون في مجموعه‏ .  وقد روى الإمام البخاري عن ابن مسعود‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ قوله :‏‏ كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . وفي حديث أبي ذر‏ ـ‏ رضي الله عنه‏ ـ‏ أن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ أخذ في يده حصيات، فسمع لهن تسبيح كطنين النحل، وكذا في يد أبي بكر، وعمر، وعثمان‏ ـ رضي الله عنهم وعنا أجمعين‏ .‏
وهذه الحقائق قد بدأت المعارف المكتسبة في الوصول إلى شيء منها . وسبق القرآن الكريم بالإشارة إليها لمما يشهد لهذا الكتاب العزيز بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، بل هو كلام الله الخالق، ويشهد لرسول الله‏ ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ الذي تلقاه بالنبوة والرسالة، وبأنه‏ ـ‏ صلوات الله وسلامه عليه‏ ـ كان موصولاً بالوحي، ومُعلَّماً من قبل خالق السماوات والأرض . فصلِّ اللهم وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن تبع هداه، ودعا بدعوته إلى يوم الدين . والحمد لله رب العالمين ‏.‏