" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ "(يس:39).


هذه الآية الكريمة جاءت في نهاية النصف الأول من سورة يس‏,‏ وهي سورة مكية‏,‏ وآياتها ‏(83),‏ ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضية العقيدة الإسلامية‏,‏ ومن أسسها الإيمان بالله الخالق‏ إلهاً واحداً لا شريك له في ملكه‏,‏ ولا منازع له في سلطانه‏,‏ ولا شبيه له من خلقه‏,‏ والإيمان بالقرآن الكريم‏,‏ آخر كتب الله‏,‏ والكتاب المنزل على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ والإيمان ببعثة هذا النبي والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم‏ ـ الذي ختمت ببعثته النبوات‏,‏ وتكاملت في رسالته كل رسالات السماء‏,‏ والإيمان بالبعث والنشور‏,‏ والحساب والخلود في الآخرة إما في الجنة أبداً أو في النار أبدا‏ًً .‏ وقد سميت السورة بهذا الإسم لاستهلالها بالحرفين المقطعين‏ (‏يس‏),‏ والحروف المقطعة التي استفتحت بها تسع وعشرون سورة من سور القرأن الكريم‏,‏ والتي تضم نصف عدد أسماء حروف الهجاء الثمانية والعشرين تعتبر سراً من أسرار القرآن الكريم التي لم يتم أكتشافها بعد‏,‏ وإن بذلت محاولات عديدة في سبيل ذلك‏ .‏
وقد تكون هذه الأحرف الهجائية المقطعة رموزاً إلى كلمات‏,‏ أو معانٍ‏,‏ أو أعداد معينة‏,‏ أو أسماء للسور التي وردت في أوائلها‏,‏ أو وسيلة قرع للأسماع والقلوب كي تنشط وتتنبه لتلقي القرآن الكريم‏,‏ أو أنها جعلت للدلالة على صدق رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ من حيث نطقه بأسماء الحروف وهو أمي‏,‏ والأمي لا يعرف أسماء الحروف وإن نطق بأصواتها‏,‏ وقد تكون للتنبيه على إعجاز القرأن الكريم الذي صاغه الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ من جنس تلك الحروف الهجائية التي يتكلم بها العرب،‏ ويعجزون من الإتيان بشيء من مثله‏,‏ وقد تكون كل ذلك وغيره‏ .‏
ويروى عن ابن عباس‏ ـ رضي الله عنهما ـ‏ قوله‏:‏ إن يس معناها يا أيها الإنسان في لهجة طيء‏,‏ وقيل إنها من أسماء رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ بدليل توجيه الخطاب إليه في جواب القسم بالقرأن الحكيم ، وذلك بقول الحق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ :‏ " إِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ " (يس:3)‏، وقيل إن معناها ‏:‏ ياسيد البشر‏,‏ والله‏ ـ‏ تعالى ـ‏ أعلم‏ .‏ وبعد هذا الاستهلال يقسم ربنا ـ وهو الغني عن القسم ـ بالقرأن الحكيم‏ (‏أي المتضمن للحكمة والناطق بها‏,‏ والمحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه‏,‏ والمصون من الضياع والتحريف‏)‏، وهذا القسم بالقرآن الحكيم جاء تأكيداً على صدق نبوة ورسالة خاتم الأنبياء والمرسلين ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ التي حاول نفر من الكفار والمشركين التشكيك فيها قديماً كما فعل كفار قريش، وحديثاً كما يفعل الذين لا يزالون يحاولون‏ .
وأقسم الله ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بالقرأن الحكيم على أن الإسلام العظيم هو صراطه المستقيم‏,‏ وهو دينه القويم الذي أوحى به إلى كل نبي وإلى كل رسول‏,‏ وأن القرأن الكريم هو تنزيل من الله العزيز الرحيم يحمله هذا النبي الخاتم والرسول الخاتم ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ‏ إلى قومه الذين لم يسبق لآبائهم أن تلقوا مثل هذا الوحي، فبقوا في غفلة عن الدين‏ الذي جاء المصطفى لينذرهم به‏,‏ وينذر من بعدهم العالم بأسره‏؛ وذلك لأن الغالبية العظمى من كفار قريش‏,‏ ومن بعدهم غالبية أهل الأرض اليوم هم من غير المؤمنين‏,‏ الذين تمادوا في الغي والضلال‏,‏ وفي تكذيب الرسالة الخاتمة فحق عليهم عذاب الله وانتقامه‏ .‏ وتصف الآيات بعد ذلك جانباً من أحوال هؤلاء الكافرين المعرضين عن الحق‏,‏ وهم نمط للكفر في القديم والحديث واحد‏ .‏

واستعرضت سورة يس عدداً من الشواهد الكونية المبهرة الدالة على طلاقة القدرة الإلهية المبدعة‏,‏ والناطقة بألوهية الخالق ـ‏ سبحانه وتعالى‏ ـ وربوبيته ووحدانيته‏,‏ والمنذرة ـ في نفس الوقت ـ من عواقب التكذيب بالوحي الخاتم‏ ،‏ ومن أجل ذلك أوردت السورة الكريمة قصة أهل القرية التي كذبت رسل ربها‏,‏ وجحدت نصح الناصحين من أبنائها‏,‏ بعد أن بعث الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ إليهم بثلاثة من رسله فكذبوهم‏,‏ وأوفد إليهم رجلاً منهم ينصحهم بضرورة الإيمان الخالص بالله‏,‏ والتوحيد المطلق لجلاله فقتلوه‏,‏ وأدخله الله‏ ـ‏ تعالى ـ الجنة‏,‏ ولم يمهل قومه المجرمين فدمرهم من بعده تدميرا‏ًً .‏ ومن الغريب أن الناس لايعتبرون بسير الأمم البائدة والتي أهلكها الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ بكفرها‏,‏ وماأكثر القصص القرآني في ذلك‏ .‏  واستعرضت السورة الكريمة موقف المعرضين عن الهداية الربانية‏,‏ والمكذبين بالآخرة‏,‏ ووصفت جانباً من سلوكياتهم‏,‏ وصوراً لنفسياتهم‏,‏ وطرائق تفكيرهم‏,‏ وعرضت لجوانب من ضلالهم وحيرتهم في الدنيا‏,‏ ولضياعهم وهلاكهم في الآخرة‏,‏ ومن مواقفهم يوم البعث الذي استعرضت جانباً من أهواله‏,‏ مثل نفخة الصور الأولى التي تعرف باسم نفخة الفزع الأكبر‏,‏ والتي تصدر إعلاناً عن نهاية الحياة الدنيا‏,‏ ثم تأتي نفخة الصعق التي يصعق بها كل من في الأرض فيموتون‏,‏ ثم تكون بعد ذلك نفخة البعث والنشور التي يخرج بها الناس مذهولين من القبور‏,‏ فيعلموا أن وعد الله حق‏ .‏ وتمايز السورة الكريمة بين مصائر أهل الجنة ومصائر أهل النار في الآخرة‏,‏ فالضالون المكذبون الذين اتبعوا خطوات الشيطان ـ وهو عدو لهم ـ فأضلهم عن طريق الهداية الربانية الحقة خسروا في الدنيا والآخرة‏,‏ وهم في النار يصطلون‏,‏ وأصحاب الجنة في النعيم يرفلون ‏.‏ وتؤكد سورة يس أن طول الأجل في الحياة الدنيا منتكس للإنسان من القوة إلى الضعف‏,‏ ومن الزيادة إلى النقص ، مما يؤكد عجز الإنسان أمام قدرة خالقه‏,‏ وحتمية الضعف والموت عليه‏ .‏ وتدافع الآيات عن رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم‏ ـ‏ الذي اتهمه كفار قريش ـ زوراً ـ بالشعر‏,‏ كي يدعموا إدعاءهم الباطل أن القرأن الكريم من نظمه هو‏، فيرد ربنا‏ ـ‏ تبارك وتعالى ـ‏ عليهم بقوله ـ‏ عز من قائل‏ ـ : " وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ .‏ لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَياًّ وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ‏ " (‏يس‏:70,69)‏ .
وتثبت الآيات رسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏ بخطاب من الحق‏ ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ‏ إليه يقول فيه :‏ " فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏ " (يس‏:76)‏ وتنتهي سورة يس إلى تمجيد الله ـ تعالى ـ‏ وتنزيهه عن كل وصف لا يليق بجلاله‏,‏ هذا الإله الخالق العظيم الذي بيده ملكوت السماوات والأرض وملكوت كل شيء‏,‏ والذي إليه وحده مرجع كل الخلائق للحساب والجزاء‏,‏ ولذلك ختمت بهذه الآية الجامعة التي تهتز لها القلوب والعقول والأبدان، والتي تنطق بالحق الذي لا مراء فيه فيقول ـ ‏سبحانه وتعالى ـ :‏ " فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ‏" (‏يس‏:83) .‏

والآيات الكونية التي استشهدت بها سورة يس على صدق ماجاء بها من عقائد وقصص وأحكام هي آيات كثيرة منها مايلي ‏:‏
‏(1)‏ قدرة الله ـ تعالى ـ على إحياء الموتى ‏.‏
‏(2)‏ قدرته‏ ـ تعالى ـ‏ على تدوين أعمال الخلق وآثارهم‏ .‏
‏(3)‏ إحياء الأرض الميتة بإنزال المطر عليها وإنباتها بالنباتات المنتجة للحبوب‏,‏ وملئها بجنات من نخيل وأعناب‏,‏ وتفجير العيون من خلالها‏ .
‏‏(4)‏ خلق كل شيء‏‏ من زوجين‏ .
‏‏(5)‏ سلخ النهار من الليل، إشارةً إلى دوران الأرض حول محورها أمام الشمس‏,‏ وإلى رقة طبقة النهار‏,‏ وإلى حقيقة أن الظلمة هي الأصل في الكون‏,‏ وأن النور نعمة عارضة فيه‏ .‏ ‏
(6)‏ جري الشمس لمستقر لها‏ .
(7)‏ دوران القمر حول الأرض في منازل محددة‏,‏ متدرجاً في مراحل متتالية حتى يعود هلالاً كالعرجون القديم ‏.‏
‏(8)‏ جري كلٍ من الشمس والقمر والأرض وبقية أجرام السماء، كلٌ في فلكه المحدد له‏ .
‏(9)‏ حمل الأفراد من ذرية آدم الذين نجوا من الطوفان مع نوح‏ ـ على رسولنا وعليه من الله السلام‏ ـ في الفلك المشحون‏ .‏
‏(10)‏ خلق وسائل الركوب الأخرى ‏.‏
‏(11)‏ شهادة الأيدي والأرجل على أصحابها يوم القيامة ‏.
‏‏(12)‏ خلق الأنعام وتذليلها للإنسان ‏.

‏(13)‏ خلق الإنسان من نطفة ‏.‏
‏(14)‏ أن الذي خلق قادر على البعث‏؛‏ لأنه‏ ـ تعالى‏ ـ‏ هو العليم بكل خلق ‏.‏
‏(15)‏ جعل الشجر الأخضر مصدراً للنار‏ ـ أي للطاقة‏ .‏
‏(16)‏ أن خالق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم، وهو الخلاق العليم‏ .‏ ‏
(17)‏ أن من صفات الألوهية أن يقول الله ـ‏ تعالى ـ‏ للشيء‏:‏ " كُن فَيَكُونُ " ‏.
‏‏(18)‏ أن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ‏ بيده ملكوت كل شيء‏,‏ وأن كل شيء عائد إليه .‏
وكل قضية من هذه القضايا تحتاج إلى معالجة خاصة‏,‏ ولذا فسوف أقصر الحديث هنا على النقطة السابعة فقط في القائمة السابقة، ألا وهي نقطة دوران القمر حول الأرض في منازل محددة‏,‏ متدرجاً في مراحل متتالية حتى يعود هلالاً كالعرجون القديم، والحكمة من هذه المنازل وهذا التشبيه، وجوانب السبق العلمي في هذه الآية الكريمة .‏ وقبل الخوض في ذلك لابد من استعراض أقوال عدد من المفسرين السابقين في شرحها‏ .‏ من أقوال المفسرين : في تفسير قوله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ :‏ " وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ " (‏يس‏:39)‏ ‏*‏ ذكر ابن كثير‏ ـ‏ يرحمه الله‏ ـ ما نصه ‏:...‏ ثم قال جل وعلا‏: " وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ‏ "‏ أي جعلناه يسير سيراً آخر‏,‏ يستدل به على معنى الشهور‏,‏ كما أن الشمس يعرف بها الليل والنهار‏,‏ كما قال ـ عز وجل ـ :"‏ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ‏ " (البقرة:189) .‏

وقال ـ تعالى ـ ‏: " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏ "‏ (يونس:5),‏ وقال ـ تبارك وتعالى ـ‏ : " وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ‏" (الإسراء:12)‏ فجعل الشمس لها ضوء يخصها‏,‏ والقمر له نور يخصه‏,‏ وفاوت بين سير هذه وهذا‏,‏ فالشمس تطلع كل يوم وتغرب في آخره على ضوء واحد‏,‏ ولكن تنتقل في مطالعها ومغاربها صيفاً وشتاء‏اً,‏ يطول بسبب ذلك النهار ويقصر الليل‏,‏ ثم يطول الليل ويقصر النهار‏,‏ وجعل سلطانها بالنهار,‏ أما القمر فقدَّره منازل يطلع في أول ليلة من الشهر ضئيلاً قليل النور‏,‏ ثم يزداد نوراً في الليلة الثانية ويرتفع منزلة‏,‏ ثم كلما ارتفع ازداد ضياءاً ـ وإن كان مقتبَساً من الشمس‏ ـ‏ حتى يتكامل نوره في الليلة الرابعة عشرة‏,‏ ثم يشرع في النقص إلى آخر الشهر‏,‏ حتى يصير " كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ "‏ . قال ابن عباس‏ :‏ وهو أصل العذق‏,‏ وقال مجاهد : ‏(العرجون القديم‏) : أي العذق اليابس‏,‏ يعني أصل العنقود من الرطب إذا عتق ويبس وانحنى‏,‏ ثم بعد هذا يبديه الله ـ تعالى ـ جديداً في أول الشهر الآخر‏ .‏ (انتهى قول المفسر) ‏*‏ وجاء في تفسير الجلالين ـ رحم الله كاتبيه‏ ـ ما نصه‏:"‏ وَالْقَمَر‏ "‏ بالرفع والنصب‏,‏ وهو منصوب بفعل يفسره ما بعده ‏(‏قدرناه‏)‏ من حيث سيره‏ ." مَنَازِلَ‏ " ثمانية وعشرين منزلاً في ثمان وعشرين ليلة من كل شهر‏,‏ ويستتر ليلتين إن كان الشهر ثلاثين يوماً،‏ وليلة إن كان تسعة وعشرين يوماً . "‏ حَتَّى عَادَ "‏ في آخر منازله في رأي العين . ‏"‏ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ " كعود الشماريخ‏ (جمع شمراخ ، وهو عيدان عنقود النخيل الذي عليه الرطب‏‏ إذا عتق‏),‏ فإنه يرق ويتقوس ويصفر ‏.‏ (انتهى قول المفسر) ‏*‏ وذكر صاحب الظلال‏ ـ‏ رحمه الله رحمة واسعة جزاء ما قدم للاسلام والمسلمين‏ ـ‏ ما نصه‏: ...‏ والعباد يرون القمر في منازله تلك‏,‏ يولد هلالاً‏,‏ ثم ينمو ليلة بعد ليلة حتى يستدير بدرا‏ًً,‏ ثم يأخذ في التناقص حتى يعود هلالاً مقوَّساً كالعرجون القديم‏ .‏ والعرجون هو العذق الذي يكون فيه البلح من النخلة .‏ (انتهى قول المفسر) ‏*‏ وجاء في صفوة البيان لمعاني القرآن‏ ـ‏ رحم الله كاتبه رحمة واسعة‏ ـ ما نصه‏:"‏ وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ " أي قدرنا سيره في منازل‏,‏ ينزل كل ليلة في منزل لا يتخطاه‏,‏ ولا يتقاصر عنه‏,‏ على تقدير مستوٍ من ليلة المستهل إلى الثمانية والعشرين‏,‏ ثم يستتر ليلتين إن كان الشهر تاماً‏,‏ وليلة إن نقص يوماً، فإذا كان في آخر منازله رق وتقوَّس‏ . "‏ حَتَّى عَادَ‏ " أي صار في رأي العين‏ ." كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ " أي العتيق اليابس‏,‏ وهو عود العذق ما بين الشماريخ إلى منبته من النخلة‏,‏ والعذق‏:‏ القنو من النخل، وهو كالعنقود من العنب‏,‏ والشماريخ ‏:‏ جمع شمراخ وشمروخ‏,‏ وهو العيثكال الذي عليه البسر‏.‏ وسمي عرجوناً من الانعراج، وهو الانعطاف‏,‏ شبه القمر به في دقته وتقوسه واصفراره ‏.‏ (انتهى قول المفسر) ‏*‏ وجاء في المنتخب في تفسير القرآن الكريم‏ ـ‏ جزى الله كاتبيه خيراً‏ ـ‏ ما نصه‏:‏ والقمر جعلناه بتدبير منا منازل‏,‏ إذ يبدو أول الشهر ضئيلاً‏,‏ ثم يزداد ليلة بعد ليلة‏,‏ إلى أن يكتمل بدراً‏,‏ ثم يأخذ في النقصان كذلك‏,‏ حتى يعود في مرآه كأصل العنقود من الرطب إذا قدم فدق وانحنى واصفر ‏.‏ (انتهى قول المفسر) ‏*‏ وذكر صاحب صفوة التفاسير‏ ـ جزاه الله خيراً‏ ـ‏ مانصه ‏:‏ ‏" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ "‏ أي والقمر قدرنا مسيرة في منازل يسير فيها لمعرفة الشهور‏,‏ وهي ثمانية وعشرون منزلاً في ثمان وعشرين ليلة، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاها ولا يتعداها‏,‏ فإذا كان في آخر منازله دق واستقوس‏ ."‏ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ "‏ أي حتى صار كغصن النخل اليابس‏,‏ وهو عنقود التمر حين يجف ويصفر ويتقوس‏ . (انتهى قول المفسر)



القمر في القرآن الكريم :
جاء ذكر القمر في القرآن الكريم سبعاً وعشرين مرة‏,‏ كما جاءت الإشارة إلى مراحله المختلفة تحت مسمى الأهلِّة مرة واحدة‏,‏ ويكون مجموع ذلك ثمان وعشرين مرة، وهي أيام رؤية القمر في كل شهر‏,‏ وعدد منازله اليومية‏,‏ ولا يمكن أن يأتي هذا التوافق الدقيق بمحض الصدفة؛ لأن مثل هذه المقابلات في القرآن الكريم أكثر من أن تحصى‏,‏ وأنها لو خدمت خدمة إحصائية دقيقة لأصبحت من أوضح جوانب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ‏.‏

وهذه الآيات قمت بتصنيفها في مقال سابق‏‏ إلى عدد من المجموعات التي يمكن إيجازها فيما يلي ‏:
‏ ‏(1)‏ آيتان تصفان القمر في رؤيتين من رؤى اثنين من رسل الله‏,‏ إحداهما في حال اليقظة، والأخرى في المنام ‏(‏الأنعام‏:77,‏ يوسف‏:4)‏ .
‏(2)‏ آيتان تصفان الشمس والقمر مرة بأنهما حسباناً ‏ـ‏ أي وسيلةلحساب الزمن‏ ـ‏ والأخرى بأنهما بحسبان ـ أي يجريان بحساب دقيق مقرر معلوم‏  (‏الأنعام‏:96,‏ الرحمن‏:5)‏ . ‏
(3)‏ إحدى عشرة آية‏,‏ منها ما يتحدث عن خلق كلٍ من الشمس والقمر‏,‏ وسجودهما لله ـ تعالى ـ وتسخيرهما بأمره ليكونا في خدمة خلق الله إلى أجل مسمى‏,‏ واعتبارهما آيتين من آيات الله‏,‏ ومنها ما ينهى عن السجود لهما‏,‏ ويأمر بالسجود لخالقهما وحده ‏(‏الأعراف‏:54,‏ الرعد‏:2,‏ إبراهيم‏:33,‏ النحل‏:12,‏ الأنبياء‏:33,‏ الحج‏:18,‏ العنكبوت‏:61,‏ لقمان‏:29,‏ فاطر‏:13,‏ الزمر‏,5,‏ فصلت‏:37)‏ . ‏(4)‏ آيتان تؤكدان طبيعة كلٍ من الشمس والقمر‏,‏ وتفرقان بينهما بأن الشمس ضياء‏,‏ والقمر نور ‏(‏يونس‏:5,‏ نوح‏:16) .‏ ‏
(5)‏ ثلاث آيات تتحدث عن منازل القمر وأطواره‏,‏ أو عن أحد تلك الأطوار‏ (‏البقرة‏189,‏ يس‏:39,‏ الإنشقاق‏:18)‏ .
‏(6)‏ آية واحدة تشير إلى دوران كلٍ من الشمس والقمر والأرض في مدار محدد له ‏(‏يس‏:40) .‏
‏(7)‏ آية واحدة تثبت معجزة انشقاق القمر لرسول الله‏ ـ صلى الله عليه وسلم (‏القمر‏:1)‏ .
‏(8)‏ آيتان يقسم في كلٍ منهما ربنا‏ ـ تبارك وتعالى‏ ـ‏ بالقمر تعظيماً لإبداع خلقه؛ لأن الله‏ ـ‏ تعالى‏ ـ غني عن القسم لعباده ‏(‏المدثر‏:32,‏ الشمس‏:2)‏ .
‏(9)‏ آيتان تتحدثان عن نهاية القمر في يوم القيامة‏ (‏القيامة‏:9,8) .

منازل القمر في القرآن الكريم :
عرف الناس منذ القدم دورة القمر من المحاق إلى المحاق، أو من الهلال إلى الهلال‏,‏ واستخدموها في تحديد الزمن‏,‏ والتأريخ للأحداث‏,‏ ولاحظوا أن القمر في دورته تلك يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري بين ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية‏,‏ وسموا كلاً منها منزلاً من منازل القمر‏,‏ وعرفوا أن عدد تلك المنازل ثمانية وعشرين بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر .‏ ويشير القرآن الكريم إلى منازل القمر بقول الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ‏ " (‏يس‏39) .‏ وقوله‏(‏ عز من قائل‏) :‏ " هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏ " (‏يونس‏:5)‏ وقوله‏(‏ سبحانه‏) :‏" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ‏..." (‏البقرة‏:189)

منازل القمر في علم الفلك :
يدور القمر حول الأرض في مدار شبه دائري يبلغ طوله حوالي‏2,4‏ مليون كيلو متر تقريبا‏ًً,‏ ويبلغ متوسط نصف قطره‏384,400‏ كيلو متر‏,‏ وفي أثناء هذه الدورة يقع القمر على خط واحد بين الأرض والشمس فيواجه الأرض بوجه مظلم تماماً‏,‏ وتسمى هذه المرحلة باسم مرحلة الاقتران‏,‏ ويعرف القمر فيها باسم المحاق‏,‏ وتستغرق هذه المرحلة ليلة إلى ليلتين تقريبا‏ًً,‏ ثم يبدأ القمر في التحرك ليخرج من هذا الوضع الواصل بين مراكز تلك الأجرام الثلاث، فيولد الهلال الذي يحدد بمولده بداية شهر قمري جديد‏,‏ ويقع هذا الهلال في أول منزل من منازل القمر‏,‏ ويمكن رؤيته بعد ساعات من ميلاده إذا أمكن مكثه لمدة لا تقل عن عشر دقائق بعد غروب الشمس‏‏ وكان الجو على درجة من الصفاء تسمح بذلك ‏.‏ وبإستمرار تحرك القمر في دورته البطيئة حول الأرض تزداد مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل لكوكبنا بالتدريج حتى يصل إلى التربيع الأول في ليلة السابع من الشهر القمري‏,‏ ثم إلى الأحدب الأول في ليلة الحادي عشر‏,‏ ثم البدر الكامل في ليلة الرابع عشر‏,‏ وفيها تكون الأرض بين الشمس من جهة‏,‏ والقمر من الجهة الأخرى على استقامة واحدة‏ .‏ وبخروج القمر عن هذه الاستقامة مع كلٍ من الأرض والشمس تبدأ مساحة الجزء المنير من وجهه المقابل للأرض في التناقص بالتدريج، فيتحول إلى مرحلة الأحدب الثاني في حدود ليلة الثامن عشر‏,‏ ثم إلى التربيع الثاني في ليلة الثالث والعشرين‏,‏ ثم إلى الهلال الثاني في ليلة السادس والعشرين من الشهر القمري‏,‏ ويستمر في هذه المرحلة لليلتين حتى يصل إلى مرحلة المحاق في آخر ليلة أو ليلتين من الشهر القمري حين يعود القمر إلى وضع الاقتران بين الأرض والشمس من جديد‏ .‏ ولما كان القمر يقطع في كل يوم من أيام الشهر القمري حوالي‏12‏ درجة من درجات دائرة البروج‏ (60‏ درجة على‏29,5‏ يوم‏=12,2‏ درجة)‏ ، فإنه يقع في كل ليلة من ليالي الشهر القمري في منزل من المنازل التي تحددها ثوابت من النجوم أو من تجمعاتها الظاهرية حول دائرة البروج‏,‏ وهذه المنازل ثمانية وعشرون منزلاً بعدد الليالي التي يُرى فيها القمر‏,‏ وتعرف باسم منازل القمر .‏ ولما كان القمر في جريه السنوي مع الأرض حول الشمس يمر عبر البروج السماوية الاثني عشر التي تمر بها الأرض في كل سنة من عمرها‏,‏ والتي تحدد بواسطتها شهور السنة الشمسية‏,‏ فإن كل منزل من منازل القمر اليومية يحتل مساحة في برج من هذه البروج‏ .‏ ونتيجة لميل مستوى مدار القمر حول الأرض على مستوى مدار الأرض حول الشمس بمقدار‏(5‏ درجات‏,8‏ دقائق‏)‏ ، فإن المسار الظاهري لكلٍ من الشمس والقمر على صفحة السماء من نقطة شروق كلٍ منهما إلى نقطة غروبه يبدو متقارباً بصفة عامة‏,‏ وإن تبع القمرُ الشمسَ في أغلب الأحوال ‏.‏ وبصرف النظر عن دوران الأرض حول محورها من الغرب إلى الشرق أمام الشمس‏,‏ ودوران القمر حول الأرض في نفس الإتجاه، فإن كلاً من الشمس والقمر يظهران في الأفق مرتفعين من جهة الشرق‏,‏ وغائبين في جهة الغرب‏,‏ وإن كان أغلب ظهور القمر هو بالليل لصعوبة رؤيته في وضح النهار‏ .‏ والقمر يسير في اتجاه الشرق بمعدل نصف درجة تقريباً في المتوسط في كل ساعة ‏(360‏ درجة‏/29,5‏ يوم من أيام الشهر القمري‏=12,3‏ درجة‏) . (12,2‏ درجة‏/24‏ ساعة في اليوم‏=0,51‏ درجة في الساعة‏),‏ بينما تقطع الشمس درجة واحدة في اليوم تقريبا‏ًً :‏ ‏(‏مجموع زوايا دائرة البروج‏=360‏ درجة على‏365,25‏ يوم ‏(من أيام السنة الشمسية‏) =0,99‏ ـ درجة‏/‏ يوم تقريباً‏).‏ وبالرغم من أن القمر يبقى في سباق دائم مع الشمس‏,‏ إلا أنه يتأخر كل يوم في غروبه من‏40‏ إلى‏50‏ دقيقة عن اليوم السابق‏‏ تبعاً لاختلاف كلٍ من خطوط الطول والعرض ‏.‏ فالهلال الجديد يولد ويُرى في الأفق الغربي بعد غروب الشمس بقليل‏,‏ ويأخذ ظهور القمر في التأخر عن غروب الشمس فيُرى في طور التربيع الأول في وسط السماء‏,‏ ويتأخر ظهوره لفترة أطول بعد الغروب في مرحلة الأحدب الأول‏,‏ ويُرى وهو أقرب إلى الأفق الشرقي‏,‏ وفي مرحلة البدر يتفق ظهور القمر في الأفق الشرقي مع غياب الشمس في الأفق الغربي لوجودهما على استقامة واحدة مع الأرض‏,‏ وبعد الخروج عن هذه الاستقامة يأخذ القمر في التباطؤ في الظهور يوماً بعد يوم بمعدل خمسين دقيقة في المتوسط حتى يصل مجموع التأخير في ظهوره إلى حوالي خمس ساعات بعد غروب الشمس، وذلك في طور التربيع الثاني‏,‏ ويستمر التباطؤ في ظهور القمر حتى يُرى الهلال الثاني في وضح النهار‏,‏ وفي طور المحاق الذي لا يُرى فيه القمر من فوق سطح الأرض ‏(‏لوقوعه بينها وبين الشمس‏)‏ يغيب القمر مع مغيب الشمس تماماً لوجودهما على استقامة واحدة‏ .‏ وبمجرد خروج القمر من مرحلة المحاق ورؤية الهلال الوليد بعد غروب الشمس ، يولد شهر قمري جديد مع بدء إشراق الشمس على جزء من وجه القمر المقابل للأرض‏,‏ والذي كان يعمه ليل القمر في وقت الاقتران‏.‏ ويتفاوت زمن اقتران ‏الشمس والقمر‏ بسبب أن كلاً من مدار القمر حول الأرض، ومدار كلٍ من الأرض والقمر حول الشمس ليس تام الاستدارة، بل على شكل بيضاوي‏ ـ‏ أي على هيئة قطع ناقص‏ ـ ومن قوانين الحركة في مدار القطع الناقص أن السرعة المحيطية تخضع لقانون يسمى باسم قانون تكافؤ المساحات مع الزمن‏,‏ وهذا القانون يقتضي اختلاف مقدار السرعة على طول المحيط‏,‏ فعندما يقترب القمر من الأرض تزيد سرعته المحيطية فتزداد بالتالي القوة الطاردة ـ‏ النابذة‏ ـ‏ المركزية بينهما للحيلولة دون ارتطام القمر بالأرض وتدميرهما معا‏ًً,‏ وعلى العكس من ذلك فإنه عند ابتعاد القمر في مداره البيضاوي عن الأرض فإن سرعته المحيطية تتناقص وإلا انفلت من عقال جاذبية الأرض إلى نهاية لا يعلمها إلا الله ‏.‏ وتتراوح سرعة دوران القمر في مداره بين ‏3888‏ كيلو متراً في الساعة‏,3483‏ كيلو مترا في الساعة‏ (‏بمتوسط‏3675‏ كيلو مترا في الساعة‏) .‏ كذلك تتفاوت سرعة سبح الأرض في فلكها حول الشمس بين‏29,274‏ كيلو متر في الثانية‏,30,274‏ كيلو متر في الثانية‏ .‏ وبجمع الفرق بين أعلى وأقل سرعتين لكلٍ من القمر في مداره‏ والأرض في مدارها ، اتضح أنه يقابل الفرق في أطوال الأشهر القمرية بين ‏(27,3215)‏ يوماً في مدة الدورة النجمية للقمر‏,(29,5306)‏ يوماً في دورته الاقترانية‏ .‏ والدورة النجمية للقمر حول الأرض تحسب باعتبار أن الأرض ثابتة لا تتحرك حتى يتم القمر دورته الكاملة حولها‏,‏ والدورة الاقترانية للقمر تأخذ في الحسبان دوران الأرض حول محورها مع دوران القمر حول محوره ‏.‏

من أوجه الاعجاز العلمي في الآية الكريمة :
‏(1)‏ نظراً للارتباط الشديد بين مراحل أشكال القمر المتتالية من الهلال الوليد إلى التربيع الأول إلى الأحدب الأول‏,‏ إلى البدر‏,‏ ثم الأحدب الثاني‏,‏ ثم الهلال الثاني‏,‏ ثم المحاق‏,‏ إلى الهلال الوليد للشهر القمري الجديد‏,‏ وبين منازل القمر الثمانية والعشرين، وهي مواقعه اليومية المتتالية في السماء بالنسبة إلى نجوم، تبدو مواقعها قريبة ظاهرياً فإن التعبير : (منازل القمر) يمكن إطلاقه على مراحل القمر المتتالية، وعلى منازله المتوافقة مع تلك المراحل‏ ـ‏ أي مواقعه المتتالية في السماء‏ ـ‏ باعتبار المنازل جمع ‏(‏منزل‏)‏ وهو المنهل والدار‏ .‏ ‏
(2)‏ والقمر يبدأ ميلاده بهلال دقيق‏,‏ ثم يتدرج في النمو حتى يصبح بدراً كاملاً‏,‏ ثم يعاود التناقص في الحجم حتى يصير كالعرجون القديم‏,‏ ثم يختفي لمدة يوم أو يومين في مرحلة المحاق‏,‏ وتتكرر هذه الدورة في كل شهر قمري حتى يرث الله الأرض ومن عليها‏ .‏ ‏
(3) وضوء الشمس يغمر نصف القمر باستمرار، فينعكس من فوق سطحه المظلم نوراً ينير ظلمه ليل الأرض‏,‏ وكل ما يستطيع أهل الأرض إدراكه من هذا النور يختلف من يوم إلى يوم تبعاً لموضع كلٍ من الأرض والقمر والشمس في صفحة السماء‏ .‏ والجزء المرئي من نور القمر قبل اكتماله بدراً يعرف باسم‏ (‏قوس النور‏),‏ أما البدر الكامل فيعرف باسم‏ (‏دائرة النور‏),‏ ونظراً لترنح القمر في دورانه حول محوره‏,‏ ولضخامة حجم الشمس بالنسبة إلى حجم القمر، فإن ضوء الشمس ينير أكثر من نصف سطح القمر بقليل‏,‏ ولذلك فإنه يمكن أن يُرى خيط رفيع من النور يحيط بالقمر عند ميلاد الهلال‏ .‏ ‏
(‏4) والدائرة التي يراها سكان الأرض من القمر تعرف باسم دائرة الرؤية‏,‏ والمساحة التي يمكن لهم رؤيتها من القمر ‏(‏قوس النور‏)‏ هو نتيجة العلاقة الوضعية بين كلٍ من دائرة النور ودائرة الرؤية‏,‏ وهما يتطابقان في كل من مرحلة البدر والمحاق‏,‏ ويتعامدان في كل من التربيع الأول والأخير‏,‏ وبين هذين الموضعين يتحرك القمر عبر مراحل وسطية من الأحدب إلى الهلال ‏.‏
‏(‏ 5)وتقدير هذه المنازل القمرية فيه من الدلالة على طلاقة القدرة الإلهية ما فيه لأهميته في معرفة الزمن‏,‏ وتقديره‏,‏ وحسابه باليوم والأسبوع ، والشهر والسنة‏,‏ وفي التأريخ للعبادات والأحداث والمعاملات والحقوق‏,‏ ولما فيه من تأكيد على ضبط سرعة القمر ضبطاً دقيقاً من أجل الحيلولة دون ارتطامه بالأرض فيفنيها وتفنيه‏,‏ أو انفلاته من عقال جاذبيتها فينتهي إلى نهاية لا يعلمها إلا الله‏,‏ وفي نفس الوقت الارتباط الدقيق بين سرعة دوران كل منهما حول محوره‏,‏ فإذا زادت إحداهما قلت الأخرى بنفس المعدل‏ .‏
ولما كانت سرعة دوران الأرض حول محورها في تناقص مستمر بمعدل جزء من الثانية في كل قرن من الزمن‏,‏ فإن سرعة دوران القمر في تزايد مستمر بنفس المعدل تقريباً، مما يؤدي إلى تباعد القمر عن الأرض بمقدار ثلاثة سنتيمترات في كل سنة‏,‏ وهذا التباعد سوف يخرج القمر في يوم من الأيام من إسار جاذبية الأرض ليدخله في نطاق جاذبية الشمس فتبتلعه تحقيقاً للنبوءة القرآنية التي يقول فيها الحق ـ‏ تبارك وتعالى‏ ـ :‏ " فَإِذَا بَرِقَ البَصَرُ .‏ وَخَسَفَ القَمَرُ‏ . وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ " (‏القيامة‏:7‏ ـ‏9)‏ . ومن هنا كانت هذه الاشارة القرآنية المعجزة إلى وصف مراحل القمر المتتالية في كل شهر، والتي يقول فيها ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ ‏:‏" وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ القَدِيمِ ‏" (‏يس‏:39)‏ . ويضاف إلى هذه المعجزات القرآنية التي لا تنتهي أبدا‏ًً,‏ وصف المرحلة الأخيرة من مراحل الدورة الشهرية للقمر بالعرجون القديم،‏ وهو العنقود من الرطب ‏(‏العذق‏)‏ إذا يبس وانحنى‏ واصفر لونه، وهو عند يبوسه على النخلة ينحني تجاهها، فكذلك الهلال الثاني ينحني بطرفيه تجاه الأرض‏,‏ بينما الهلال الوليد ينحني بهما بعيداً عنها،‏ فما أروع هذا التشبيه القرآني‏ .‏ هذه الحقائق عن القمر لم يدركها العلم الكسبي إلا بعد مجاهدة استغرقت آلاف العلماء وعشرات القرون‏,‏ وورودها في آية واحدة من كتاب الله الذي أنزل على نبي أمي ـ‏ صلى الله عليه وسلم ـ وفي أمة كانت غالبيتها الساحقة من الأميين‏,‏ ومن قبل ألف وأربعمائة سنة، مما يقطع بأن القرآن الكريم هو كلام الله الخالق الذي أنزله بعلمه على خاتم أنبيائه ورسله‏,‏ وتعهد بحفظه فحفظ بنفس لغة وحيه‏ ـ‏ اللغة العربية‏ ـ :‏ حفظ حفظاً كاملا‏ًً,‏ حرفاً حرفا‏ًً,‏ وكلمة كلمة‏,‏ وآية آية‏,‏ وسورة سورة‏,‏ كما هو مرتب في بلايين النسخ المطبوعة والمستنسخة على الشرائط الممغنطة وعلى غيرها من وسائط التسجيل‏,‏ والمنقول نقلاً متواتراً عبر أربعة عشر قرناً‏,‏ والمحفوظ في بلايين الصدور بنفس ترتيب المصحف الشريف‏,‏ فظل محتفظاً بجلال الربوبية والألوهية الذي يتراءى بين آياته‏,‏ وبإشراقاته النورانية‏,‏ وصدق حديثه في كل قضية من قضاياه‏ .
 فالحمد لله على نعمة الاسلام‏,‏ والحمد لله على نعمة القرآن‏,‏ والصلاة والسلام على النبي الخاتم والرسول الخاتم الذي تلقاه‏,‏ وعلى آله وصحبه‏,‏ وعلى كل من تبع هداه‏,‏ ودعا بدعوته إلى يوم الدين . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .